2009/07/13

شــوارع الرعـــب


شارع الحبيب بورقيبة، شارع باريس، شارع قرطاج، شارع الحرية، شارع فرحات حشاد...

نهج شارل ديغول، نهج ليون، نهج روسيا، نهج القاهرة، نهج مرسيليا ونهج ابن خلدون...

شوارع وأنهج تمتد وتتقاطع في قلب العاصمة، في قلب الحياة المدينية بحركتها وصخبها وضجيجها... شوارع تفيض بالأعين البشرية المشرئبة في كل اتجاه وعلى كل ما يدخل حيزها البصري... شوارع تخيط الليل بالنهار بحركة الغادين والرائحين فوق اسفلتها وعلى أرصفتها...

فائض الخطوات والأنفاس والعيون في قلب هذه الشوارع والأنهج من المفترض أنه يؤمن فائضا موازيا من الطمأنينة والأمان والسلامة للمواطنين والمواطنات العابرين بهذه المساحات الممتدة في كل الاتجاهات... غير أن المرور بهذه الخطوط الشريانية بقلب العاصمة التي ينتصب بها أكثر من مركز للأمن لم يعد آمنا بل انه لدى الكثيرين لم يعد مشجعا على المرور بهذه الأماكن سواء للتسوق بمحلاتها أو الجلوس إلى مقاهيها بعد أن تفشت فيها مظاهر الإجرام وخاصة السرقة والاعتداء على المشاة خاصة الأطفال والنساء وحتى الشبان المسالمين والكهول لم يعودوا في مأمن من هذه الاعتداءات التي يحدث أن تحصل في واضحة النهار مثلما تقول لغة القانون.

هي ذي الحياة في جانب من شوارع العاصمة التي تختفي خلف حرارة حركة الناس وابتسامات البائعات بالمحال التجارية، كابوس يومي من الرعب والخوف والاستنفار على عكس ما نظن. وقد صرنا اليوم نسمع بحكايات غريبة لا تشبه إلا تلك الحكايات التي تحدث في الأفلام الهوليودية من عمليات متطورة في اعتراض الناس والسطو على ممتلكاتهم التي قد لا تتعدى في أغلب الأحيان حافظة أوراق وبعض الدنانير.

هذا فضلا عن ترصد المنحرفين المحترفين لضحاياهم من الناس أمام مراكز البريد والبنوك وأمام المحال التجارية لسلبهم أجورهم، وقد شاهدت بأم عيني شابا يسلب فتاة هاتفها الجوال أمام مقر وزارة الداخلية بشارع الحبيب بورقيبة!!!

هكذا صار القلب النابض للعاصمة وشوارعها التي تفيض حياة، أخطر من تلك الأحياء الشعبية المعروفة بمنحرفيها وبمنسوب الجريمة المتطور فيها، وصار المشي فيها أشبه بالمشي على النار، نار الخوف وعدم الطمأنينة من صائدي الفرائس البشرية الذين يصولون ويجولون وحدهم في أمن وأمان في قلب هذه الشوارع وكأنهم في مملكتهم الخاصة.

بالأخير لا يمكنني إلا أن أقول إن المدن الآمنة تبني نفسها بنفسها

2009/07/08

تكنوقراط الثقافة


التكنوقراطية كلمة أصلها يوناني تعني حرفيا حكومة الفنيين، والتكنوقراط كلمة مشتقة من كلمتين: التكنولوجيا وتعني المعرفة أو العلم، و"قراط" وتعني الحكم، وبذلك يكون معنى تكنوقراط حكم الطبقة العلمية الفنية المتخصصة.

والتكنوقراطيَّة حركة بدأت عام 1932 في الولايات المتحدة الأمريكية وكان التكنوقراطيون يتكونون من المهندسين والمعماريين والاقتصاديين المشتغلين بالعلوم ودعوا إلى قياس الظواهر الاجتماعية ثم استخلاص قوانين يمكن استخدامها للحكم على هذه الظواهر

وقد انتشر استعمالها بسبب التأثير الحاسم للتقنيات، أي للمناهج الصناعية في العالم الحديث وتعني صفة التكنوقراطي الشخص الذي يستند إلى كفاءته التقنية في ميدان من الميادين من اجل مد نفوذه وسلطته إلى ميادين اجتماعية أخرى تخرج عن اختصاصه، وتعيين أشخاص يملكون كفاءة تقنية وينظرون إلى المصلحة العامة من زاوية كفاءتهم المُحددة خطر على إدارة المجتمع كله.

صحيح أن إدارة المجتمع مسؤولية سياسية بالتعريف لكن التعقيد الذي أصاب الحياة الاجتماعية في المجتمع الحديث جعل السياسيين كثيرا ما يلجؤون إلى ايكال مهمة إدارة المجتمع للتقنيين الذين يتحولون عند ذلك إلى تكنوقراط...

في تونس يتناسل هذا الصنف التكنوقراطي الذي يدير عدد لا بأس به من دواليب الدولة، وخاصة منها الدواليب الثقافية، تلك التي يُفترض أن تنتهي إلى عقول مدبرة وطاقات خلاقة وكفاءاة تُجيد بناء الفعل الثقافي بأفق تأسيسي، وأعتقد أنه لم يعد خافيا اليوم على المطلعين على الشأن الثقافي، إدارة ومشاريع، أن الكثير من الذين يديرون شأن الثقافة خاصة في الدواخل وفي المناطق النائية لا علاقة لهم البتة بالثقافة، وهذا ليس كلاما فضفاضا ولا حكما في المطلق بل هو حقيقة واقعة، وقد روى لي مؤخرا أحد الأصدقاء حكاية غريبة هي بمثابة الطرفة المبكية فعلا، وهذا الصديق هو جامعي وناشط في الحقل الثقافي بشكل جدي، قال لي بأنه في أحد المرات وفي منطقة نائية تحول أحد المسرحيين مع مجموعته المسرحية لتقديم عرض بالمنطقة حسب اتفاق سابق وعقد مُمضى مع دار ثقافة المكان.

عندما وصل إلى هناك لم يجد مدير المؤسسة الثقافية، سأل عنه فدلوه على مكانه. اتجه المسرحي إلى باب خلفي بدار الثقافة فوجد جمع غفير من الناس يأكلون والنسوة يزغردن. اتجه إلى مدير دار الثقافة وقدم له نفسه فرحب به بعد أن اعتذر له عن نسيانه التام لعرضه المسرحي ثم دعاه مع فرقته المسرحية لأكل كسكسي حفل ختان ابنه وقال له بالحرف الواحد:"آش من مسرحية يا ولدي هاو الطبال والزكرة وأضرب الكسكسي باللحم وهات هاك العقد بتاع الفلوس نصححهولك".

هذه رواية من عشرات الروايات والحكايات التي تحدث في دور الثقافة وفي المؤسسات الثقافية المنتشرة ببلادنا والتي يأتيها إما من عُينوا بشكل اعتباطي في مناصب لا علاقة لهم بها واما لأنهم تكنوقراطيين يطبقون ما يُأمرون به ولا يجتهدون في تقديم برامج ثقافية ولنا أن نسأل مثلا أين نوادي السينما في المناطق الداخلية... وأين الفرق المسرحية المحلية وأين الندوات الفكرية والمسابقات الثقافية والأمسيات الشعرية والفقرات التنشيطية؟

إن ناد للسينما مثلا لا تفوق كلفته ألفا دينار على أقصى تقدير ومع ذلك لا يسعى المسؤول ولا يجتهد لتأسيس ناد سينمائي بل الأدهى من ذلك أنه يقوم بتعطيل من يحاول أو يفكر في تأسيس نادي سينما يعرض فيه بعض الأشرطة السينمائية وهذه مسألة باتت معروفة وفي أكثر من منطقة وأكثر من شخص روى لي التعطيلات السريالية التي تحدث له بمجرد أن يعلن عن رغبته في تأسيس أي فعل ثقافي...

2009/07/02

صيادون في شارع واسع

ليعذرني الروائي الكبير جبرا إبراهيم جبرا وأنا أستعير منه عنوان أحد أهم رواياته "صيادون في شارع ضيق" تلك التي تواترت أحداثها بين أمكنة متناقصة اجتماعيا، فمن الفنادق سيئة السمعة والمواخير إلى قصور العائلات العريقة، وقد يكون الشارع الضيق المشار إليه في عنوان الرواية هو شارع الرشيد ببغداد الذي احتل مساحة واسعة من الرواية، أما الصيادون فهم شخصيات الرواية المتهافتة تحت ضغط من المناخ الاجتماعي السائد في بغداد المدينة الممزقة بين الحضارة والبداوة وبين التقاليد والحداثة وبين الأصيل والدخيل... وقد قال عنها الناقد محمد عصفور :"انها سيرة شخص غريب في مدينة أو سيرة مدينة غريبة عن شخوصها قاسية عليهم."

ولا ازعم أني سأجاري الكاتب جبرا إبراهيم جبرا ضمن هذه المساحة، أو أحاكي شخوص روايته، وإنما استعرت منه العنوان فقط وتصرفت في تركيبه، فاستبدلت الضيق بالواسع لأصف فئة من الناس الذين يتحركون في أكثر من مكان في تونس بذهنية الصياد الذي يتوثب في الشوارع والأزقة والأنهج بحثا عن الفرائس البشرية بطريقة انتهازية ومبتذلة.

ولنبدأ من وجه البلاد كما يقولون، المطار، فمثلا في مطار قرطاج الدولي نلفي أصحاب سيارات التاكسي متوثبين، مترصدين للقادمين للانقضاض على فريسته وسلبه ما تيسر له من الدولارات أو الدينارات بعد رحلة ثعبانية يشفعها بتسعيرة خيالية للحقيبة...

في تونس اليوم أيضا ينتشر الصيادون في مآوي السيارات لسلب الموظفين البسطاء بتعلة حراسة سياراتهم وهي الآمنة أصلا، وينتشرون أيضا أمام محطات سيارات الأجرة بين المدن فتراهم يختطفون المسافرين عنوة ويركبونهم هذه السيارة دون غيرها، كما تراهم جالسين أمام دورات المياه العمومية يترصدون الداخلين اليها لابتزاز مائة من هذا أو مائتين من ذاك، وهذه الظاهرة باتت متوفرة حتى في النزل ففي قلب العاصمة لا يمكنك استعمال دورة المياه إلا بعد الاستظهار بتذكرة مشروبك!!!

الصيادون أيضا هم أولائك السماسرة الذين يبيعون الهواء للمشترين أو المكترين، فهناك من بات ينشر رقم هاتفه بصحيفة ما بعد أن يعلن أن لديه شققا وأراض للبيع ثم وبمجرد أن يتصل به مواطن يريه شقة من بعيد ويقول له بأنها للبيع وبها كذا غرف وسعرها مناسب ثم يلهف منه عشرين دينارا على الأقل.

صيادون محترفون ينتشرون أمام المحاكم ينهشون مآسي الناس الجاهلين بالقانون، وصيادون موسميون ينتظرون أوبة الطلبة لمقاعد الدرس لينهبوا عرق آبائهم وأمهاتهم بألف حيلة وحيلة... وآخرون "اختصوا" في اصطياد أصحاب الشهائد الباحثين عن العمل ونهبهم الملايين بحجة تشغيلهم... صيادون رسميون ينتظرون السيارات في عبورها بهذا الشارع أو ذاك ليغنموا عشره دنانير أو عشرون ... صيادون في الشواطئ يترصدون المصطافين والسائحين ليسلبوهم فرحتهم بيوم سباحة هادئ... صيادون يلتحفون اللحي ويطلبون التبرعات باسم المشاريع الخيرية... صيادون افتراضيون على شبكة الانترنت وعلى الهواتف النقالة، وباسم السفارات وشركات العمل، ينهبون المبحرين أموالهم... صيادون في الملاهي وفي الفضاءات التجارية الكبرى وفي القطارات والحافلات... وأمام البنوك ومكاتب البريد...

صيادون بحقائب وآخرون بملابس أنيقة وآخرون بزي العمل... يختلفون في ملابسهم وفي أساليبهم وفي طرقهم غير أنهم يتشابهون في ذئبيتهم المتوثبة دائما وفي انحدارهم الأخلاقي المسور بالصمت والتجاهل وغض الطرف، بل وحتى مساعدتهم والتستر عن ابتزازهم للناس...

صيادون ضيقوا الخناق كثيرا كثيرا على المواطنين فاستحالت الشوارع الفسيحة والواسعة إلى علب ضيقة جدا قابلة للانفجار في أية دقيقة...

2009/06/23

Champignon urbain


مثل تلك البثور السوداء المقززة التي تنتشر على الأجساد البشرية، باتت الأكشاك تنتشر على جسد العاصمة بشكل هجين ومقزز أيضا في انتصابها الفوضوي فوق أرصفة العاصمة والعديد من الولايات ذات الكثافة العمرانية، حيث باتت تحتل هذه المكعبات الزنكية المتشابهة في لونها البنفسجي عدة أرصفة من المفترض أنها مخصصة للمترجلين الذين يدفعون الضرائب والأداءات المالية من أجل التمتع بالمشي فوقها حماية لهم من حوادث السيارات والحافلات...

كما أن هذه الأكشاك باتت تسد في بعض الأماكن عدة ممرات جانبية وأنهج فرعية من المفترض أيضا أنها مخصصة لتسهيل حركة الجولان للمواطنين وللعربات المجرورة.

هذه الأكشاك التي أسميته فقاع عمراني Champignon urbain" لا توفر مواطن شغل حقيقية مثلما يبدو ذلك في الظاهر ذلك أن اغلب مالكيها أو من يكترونها لا ينتمون للجيش الاحتياطي من فاقدي الأمل في الشغل، كما أنها تُبنى بشكل عشوائي وهجين لا يساهم إلا في تشويه الجمالية العمرانية والتناسق البنائي في منطقة ما، ولنا في الأكشاك المنتصبة مثلا في برشلونة أو تلك التي نبتت حديثا فوق رصيف الباساج قبالة محطة مترو الجمهورية والثاني المنتصب في تقاطع شارع ليون وشارع الحرية وتحديدا أمام مقر حركة التجديد، أو الكشك الشامخ في قلب نهج ابن خلدون والآخر في قلب نهج حسين بوزيان وغيرهم، ما يثبت فوضوية هذه المعلبات المسقطة في قوالبها البنفسجية.

طبعا تناثر الأكشاك ليس ظاهرة تونسية بحتة، فهي موجودة في جميع دول العالم بما فيها الدول المتقدمة التي تحرص على تناسق مشهدها العمراني مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فرغم تسامق ناطحات السماء وارتفاع البناءات البلورية إلا أن الأكشاك الصغيرة تنتشر هنا وهناك وخاصة منها تلك التي تبيع "الهوت دوغ" غير أن تلك الأكشاك، وهذا ما لاحظته، تتشابه خاصة من ناحية المساحة المخصصة لها، على عكس الأكشاك المنتصبة في تونس والتي يعتمد أصحابها على نظرية التوسع التدريجي، كما أن أصحاب تلك الأكشاك الموجودة بأمريكا وخاصة في نيويورك وواشنطن هم من الفقراء القادمين من المكسيك وغواتيمالا، مثل الأكشاك المنتصبة في مدينة الرباط أو الدار البيضاء بالمغرب أو تلك الموجودة بالجزائر العاصمة وفي القاهرة أغلب أصحابها من الفقراء والمعوزين وطالبي الشغل.

الأكيد أن ما تقدمه الأكشاك من بضائع مثل السجائر والصحف خاصة ضرورية وعملية، ولكن أن تتحول الأكشاك المنتصبة في العاصمة إلى ما يشبه محلات الملابس أو الإكسسوارات أو بيع الآلات الالكترونية فان المسألة تختلف والمقاييس تنقلب خاصة أن تلك البضائع المعروضة بالأكشاك تنتمي لعالم ما يسمى التجارة الموازية فهل أن الدولة تشجع على تنامي هذه الظاهرة الاقتصادية الهجينة، على ما تقدمه من فرص حقيقية للمواطنين الغلابة للانتماء إلى عالم الرفاهية، بمنحها لرخص بيع تلك المنتوجات داخل الأكشاك الزنكية؟

2009/06/22

حوار مع أول كاتب عام لنقابة الفنون التشكيلية بتونس الرسام عمر الغدامسي

هل يُعقل أن ينسق وينظم موظف اداري معرضا للفنون؟!!!


لأن الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة تدافع عن حقوق العمال بالفكر والساعد وإيمانا منها بأهمية النقابات النوعية، وبعد تأسيسها لنقابة المهن الدرامية ونقابة المهن الموسيقية، ها هي تنجح في تأسيس أول هيكل نقابي للفنون التشكيلية الذي يمثله الكاتب العام الرسام التشكيلي عمر الغدامسي

* لنبدأ من حدث تأسيس نقابة الفنون التشكيلية، لماذا تأخرت إلى الآن؟

ـ عندما نتحدث عن تأخير علينا أولا أن نتحدث عن طبيعة هذه الأعمال أو هذه المهن، أقصد الفنون التشكيلية والموسيقى والمهن الدرامية... فهذه المهن تنهض أساسا على العمل التشاركي والجماعي فضلا عن كونها تتحرك في ثلاثة أقانيم هي الباحث والمتقبل والرسالة، وربما لهذه الخصوصية تأخر تأسيس هيكل نقابي إلى حد الآن.

ولكن المهم اليوم أننا استطعنا تأسيس هياكلنا النقابية تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل وتتأتى أهمية هذا التأسيس من التطور الكمي والنوعي الذي يشهده ميداننا الفني بشكل مطرد وبنسق متسارع كما أن انفتاحه على المدارات العالمية وتوسع السوق الفنية يحتّم علينا الالتفاف والتنظم.

اليوم تتأتى أيضا أهمية نقابتنا من أن الدولة لم تبق الحليف الوحيد للفنان من خلال ما توفره من فضاءات عامة وأروقة، بل اليوم اقتحم الخواص هذا الميدان وصاروا يستثمرون فيه.

إن الفن هو شكل من أشكال المشاركة والتفكير في الحياة الثقافية والاجتماعية والعامة ذلك ان الفنان يعبر عن مواقفه وتصوره للمجتمع ولكل المفاهيم التي تحمله كالمواطنة والديمقراطية والمشاركة السياسية وحرية التعبير... وهذا ما نراه اليوم في اعمال الشبان، جيل اليوم، الذي صار يقدم أعماله من خلال أساليب فنية معاصرة كفن التنصيبات والفيديو... غير أن السوق الفنية في تونس غير مهيئة بالشكل الكافي لاحتضان الفن الحديث حتى في مستوى الشراءات واقتناء الأعمال الفنية المعاصرة، وهذه إحدى الإشكاليات التي دفعتنا للتنظم نقابيا.

* المعروف ان الفنون التشكيلية في تونس تتسم بالفوضوية وعدم التنظيم في اكثر من وجه، فهل هذا صحيح؟

ـ صحيح إن المهنة غير منظمة، وربما لهذا ستشمل النقابة كل الفنانين التشكيليين وكل العاملين في القطاع، صحيح أن عددهم قليل الا ان تأطير هذا القطاع نقابيا مُهم للغاية لأن مظاهر سوء التنظيم متعددة وسأذكر لك بعض الامثلة.

هناك من ليست له شهادة مثلا في فن الترميم ومع ذلك يقدم اعماله وتقتني منه وزارة الثقافة والمحافظة على التراث.

منسق المعارض ايضا تقع دعوته من طرف مهرجان أو رواق او من طرف الدولة لتنظيم معرض في سياق معين، وهذا العمل اي تنسيق المعارض، يتطلب خبرة واطلاعا ودراية ومعرفة، وهي اساسا مهنة او مهمة ضرورية في الفن بشكل عام وفي الفنون التشكيلية بشكل خاص ومع ذلك مازالت غير منظمة او تحديدا هي مهمشة لأن في تونس يمكن لموظف اداري ان يقوم بهذه المهنة فينسّق المعارض وينظم المهرجانات في حين ان اصحاب الكفاءات والمحترفين لا تتم دعوتهم لذلك.

النقاد ايضا مهمشون، والنقد الفني هو جزء لا يتجزأ من المشهد الفني ومن المهم الاعتناء بالحركة النقدية لتقوم بدورها وتساهم في التعريف بالأعمال التشكيلية.

* ما هي أهم الملفات المفتوحة الآن على مكتب نقابتكم؟

ـ بالأساس هناك مسألة تنظيم السوق الفنية لضمان تطورها ونجاحها. اليوم في الفن نتحدث عن سوق موازية اذ ان هناك ثلاثة اسعار: سعر الورشة وسعر المقتني وسعر السوق الموازية وهذا ما يُربك عملية الاستثمار في هذا المجال.

أيضا القانون الأساسي للفنان، وهذا مهم للمهنة ويمكن تحقيقه، نحن اليوم في تونس والى الآن ليس لنا قانونا أساسيا يمنح الفنان صفة واضحة.

كذلك مسألة الضمان الاجتماعي وقوانين الملكية الفكرية وغيرها من المسائل الخصوصية سننطلق منها كأرضية عمل لتحديد القانون الأساسي.

والنقابة هي لبنة مهمة وأساسية وقد تشكلت في وقتها...

أيضا التكوين والتكوين المستمر ورسكلة الفنانين وهو مطلب أساسي... لأن الفن إلى جانب انه خيال وإبداع هو أيضا تقنيات وأساليب... والفن اليوم يعتمد على التكنولوجيا الحديثة وهو ما يتطلب دراية ومعرفة بها لا تتأتى إلا من خلال الرسكلة والتكوين الغائبين عن مشهدنا التشكيلي.
* هناك أيضا مسألة تزييف الأعمال الفنية ؟

ـ هذه مسألة خطيرة، فهناك أعمال مزيفة تروّج في السوق خاصة أعمال جيل الرواد مثل عمار فرحات ويحيى التركي او معاصرين مثل الحبيب بوعبانة وهذا يعكس حالة الفوضى في السوق الفنية ويعكس مدى الحاجة لتنظيم القطاع وفق القوانين والتشاريع، وهنا ألحّ على التكوين والرسكلة ليصبح لدينا خبراء قادرون على فرز الأصلي من المزيف.

وجود أعمال مزيفة يقدم الدليل ويبرهن على ان هذا القطاع استثماريا مهم وأهميته ستتضاعف بتنظيم القطاع.

* هناك أيضا ظاهرة استنساخ الأعمال الفنية؟

ـ بالفعل إلى جانب ظاهرة التزييف نجد ظاهرة استنساخ الأعمال الفنية خاصة منها أعمال المستشرقين وعرضها في السوق على أساس أنها أعمال جديدة ومبتكرة وتباع بأسعار لا تختلف عن السعر الذي يقدمه الفنان المبدع دون الإشارة إلى أن تلك الأعمال مستنسخة وهذا ما يتعارض كليا مع قانون الملكية الفكرية.

* ما هي أهم ملامح علاقة تعامل مكتبكم النقابي مع وزارة الثقافة باعتبارها الطرف الأول الذي تتعاملون معه؟

ـ طبعا الوزارة هي الطرف الأساسي فيما يخص القطاع سواء على مستوى الإدارة آو لجنة اقتناءات الدولة للأعمال الفنية، وأعتقد أنها هي الضامنة لتطبيق جملة القوانين والتشريعات المنظمة لقطاعنا.

لجنة الاقتناءات اعتقد أنها بحاجة لتوضيح هويتها هل هي لجنة اقتناء كما يعلن اسمها ام هي لجنة دعم أم لجنة تشجيع أم هي كل هذا مع بعضه البعض؟!!

فبين الاقتناء والدعم والتشجيع مسافات شاسعة وأهداف مختلفة ومواصفات متباينة وهذه إحدى الإشكاليات المطروحة في الوسط الفني.

نطمح أيضا إلى أن نكون طرفا مع وزارة التربية والتعليم، لأن دور الفنان ليس هو دور أستاذ التربية الفنية، ونحن نطمح إلى إدراج الفنانين ضمن المنظومة التعليمية للإشراف على ورشات فنية مثلا أو دروس حرة يساهم الفنان في تفتيت الأمية البصرية وفي تثمين عوالم الخيال والتخييل والعفوية والحرية لدى الناشئ وهي القيم الأساسية في الفن والتي يحتاجها المجتمع لتدعيم حداثته وتقدميته.

2009/06/20

حوار مع الشاعر السوري عمر الفرّا


الرئيس حافظ الأسد قال إن أشعاري تعادل فرقة دبابات وحسن نصر الله اعتبرني شريكا في انتصار المقاومة


عُرف الشاعر السوري عُمر الفرّا بقدرته على تطويع اللغة ومزجه بين العامية والفصحى والمحلية، كما عُرف بشعره المقاوم والشعبي، الذي بدأ بكتابة منذ سنة 1973 حيث كتب قصيدة «البندقية» ثم اقترن اسمه بقصيدة «حمدة».

ويعتبر الشاعر عمر الفرّا من أهم شعراء الشعر النبطي وهو متأثر في بداياته بعمر ابن أبي ربيعة والمتنبي وبشار ابن برد وامرئ القيس ومن المحدثين تأثر الشاعر بنزار قباني وعمر أو ريشة وبدر شاكر السياب وسميح القاسم.

والشاعر عمر الفرّا هو من مواليد مدينة تدمر سنة 1949 وله خمسـة مجاميـع شعـريـة هي «الغريـب» و «كـل ليلـة» و «قصـة حمـدة» و «حديث الهيل» و «الأرض لنا».

وقد تكفلت المقاومة اللبنانية بعد انتصار جويلية 2006 بطبع ديوان شعري لعمر الفرّا بعنوان «رجال الله» وهو عنوان القصيدة التي كتبها الشاعر اثناء العدوان على الجنوب اللبناني وكان المقاومون يقرؤونها في خنادقهم آنذاك مثلما ذكر لنا ذلك.

مع الشاعر عمر الفرّا كان لنا هذا اللقاء.

* قدمت مؤخرا ثلاث أمسيات شعرية، في أي اطار كان ذلك، وكيف ألفيت جمهور الشعر التونسي؟


ـ كانت أمسيتي الشعرية الاولى في تونس العاصمة لفائدة نقابة المحامين وكانت الثانية لفائدة الاتحاد الجهوي للشغل بالمنستير، اما الثالثة فقد قدمتها في القيروان لفائدة جمعية نسوية.

وأنا عادة ما افتتح أمسياتي بالغزل أما القراءة الاكثر فتكون لقضايا الوطن والمقاومة، وهي التي تأخذ اليوم الحيز الاكبر من هموم المواطن العربي ومشاغله.

الجمهور التونسي كعادتي به ينصت بإنتباه للشعراء وهذه ميزة خبرتها فيه منذ عشرين سنة خلت، وقد كان التفاعل مع قصائدي في هذه الامسيات الاخيرة كبيرا خاصة عندما قرأت قصيدة «غزة» والتي أقول ضمنها:

«غزة ليس بعيدة / من هنا رمية حجر / ومن هناك مثلها / من أي ركن هادئ في موطني / ليست بعيدة / ومقرها ليس القمر / هي كانت ثم مازلت هناك / حيث قال الله للأزهار والشعراء كونوا / حيث صارت ملجئ قرميدها ملفى السنونو / حيث جاؤوا بكتاب الله / انجيلا وقرآنا / وأقسم أهلها ان لا يخونوا / فلماذا تتركونها وحدها؟ / طُعنت وتنزف وحدها / الكل يعرف أنها بيعت / بأثمان رخيصة / ثم جئتم تلطمون وجوهكم / مثل من جلبوا ليعقوب قميصه / غزة ليست رخيصة / هي كانت منذ البدء لا ترضى نقيصة / هي ثغر من ثغور الله...


* كان لك أيضا لقاء مع جمهور أطفال أريانة؟

ـ نعم كان لي لقاء مميز مع اطفال جهة اريانة، تقدمت لألقي لهم بعضا من شعري فآثرت ان تكون القصيدة تعليمية وتحديدا عن ماهية الوطن وماذا يعني وكيف نستطيع ان نلبيّ نداءه ونفديه بأرواحنا.

وقد كانت المناسبة جميلة وأذكر أنني خشيت ان لا يفهمني الاطفال بشكل جيد خاصة ان القصيدة كانت بالعامية السورية فطلبت من صديقي التونسي الدكتور منير السعيداني ان يشرح للأطفال المعنى كاملا، كانت فرحتي كبيرة بالاطفال لأنهم الدماء الجديد لهذا الوطن.

* ألا تخشى من عدم فهم قصائدك بسبب اعتمادك على اللهجة العامية؟

ـ أنا أحمد الله أنني أستطيع بإلقائي ان أوصل القصيدة الى الناس بكافة صورها ومعانيها حتى ولو ضاعت بعض الكلمات بسبب اختلاف اللهجات.

وأذكر مرة بمدينة صفاقس اين أقمت أمسية منذ اكثر من عشرين سنة انه كان من بين الحضور رجل يوناني لم يكن يتكلم اللغة العربية وكانت معه مترجمة تونسية تحاول ان تفهمه معاني القصائد التي كنت ألقيها، وبعد دقائق طلب منها ان تكف عن الترجمة وتتركه يتابع إلقائي وفي نهاية الأمسية أتاني مع المترجمة وصافحني بحرارة وطلب من المترجمة ان تقول لي بأنه لا يعرف اللغة العربية ومع ذلك استمتع بنصوصي من خلال حنجرتي وتعابير يدي ووجهي.

* كيف تخليت عن مهنة التعليم وصرت شاعرا يعيش من قصائده؟

ـ انا مدين لكل من سبقني في الشعر العامي والفصيح، فكلهم اساتذتي وان أقلهم. أنا عملت مدرسا لمدة 17 سنة وبعدها وجدت نفسي بين خيار الاستمرار في الوظيفة ذات الدوام اليومي او الاستقالة والتفرغ لكتابة الشعر الذي كان يُطلب مني في كل مكان في الوطن العربي وخارجه ايضا، فاخترت الناس البسطاء على فصل الدراسة، وتفرغت تماما الى الشعر وانا الآن لا عمل لي الا أمسياتي ومهرجاناتي التي أدعى اليها.

* بعد ستة دواوين شعرية، منها أربعة عامية واثنان بالفصحى، ما جديدك؟

ـ أصدرت بالفعل ستة دواوين 4 منها في الشعر الشعبي و 2 بالفصحى والآن لي ديوانين قيد الطبع واحد عامي وثان بالفصحى، وفي الحقيقة أنا لا أعتمد على دواوين الشعر وانما افضل دائما مواجهة الجمهور، أتحدث لكل واحد منهم في امسياتي، وأخاطبهم من دون الرجوع الى قراءة كتبي فأنا أحفظ قصائدي غيبا وأتحدث إليهم من قلبي، أنا لا أتقن فن التجارة وطباعة الدواوين، ولا تروق لي تلك الدواوين التي تقدم قصيدة واحدة للقارئ، انا مثلا في أمسياتي أقرأ قرابة الثلاثين قصيدة.

* ولكن ألا تخشى من التلف وأنت لا تحفظ نصوصك ورقيا؟

ـ الزمن خدمني كثيرا فقصائدي متوفرة على الأنترنات وفي خزائن الاذاعات والتلفزيونات وعلى الأشرطة السمعية، وانا لا أخاف على قصائدي من الضياع، ثم أنا لا تعنيني كثيرا مسألة حقوق التأليف، يكفيني ان يتداول الناس قصائدي...

هناك دار نشر أردنية جمعت دواويني ونشرتها في كتاب واحد بمثابة الاعمال الكاملة ومع ذلك لم أحرك ساكنا.

المهم بالنسبة لي ان تنتشر قصائدي على أفواه الثوار والمحبين والناس البسطاء... لأن القصيدة التي ألقيها تخرج من ملكيتي الشخصية وتصبح ملكا للحياة...

* لماذا لم تتحول قصائدك لأغان مثلما تحولت قصائد الأبنودي ونجم وجاهين مثلا؟

ـ قصيدتي أحب ان يسمعها الجمهور وان ألقيها انا بالذات، ولا أحب أن اعطيها لمطرب يغنيها فأنا قادر على ايصال الناس احاسيسي ومشاعري من خلال قصائدي ولذلك لم ألجأ كثيرا للمطربين رغم ان بعض الفرق اللبنانية غنت لي، كما ان المطرب عاصي الحلاني طلب أذني في قصيدة «ثور» وغناها للمقاومة الفلسطينية ولم يكن لدي اي مانع في ذلك.
* هل تعتبر قصائدك سلاحا من أسلحة المقاومة؟

ـ لن أخفيك سرا إن قلت لك ان الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد قال عن شعري ذات يوم انه يعادل فرقة دبابات، فالشعر له دور في المعارك والحروب والانتفاضات وربما كان اكثر نجاعة من السلاح الناري وشباب الانتفاضة في فلسطين يلقون قصائدي اثناء مقاومته.
كما ان السيد حسن نصر الله قال لي بأنني كنت شريكهم في المقاومة والانتصار بأشعاري.

* عُرفت بشعر البداوة ومناخاته في حين اننا نعيش اليوم ثورة تكنولوجية ورقمية، ألم تفكر في ملاءمة نصوصك لواقع اليوم؟

ـ البداوة متأصلة في نفسي وفي وجداني فأنا أتكلم عن أي موضوع بإحساس البدوي الذي لا يقبل الزيف ولا يقبل ان يعتدي احد عليه وانا بطبعي مقاوم لكل اشكال الاعتداء، اما التكنولوجيا والعالم الرقمي فلا أعرف كثيرا عنه ولا يعنني أصلا ويكفي ان أبنائي يُجيدون استعمال تلك الأدوات التكنولوجية والرقمية.

* هل لديك طقوسا مخصوصة لكتابة الشعر؟

ـ أبدا، فأنا قادر على كتابة قصيدة عن المطر والشتاء مثلا في فصل الصيف وان اكتب عن الليل في النهار وممكن ان أكتب قصائدي في اي مكان وفي كل الظروف ولست بحاجة الى طقوس مخصوصة أو عادات معينة، فقط أقول بأن المخزون الشعري بحاجة الى «صاعق» ليخرج وينطلق وأذكر مثلا أني كتبت قصيدة مؤخرا أسميتها «مراسيم الوداع» اثر حادثة الصحفي العراقي منتظر الزيدي قلت فيها:

«تجري أمور لا تصدقون / والحديث له بواقي / رجل مريض نرجسي / عاشق دمع المآقي / يلتذ في نوح الثكالى / يلتذ في ألم الفراق / وصديقه كلب تدرب / في بطولات السباق / يتسابقان ويهوان / وبعدها شوط العناق / في الضفة الاخرى دماء / وصلت حد التراقي / أعطى أوامره بقصف / لم يبق بالاحياء باق / ويقال عنه مهذب / وعظيم عالمنا وراق / ويقال رُبّي في القصور / فمرحبا بابن الزقاق / وكما ادعى / يأتيه وحي / من سماوات طباق / يأمره بسفك الدماء / نزيفها ملئ السواقي / اعتاد قص رقابنا / واعتدنا تكريمه باللقاء / نطير من فرح التلاقي / ذهبا نبيض بقنه / ونجيء موطننا نقاقي / ان شاء نذبح بعضنا / أوشاء نحلف بالطلاق / لما تهيء للرحيل / وجمع أموال الصداق / كانت مراسيم الوداع / حذاء منتظر العراق...».

* لك أن تنهي هذا اللقاء كيف ما شئت؟

ـ أقول لك يا صديقي وللأخوة الذين سيطّلعون على حديثنا هذا بأنني كنت ومازلت معهم فأنا:

«أنا معكم بما شئتم أنا معكم

وهذا الشعر لي ولكم

لأجل عيونكم أحيى

لأجل قلوبكم قلمي

وزفرة واحدة منكم

تمزقني من الألم

لكم حبي، لكم قلبي ووجداني

وأفكاري أقسمها

فنصف للتي أهوى

وأنتم نصفها الثاني»

2009/06/09

جميع الحقوق محفوظة

التركيب الماثل في العنوان أعلاه، تركيب يتكرر بشكل دائم خاصة على الصفحات الأولى من الكتب المنشور، كما أنه يتكرر في أكثر من جينيريك البرامج التلفزية التونسية، وعلى أغلفة الأشرطة السمعية، وهذه الجملة لا تستند الى أي معنى قانوني بالمرة ذلك أنها لا تنصص بشكل واضح وقاطع على من تؤول له جميع تلك الحقوق المحفوظة!!!

هل يمكن أن يتجاهل ناشر مثلا أو كاتب حقوقهما المادية والأدبية؟ وهل يمكن أن لا يتفطن مطرب أو موزع أغان عن حقوقهما؟ أو هل يمكن أن يغض منتج تلفزي النظر عن حقوقه المستحقة من البرنامج الذي يقدمه!!!

لا أعتقد ذلك أبدا، فالحقوق المادية والأدبية هي جزء مهم وأساسي من عملية الانتاج الابداعي، بل هي اليوم باتت تشكل محوره الأساسي، والعمود الفقري الذي من دونه لا تستقيم العملية الانتاجية، فهذه الحقوق تشكل نوعا من الحماية للمبدع ليتقاضى أجرا عن إبداعه لفترة محددة تختلف حسب البلد . وأعتقد أنه من السخف والبلاهة أن ننشر كتبا ونسجل أشرطة غنائية ونبث برامج تلفزية لا تنصص عن صاحب الحقوق الأدبية والمادية، ونتركها تمر هكذا في ظلمة الغموض أو مثلما نقول في عاميتنا التونسية "في المهموتة"...

يبدو فعلا أن مسألة الحقوق المادية والأدبية والفنية ما تزال "في المهموتة" رغم أن القانون التونسي ينص في عدد 94-36 المؤرخ في 24 فيفري 1994 بشأن الملكية الأدبية والفنية على أنه :يجوز بقاء حقوق التأليف والنشر طيلة مدة حياة المؤلف ولمدة 50 سنة ميلادية تبدأ من 1 جانفي من السنة التي تلي سنة وفاة المؤلف... وبالنسبة للأعمال المشتركة التأليف، يحتسب تاريخ وفاة آخر مؤلف باقي على قيد الحياة...وفي حالة عدم توفر المصدر أو إذا كان العمل باسم مستعار للمؤلف، يجوز بقاء حقوق التأليف والنشر مدة 50 سنة اعتبارا من التاريخ الذي تم فيه عرض العمل على الجمهور بشكل قانوني... وبالنسبة للأعمال الفوتوغرافية، يجوز بقاء حقوق التأليف والنشر طيلة مدة 25 سنة ميلادية اعتبارا من السنة التي أنشئ فيها العمل... ومع ذلك مازلنا نطالع تراكيب من قبيل "جميع الحقوق محفوظة"!!!

لمن محفوظة؟؟؟

يبدو أننا لم نستوعب بعد أن مفهوم الحقوق المادية والأدبية تجاوز حماية حقوق مؤلفي الأعمال الأدبية والفكرية (أي حقوق الكتّاب)، وصار الآن يستوعب مجالات أخرى واسعة، فمعظم الدول تعطي حقوق النسخ في الأعمال الموسيقية والدرامية والسينمائية والفوتوغرافية، وكذلك الفنون الجميلة من رسوم ونحوت، والأعمال المعمارية (من الجانب الفني أو الجمالي فقط)، وبرامج الكمبيوتر وتصاميم الأزياء.

من أهم مبادئ حقوق النسخ أنها لا تحمي الأفكار وإنما تحمي تعبير المؤلف عن الأفكار. فمثلاً لو اكتشف أحدهم نظرية فيزيائية، فإنه لا يستطيع أن يخضع النظرية لحقوق النسخ، لكن لو ألف مقالاً أو كتاباً يشرح فيه النظرية، فإن نص المقال أو الكتاب يصبح خاضعاً لحقوق النسخ. ويزداد الأمر تعقيداً في مسألة الصور والرسوم. فمثلاً خلق نسخة طبق الأصل من صورة فوتوغرافية لمنظر معين (عن طريق ماسح ضوئي مثلاً أو من خلال إعادة التحميض) هو خرق لحقوق النسخ... وكذلك لا تحمي حقوق النسخ الجوانب العملية أو العلمية وإنما تحمي الجانب الفني أو الجمالي، أو طريقة التعبير. وتأتي أهمية ذلك في مجال برامج الكمبيوتر والهندسة المعمارية والتصنيع...

ثم ان حقل الحقوق هذا شاسع فهو يحمي حق النسخ أو حق إعادة الإنتاج وحق الاشتقاق أو حق التكييف وحق التمثيل مثل عزف عمل موسيقي أمام الجمهور، أو عرض مسرحية، وتدخل ضمنه حقوق البث وحق العرض مثل عرض فيلم أمام الجمهور وحق النشر أو التوزيع أي بيع نسخ من العمل بشكل تجاري أو توزيعها على العامة بشكل غير تجاري والحقوق الأخلاقية أو حقوق التأليف وتعني حق المؤلف في أن يوضع اسمه على العمل، وأن لا ينسب العمل إلى مؤلف آخر، وأن لا يتعرض العمل للتشويه أو التغيير...

رغم تطور هذه الحقوق وتقدم التشاريع والعقود الملزمة والقوانين الضابطة لهذه الحقوق الا أننا في تونس مازلنا نطالع تركيب "جميع الحقوق محفوظة"...

2009/06/05

انزياح ثقافي


إننا نتدحرج بشكل علني ومسترسل نحو صرة العدم...

نعلن في كل إطلالة أننا نحو أسفل الكلام العالي نهرول، وأننا ننحدر صوب أقانيم التفاهة والبلاهة في كل مرة بأكثر حدة، ونسقط إلى الحضيض رويدا رويدا... وبنسق منتظم... معلنينا بداية أفولنا وانهيارنا الأخير...

ففي كل مرة أجد نفسي خارج النسق... خارج السرب وخارج السياق، وفي كل مرة أخيب فيها وأنا أمني النفس بأنها آخر مرة ولن تتكرر...

لقد صارت المسألة قاعدة ولم تعد استثناء إذ باتت منابرنا الإعلامية المسموعة منها والمرئية، الخاصة منها والعمومية، أو تلك التي كانت عمومية، تستضيف وجها من وجوه المشهد الثقافي التونسي لتقض مضجعنا وتتركنا نتخبط في حقل دلالي من الألفاظ والمفردات الهجينة والمواقف المترنحة وسط تصفيق جمهور أبله وابتسامة منشط مهتم بترتيب سترته أكثر من ترتيب أسئلته... أو منشطة مهتمة بتصفيف خصلات شعرها أكثر من التفطن لمكامن الأسئلة المهمة...

كثيرة هي الأسماء التي عبرت هذا البرنامج أو ذاك باسم الثقافة، وأكثر منها السقطات اللغوية التي يأتيها "مثقفونا" بمواقفهم البائسة وحقولهم الدلالية الشاحبة...

كلام سوقي وعقم لغوي وفقر لساني إلى جانب مواقف رجعية أو سطحية تلك التي لا يتوانى أغلب ضيوف البرامج "الثقافية" في التبجح بها علنا وبكل فخر واعتزاز، وقلة قليلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحد من تجاوزوا محنة البلاهة والتفاهة الثقافية، أما الأغلبية فإنهم لا يمنحوننا بظهورهم على شاشة التلفزة أو عبر موجات الأثير سوى تلك التذكرة السوداء التي لا تقلنا إلا في آخر القطار المسرع، قطار الحداثة والحرية، القطار الذي تستقله الشعوب والأمم والأفراد منذ زمان، ومازلنا نحن نلهث وراء صافرته متعثرين في وهم الحداثة والحرية والتقدمية...

قد تبدو المسألة عابرة وبسيطة إن حدثت مرة أو مرتين، ولكن عندما تتحول إلى قاعدة دائمة فان حجم الخراب سيتضاعف، ولن نجني من تلك الاستضافات سوى مزيد الاحتقار "للمثقف" التونسي لمَ وصله من سقوط وتقهقر وانهيار... لم ترفعه حتى إلى الدرجة الدنيا من الكلام...

هل يمكن أن نطلق صفة مثقف مثلا على مسرحي يدحرج بين شفتيه، على الملأ، مفردات من قبيل "يتجلطم" و"الخنيفري" و"يتبولد" و"يتركك" وأيضا "يكركر فيها" و"تو يعرضولي"... !!!!

وهل يمكن أن ننعت واحدا بالفنان وهو يتبجح بأنه لم يدخل المدارس ولا تعنيه الدراسة والمعرفة؟؟؟؟

أيمكن أن يبقى "المثقف" مثقفا وهو يتباهي أمام ملايين المشاهدين بأن لا علاقة له بالسياسة؟؟؟ أليست الثقافة التي يتحدث باسمها وجها من وجوه السياسة، أوليست السياسة هي الشأن العام بكل تفاصيله اليومية؟؟؟

وجوه من المسرح ومن السينما ومن الموسيقى ومن الأدب ومن كل التعبيرات الفنية يعبرون الشاشة أو المحطات الإذاعية وكأنهم يعبرون أحد المقاهي أو احد الحانات بأفكارهم المتبلدة ومصطلحاتهم السوقية...

إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح أمام مثل هذه البرامج يتمثل في مقاييس الاستضافة التي يعتمدها المنشطون في إعداد برامجهم، هناك أسماء جيدة تعرف كيف تتحدث، تعرف كيف تفك شيفرات اللغة، وهي مؤهلة قبل غيرها للكلام في وسائل إعلامنا بشكل منهجي مقنع لا بشكل تهريجي مرتبك...

2009/06/03

عميد المحامين البشير الصيد يصرح:هذه تجاوزات رئيس فرع تونس

شهد قطاع المحاماة لأول مرة في تاريخه انجاز مشروع النظام الداخلي الذي تمت المصادقة عليه بالاغلبية الساحقة في الجلسة العامة التي انعقدت منذ اسابيع قليلة (9 ماي 2009) رغم ما أثير حول طريقة المصادقة من انتقادات وتشكيك في علنية المصادقة من سريتها.
ضمن هذا الحوار الذي خصنا به السيد العميد يرد على المنتقدين والمشككين ويشرح للقراء بعض تفاصيل الفصل العاشر المتعلق بضوابط مشاركة المحامي في البرامج الاعلامية، كما يبين لنا العميد طبيعة الخلاف القائم بينه وبين رئيس فرع تونس.

* هناك بعض الانتقادات من اهل القطاع على النظام الداخلي وطريقة المصادقة عليه والاحكام المضمنة به، فكيف تردون على هذه الانتقادات؟

ـ أؤكد لكم ان اسلوب اعداد مشروع النظام الداخلي وطريقة المصادقة عليه في الجلسة الثانية الخارقة للعادة يوم 9 ماي 2009 بأحد نزل قمرت كان كلها قانونيا وسليما وشفافا، فبالنسبة للإعداد لصياغة المشروع فقد توفرت فيه كل الشروط والضمانات وتم عرضه على قواعد المحامين في عدة مناسبات لأن هذا المشروع قارب عمره 15 سنة او اكثر وتناولته بالنظر عدة هيئات متعاقبة وعُرض على المحامين في اجتماعات متعددة وشُكلت بشأنه لجان مفتوحة وحُبّرت فيه عدة مشاريع أُستخرج منها المشروع الذي تمت المصادقة عليه بالجلسة المذكورة وعُرض على المجلس العلمي وأعادت صياغته لجنة منبثقة عن الهيئة الوطنية ثم عُرض على المجلس قبل عرضه على الجلسة العامة وتمت مناقشته في الجلسة العامة الاولى الخارقة للعادة التي انعقدت يوم 11 افريل 2009 وعليه فإن المشروع الذي عُرض على الجلسة العامة الاخيرة مرّ بعدة مراحل ونقاشات وكان عُصارة جملة من الآراء والمقترحات من المحامين وهياكلهم حتى اصبح انه لا مبرر لتأجيله كما انه عمل بشري لا ندّعي فيه الكمال وكل عمر بشري يمكن ان تعتريه بعض النواقص.
والنظام الداخلي هو عبارة عن عقد اجتماعي بين المحامين وبين هياكلهم إذ لا يمكن ان نسترضي فيه الآراء الفردية وانما هو يمثل الحصول على وفاق تقاربي يعبّر عن الارادة الجماعية للمحامين.

* طيب، وكيف كانت طريقة المصادقة على هذا المشروع التي لم يرض عنها البعض؟

ـ أسلوب المصادقة على المشروع كان بواسطة رفع الأيادي، وكانت المصادقة ساحقة ولم يتولّ المعارضة الا نزر قليل لا يفوق 30 أو 40 محاميا وكانت المصادقة موضوعية وقانونية وهي الطريقة المثلى خلافا لمن يزعم وينتقد ويدعو الى استعمال السرية لأن الانتخاب بواسطة السرية لا يقع الا في حال انتخاب الاشخاص وجميع الهيئات والبرلمانات والجمعيات وحتى في الجمعية العامة ومجلس الأمن تتم المصادقة على القرارات والتقارير الأدبية واللوائح والدساتير بطريقة رفع الأيادي وقانون مهنة المحاماة أكد ان الصورة الوحيدة التي يستعمل فيها الانتخاب السري المباشر تتمثل فقط في انتخاب هياكل المهنة (العميد واعضاء مجلس الهيئة ومجالس الفروع).
أما فيما عدى ذلك وفي التقارير الأدبية والمالية والنظام الداخلي واللوائح والبيانات فتقع المصادقة عليها بطريقة رفع الأيدي، والفصل عدد 53 من قانون المهنة لم يقل ان المصادقة عليه تقع بالطريقة السرية بل اكتفى بتنصيص على المصادقة فقط.
أما الذين يتعللون وهم اقل من القلة بالسرية فإنهم يريدون الاختفاء بتلك السرية لمقاومة النظام الداخلي وهدفهم من ذلك الافشال وهذا الموقف يتنافى مع مصلحة القطاع والمحامين الذي هم في اشد الحاجة لنظام داخلي ليحفظ تقاليد المهنة وأخلاقياتها وأعرافها واذا كانت كما يزعمون ان السرية تمثل الديمقراطية فإن المصادقة برفع الأيادي تحقق الديمقراطية والشفافية وعليه فإن المصادقة الفعلية والقانونية وبأغلبية ساحقة على مشروع النظام الداخلي أنهت كل جدل وان كل من يتكلم بعد ذلك ويحاول الانتقاد انما قوله من قبيل التزيد واللغو لأن النظام الداخلي اصبح قانونا معمولا به من غرة جوان 2009 وان محاولة التشويه والتشويش لا تجديهم نفعا ولا تغير من النظام الداخلي شيئا.

* هل نظر مجلس الهيئة الوطنية باعتباره المسؤول عن مشروع النظام الداخلي في طريقة المصادقة أم لا؟

ـ فعلا، سؤال مهم، لقد نظر مجلس الهيئة الوطنية في اجتماع قُبيل الجلسة العامة التي تمت فيها المصادقة وحوصل مقترحات النقاش الواردة عليه من لجنة المجلس العلمي وفرعي سوسة وصفاقس ومن عدة زملاء وزميلات وأضاف بعضها الى مشروع النظام الداخلي كما نظر في طريقة المصادقة ـ هل تكون سرية أم برفع الأيدي وبعد نقاش مستفيض عرض العميد الامر على التصويت فكانت نتيجته كما يلي: صوّت 8 اعضاء بمن فيهم العميد، الذي صوته مرجحا، لفائدة المصادقة برفع الأيدي و 4 اعضاء صوّتوا على سرية المصادقة وتغيب عضو واحتفظ عضو آخر بصوته محكّما الجلسة العامة وبذلك كانت اكثر من الاغلبية المطلقة مع طريقة التصويت برفع الأيدي، ثم أؤكد مرة ثانية وما يدعم صحة طريقة رفع الأيدي، انه في الجلسة العامة نفسها التي صادقت على مشروع النظام الداخلي عرضنا طريقة التصويت قبل العرض على المصادقة وكانت النتيجة الساحقة ان الجلسة العامة نفسها صادقت على ان طريقة المصادقة تكون برفع الأيدي، ثم بعد ذلك عرضنا المشروع على المصادقة، وصادقت الجلسة العامة بأغلبية ساحقة على المشروع بواسطة رفع الأيدي، ولم يرفع أيديهم الا نزر قليل من المحامين.

* ما هي الأحكام التي تضمنها مشروع النظام الداخلي؟

ـ لا شك ان مشروع النظام الداخلي قد تضمن احكاما متعددة تشمل تنظيم العلاقات بين المحامين وهياكلهم وتنظيم هياكل المهنة والانتخابات وحقوق المحامي وواجباته والتأديب وغير ذلك من الاحكام التي تتعلق بأحكام المهنة وتقاليدها وأعرافها وعلاقة المحامي بحرفائه وعلاقته بالقضاة والادارة.

* هل تطرق المشروع لعلاقة المحامين بوسائل الاعلام خاصة بعد الضجة التي أُثيرت في الآونة الاخيرة؟

ـ نعم تم تنظيم مشاركة المحامين في وسائل الاعلام بالفصل العاشر من النظام الداخلي تنظيما دقيقا وكما هو معروف فإن عميد المحامين ومجلس الهيئة وهياكل المهنة وعموم المحامين ليسوا ضد حريات الاعلام، وهذا ما صرحنا به وأكدناه في كم من مرة، ونرجو من الذين في أذهانهم بعض الغموض ان يدركوا ذلك فالمحاماة أول من يدافع عن حرية الاعلام وحرية التعبير وانا شخصيا قد سُجنت من أجلها ودفاعا عنها، والمحاماة كوسائل الاعلام الاشتراك في علاقة الدفاع عن الحريات وحقوق الانسان وفي مقدمة ذلك حرية النشر والصحافة، اما الذين يريدون ان يدخلوا مدخل الغموض لغايات اخرى فأرجو منهم ان يكفوا عن ذلك فالمحاماة أول من رفع لواء الدفاع عن الحقوق وستبقى كذلك وفي المقدمة، غير اننا نريد ـ وهذا ما جاء به النظام الداخلي ـ خلق توازن بين حرية الاعلام وبين عدم النيل والتجاوز والمس بالمعطيات الشخصية والمؤسسات المهنية وغيرها ونريد ان يكون اعلامنا التونسي نزيها يقدم الانارة ويبتعد عن الاثارة ويرتقي بالتوعية الى مستواها المطلوب دون النزول الى الهامشيات التي تثير ولا تفيد، فلومنا على العروض التلفزية التي عرضت بقناتي حنبعل وخاصة قناة تونس 7 بالنسبة للمحامين يتمثل في انها قد تجاوزت الاعلام الموضوعي ومست بكرامة المحامين وشرف المهنة وأصبحت تقوم بدور الباحث والقاضي وتنال من المعطيات الشخصية وبلغ بها الامر الى حد الاشهار والتشهير.
والفصل 10 من النظام الداخلي أكد جملة من الضوابط من بينها ان تكون المشاركة بصفة استثنائية لا دائمة وان يتم اعلام العميد بالمشاركة في اي برنامج اعلامي على ان يكون الاعلام كتابيا.

* ولكن هناك بعض المحامين المتعاقدين مع برامج تلفزية واطلالتهم لن تكون استثنائية بل هي دورية فهل سيمتثلون للفصل العاشر؟

ـ ان قانون النظام الداخلي لا يستثني أحدا وإنما ينطبق على الجميع وان المتعاقدين بمقابل مع وسائل الاعلام وبصفة مستمرة يكونون قد امتهنوا مهنتين: المحاماة والصحافة وقانون المهنة يفرض احالتهم على عدم المباشرة آليا لأنه يحجر جمع مهنة اخرى مع مهنة المحاماة.

* النظام الداخلي ايضا نظم عملية استعمال مواقع الواب من قبل المحامين فما هي اهم شروط هذه العملية؟

ـ في الحقيقة عملنا على تحقيق توازن ايضا بين استعمال وسائل الاعلام العصرية استجابة لمقتضيات التطور والتحديث حتى تواكب المحاماة التونسية مقتضيات التقدم العلمي والتكنولوجي وتكون في مستوى تحديات العولمة وبين عدم انسياق المحامي في تداعيات الاشهار والتشهير وارتكاب تجاوزات قانونية والتعدي على أخلاقيات المهنة وتقاليدها بحيث يستعمل المحامي جميع وسائل الاعلام دون ان يسيء استعمالها فله الحق بأن يعرّف بكفاءته واختصاصاته وقدرته ومكتبه لكن في الحدود الاخلاقية.

* وطبعا النظام الداخلي نصّص ضمن عدة احكام على استقلالية المهنة؟

ـ لا شك ان النظام الداخلي يعد ركنا مهما من أركان استقلالية المحاماة ومؤسسته لأن المشرع أعطى للمحامين صلاحية تنظيم أنفسهم بأنفسهم وبإدارة هيئتهم وعميدهم وهذا كسب على غاية من الاهمية، ولأن الدفاع مستقل أولا يكون، والاستقلالية هي الضامن الاساسي لحرية الدفاع والمحامي يدافع عن الاشخاص والذوات المعنونة ولا سلطان عليه الا لضميره والقانون، لأن مهمته صعبة، ومازلنا، ومنذ مدة طويلة نطالب بإحداث حصانة الدفاع عن المحامي على غرار حصانة القاضي وحصانة النائب البرلماني لأن المحامي اثناء مباشرته لمهامه يمكن ان يتعرض لعديد الضغوط لذلك فإن المحامي يتمتع بحصانة الدفاع في عديد البلدان الاوروبية والعربية لأنه يقوم بدور اساسي ومقدس ويمثل اهم ضمانة للحقوق المدنية والسياسية للأفراد والمؤسسات، وهذه الحصانة نطالب بها ونؤكد عليها وهي حصانة قد أتى بها دستور البلاد لذلك نأمل من الجهات الرسمية ان تسند هذه الحصانة للمحامين حتى يتمكن اكثر من تفعيل هذه الضمانة لفائدة المواطن واستقلال المحاماة كاستقلال القضاء أمران أساسيان لتحقيق العدالة بين الناس وضمانة للحقوق العامة والخاصة، لذلك لا نتصور قضاء مستقلا عادلا دون محاماة مستقلة وفاعلة، فالمحاماة شريك اساسي في اقامة العدل.

* هل تعتبرون انجاز مشروع النظام الداخلي انتصارا للقطاع؟

ـ في الحقيقة المصادقة على مشروع النظام الداخلي الذي اصبح قانونيا بداية من غرة جوان 2009 هو انتصار للمحاماة، للديمقراطية والشفافية، وانتصار للعميد والمجلس العلمي، وأكدت الجلسة العامة الخارقة للعادة التي صادقت على النظام الداخلي التفاف المحامين بأغلبية ساحقة حول عميدهم خلافا لِمَا يزعمه البعض من المحامين الذين فشلوا في افشال المشروع واتضح انهم قلة قليلة لا وزن لها وان أهدافهم تنصب حول التعطيل والتشويه.

* ولكن العديد من المحامين رأوا أنك استفردت وتفردت بعدة مواقف خاصة في موقفك من مشاركة المحامين في وسائل الاعلام؟

ـ هذا كلام مردود عليهم ولا أساس له من الصحة وتسوّقه قلة قليلة تقوم بمحاولة تعطيل وتشويه وموقفي من مشاركة المحامين في وسائل الاعلام كان متوازنا وقد اصدرت بيانا في الموضوع دعوت فيه الى خلق توازن بين حرية الاعلام وعدم المس بكرامة المحامين وهيبة المحاماة وعدم التجاوز القانوني وعدم النيل من المعطيات الشخصية والمؤسسات المهنية وغيرها حتى يكون اعلاما موضوعيا في المستوى المطلوب يحقق الانارة ويبتعد عن الاثارة وكذلك أصدر مجلس الهيئة، قرارات في الموضوع من بينها دعوة العميد الزملاء المشاركين في البرامج الاعلامية واخطارهم بإتباع بعض الضوابط التي تصون المهنة والاعراف والمؤسسات ولا تتجاوز القانون، كما طالب مثل ما طالب به العميد السيد رئيس فرع تونس يتحريك آليات البحث والتحقيق وعند الاقتضاء احالة من تثبت في حقهم التجاوزات والاخلالات المالية بتقاليد المهنة وأخلاقياتها وأعرافها المتحدية للقانون.
وما أؤكد لكم مجددا أننا لسنا ضد حرية الاعلام بل من واجبنا الدفاع عنها ودعمها ودعم الاعلاميين غير اننا ضد الاشهار والتشهير وتجاوز القانون واليوم قد اتضح جليا ان موقف العميد بخصوص وسائل الاعلام كان صحيحا وموضوعيا ومعبرا عن قطاع المحامين ولا أدل على ذلك من أن الجلسة العامة بمصادقتها بالأغلبية الساحقة على مشروع النظام الداخلي وخاصة على مضمون الفصل العاشر المتعلق بالاعلام قد انتصرت لموقف العميد.

* على ذكر رئيس فرع تونس هل لكم ان توضحوا لنا طبيعة العلاقة التي تبدو وكأنها متوترة؟

ـ يحاول بعضهم لغايات لا علاقة لها بمصلحة المحامين ان يوهموا الرأي العام بأن هناك خلافا بين العميد ورئيس فرع تونس وهذا لا أساس له من الصحة، فلا يوجد أي خلاف بيني وبين رئيس فرع تونس الذي نقدره ونحترمه ولذلك فإن كل من يتصور ذلك فهو إما أن يكون غير مطلع على حقائق الامور أو أنه يريد تعويم المسائل بهدف عدم كشف الحقائق.
إن ما نطالب به السيد رئيس فرع تونس يتمثل في حثه ومطالبته باستعمال صلاحياته التي مكّنه منها القانون وتجنب الاخطاء وتداركها... وهذا امر عادي لأن عميدا يشرف على قطاع المحاماة مطلوب منه ان يوجه وينبه بوصفه المسؤول الاول والممثل الشرعي للمحامين والناطق باسمهم جميعا.

* ما هي الاخطاء التي قام بها رئيس الفرع وماذا تطلبون منه؟

ـ أذكر في هذا الصدد بعض الأمثلة التي طلبنا من السيد رئيس فرع تونس القيام بها أو تجنبها وتداركها، أذكر على سبيل المثال: طلبنا من رئيس فرع تونس مثل ما طلب منه مجلس الهيئة الوطنية أن يحرك آليات البحث وعند الاقتضاء احالة من تثبت في حقهم تجاوزات واخلالات بالقانون وتقاليد المهنة بالنسبة لبعض المحامين المشاركين في الحلقات التلفزية وفي وسائل الاعلام نظرا لأن تلك الحلقات قد نالت من هيبة المحاماة ومست من كرامة المحامين وتجاوزت القانون وهتكت المعطيات الشخصية ومؤسسة المحاماة الا انه أبى ذلك والى حد الآن لم نعلم بأي تحرك في هذا الشأن رغم صدور النظام الداخلي.
هناك أحد المحامين الشبان وهو الاستاذ سهيل فتوح تبين انه «متصهين» لأنه شتم وقذف كل العرب والمسلمين ووصف الفلسطينيين بالارهابيين وتكلم في وسائل اعلام صهيونية وشتم ونال من هيبة الهياكل ولهذا السبب طلب منه العميد ومجلس الهيئة وندوة الفروع وعدد كبير من الزملاء احالة هذا المحامي على مجلس التأديب مع عدم المباشرة الا انه لم يفعل ذلك وترك الامر على ما هو عليه وهذا المحامي مواصل في تهجماته وشتائمه على الامة العربية والمقاومة وكل الوطنيين.
يقوم السيد رئيس فرع تونس عند ما يحدث خلاف بين المحامي وحريفه بإحالة المحامي مرتين على عدم المباشرة وعلى مجلس التأديب من اجل وقائع واحدة وفي نفس الأفعال وهذا مخالف للقانون خاصة أن الاحالة على عدم المباشرة لا تكون الا عند ما يصبح المحامي في وضع يختلف مع شروط الترسيم بجدول المحامين ولا يمكن على عدم المباشرة من اجل خلاف مع حريف لأن ذلك الخلاف يمكن ان يحال من أجله على مجلس التأديب اذا تبين انه مخالف ورغم ان محكمة الاستئناف قد نقضت عديد القرارات بهذا الشأن الا ان السيد رئيس فرع تونس استمر على موقفه.
ينظم السيد رئيس فرع تونس حلقات تكوينية في شكل محاضرات وهذا أمر محبّذ ومرغوب فيه لكنه يريد ان يفرض حضور المحامين المتمرنين لهذه الحلقات على معنى ان حضورها وجوبي ويقول انه لا يمكن ترسيم المحامي المتمرن لدى الاستئناف اذا لم يحضر هذه الحلقات وهذا موقف مخالف للقانون لأن:
ـ الترسيم من اختصاص مجلس الهيئة وليس من انظار رئيس الفرع.
ـ لا يمكن ان نظيف شرطا اخر لم يأت به القانون لترسيم المحامي المتمرن لدى الاستئناف، فشروط الترسيم مضبوطة بالعد ولا يمكن لأي كان ان يضيف لها شرط حضور محاضرات او حلقات التكوين، وحلقات التكوين ليست لها اية وجوبية.
وهكذا يتبين انه لا يوجد خلاف بيننا وبين رئيس فرع تونس على الاطلاق انما الامر يتعلق مثلما أشرت اليه أننا نطلب منه ان يقوم بصلاحياته التي أوكلها له القانون وان يتجنب اخطاء قانونية وواقعية كان المطلوب ان لا تحصل منه ونطلب تداركها.

* يبدو ان الترشحات لهياكل المهنة قد بدأت تتضح من الآن فكيف ترون مستقبل العمادة؟

ـ ما يهمنا اساسا هو الانكباب على خدمة المحامين والعمل على تحقيق مزيدا من المكاسب للقطاع وتنظيمه وتركيز المكاسب التي تحصلنا عليها وهي على غاية من الاهمية مثل التأمين الصحي واصدار النظام الداخلي وتمليك الهيئة الوطنية من نادي سكرة وتوسيع مجال عمل المحامي... بوجوبية النيابة في المادة الجزائية لدى التعقيب وفي التسجيل الاختياري لدى المحكمة العقارية لكن مطالب المحامين رغم هذه الانجازات المهمة والتاريخية ما زالت كثيرة، وأخيرا فإننا تشرفنا برفع مذكرة شاملة في مطالب المحامين الى سيادة رئيس الجمهورية مثلما أشار به عند استقبالي من قبله ولنا الامل الوحيد في الاستجابة الى المطالب المضمنة بهذه المذكرة.

2009/05/31

ريحة البلاد

لا أخال تونسية واحدة أو تونسيا واحدا، كبيرا كان أم صغيرا، يمكنه أن يتوه عن رائحة البلاد في جهاتها الأربع... رائحة الفل والياسمين تعبق في ضواحي العاصمة، رائحة السمك تتماوج على الموانئ، رائحة المواد الكيمياوية تخنق السماء في المناطق الصناعية والمنجمية، رائحة الحشائش تسري في الصدور على المرتفعات والجبال... رائحة البنزين في الطرقات السيارة وغير السيارة... رائحة الكتب القديمة، رائحة البن والخبز... وطحالب البحر وروائح العرق تسقي الأراضي الفلاحية...

روائحنا التي ننام ونصحو عليها... روائحنا التي كبرت معها حواسنا وصارت ألصق بنا من جلدتنا... نحب بعضا منها، نتقزز من أخرى ونشتهي البعض الآخر من تشكيلة الروائح التونسية الخالصة...

كل هذه الروائح وغيرها مما نسيت أو تجاهلت، كلها تعنيني وأحبها أكثر حتى من «باتريك زوسكيند» في روايته «العطر»... ومن دون استثناء فقد بتُ أكره وأمقت أغنية الراحل محمد الجموسي «ريحة البلاد» التي أصبحت النشيد الرسمي لمهاجرينا وعمالنا بالخارج... الكل في المطارات والموانئ التونسية يرفعها شعارا للتعبير عن شوقهم لتراب تونس ورائحتها... وأنا لا أتعارض مع أحاسيسهم تلك لأنني عشتها بالفعل وأعرف ما معنى غربة وسفرا وغيابا...

ولكن، يا عمالنا المهاجرين ويا من تدرّون العملة الصعبة ويا من عرفتم وشاهدتم تفاصيل الحضارة والحداثة... رفقا بنا عندما تؤوبون لأرضكم تقضون فيها اشهرا أو أياما معدودة... رفقا بشواطئنا وطرقاتنا... رفقا برائحتنا التونسية التي صارت تتبخر كلما عدتم... تتبخر بفعل استهتاركم في طرقاتنا... بفعل تفاخركم وتباهيكم المبالغ فيه واللامبرر... رفقا بشبابنا الذي تحرضونه ـ من حيث لا تقصدون ربما ـ على ركوب قوارب الموت... رفقا بجيوبنا تخرّبونها كل صائفة بالأورو... رفقا بأنفسكم فلن تسكنها الا الرائحة التونسية على عطنها ودبقها...

2009/05/20

النخل يغني لا يبكي


كأنها كانت تنتظر أَوْبَتَهُ الأخيرة... لبِست كامل زِينتها، السنابل الشامخة في خضْرتها، شقائق النعمان متبرّجة في حُمْرتِها، الحساسين والطيور تُزغردُ، السماءُ تفيض في زُرقتِهَا، والشمس طلعَتْ يومها كالخُبزة الفَائِرة لتسطع على أرض بوعرادة يوم 9 ماي وهي تحْضُنُ ابنها الذي حملها في قلْبه وفكرهِ وحبرِهِ طيلة 62 سنة.
عادَ إلى ثَراها مُلتحفًا علم البلاد، متأبطًا أجمل الأزْهار، مُتأنيا في مشْيَتِه، خافتًا في صوته، كأن كلّ الضحك والزهْوِ يملأُ مُحياهُ...
وُلد الطاهر الهمامي بالزغاريد... ومات أيضا بالزغاريدِ... فَلْيَمُتْ الموتُ في كَمَدِهِ وحَسَدِهِ من صندوق الفرح الذي أتاه...
كانت مقبرة سيدي جابر ببوعرادة أجمل من بستان أندلسي وهي تفتح قوس مدخلها لمئات الخطى تدخلها في خشوعِ وتأنِّ... عمّال، فلاحون، طلبة، أساتذة جامعيون، محامون، عاطلون، سياسيون، نقابيون، اعلاميون، قضاة... كلهم تَوَافَدُوا على مدينة بوعرادة بدعوة طارئة ومُلحّة من صدِيقهم ورَفيقَهم وأستَاذهم وزميلهم وإبنهم الطاهر الهمامي... فلم يتردّدوا ولمْ يتخلّفوا عن الموْعِد...
في تمام الساعة الثانيّة بعد الظّهر من يوم السبت 9 ماي 2009 انطلق مَوْكَب جنازة الطاهرة الهمامي من بيت شقيقه المحامي الهادي الهمامي الكائن بشارع محمد علي الحامي، وبعد زغَاريد الحاضِرات ارتفع صوْت مرتّل القرآن في السيّارة التي تحمل نعش الرّجل... ليُرافِقَهُ إلى مقبرة سيدي جابر أين تنتظرهُ على بعد كيلومترين تقريبًا.
على جَسَده الـمُسجَّى داخل الصندوق كان علمُ تونس يحنُو على بياض شَعْره وحُمرةِ خدّيهِ وطولهِ الفارِعِ وابتسامته التي وُلدَ بها... وعلى صدْرِهِ تفتّحتْ باقتَانِ كبيرتَانِ من الورْد الأحْمر... ولاَ أخَالُ الطاهر كان ساهيا في نومتِهِ الأبدية عن الأحاديث التي تناثرت كحبِّ القمْحِ على مسافة الكيلومتريْن الفاصلين بين بيْتِ شقيقه وقبْرهِ...كنتُ أراه يكسر أذنيه ويقرّب رأسَه قليلا ـ كعادتي به دائما وهو يتحدّثُ إليَّ عندما كنتُ طالبًا لديه ثم صديقًا يقْرأُ كل ما أكْتُبُ ـ ليستمع إلى النّاس التي رافقت صندوقهُ وهمْ يتحدّثون عن كُتبهِ وشعْرِهِ ونقْدِه ومقالاته وخجَلِهِ وحنوّّهِ على الطلبة ومواقِفه ونضالاَته النقابيّة... وكان يسمع أيضا في نومته الأبديّة، صوتَ الفنان محمد بحر يصلهُ من باريس يغنّي له «أرى النخلَ يمْشي واقفًا» وهو يواري دمعته ليظلّ صوته شامخا في أوتار عوده مثلما كان الطاهر شامخًا في قصيدته...
على بُعد بضعة أمتار من القبر الذي سيضمُهُ تكوْكبت جموع المعزين حول صندوق الفرح الطاهر لتتوالى كلمات التأبين التي تعطّلت فيها لغة الكلاَم وانداحت أمام الزفرات المكتومة والدُموع... وكانت كلمات التأبين بحجمِ صفات الرجل وبالمهمات التي نذر لها عمرُه...الطاهر الهمامي الشاعر، الطاهر الناقد، الطاهر أستاذ التعليم الثانوي، الطاهر استاذ التعليم الجامعي، الطاهر مؤسس الطليعة، الطاهر مؤسس أيام الشعرية بمنوبة، الطاهر النقابي، الطاهر الانساني، الطاهر الكاتب الصحفيّ، الطاهر سفير الشِّعر التونسي، الطاهر نصير المرأة والطبقة الشغيلة...
عرائس الشعر...
كانت كلمة التأبين الأولى لعميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بمنوبة الاستاذ شكري المبخوت التي توجه بها الى زملاء الفقيد وطلبته وعائلته وأصدقائه وضمنها عدّد خصال استاذ الجامعة التونسيّة الطاهر الهمامي الذي جمَع بين الصّرامةِ وطيب المعشر وهو ما جعلهُ صديق الجميع، ذاكرا حسّه النقدي الرفيع وإيمانه الأصيل بالحرية ودفاعه عن شعبية الجامعة وديمقراطية التعليم... عن العقلانية والعلمانية فاعتز طلبته بالاختلاف حول دروسه، وستذكر كليّة الآداب والعلوم الانسانية بمنوبة للطاهر الهمامي مبادرته صحبة صديقه الجامعي والشاعر حسين العوري بتأسيس الأيام الشعرية بها التي صارت مدرسة يتخرّج منها شعراء الشعر الحديث في تونس اليوم، واصفًا الشاعر بأنّه مسكون بعرائس الشعر التي تحرّضه دائما على الثورة على اللغة والقوالب الفنيّة وطرائق القول، مذكرًا بتأسيسه مع الشاعر الحبيب الزناد ما أصبح يعرف بغير العمودي والحرّ في السبعينيات من القرن الماضي ليعود إليها بعد 20 سنة في عمل اكاديمي تمثّل في اطروحة دكتوراه دولة، ولم يُغَالب العميد الاستاذ شكري المبخوت دموعَهُ وهو يقول بأنّ أروقة الكليّة وساحاتِها الخضراء لن تنسى مرح الطاهر الطفولي وخطواته الواثقة...
حبرُ الستين
الأخ سامي العوّادي الكاتب العام لجامعة التعليم العالي والبحث العلمي لم تقل كلمته التأبينية باسم الجامعة حرارة وحسرة على فقدان الطاهر الهمامي ولم يُغالب دموعه وهو يودّعه، وقد ذكّر الأخ سامي العوّادي بالفاتورة الضخمة التي تكبّدها الطاهر الهمامي جرّاء نضالاته النقابية لما كان أستاذا للتعليم الثانوي ولما أصبح أستاذا للتعليم العالي حيث لم يتخلف عن أي تحرّك نضاليّ ولا عن الاجتماعات النقابيّة، وعاش كلّ الازمات والصعوبات مذكرا بوقفته الشجاعة أيام الاضراب الاداري الذي حرمه من التمديد في فترة تقاعده في الجامعة التونسية ومع ذلك تحمّل تلك المظلمة بشموخِ وأنفةِ وعزةِ نفس ونظَم فيها قصيدة تمّ نشْرهَا في العدد 14 من نشريّة الجامعي وكان عنوانها «حبر الستين»، مذكرا بإصرارهِ رغم المرض، على انهاء تأطيره للطلبة الذين يُشرف على رسائل بحثهم... كانت الدموع تملأ عيني الأخ سامي العوادي وهو يقول «مَا أقْسى هَذِهِ اللحظة علينا، ما أقسَاهَا على بنْتَيْك.... وداعًا... وداعًا... وإلَى اللّقاء».
عربة الأحرار
الكاتِب والصديق الحبيب الحمدوني ذكّر في كلمتِه بإسم رابطة الكتّاب الأحرَار، بمواقف الطاهر الهمّامي من الكتابات الجامدة غير المتحرّرة والتزامه الواعي بطريق الحرية والتحرّر في كتابة الشّعر والنقد ليعِيدَ النّظر في الرؤى والمفاهيم ويخرج الشعر من عليائِهِ وسياجهِ النخبوي وفتحه على المتداول من الكلام ووشَّحهِ بنسيج العامة فنزلَ به الى باعة الروبافيكيا والشيّاتين والمعطّلين والمهمّشين والواقعين تحت سطوة الفاقة والفقر....
الطاهر الهمامي، مثلما جاء في كلمة الكاتب الحبيب الحمدوني، فصل في دنياه بين عربتين، أولى للمُناضلين والأحرار وكل التواقين للانعتاق والتحرّر وثانية وصفها الطاهر بنفسِهِ كانت «للسواقط والساقطين والسُّقاط ومن سقطُوا أو اسّاقطوا وألفوا السقوط والانحطاط» وكان الطاهر قائدًا للعربة الأُولى ونارًا لا ترحم على من اختارُوا العربة الثانية... مذكّرا بكلمته عن رابطة الكُتّابِ الاحرار وموقفه منها إذ قال «حيث ما تكون الحرية أكون».
قفة الشعب...
تتالت كلمات التأبين لكل من الاستاذ رشيد خشانة الذي ذكّر بصداقته مع الفقيد ولقاءاته به عندما كان يحمل لرفاقه في سجن برج الرومي «القفة» مُدجّجة بجريدة «الرأي» وجريدة «الشعب» وكيف كان يُعامل والدهُ في منزلهُ بجهة صلامبُو بكلّ حب وحنوّ، كما أبَّنُه الاستاذ نورالدين البوثوري والاستاذ توفيق الحوجي والمناضل عمّآر عمروسيّة والاستاذة المحاميةراضية النصراوي التي ذكّرت بدفاع الطاهر الهمامي عن المرأة المضْطَهِدة في مؤسسةِ الزّواج وكأني بها تقول مع باقي الحاضرات في موكب الجنازة مع الاستاذات الجامعيات والمحاميات والقاضيات والطالبات والعاملات، ها نحن هنا معك يا صديقنا ويا رفيقنا ويا استاذنا نُهدّم الأسوار واحدا تلو الآخر، فنُزغردُ لرحيلك ونُؤبنك في المقبرة... فلا تخشى ظلمة القبْر وأنت من ساهم بكل ما ملك مع كل أحرار العالم في زرع وردة يانعة أينما حللت وفي كل ما كتبت...
كانت صلاة الجنازة خاشعة، وكان مَوْكِب تقبّل التعازي مهيبًا بعد أن ووُريَ جثمان الطاهر الثرى، فازدادت شقائق النعمان حُمرة، وتَسامقت سنابل القمحِ في خُضرتها ونضجت الشّمْسُ كما تَنْضج الخبزة بنار الفرْن وعرق الخبّازِ...
القرمادي والهمامي ...
مثل طريق التّشييعِ كانت طريقُ العودة من مدينة بوعرادَة مشحونة أسًى على فقداننا قامة بمثل قامَة الطاهر الهمامي في الشعر والنّقد والنّضال والمواقف الانسانيّة، وحممًا على هذا المارد المتجبّر عليْنا وهوَ يستلّ من بُستان أحبتنا ورموزِنا كلّ لحظة اسمًا وعلمًا...
كنتُ وحدي في السيارة ودروس الطاهر تحضرني خاصة سنة 1999 لما كنت طالبا عنده بقسم العربية بكليّة الآداب والعلوم الانسانية بمنوبة وكيف كان يُهاتفني ليلاً ليحدّثني عن مقال ما كتبتهُ أو قصّة نشرتها أو حوارًا أدبيا أجريْتُهُ.
آخرُ مرّة جلست إلى الطاهر الهمامي، أستاذي وصديقي، كان قبل وفاته بثلاثة أسابيع تقريبا عندما دعانِي أنا ورئيس التحرير الأخ محمد العروسي بن صالح لإحتساء قهوة وعلى نخبها أهدانا نسختين من كتابه الجديد والأخير «بعْلٌ ولو بغلٌ»... وكانت جلسة قصيرة رغمَ طولها في الزّمن، فعلى مدى ساعتين تقريبا لم يكف الشّاعر الطاهر الهمامي عن الضّحك والمرح في تحديّه المعهود للآلام والأسقام...
هل ماتَ الطاهر فعلاً؟ نعم لقد مات ورحلَ ولن نراه ثانية أو نكلّمَهُ أو نسْمعهُ ؟ ولكنّ هَلْ سيموت فعلاً لو تُطلق كلية الآداب والعلوم الانسانيّة بمنوبة اسمَ الطاهر الهمامي علىَ أحد قاعات الدرس التي صال وجال فيها كثيرًا وطويلاً... مثلما فعلت كلية 9 أفريل مع صالح القرمادي صاحب «اللحمة الحيّة»...
حتمَا لن يموت الطاهر مثلما هو القرمادي وستظلّ أنفاسُهُ تجوُب الكليّة وكلماته تُرْقص مشكاة الأنوار، ولا أخال أن هذا بعزيز على رجل وهب حياته لأجل طلبته ومؤسسة جامعية...أنشد لها الضياء والنور...

2009/05/17

Anti - vierge أو مسودة حياة


مثل لبؤة منطلقة في أفق لانهائي دحرجت الكاتبة التونسية مريم البوسالمي جملها وصورها وأفكارها في حقل من الألغام اللامرئية واللامعلنة دون كبير ارتباك أو تردد أو خوف...

دفعته لنا نحن القراء، بكل إمكانات الانفجارات المحتملة مع كل صفحة ندخلها، لتتركنا نحاول عبثا بطرق "هوا مائية" تفادي احتمالات شلل عضوي قد يصيبنا به لغم في مرورنا بالصفحات أو شلل فكري قد يقض سكينتنا الموهومة لألفتنا القديمة بتلك الكتب التي تشبه البيوت بعتباتها الثابتة وأبوابها المستطيلة وجدرانها الملساء... ندخلها كما نتصفحها فلا نمسك غير الحَسَك...

"مسودة حياة" ليس بيتا باردا ولا ثابت العتبات أو أملس الجدران... لا باب ندخل منه لكتاب مريم البوسالمي ولا منفذ فيه لننجو من ألغامه...

هذا الكتاب يشبهكَ ويشبهني ويشبهنا جميعا لأنه يحتفل بكل طفل ينتصب للحياة، ولأن كاتبته لم تذهب إلى أي سوبر ماركت لتتزود بواق ذكري في الأدب والكتابة درءا للإسهال الحبري الذي قد يجرف نصها الطفولي بترسانة المعاول القديمة، معاول الرفض المحنطة والجامدة...

مريم البوسالمي في كتابها "مسودة حياة" أثبتت أنها سليلة العصافير، تمقت القيود والأقفاص، وتنعم بالحياة في انتظار اكتمال مشروع موتها، وربما لذلك تكتنز إغماءات الكاتبة بتلك الايروسية التي تشطرنا إلى شطرين مثل تفاحة آدم: شطر للشبق وثان للألم... فنرتبك، مثل بطل الإغماءة الثانية، أينظف يديه أم المسامير العريضة؟

فعبر صور هذا النص وأسلوبه المباغت، ومثلما تُفتض البكارة افتراضا عبر الــsms أو الــchat أو عبر مكالمة هاتفية، يفض كتاب مريم بكارتنا الإسمنتية وحصانتنا الموهومة من أي خط مربك يهتك انضباط السرب الأدبي المطمئن، ويجعلنا نتذكر أن البكارة تنتصب فوقا ولا ترقد في الأسفل، وأن لا فرق بين عقدة الدم وحدود الحبر الأحمر، لأن ختم الصلوحية جاهز لرسم صلوحيات الجودة والخدمة وللتأشير على عبور هذا الجسد أو ذاك إلى مربع الحياة، وعبور هذا النص أو ذاك إلى مربع الانضباط الأدبي وخانة المقبول، فلا فكاك لنا من هذه الورطة إلا متى رسمنا وشما نعلن فيه أننا "Anti - vierge" من الفوق ومن الأسفل، وساعتها يمكننا أن نردم تلك المسافة الفاصلة بيينا وبيننا، أقصد مسافة السبعة أميال وخمسين قدما وحفنة السهول والجبال...

فمسودة حياة مريم البوسالمي يبدو في ظاهره نص موبوء بأنثويته المفرطة في تاء التأنيث، غير أن هتك حجبه البرانية سيمنح قارئه لذة مضاعفة لتحطيم الأوثان الجندرية والأصنام الجنساوية ليرى ذاك الجسد الإنساني الشفاف الذي رسمته الكاتبة بتأن...

يتكثف الزمان في المكان... تختلط هواجس الأبطال بصرير القلم، وتتناثر الأفكار كالبثور على كامل جسد الكتاب لتثبت الكاتبة أن متنها هو فعلا مسودة حياة، وأن كل نص من مجمل المنجز ه عملية جراحية لتغيير الجنس: جنس الطبيعة وجنس الكتابة، فالكتاب ليس رواية ولا هو قصة أو أقصوصة أو مقامة أو سيناريو أو نص مفتوح بقدر ما هو كل هذه الفسيفساء الأجناسية تتبرج على بياض الصفحات ولا تخيطها إلا نقاط الاستفهام المنتصبة صورا وجملا، إذ لم تترك الكاتبة لنفسها منفذا واحدا لتتخلص من شعار حياتها :"بقدر ما سأكشف عن ثورتي...ثورتي ستكتشفني" وهي تخط منجزها الحبري الأول وتعلم أن العثرات إما أن تأتي دفعة واحدة أو لا تأتي أبدا...

وهي بما لهذه الحدية بالذات قررت أن تقوم بعملية "Formatage" لذاكرتها لتدفع لنا بنص آبق ومختلف متنا وشكلا يرفض العيش بصيغة شرطية، ذلك أن كاتبته تعلن في الرسم الماثل في الصفحة (81) بأنها "ستتوقف عن صف الحروف مثلما يستدعي ذلك الاتفاق... فربما تصبح لها معنى" وهذا الميثاق دفع الكاتبة إلى دمج البصري مع النص المكتوب فأعلن الكتاب عن انتحار التصنيفات الأدبية الكلاسيكية، وقد يكون الشاهد الأول على ولادة "الكتاب الكراس" لطبيعته التفاعلية وحرية مساحات التعبير المفتوحة بين الكاتبة الأصلية مريم البوسالمي وشريكتاها اللاحقتان الفلسطينية باسمة التكروري والتونسية حسناء المناعي...

لكل هذا وغيره استحقت مريم البوسالمي أن تحوز لقب "Best Seller" العرب لسنة 2007 بعد أن اجتازت تمرين الكتابة المختلفة وأدخلت قارئها في تمرين قراءة طويل من خلال كتابها "مسودة حياة" الذي أصدرته مؤخرا دار الجنوب للنشر.

2009/05/08

"خطوة القط الأسود" لناجي الخشناوي

خطوة السرد الأولى.. باتجاه أدب خالص

كمال الهلالي (جريدة الصحافة)


عن دار ورقة للنشر، صدر أخيرا الكتاب الأول لناجي الخشناوي على امتداد 104 من الصفحات، ويضمّ الكتاب خمس عشرة قصة قصيرة.

ناجي الخشناوي، من مواليد سبيبة بالوسط التونسي سنة 1975 ومتحصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها، وينتمي إلى الجيل الجديد الذي قدم الى الأدب، من باب الشغف ومن باب البحث عن حاضن نبيل لهواجسهم ومشاغلهم، وهو جيل يعول عليه، ببساطة لأنه يكتب بشكل جيد.

القصة الأولى من الكتاب «لا الوقت لنا.. ولا الكتابة أيضا».. وهي في الأصل عمود صحفي، تصلح بمثابة بيان، بقدر ما يعترف باستعصاء الكتابة بفعل التفاصيل اليومية ومناخات العصر، بقدر ما يخلص إلى انه ليس هناك خيار ومنفذ سواها، فهي «العتبة الحبرية» التي تخلص الكاتب من هلاميته باعتباره واحدا من السواد الأعظم، لتجعل منه فردا له اسم واضح، وليكن مثلا ناجي الخشناوي وله نفس واضح وجديد، تماما...

يقظة الحواس

في قصة «تراتيل بحرية»، تتحول ليلة حب مفاجئة رتبتها «مفارقات عجيبة، مخاتلة ومباغتة، لا تترك لك فرصة لاستيعاب ما سيحل بك ولو بعد دقيقة واحدة من الزمن اللاممسك، الى خرافة، «أصلها هاتف شوق»، لا تحتفي الا بالحواس، التي تتيقظ كلها، في جمر الشهوة:

رجل وامرأة يلتقيان في بهو نزل فاخر: «لم يضمر اي شيء في ذهنه. ولا هي، كان هو مشتتا بين الزجاجات التي تركها فوق المنضدة ببهو النزل حذو مضيفه، وبين الرجل الذي يقاسمه غرفته رقم 1710 ، وبين الفسحة البحرية التي تواعد عليها معها قبل ساعة اما هي فكانت سعيدة، لتخلصها من دعوة صديق لها لشرب قهوة خارج النزل بضاحية سيدي بوسعيد، متعللة بالارهاق والتعب.

كانا هكذا، هو مشتت وهي سعيدة، الى ان ألفيا نفسيهما داخل غرفة مرتبة بعناية فائقة، غرفة بابها مغلق على النزلاء، ونافذتها مفتوحة على الأفق البحري الممتد الى آخر البصر..».
الفراغ من الحبّ يقول الى المزيد من يقظة الحواس، لا من نعاسها وبشكل عفوي يتبدى ان الرجل والمرأة قطعتين حيتين من الوجود: «ظلّا ساكنين ينظران الى البحر طويلا.. طويلا حتى تبدت لهما خيوط الشمس مارقة عن الأفق البعيد خيطا خيطا، وتشرع في امتصاص ضوء القمر الفضي ومحو ظلمة السماء المرقطة بحفنة نجوم لا تزال منثورة هنا وهناك وكأنّها تزاحم في كبرياء موهوم اشعة الشمس".

درجات التعبير عن الواقع

كيف يتعاطى الأدب مع الواقع؟ وكيف سيتعاطى كاتب شاب من الشمال الافريقي يكتب في العام 2009 مع ما يدور من حوله؟ كيف يحفظ حرارة الواقع، سيلانه، كثافته، ونتوءاته دون ان يفقد الأدب، كتعبيرة ممكنة عن هذا الواقع، مذاقه المميز ونكهته الغامضة واللذيذة؟
هي أسئلة، من صميم اشكاليات الكتابة وفي فخاخها انزلقت الكثير من النصوص التي توهمت انها تعبر عن «مشاغل العصر وصوت الجماهير»، ناجي الخشناوي فلت من هذه المزالق، بخطوة رشيقة، لعلها خطوة القط الاسود، وحمل في يد واحدة بطختين: «الادب والواقع» معا، دون ان يتسرب اليه شيء من تشاؤل المعلم ايميل حبيبي.

في قصة «درجة اولى»، بائع الفل والياسمين يجمع ويرتب «زهرات الفل والياسمين ويلفها بالخيط الابيض الرفيع، بحركات بهلوانية سريعة ودقيقة. في عربة درجة اولى، يشغلها ثلاثة ركاب اخرين: «سائحة متوسطة العمر مشغولة بتفاصيل الطريق وازرار الة التصوير الرقمية تداعبها تارة امام صواري المراكب المتناثرة فوق ماء البحر، وطورا نحو قرص الشمس الذاهبة في حمرتها إلى أسفل زرقة الماء، وشاب يلاحق ايقاع الموسيقى المنبعثة من سلكي آلة التسجيل المثبتين في أذنيه، وامرأة تطالع مجلة باللغة الفرنسية»...
«
انزلق باب العربة على المقاعد، كانت من الجلد الخالص، وسليمة من آثار التخريب او التمزيق، وفي طرف كل مقعد ثبتت مطفأة سجائر، اذن التدخين مسموح به في هذه العربة».
يطمئن بائع الفل والياسمين الى عدم وجود محظورات وحين ينهمك في نظم باقاته يفاجأ بمراقب التذاكر الذي يطلب منه الاستظهار بتذكرته، وعلى هذا النحو يتفطن البائع الى أنه ارتكب محظورا هو الركوب في عربة الدرجة الاولى في حين ان تذكرته تجيز له فقط الركوب في عربة الدرجة الثانية.

القصة تفلت بامتياز من فخاخ القراءة الطبقية لهذه الواقعة البسيطة وترقى بها الى مستوى اعلى قليلا، هو مستوى الفن، اذ قد نتوهم مثلا ان ليس هناك خطر ما يتهددنا ونحتاط للامر، كأن لا ندخن الا في مكان نتوهم انه يجيز لنا هذا الفعل.. ولكننا نقع في خطر اخر غفلنا عنه، ويتعلق الأمر هنا بأخطار الحياة الصغيرة، التي تحدث كل يوم للسواد الأعظم، الغائبة أطيافهم في "الضجيج المتعالي".

خطوة السرد الاولى

المجموعة الأولى لناجي الخشناوي«خطوة القط الأسود»، بها نفس جديد ومخلص... وعلينا أن ننتظر هذا الكاتب في كتابه الثاني أو الثالث. فهذه ليست سوى خطوة السرد الأولى .. لكاتب من جيل جديد جعل من الأدب ملاذا وحاضنا كبيرا لمشاغلهم وهواجسهم.. وهي مشاغل وهواجس ليس بها اي ادعاء (كادعاء تغيير العالم.).

المشغلة والهاجس هي الحياة فقط!

2009/05/06

سيدة الأزرق


يحدث أن نهوي إلى الدرك الأعلى من السعادة عندما نكون في حضرة الألوان المشتهاة، أو عندما نقع تحت سطوة الألوان المباغتة لذاك السكون الذي يسكننا ويجعلنا نتوهم أننا نحيا في سكينة...

يحدث ذلك ونحن نقف أمام تلك "الزفرات" الإنسانية المتبرجة في الأشكال والخطوط والدوائر والألوان والمساحات المهملة تزخر بها القماشة البيضاء، تلك التي كانت بيضاء، فنحاول عبثا أن نستعرض كل الأدوات الممكنة للشرح والتفسير والتحليل والتأويل لنفك ما استطعنا إليه بصرا شفرات هذه اللوحة أو تلك، ومع ذلك، وفي الغالب الأعم لا نفلح إلا في التشبث بدفقات السعادة أو البهجة التي تسري في أجسادنا الواقفة أمام ولائم الألوان وبذخ الأشكال...

تسقط أدواتنا أمام سطوة الألوان وتظل هي شامخة في تموجاتها وانحناءاتها... أين يشمخ الأزرق سيدا في أعمالها، يحتضنك أنى وليت بصرك ولا يأبه بدهشتك أو حيرتك وهو يلقيك في قلب الصفاء، في عمق اللامتناهي... في الذي نهواه ونخشاه... يلقي مرجل جمجمتك وفورة جسدك في "تخميرة" فلا تتبين الغموض من الوضوح، ولا تعرف حدودك من حدود المملكة الزرقاء التي تُدخلك إياها الرسامة التونسية سعاد الشهيبي لتحفيزك على إيجاد صلات ووشائج مع لوحاتها المتحررة من الإطارات الخشبية التي تسور عادة تخوم القماشة... وكأنها تأمر الأزرق أن يتمرد في شعرية مفرطة على الحدود والحواجز، كما هو فعلا في العالم، فمن منا مثلا يستطيع أن يرسم حدا نهائيا لزرقة السماء أو من منا قادر على معرفة حدود الأزرق الملتبس بمياه البحار... أو من منا قادر على معرفة خطوط الفقر النهائية لعمال العالم الذين لبسوا الأزرق لونا وما لبسهم لونا... من يقدر على ذلك حتما سيصدق أن الأرض زرقاء مثل برتقالة...

سعاد الشهيبي، الرسامة التونسية، في معرضها الأخير الموسوم بـ:"تخميرة في الأزرق" لا تطلب من زوارها ومريديها مثلا أن يتسمروا أمام لوحة "مجرات" ليكتشفوا أن الأزرق يحيل على الهدوء، أو أن يقفوا أمام لوحة "رؤيا" ليعلموا أن الأزرق يعني اللامتناهي، أو أن ينظر أحدهم مليا إلى لوحة "تموجات" ليصرخ كمن اكتشف سر الكون، ويقول أن الأزرق يعني الأصالة والرحابة، أو يطيل النظر في لوحة "جمرات" ليعرف أن الأزرق لون التأمل والصبر أيضا، وقد يقف شخص آخر أمام لوحة "ميتافيزيقيا" ليقول أن اللون الأزرق يدل على الخجل وطلب العيش في سلام...

سنتأول اللوحات ونفسر طغيان الأزرق ونشرح سقوط الحواجز الخشبية ونرمي باللغة في كل الاتجاهات لنسور انتشار الأزرق في مملكة البصر ونستجديه أن لا يغرقنا في بحره أو يشردنا في سمائه وسنكف عن الاتكاء على أحدث نظريات النقد الفني وعن الرجوع إلى أمهات الكتب لتفسير امتداد اللون وإحالاته وطرق مزجه بهذا اللون أو ذاك...

سنكف عن كل ذلك ونتجرد من شوائبنا الاستيتيقية وزوائدنا "الثقافوية" لنغوص في عمق الأزرق ونطير بلا أجنحة في سماء هذا اللون الذي استأثر بالرسامة سعاد الشهيبي فأدخلها في منامة أفاضت بهجتها، وطوح بها في آفاق أرحب وأوسع من الفكرة... فجعلتها سيدة للأزرق، حيث لا تكاليف ولا بهرج سوى ما ارتعشت له أصابع هذه المنفلتة من عقال الألوان والمنطلقة نحو زرقة فاتنة في تخميرتها...

2009/04/25

خطوة القط الأسود لناجي الخشناوي


بقلم رشـــــــــــــاء التونسي

جريدة الشروق 24 أفريل 2009

في طبعة أنيقة لدار ورقة للنشر لزميلنا سمير بن علي، ولوحة غلاف جميلة جداً للفوتوغرافي رمزي درويش، صدرت المجموعة القصصية الأولى لناجي الخشناوي

. مقارنات بين متضادات غريبة بحثاً عن استشفاف حركة الواقع، ليس هنا كحوار، بل مونولوج مع الذات، أو حوار إسترجاعي، يروي لنا وله تفاصيل الأحداث، منذ الورقة الأولى يعلن الكاتب مأساة الورقة البيضاء، وألمنا المتشابه نحن رفاق القلم مختبئا حافة الجلباب:

من السهل على الواحد منا نحن السواد الأسود أن يعثر على عتبة حبرية يشغل بها رأس المساحة الورقية المتبرجة بين ناظريه، في فستانها الأبيض، لكن من الصعب عليه أن يجد الوقت الكافي والضروري لفك أزرار الفستان البيضوي والولوج إلى أتون الورقة ومغاورها / ببساطة من السهل على واحد منا أن يمسك بعنوان قصة قصيرة مثلاً وهو يركض خبطاً ولطماً خلف ذيل حافلة صفراء عجوز / من السهل عليه ذلك، لكن من الصعب جداً أن ينجح في الحفاظ على حبات الزمرد والمرجان لعقده اللغوي بمجرد أن يحشر داخل العلبة الصفراء العجوز اللعينة، إذ تتبخر فكرة القصة مع الروائح العطنة وتبتلعها أحداق العيون المتوثبة على الجيوب والحقائب اليدوية لصبايا الطريق، ويداس المتن السردي بأحذية الركاب المعفرة بأوحال الأرصفة، وتثقب الفكرة بكعب حذاء يرزح تحت وطأة مائة كيلو غرام من لحم أنثوي مترهل».
كتابة تحمل تفاصيل على طريقة السينما الواقعية، حكايات بسيطة تفسح الطريق حيث لا تنتهي القصة، يبدأ ناجي الخشناوي حكاياته باستعارات متواترة تحول الوصف إلى شعائر تربط الكاتب بشخصيات قصصه، فتمتزج و لا نعود نميز إحداهما من الأخرى، حكايات اليوم العادي، يمرر فيها حياة النسيج الاجتماعي وبنيته التحتية، معظم القصص تدور في الشارع والبيت والأماكن المرتادة كل يوم، عجينة مطواعة تحاول أن تحمي إنسانيتها عبر الحلم، بسطاء الشباب، أولئك الذين يعيشون على هامش الحياة، يحمل الكاتب أوراقه ويرصد أحلامهم المتعبة ولاجدوى حياتهم، لكنه لا يغلق الباب، يتركه مفتوحاً أمام تلك الفئة الاجتماعية المشتتة بين ثقافة مكتسبة ونكران اجتماعي.

في «خطوة القط الأسود» خمس عشرة قصة في نصوص مبنية على خصوصية التعامل مع اللغة تعاملاً يربط بين الحساسية القصوى ووحشة الرجل الوحيد، وهناك تواصل بين القصص في بنى متراصة ومتسلسلة بتسلسل غير منطقي، بروابط نفسية ووحدة الشعور الذي يعبرعنه الكاتب، يتلاعب ناجي بإدارة لعبة القص، وطريقة السرد، يعطي للغة ألواناً ويصنع من المفردات نجوماً، حيث تتحرك الأشياء الجامدة لتعبر عن إنسانية في شرنقة المدينة والحافلة اللاهثة. تجربة حياة وقراءة الكاتب للحياة، صور يومية متدفقة كالريح، كالحافلة الصفراء اللعينة وروائحها العطنة، ولص المكتبة الحالم برحلة إلى طنجة على خطوات محمد شكري، وذلك الذي تضاءلت مساحة البياض فوق ورقة علبة السجاير الفضية يحسب المصاريف وهو ينتقي أثاث زواج منتظر، ليستلم في النهاية زوجي حذاء تزاوجا دون جهاز إلى الأبد. أو بائع الياسمين راكب الدرجة الأولى خطأ. لكن ذلك لا يمنع الذكريات الجميلة مع حسن وسعيد في حانوت عبودة الحلاق، وفي خضم تلك المفارقات يخترق بصيص الأمل الحياة فيتصل الراوي بملهمته التي يهديها كتابه قلباً وعقلاً، و التي رافقته من الصفحة الأولى على سرير من حنين وورق مردداً مقطعاً من ديوانها الشعري
مستوحدان أنا وظلي / نرسم على الحلم سلالم /لا وفي لنا / نسمي الدفاتر عمراً / العمر خيول تهاوت

والقصة القصيرة من أكثر الفنون استقصاء عن التنظير والتأطير الشكليين، وكل قصة قصيرة هي تجربة جديدة في ما يسمى «التكنيك» وفي خطوة القط الأسود نتعرف على كتابة لها صفات خاصة، ضمن العمق الدلالي واللغوي، الناتج عن أهم العناصر الفنية وهي فلسفة التجربة الحياتية وتألق اللغة الأدبية، ناجي الخشناوي أديب من نوع خاص في أدواته وأسلوبه، يحمل تجربة حياة وقراءة، حياة لا تبدو غامضة ولا مبهمة، حياة ضمن سياقها المألوف، وتجربتها التي تسطر أمامنا دون حوار، تجربة مختزنة ومرتحلة معنا أينما نذهب، تقربنا من الحياتي حيث يكمن الجزء الأعمق، لنجد الملغى والمهمل، ورغم كل هذا فالحياة تيار جار دائماً إلى الأمام والكتابة أيضاً. ففي النهاية يصل بنا الكاتب إلى عالم أبعد ما يكون عن عوالمه السابقة، عالم افتراضي، يبحث فيه لاهثاً كحافلته الصفراء عن عالم فاضل تتحقق فيه إيتوبيا السلم والقيم الأساسية مثل الحرية والمساواة والتضامن والمسؤولية المشتركة واحترام الطبيعة. لكن حتى هناك الفضيلة افتراضية، ويهمس له زميله: «كل شيء يمكننا أن نصيره افتراضياً ماعدا صوت فيروز ووقع أقدام الجنود».
مهنة الكاتب هي أقصر طريق للألم والأمل، ولا وجود للقصة بدون قصة تحكى، أي أن تقنيات القص لا تكفي وحدها بالضرورة لإنتاج فن قصصي، بل إن وجود المادة القصصية هو العامل الاساسي الذي يبدأ معه العمل القصصي، وكما قال الناقد ويت بيرينت «لا أعتقد أنك تستطيع كتابة قصة قصيرة جيدة دون أن يكون في داخلك قصة جيدة، أفضل أن يكون لديك شيء تقوله من غير تقنيات القصة، عن أن تملك التقنيات وليس لديك شيء تقوله».
ناجي الخشناوي كان لديه القصة والتقنيات منذ عمله الأول خطوة القط الأسود.

ramaracha@yahoo.fr

2009/04/23

حفل توقيع

ساقيم حفل توقيع مساء الأحد 26 أفريل بداية من الساعة الثالثة بمعرض الكرم بدار ورقة للنشر
يسعدني أن أخص كل واحد من أحبتي بتوقيع على صفحة كتابي الأول "خطوة القط الأسود"الصادر حديثا

2009/04/17

رواية الأوفياء عن قافلة الوفاء