
كما لا يمكن أن ينكر أحدٌ أنّ هذا النظام الصارم خلق مناضلين ومناضلات أشاوس، تمرّسوا على اعلان مواقفهم الرافضة لسياسة صانع التغيير في الساحات الجامعيّة وفي بطحاء محمد علي وفي مقرّات الأحزاب والمنظمات والجمعيات المدنيّة والحقوقية وكان المواطن البسيط عندما يشاهد أحد المناضلين أو احدى المناضلات تنقد النظام على شاشات التلفزات الأجنبية وفي بعض الصحف الحزبيّة، كان ذاك المواطن البسيط في بيته وأمام تلفازه يخاف على مصير المتكلّم أو المتكلّمة، وهو ما عزّز منسوب الخوف لدى أغلب المواطنين، حتّى أنّ الأولياء لا يتورّعون في مفتتح السنة الجامعيّة عن تنبيه بناتهم وأبنائهم من مغبّة الانتماء إلى اتحاد الطلبة مثلا أو الحديث في السياسة!
اليوم وبعد ثورة 17 ديسمبر 2010 أو 14 جانفي 2011، أطلقت كلّ الحناجر، بما فيها حناجر الأمن، كلمة السّر (Dégage) تلك التي أربكت النظام المنهار وصارت مفتاحًا سحريّا لعدّة شعوب أخرى، كنّا نخالها عربيّة فقط ولكنّها تجاوزت المحيطات وبلغت أرض العم سام...
اليوم صارت كلمة السّر بحوزة مئات الآلاف، بل لنقل دون مبالغة بحوزة ملايين من الشعب التونسي، وهذا ما يعني أنّ عدد المعارضة سيتضاعف عدّة مرّات ولن تظلّ المعارضة مقصورة على بعض الأسماء أو بعض الأحزاب أو بعض المنظمات الحقوقية والنقابيّة. انّها تتوزّع اليوم بين الطرقات والأزقة، في كلّ المدن والقرى، في بيوت الفقراء والأغنياء على حدّ السواء...
واليوم المعارضة صار لها فضاء اعلامي وطني مفتوح بشكل نسبيّ على كلّ الأصوات وكلّ الآراء، اليوم، وبكلّ تفاؤل يمكنني أن أقول إنّ أغنية البحث الموسيقي »لو النّدى« تلك التي تقول فيها آمال الحمروني »مليون خضراء اليوم تعيش / تحت السياط ما تنحنيش« يمكنني أن أقول بأنّها صارت حقيقة تمشي معنا فوق الأرصفة وتركب معنا الحافلة الصفراء والمترو الأخضر وتنهض مع العمّال والعاملات.. وتدخل فصول المدارس ومدارج الجامعات والكليات...
بل انّها وجدت لها مكانًا في وزارة الداخليّة... اليوم، وقد فازت حركة النهضة بنسبة عالية في انتخابات المجلس التأسيسي، ولو فاز مثلا حزب آخر، من اليسار أو القوميين أو الديمقراطيين أو الحداثيين، ولو فاز مثلا المستقلون فإنّ هذا الفوز لا يعني عودة الاستبداد مجدّدًا ولا يعني أيضا أنّ الفائز سيصير هو الحاكم بأمره كما فعل النظام السابق، اليوم كلّ العيون متوثبة وكلّ الأقلام والأصوات مستعدّة لكلمة Dégage.
ف مليون خضرا اليوم تعيش / تحت السياط ماتنحنيش.. / واحنا سندها
لان اليوم، ليس كيوم 7 نوفمبر عندما وضع بن علي الجميع تحت معطفه باسم الميثاق الوطني.. وبقية الحكاية يذكرها التاريخ... اليوم هناك شعب كسر حاجز الخوف وطلَّق الصمت...