بحث هذه المدونة الإلكترونية

2009/04/11

«خطوة القط الأسود»:من «عراء الأسئلة» إلى تعرية الوجوه الصفيقة والافتراضية



خطوة القط :

ناجي الخشناوي من «عراء الأسئلة» إلى تعرية الوجوه الصفيقة والافتراضية!



Bas du formulaire

أراد تعرية الوجوه والبنيان والأزقة والخطاطيف...

جاء من عراء الأسئلة بعد نصف شهر من سابع نوفمبر 1975 بسبيبة قال إنه ما زال يقيم في العراء... لكن مجموعته القصصية البكر «خطوة القط الأسود» جاءت لتكشف قدرته على تجاوز هذا العراء لتأثيث عوامل جعلت عراءه عمارة ووحشته أنسا وعزلته التصاقا.
ناجي الخشناوي أبحر عبر 15 ميناء وفي كل المرافئ التي أرسى بها أنار لنا عالما من العزلة والسخرية والتوحد والوحشة والغربة وأيضا من الاتحاد والتصاق الأجساد والقلوب المرهفة والحب الذي يكتمل والعرض الموسيقي المجهض وبائع الكتب والحالم بالسفر دون اقتطاع تذكرة سفر على خطى جون جونيه الذي وصفه أحد أبطال أقاصيصه «باللص الأصلع» ويتمنى السير على خطاه وهو الذي سافر من «مو» الى باريس دون دفع ثمن تذكرة القطار!

هذه الأقصوصة اعتقد أنها قريبة جدا من ناجي الخشناوي الذي تحمس لها كثيرا حتى فضحته الأسطر وكأنه يروي حكايات نعرفها ويعرفها هو جيدا لأبطال مازالوا بيننا صدرها بأبيات لـ»علي بن محمد الخولاني» :

بعت الدفاتر

وهي آخر ما يباع من المتاع

فأجبتها ويدي على كبدي

وهمت بانصداع

لا تعجبي مما رأيت

فنحن في زمن الضياع

والحالم السفر الى طنجة والمهووس بجان جونيه راى : «ان الأموال ضرورية سأحتاج الى بعض الأموال لأبعد عن نفسي رائحة التسول... الأموال ضرورية قبل أن أكسب بعض الصداقات التي فشلت في اقامتها مع هؤلاء البشر القذرين الذين يحيطون به كالقطط»!

ما عدا...

الآخرون هم الجحيم ولا بد من فك الحصار والعزلة وفرض علاقات متوازنة مع الآخرين غير الآخرين!

وهذه الأقصوصة شغلت حيزا مهما تماما مثل المقالة الافتراضية التي كانت رغم صبغتها «المباشراتية» تحفل بالتحدي وإعمال معول الهدم في سياسة نشر كاملة وصفت بـ»الافتراضية» لكن أجمل ما في هذه ««القفلة» : «كل شيء يمكننا أن نصيّره واقعا افتراضيا ما عدا صوت فيروز ووقع اقدام الجنود» وضمن الأقاصيص «المعمقة» نجد «معاريج السجود».

و»خطوة القط الأسود» التي أعادت للمجموعة عنوانها و»تراتيل بحرية» وهي من أجمل أقاصيص هذه المجموعة وأكثرها شاعرية وأيضا «موعد النرجس» وغير بعيد عن تلك «التوطئة» لا الوقت لنا والكتابة أيضا وهي في اعتقادي مقدمة أرادناجي الخشناوي من خلالها وضعنا في صورة معاناته الكتابة والكلمة التي لا تخرج إلا بعملية قيصرية يكابد صاحبها على الورق في زحمة الشواغل اليومية.

غير بعيد عن ذلك تطالعنا مجموعة من الأقاصيص الموجزة أو المكثفة أو لنقل انها «أقاصيص الفلاش» التي ما تكاد تطالعنا سطورها الأولى حتى نتورط في اقتراف الختام!
من ذلك «غرق حبرى» وخاصة «حكمة السمكة» التي صيغت بحبكة استثنائية أو «زوجا حذاء» أو درجة أولى و»رجل الكلمات المتقاطعة» وزيارة وGame over وفايسبوك Face book التي لم يكن ترتيبها مواليا للمقالة الافتراضية مجرد صدفة!
ناجي الخشناوي الذي جاء من العراء عراء الأسئلة لم يكف عنها بل تلذذ غواياتها ليؤثث عالما من الأسئلة حتى وان بدا واثقا ممسكا بتلابيب الحقيقة... وكأن الريح تحته أراد «الاقامة في العراء» فتورط حىن التقط الالاف أسئلته وهم الذين رأوا الطمأنينة رغم دفئها الظاهري تدفع بهم الى العراء والخواء.

كان أمة

ناجي الخشناوي كان في مجموعته «أمة» قائمة الذات وهو يجمع حول مظفر النواب ومحمود درويش وأنور براهم وفيرزو وجون جونيه وابن عربي ومحمد شكري وحنا مينه وابراهيم ناجي وغيرهم... تدثر بهم وكان محاطا بآلاف المريدين الذين هتفوا باسمه بوركت يا شيخنا فنحن ظلك في العشق والحيرة والتمرد على الصداقات الزائفة والمظاهر التي هزمتها «حكمة سمكة» هزئت من السكين! وقشور الحضارة والـ»فايسبوك» والعالم الافتراضي بعد إخراس صوت محطتين اذاعيتين تبثان بلغة الخشب!! تماما مثل تلك الجريدة الافتراضية الخشبية التي قامت على الحرية واتخذت لنفسها شعارا دنيئا يرويه أصحابه «سنتركه ينشر مقالته الافتراضية تلك في أكثر من جريدة لنبرهن على اننا فعلا نؤمن بحرية الصحافة وندافع عن القيم الأساسية لمجتمع المعلومات...»

جاء في اهداء هذه المجموعة إلى يسرى فراوس «ستعثر الانثى على الذكر في جنوح الشعر نحو النثر»

ناجي الخشناوي شاعر جنح إلى النثر وقاص يكتب بجنوح شعري شديد هل قال كل شيء؟
هل سكت وغنى مع فيروز الماثلة في أكثر من أقصوصة «خايف أقول اللي في قبلي»؟!
«
خطوة القط الأسود» كان لا بد أن تظهر وكان لا بد لنا في الخشناوي أن يبدأ في اليوم حتى يعري «الغربان والعربان والبنيان حتى يصهل الخيل وتطير الحمام طيران واثق بعيدا عن العوالم الافتراضية.


* شكري الباصومي (صحيفة الشروق)



2009/04/06

حوار مع مدير مركز الاسلام والديمقراطية

هذه فحوى الرسالة التي وجهناها لأوباما...


نشأ مركز الاسلام والديمقراطية في مارس 1999 بالعاصمة الامريكية من قبل الدكتور التونسي رضوان المصمودي وهو يهدف الى دراسة الفكر السياسي الاسلامي والديمقراطي ودمجهما للوصول الى خطاب ديمقراطي اسلامي حديث، وهو يضم أكاديميين ومهنيين ونشطاء مسلمين وغير مسلمين من الولايات المتحدة الامريكية، ويسعى المركز الى انتاج ونشر البحوث الدقيقة عن علاقة الاسلام بالديمقراطية في محاولة منه لتحسين الصورة السائدة في المجتمع الامريكي عن الاسلام . مع رئيس المركز ومؤسسه الدكتور رضوان المصمودي كان لنا هذا الحوار:

* لو تعرّف لنا مركز دراسات الاسلام والديمقراطية؟

ـ طبعا المركز هو مركز أبحاث ودراسات مختصة حول موضوع علاقة الاسلام والديمقراطية على المستوى النظري والتطبيقي، اما نظريا فهو يقوم بعدة مؤتمرات وندوات فكرية وأكاديمية التي تتعلق بمواضيع حقوق الانسان وحقوق المرأة والأقليات في الاسلام، وعلى المستوى التطبيقي يقوم المركز بتنظيم ورشات تكوينية وتدريبية حول ماهية الديمقراطية وعلاقتها بالحياة اليومية ودور المواطن والمواطنة في المجتمعات العربية والاسلامية من اجل دعم وتدعيم الديمقراطية في بلداننا العربية والاسلامية.

ومن اهتمامات المركز ايضا تحسين صورة العرب والمسلمين والاسلام عموما في امريكا وتحسين العلاقة بين امريكا والعالم الاسلامي فيما يخدم المصالح المشتركة للطرفين ونبذ العنف والتطرف والارهاب مهما كان مأتاه.

* هل لهذه الاهداف علاقة بمكان وجود مقر المركز في واشنطن؟

ـ بطبيعة الحال نحن كجالية عربية واسلامية نشعر أن لنا او علينا مسؤوليات كبرى في تحسين صورة الاسلام والعرب والمسلمين في امريكا وإقناع الشعب الامريكي ان الاسلام والعرب ليسوا اعداء لأمريكا وليسوا متطرفين او ارهابيين كما يقدمهم في بعض الاحيان الاعلام الامريكي. كذلك نحن نسعى الى اقناع العرب والمسلمين ان امريكا ليست بالضرورة عدوة لهم ولقضاياهم العادلة اذا عرفنا كيف نقدم هذه القضايا ونشرحها الى اصحاب القرار والشعب الامريكي.

هناك اقلية في امريكا تعادي الاسلام والمسلمين ولكنها اقلية صغيرة جدا ويمكن ان نتغلب عليها اذا طوّرنا اساليب الحوار وعرفنا كيف نخاطب الرأي العام والضمير الامريكي.
* مع باراك أوباما هل يمكن ان يراهن المركز على حظوظ اكثر في التقدم بهذا الحوار وتحقيق اهدافه؟

ـ يعلق العرب والمسلمون في امريكا آمالا كبيرة جدا على الادارة الجديدة، اذ ان ادارة الرئيس بوش الابن قامت بأخطاء كثيرة سواء في علاقتها بالعالم العربي او الاسلامي او في حربها على الارهاب ونحن نقدّر ان من حق وواجب الادارة الامريكية ان تحارب المنظمات الارهابية ولكنها يجب ان تكسب الرأي العام العربي والاسلامي الى جانبها في هذه الحرب وان لا تتحول الحرب على الارهاب الى مناسبة او تعلة للتهجم على الاسلام او المسلمين او ربط الارهاب بالاسلام والمسلمين فمن اكبر اخطاء الادارة السابقة، رغم أننا حذّرناها في العديد من المرات هو انها لم تسع الى اقناع الرأي العام في العالم العربي والاسلامي بأن الحرب على الارهاب ليست حربا على الاسلام او على الثقافة والهوية الاسلامية، وهذا خطأ كبير وان الادارة الجديدة تفطنت له منذ البداية ولذلك نرى ان الرئيس أوباما يسعى جاهدا الى بناء علاقات جديدة مع العالم العربي والاسلامي قوامها الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

* وجّهتم رسالة منذ شهر الى الرئيس أوباما، ما فحواها وكيف كان رد البيت الابيض عنها؟

ـ بالفعل وجهت مجموعة من الباحثين والاكاديميين (290 أو أكثر) ونشطاء سياسيين نصفهم امريكيين والنصف الثاني من الدول العربية والاسلامية رسالة الى الرئيس أوباما نطالبه فيها بأن لا تكف ادارته عن دعم الديمقراطية وحقوق الانسان في العالم العربي والاسلامي رغم ضرورة مراجعة السياسات القديمة للإدارة السابقة في هذا المضمار ونحن نعتبر ان ادارة بوش قامت بأخطاء كبيرة في هذا المجال أهمها الحرب في العراق ورغبتها في دعم اطراف سياسية معينة ضد اطراف اخرى.

نحن نرى ان من واجب الولايات المتحدة الامريكية ان تدعم الديمقراطية كأسلوب لحل النزاعات السياسية بالطرق السلمية وان تترك لشعوب المنطقة حق الاختيار وتقرير المصير وان امريكا اذا تدخلت لصالح طرف ضد طرف اخر فهذا سيقوّض العملية الديمقراطية وسيُفقد الولايات المتحدة أية شرعية او مصداقية في رغبتها في دعم الديمقراطية.

ونحن على تواصل مع الادارة الجديدة وسنواصل اللقاءات والاجتماعات بها في الاسابيع القادمة من اجل اقناعها بضرورة عدم التخلي عن النهج الديمقراطي والكف عن دعم الانظمة الديكتاتورية والشمولية في العالم العربي والاسلامي.


* أنجزتم كتابا تدريبيا على غاية من الاهمية حول مسألة الاسلام والديمقراطية ومفاهيم المواطنة؟

ـ لقد تم انجاز هذا الكتاب بين سنة 2004 الى 2006 بالتعاون مع مجموعة من ثمانية مفكرين ونشطاء سياسيين من المغرب والجزائر ومصر والاردن، ويهدف الكتاب الى توعية المواطنين في الوطن العربي بأهمية الديمقراطية والتصاقها بمشاكلهم اليومية وتوافقها مع قيم وتعاليم الاسلام وضرورة المشاركة الفعالة في البناء الديمقراطي وبعد تجربة طويلة في ميدان تنظيم الندوات الفكرية اقتنعنا بضرورة تطوير مادة جديدة تمكننا من التواصل مع شرائح كبيرة من المجتمع من مختلف الاعمار والتجارب والتوجهات الفكرية لكي لا تبقى الحركة الديمقراطية حكرا على عدد صغير من النخبة الثقافية والسياسية، اذ ساهم الكتاب في تدريب اكثر من 4000 مواطن عربي من المغرب والجزائر وتونس ومصر والاردن واليمن والبحرين والسعودية والعراق على هذه القيم والمفاهيم والآليات لتحقيق وانجاز الديمقراطية في عالمنا العربي والاسلامي وقمنا بتدريب اكثر من 200 مدرب في هذه الدول لكي نتعاون معهم لاستخدام هذه الطرق البيداغوجية في ايصال الفكر والمفاهيم الديمقراطية والحقوقية الى المواطنين ونحن مقتنعون ان الديمقراطية تبدأ أساسا وتستمر من خلال ترسيخ قيم المواطنة والمشاركة الفعالة لكل المواطنين في هذا المشروع الطويل المدى من اجل ارساء مجتمع ديمقراطي متماسك ومتطور.

* كيف تقيمون نجاعة برامجكم في المنطقة العربية في ظل انتشار الاصولية الدينية من جهة وابتعاد الشباب عن الشأن العام؟

ـ لقد لاحظنا من خلال هذه الدورات ان هناك رغبة وارادة قوية لدى قطاعات متنوعة ومختلفة في كل هذه الدول من اجل التعايش واحترام كل الآراء وايجاد القواسم المشتركة التي يمكن لأبناء الشعب ان يلتقوا حولها رغم اختلافاتهم الفكرية او المذهبية او السياسية.

إن التطرف الديني او التطرف العلماني لا يمكنهما التقدم بمجتمعاتنا لأنهما يفرّقان ولا يجمّعان.

إن فكر التخوين والتكفير لا يمكنه ان يبني مجتمعا يحترم فيه الانسان ويشعر فيه كل مواطن بقيمته وبحريته وبمساهمته الفعالة لذلك فنحن نسعى من خلال هذه الورشات الى ترسيخ فكرة القبول بالرأي الآخر واحترام حق الاختلاف الذي هو طبيعي في كل المجتمعات وحتى داخل الاسرة الواحدة.

فيجب علينا ان نطور آليات تسمح لنا بالوصول الى قواعد مشتركة وبرامج واهداف مشتركة وقيم مجتمعية تحفظ حقوق الجميع بما في ذلك حق الاقليات في التعبير عن رأيها واقناع الآخرين بوجهة نظرهم.

وهذا يبني تفاؤلا متجددا رغم الصعوبات التي نواجهها في التحول السلمي الديمقراطي.
*هل لديكم برامج مستقبلية مع العرب والمسلمين المتواجدين في المنطقة الاوروبية؟
ـ نحن فكّرنا بجدية في بناء فروع لمركزنا في اوروبا ولكن الامكانيات هي التي تعوزنا ومع ذلك فنحن نتعاون باستمرار مع العديد من المنظمات سواء كانت عربية واسلامية في اوروبا او غيرها من اجل تحقيق وانجاز العديد من البرامج المشتركة.
نحن نقدر أن الجالية العربية والمسلمة في اوروبا تجاوزت الآن 25 مليون اي انها تقارب عُشر سكان اوروبا وهذا عدد مؤثر في كل القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولذلك فإن الجالية العربية والمسلمة في الغرب بصفة عامة مرشحة لكي تلعب دورا مهما في تحسين العلاقات بين اوروبا والعالم العربي وكذلك في تطوير مجتمعاتنا وتنمية الديمقراطية والحكم الرشيد في العالمين العربي والاسلامي.
لقد نظمنا وساهمنا في تنظيم العديد من المؤتمرات في كل العواصم الاوروبية وخاصة باريس ولندن وبروكسيل وبراغ ونشعر ان الاتحاد الاوروبي مهتم جدا هذه الايام بموضوع حقوق الانسان والديمقراطية وكيف يمكن المساهمة في تنميتهما وترسيخهما في الدول العربية والاسلامية.

* بعد عدة دورات تدريبية في تونس كيف تقيّمون مسار التجربة الديمقراطية؟

ـ انني كمواطن تونسي و امريكي أشعر بأن تونس قادرة ومرشحة لكي تصبح نموذجا جيدا للديمقراطية وحقوق الانسان في العالم العربي اذ ان تونس تمتاز بتعليم جيد وبمشاركة فعالة للمرأة ولها بنية تحتية متطورة نسبيا مما يجعل امكانية ترسّخ قيم ومبادئ حقوق الانسان والديمقراطية ممكنة وليست بعيدة المنال اذا تعاونت كل القوى الحية المدنية والسياسية من اجل تطوير وبناء نموذج حيّ يجمع بين كونية الديمقراطية وخصوصية الاسلام والثقافة العربية الاسلامية التونسية.
هذه القناعة وصلنا اليها بعد تنظيم خمس ورشات تدريبية ومؤتمرين فكريين في تونس بالتعاون مع المعهد العربي لحقوق الانسان ومنتدى الجاحظ وهما منظمتان مستقلتان لهما تاريخ عريق وتجربة مهمة في الحقل الحقوقي والثقافي ولهما اشعاع جيد داخل وخارج تونس.

2009/04/02

الرسام الأمين ساسي

الفن ليس خلافة ووحدها الأفكار برجوازيّة

ولد الرّسام التشكيلي الأمين ساسي سنة 1951 بولاية منوبة وتحصل سنة 1978 على الاجازة في الفنون التشكيلية اختصاص رسم زيتي من المعهد التكنولوجي للفن والهندسة المعمارية والتعمير بتونس وأقام أوّل معرض له سنة 1980 بقاعة التصوير بتونس. وعن أعماله التشكيلية ولوحاته تقول الناقدة رزان نعيم المغربي: «في أعماله المتميزة بإحتفالية لونية مع الإصرار على بناء عوالم اللوحة بشكل مستفز، والتي تحمل تحريضا لذائقة المتلقى روحيّا وبصريّا، لابد أن نلحظ الخط الدرامي الواضح والمقترب مباشرة من التعبيرية غير الكاملة والموازي بعض الحين التجريدية، لهذا لا يُمكن تصنيف أعماله وفق مدارس فنية وبشكل خالص». وتضيف قائلة: «يطرح الأمين ساسي في لوحاته عوالما فانتازية تعول في الأساس على مضمون علاقات الحب الانسانية والحالات الروحانية وما بعدالفيزيائية الجسدية".

مع الرسام الامين ساسي كان لنا هذا الحوار العابر.

* يعيش العالم اليوم على وقع الحروب والدمار في أكثر من مكان، ويطغى لون الدم الأحمر وكذلك اللون الاسود، فهل لهذين اللونين تأثير مباشر على لوحاتك؟

ـ في الحقيقة اللون الأحمر لا يُنسب للدم فقط وإنما أيضا هو لون الورد، ويجدر بنا أن نتحدث عن أحمر الورد للتنديد بالكره والعنف والوئد، إن ما حصل في غزة يدفعنا لحمل الورد كل يوم لا لكي ننسى أو نغض الطرف عما جرى ويجري فيها من قتل وتشريد وتجويع، إني أرى الآن في غزة وفي كل أرض مُنتهكة العصافير تتنهّد تحت الأنقاض، الدم أحمر العروق وأحمرُ اللوحة نشيدها.

أما اللون الأسود فهو الظلم والمظلم ممزّقا في بعض الأحايين بلمعان القنابل والشظايا، وهو عنوان قتامة الغدر. الأطفال الذين شاركتهم الرسم في تظاهرة فنية مساندة لغزة بفضاء المرحوم الفنان التشكيلي حبيب بلال وفي برنامج تضامني بفضاء الحبيب بوعبانة لمستُ في أصابعهم ارتعاشة أكثر صدقا.

ما يحدث اليوم أمام ابنائنا وأمام أبناء كل العالم مقابلة دموية لا يتساوى فيها الطرفان، حتى الحق والحرية عجزا عن فهم محتوى التعدّي على ما أضعف من عصفور، الطفل والشيخ والمسنة، ناهيك أن أكثر أبنائنا يعرفون رسم طائرة ودبابة وانفجار مستندين للصورة التلفزية، ولنتصور صدر أم غزّاوية كم تنهيدة يحمل بداخله وكم زفرة جفّت قبل أن تذرف دمعتها على خدّها ولنتخيل رحابة صدرها وهي تودّع فلذات أكبادها وزوجها وأخيها وجارها.
*هل تعتقد أن بمقدور الفنان والمبدع عموما أن يقدم حلاً عمليا لمثل هذه المآسي التي تفشل كل المساعي في حلها؟

ـ لأن الفنان يهبُ أسمى أحاسيسه للآخر من دون حسابات هذا في حد ذاته حلاًّ.
كيف استمالتك الريشة والقماشة البيضاء؟

*كيف استمالتك الريشة والقماشة البيضاء؟

ـ بما أن كل كهل مسكون بطفل في داخله، فإن الطفل الساكن بداخلي تربّى وترعرع في جنان منوبة وعاش مع تربة الأرض وأشجارها ودوابها وعصافيرها مع جدّي أحمد بالخامسة، وكنت كل يوم أحد أرافقه الى جبال تونس وسهولها للصيد.

الآن وقد أصبح ذاك الطفل كهلا طال على بعض النباتات وبعض الخضرة وأصبح يراها من فوق تحت سماء وقمر وسحاب ولم يعد يرفع رأسه لرؤيتها لأن الذكريات التصقت بقلبه وذاكرته، جمال تلك الطبيعة التي ضمتني في طفولتي وهذا الذي تسمونه الرسام الامين ساسي هو ذاك الطفل الذي يعيش بذاكرته وبمخزونه وبما تبقّى له من دفئ وحنان وأيضا عدم اكتراث فنّي، وهو ما يجعلني أعيش سفرا داخليا في ذاكرتي، وكل لوحة هي سفرة جديدة واكتشاف اخر لكل تفاصيل الطبيعة...

* أعتقد أن شاعرا ما بداخلك؟

ـ إذا كانت هناك علاقة ما بين الفنون فهي موسيقى الرسم للشعر، فالرسم هو موسيقى الشعر، والرّسام الذي لا تسكنه شاعريّة ما لا يمكنه أن يبدع وكذا الشاعرالذي لا يتقن الرسم بالكلمات لا يمكنه ان يكون شاعرا فبالكلمة نقترح الصورة وبالرسم نطفئ القصيدة أو نعانقها، وكما الشاعر رسامٌ يُسافر وحيدا مع لوحاته البيضاء وكما الشاعر يذهب بعيدا مترقّبا رؤية خط الأفق... ولذلك ليس هناك فنان ما وصل الى اليابسة فكل فنان يبقى دائما في حالة انتظار وترقب وسفر...

* لماذا لم يُحظ الأمين ساسي كرسام بالاهتمام النقدي الذي يليق بتجربته التشكيلية؟

ـ ببساطة لأنه ليس لنا نقدا فنيّا بخصوص الرسم في تونس، أمّا بخصوص تجربتي فهناك خمسة طلبة من معاهد الفنون الجميلة بكل من تونس وصفاقس ونابل وسوسة أنجزوا أبحاثهم عن تجربتي الفنية، ثم إن نقادنا الفنيين اعتكفوا بيوتهم أو مكاتبهم وتخلّوا عن مهامهم الحقيقية وأذكر على سبيل الذكر لا الحصر ودون ترتيب كل من الناصر بالشيخ وزبير الأصرم وحسين التليلي والحبيب بيدة وغيرهم... وأسأل أين هم؟

* هل فعلا يبقى الرسم فنّا برجوازيّا متعاليا عن الواقع؟

ـ إن من تحاوره الآن ليس برجوازيا بل هو ابن الحقول، إن الأفكار وحدها هي البرجوازية.
نسبيا الفن خرج من يد أبناء الكادحين، ولأن البرجوازي متعلم أكثر من الكادح فإن ذوقه ارتفع عنه ولا أقول أرفع، ولكن قيمة الفنان تبقى تاريخيا أكبر من البرجوازية وأكبر من كل تقسيم طبقي.

* يُقال ذهب الحبيب بوعبانة فأتى الأمين ساسي؟

ـ كل ما قيل عن خلافتي لصديقي الحبيب بوعبانة كلام لا يلزمني ولا يعنيني لأن الخلافة لأصحابها.
ذهب صديق الطريق وبذهابه ذهب الفنان، والفن ليس خلافة لأن الخلافة جينيّة وهذا مفهوم الاختلاف وهو الأهم عندي لأنه الباقي وسواهُ إلى زوال وعدم.

* ولكن الثابت أن هناك علاقة تأثر وتأثير بينك وبين الحبيب بوعبانة؟

ـ إلى جانب الحبيب بوعبانة يجب أن لا ننسى فوزي الشتيوي فهو الآخر عاشرته وسبرتُ أغوار تجربته مثله مثل الحبيب بوعبانة وقد درسنا معَا في نفس الفترة.

أما التأثر والتأثير فهو شعور انساني ولايوجد فنان ما أو مبدع لم يحاول أن يطير في فضائه الشخصي.