بحث هذه المدونة الإلكترونية

2009/05/17

Anti - vierge أو مسودة حياة


مثل لبؤة منطلقة في أفق لانهائي دحرجت الكاتبة التونسية مريم البوسالمي جملها وصورها وأفكارها في حقل من الألغام اللامرئية واللامعلنة دون كبير ارتباك أو تردد أو خوف...

دفعته لنا نحن القراء، بكل إمكانات الانفجارات المحتملة مع كل صفحة ندخلها، لتتركنا نحاول عبثا بطرق "هوا مائية" تفادي احتمالات شلل عضوي قد يصيبنا به لغم في مرورنا بالصفحات أو شلل فكري قد يقض سكينتنا الموهومة لألفتنا القديمة بتلك الكتب التي تشبه البيوت بعتباتها الثابتة وأبوابها المستطيلة وجدرانها الملساء... ندخلها كما نتصفحها فلا نمسك غير الحَسَك...

"مسودة حياة" ليس بيتا باردا ولا ثابت العتبات أو أملس الجدران... لا باب ندخل منه لكتاب مريم البوسالمي ولا منفذ فيه لننجو من ألغامه...

هذا الكتاب يشبهكَ ويشبهني ويشبهنا جميعا لأنه يحتفل بكل طفل ينتصب للحياة، ولأن كاتبته لم تذهب إلى أي سوبر ماركت لتتزود بواق ذكري في الأدب والكتابة درءا للإسهال الحبري الذي قد يجرف نصها الطفولي بترسانة المعاول القديمة، معاول الرفض المحنطة والجامدة...

مريم البوسالمي في كتابها "مسودة حياة" أثبتت أنها سليلة العصافير، تمقت القيود والأقفاص، وتنعم بالحياة في انتظار اكتمال مشروع موتها، وربما لذلك تكتنز إغماءات الكاتبة بتلك الايروسية التي تشطرنا إلى شطرين مثل تفاحة آدم: شطر للشبق وثان للألم... فنرتبك، مثل بطل الإغماءة الثانية، أينظف يديه أم المسامير العريضة؟

فعبر صور هذا النص وأسلوبه المباغت، ومثلما تُفتض البكارة افتراضا عبر الــsms أو الــchat أو عبر مكالمة هاتفية، يفض كتاب مريم بكارتنا الإسمنتية وحصانتنا الموهومة من أي خط مربك يهتك انضباط السرب الأدبي المطمئن، ويجعلنا نتذكر أن البكارة تنتصب فوقا ولا ترقد في الأسفل، وأن لا فرق بين عقدة الدم وحدود الحبر الأحمر، لأن ختم الصلوحية جاهز لرسم صلوحيات الجودة والخدمة وللتأشير على عبور هذا الجسد أو ذاك إلى مربع الحياة، وعبور هذا النص أو ذاك إلى مربع الانضباط الأدبي وخانة المقبول، فلا فكاك لنا من هذه الورطة إلا متى رسمنا وشما نعلن فيه أننا "Anti - vierge" من الفوق ومن الأسفل، وساعتها يمكننا أن نردم تلك المسافة الفاصلة بيينا وبيننا، أقصد مسافة السبعة أميال وخمسين قدما وحفنة السهول والجبال...

فمسودة حياة مريم البوسالمي يبدو في ظاهره نص موبوء بأنثويته المفرطة في تاء التأنيث، غير أن هتك حجبه البرانية سيمنح قارئه لذة مضاعفة لتحطيم الأوثان الجندرية والأصنام الجنساوية ليرى ذاك الجسد الإنساني الشفاف الذي رسمته الكاتبة بتأن...

يتكثف الزمان في المكان... تختلط هواجس الأبطال بصرير القلم، وتتناثر الأفكار كالبثور على كامل جسد الكتاب لتثبت الكاتبة أن متنها هو فعلا مسودة حياة، وأن كل نص من مجمل المنجز ه عملية جراحية لتغيير الجنس: جنس الطبيعة وجنس الكتابة، فالكتاب ليس رواية ولا هو قصة أو أقصوصة أو مقامة أو سيناريو أو نص مفتوح بقدر ما هو كل هذه الفسيفساء الأجناسية تتبرج على بياض الصفحات ولا تخيطها إلا نقاط الاستفهام المنتصبة صورا وجملا، إذ لم تترك الكاتبة لنفسها منفذا واحدا لتتخلص من شعار حياتها :"بقدر ما سأكشف عن ثورتي...ثورتي ستكتشفني" وهي تخط منجزها الحبري الأول وتعلم أن العثرات إما أن تأتي دفعة واحدة أو لا تأتي أبدا...

وهي بما لهذه الحدية بالذات قررت أن تقوم بعملية "Formatage" لذاكرتها لتدفع لنا بنص آبق ومختلف متنا وشكلا يرفض العيش بصيغة شرطية، ذلك أن كاتبته تعلن في الرسم الماثل في الصفحة (81) بأنها "ستتوقف عن صف الحروف مثلما يستدعي ذلك الاتفاق... فربما تصبح لها معنى" وهذا الميثاق دفع الكاتبة إلى دمج البصري مع النص المكتوب فأعلن الكتاب عن انتحار التصنيفات الأدبية الكلاسيكية، وقد يكون الشاهد الأول على ولادة "الكتاب الكراس" لطبيعته التفاعلية وحرية مساحات التعبير المفتوحة بين الكاتبة الأصلية مريم البوسالمي وشريكتاها اللاحقتان الفلسطينية باسمة التكروري والتونسية حسناء المناعي...

لكل هذا وغيره استحقت مريم البوسالمي أن تحوز لقب "Best Seller" العرب لسنة 2007 بعد أن اجتازت تمرين الكتابة المختلفة وأدخلت قارئها في تمرين قراءة طويل من خلال كتابها "مسودة حياة" الذي أصدرته مؤخرا دار الجنوب للنشر.

2009/05/08

"خطوة القط الأسود" لناجي الخشناوي

خطوة السرد الأولى.. باتجاه أدب خالص

كمال الهلالي (جريدة الصحافة)


عن دار ورقة للنشر، صدر أخيرا الكتاب الأول لناجي الخشناوي على امتداد 104 من الصفحات، ويضمّ الكتاب خمس عشرة قصة قصيرة.

ناجي الخشناوي، من مواليد سبيبة بالوسط التونسي سنة 1975 ومتحصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها، وينتمي إلى الجيل الجديد الذي قدم الى الأدب، من باب الشغف ومن باب البحث عن حاضن نبيل لهواجسهم ومشاغلهم، وهو جيل يعول عليه، ببساطة لأنه يكتب بشكل جيد.

القصة الأولى من الكتاب «لا الوقت لنا.. ولا الكتابة أيضا».. وهي في الأصل عمود صحفي، تصلح بمثابة بيان، بقدر ما يعترف باستعصاء الكتابة بفعل التفاصيل اليومية ومناخات العصر، بقدر ما يخلص إلى انه ليس هناك خيار ومنفذ سواها، فهي «العتبة الحبرية» التي تخلص الكاتب من هلاميته باعتباره واحدا من السواد الأعظم، لتجعل منه فردا له اسم واضح، وليكن مثلا ناجي الخشناوي وله نفس واضح وجديد، تماما...

يقظة الحواس

في قصة «تراتيل بحرية»، تتحول ليلة حب مفاجئة رتبتها «مفارقات عجيبة، مخاتلة ومباغتة، لا تترك لك فرصة لاستيعاب ما سيحل بك ولو بعد دقيقة واحدة من الزمن اللاممسك، الى خرافة، «أصلها هاتف شوق»، لا تحتفي الا بالحواس، التي تتيقظ كلها، في جمر الشهوة:

رجل وامرأة يلتقيان في بهو نزل فاخر: «لم يضمر اي شيء في ذهنه. ولا هي، كان هو مشتتا بين الزجاجات التي تركها فوق المنضدة ببهو النزل حذو مضيفه، وبين الرجل الذي يقاسمه غرفته رقم 1710 ، وبين الفسحة البحرية التي تواعد عليها معها قبل ساعة اما هي فكانت سعيدة، لتخلصها من دعوة صديق لها لشرب قهوة خارج النزل بضاحية سيدي بوسعيد، متعللة بالارهاق والتعب.

كانا هكذا، هو مشتت وهي سعيدة، الى ان ألفيا نفسيهما داخل غرفة مرتبة بعناية فائقة، غرفة بابها مغلق على النزلاء، ونافذتها مفتوحة على الأفق البحري الممتد الى آخر البصر..».
الفراغ من الحبّ يقول الى المزيد من يقظة الحواس، لا من نعاسها وبشكل عفوي يتبدى ان الرجل والمرأة قطعتين حيتين من الوجود: «ظلّا ساكنين ينظران الى البحر طويلا.. طويلا حتى تبدت لهما خيوط الشمس مارقة عن الأفق البعيد خيطا خيطا، وتشرع في امتصاص ضوء القمر الفضي ومحو ظلمة السماء المرقطة بحفنة نجوم لا تزال منثورة هنا وهناك وكأنّها تزاحم في كبرياء موهوم اشعة الشمس".

درجات التعبير عن الواقع

كيف يتعاطى الأدب مع الواقع؟ وكيف سيتعاطى كاتب شاب من الشمال الافريقي يكتب في العام 2009 مع ما يدور من حوله؟ كيف يحفظ حرارة الواقع، سيلانه، كثافته، ونتوءاته دون ان يفقد الأدب، كتعبيرة ممكنة عن هذا الواقع، مذاقه المميز ونكهته الغامضة واللذيذة؟
هي أسئلة، من صميم اشكاليات الكتابة وفي فخاخها انزلقت الكثير من النصوص التي توهمت انها تعبر عن «مشاغل العصر وصوت الجماهير»، ناجي الخشناوي فلت من هذه المزالق، بخطوة رشيقة، لعلها خطوة القط الاسود، وحمل في يد واحدة بطختين: «الادب والواقع» معا، دون ان يتسرب اليه شيء من تشاؤل المعلم ايميل حبيبي.

في قصة «درجة اولى»، بائع الفل والياسمين يجمع ويرتب «زهرات الفل والياسمين ويلفها بالخيط الابيض الرفيع، بحركات بهلوانية سريعة ودقيقة. في عربة درجة اولى، يشغلها ثلاثة ركاب اخرين: «سائحة متوسطة العمر مشغولة بتفاصيل الطريق وازرار الة التصوير الرقمية تداعبها تارة امام صواري المراكب المتناثرة فوق ماء البحر، وطورا نحو قرص الشمس الذاهبة في حمرتها إلى أسفل زرقة الماء، وشاب يلاحق ايقاع الموسيقى المنبعثة من سلكي آلة التسجيل المثبتين في أذنيه، وامرأة تطالع مجلة باللغة الفرنسية»...
«
انزلق باب العربة على المقاعد، كانت من الجلد الخالص، وسليمة من آثار التخريب او التمزيق، وفي طرف كل مقعد ثبتت مطفأة سجائر، اذن التدخين مسموح به في هذه العربة».
يطمئن بائع الفل والياسمين الى عدم وجود محظورات وحين ينهمك في نظم باقاته يفاجأ بمراقب التذاكر الذي يطلب منه الاستظهار بتذكرته، وعلى هذا النحو يتفطن البائع الى أنه ارتكب محظورا هو الركوب في عربة الدرجة الاولى في حين ان تذكرته تجيز له فقط الركوب في عربة الدرجة الثانية.

القصة تفلت بامتياز من فخاخ القراءة الطبقية لهذه الواقعة البسيطة وترقى بها الى مستوى اعلى قليلا، هو مستوى الفن، اذ قد نتوهم مثلا ان ليس هناك خطر ما يتهددنا ونحتاط للامر، كأن لا ندخن الا في مكان نتوهم انه يجيز لنا هذا الفعل.. ولكننا نقع في خطر اخر غفلنا عنه، ويتعلق الأمر هنا بأخطار الحياة الصغيرة، التي تحدث كل يوم للسواد الأعظم، الغائبة أطيافهم في "الضجيج المتعالي".

خطوة السرد الاولى

المجموعة الأولى لناجي الخشناوي«خطوة القط الأسود»، بها نفس جديد ومخلص... وعلينا أن ننتظر هذا الكاتب في كتابه الثاني أو الثالث. فهذه ليست سوى خطوة السرد الأولى .. لكاتب من جيل جديد جعل من الأدب ملاذا وحاضنا كبيرا لمشاغلهم وهواجسهم.. وهي مشاغل وهواجس ليس بها اي ادعاء (كادعاء تغيير العالم.).

المشغلة والهاجس هي الحياة فقط!

2009/05/06

سيدة الأزرق


يحدث أن نهوي إلى الدرك الأعلى من السعادة عندما نكون في حضرة الألوان المشتهاة، أو عندما نقع تحت سطوة الألوان المباغتة لذاك السكون الذي يسكننا ويجعلنا نتوهم أننا نحيا في سكينة...

يحدث ذلك ونحن نقف أمام تلك "الزفرات" الإنسانية المتبرجة في الأشكال والخطوط والدوائر والألوان والمساحات المهملة تزخر بها القماشة البيضاء، تلك التي كانت بيضاء، فنحاول عبثا أن نستعرض كل الأدوات الممكنة للشرح والتفسير والتحليل والتأويل لنفك ما استطعنا إليه بصرا شفرات هذه اللوحة أو تلك، ومع ذلك، وفي الغالب الأعم لا نفلح إلا في التشبث بدفقات السعادة أو البهجة التي تسري في أجسادنا الواقفة أمام ولائم الألوان وبذخ الأشكال...

تسقط أدواتنا أمام سطوة الألوان وتظل هي شامخة في تموجاتها وانحناءاتها... أين يشمخ الأزرق سيدا في أعمالها، يحتضنك أنى وليت بصرك ولا يأبه بدهشتك أو حيرتك وهو يلقيك في قلب الصفاء، في عمق اللامتناهي... في الذي نهواه ونخشاه... يلقي مرجل جمجمتك وفورة جسدك في "تخميرة" فلا تتبين الغموض من الوضوح، ولا تعرف حدودك من حدود المملكة الزرقاء التي تُدخلك إياها الرسامة التونسية سعاد الشهيبي لتحفيزك على إيجاد صلات ووشائج مع لوحاتها المتحررة من الإطارات الخشبية التي تسور عادة تخوم القماشة... وكأنها تأمر الأزرق أن يتمرد في شعرية مفرطة على الحدود والحواجز، كما هو فعلا في العالم، فمن منا مثلا يستطيع أن يرسم حدا نهائيا لزرقة السماء أو من منا قادر على معرفة حدود الأزرق الملتبس بمياه البحار... أو من منا قادر على معرفة خطوط الفقر النهائية لعمال العالم الذين لبسوا الأزرق لونا وما لبسهم لونا... من يقدر على ذلك حتما سيصدق أن الأرض زرقاء مثل برتقالة...

سعاد الشهيبي، الرسامة التونسية، في معرضها الأخير الموسوم بـ:"تخميرة في الأزرق" لا تطلب من زوارها ومريديها مثلا أن يتسمروا أمام لوحة "مجرات" ليكتشفوا أن الأزرق يحيل على الهدوء، أو أن يقفوا أمام لوحة "رؤيا" ليعلموا أن الأزرق يعني اللامتناهي، أو أن ينظر أحدهم مليا إلى لوحة "تموجات" ليصرخ كمن اكتشف سر الكون، ويقول أن الأزرق يعني الأصالة والرحابة، أو يطيل النظر في لوحة "جمرات" ليعرف أن الأزرق لون التأمل والصبر أيضا، وقد يقف شخص آخر أمام لوحة "ميتافيزيقيا" ليقول أن اللون الأزرق يدل على الخجل وطلب العيش في سلام...

سنتأول اللوحات ونفسر طغيان الأزرق ونشرح سقوط الحواجز الخشبية ونرمي باللغة في كل الاتجاهات لنسور انتشار الأزرق في مملكة البصر ونستجديه أن لا يغرقنا في بحره أو يشردنا في سمائه وسنكف عن الاتكاء على أحدث نظريات النقد الفني وعن الرجوع إلى أمهات الكتب لتفسير امتداد اللون وإحالاته وطرق مزجه بهذا اللون أو ذاك...

سنكف عن كل ذلك ونتجرد من شوائبنا الاستيتيقية وزوائدنا "الثقافوية" لنغوص في عمق الأزرق ونطير بلا أجنحة في سماء هذا اللون الذي استأثر بالرسامة سعاد الشهيبي فأدخلها في منامة أفاضت بهجتها، وطوح بها في آفاق أرحب وأوسع من الفكرة... فجعلتها سيدة للأزرق، حيث لا تكاليف ولا بهرج سوى ما ارتعشت له أصابع هذه المنفلتة من عقال الألوان والمنطلقة نحو زرقة فاتنة في تخميرتها...

2009/04/25

خطوة القط الأسود لناجي الخشناوي


بقلم رشـــــــــــــاء التونسي

جريدة الشروق 24 أفريل 2009

في طبعة أنيقة لدار ورقة للنشر لزميلنا سمير بن علي، ولوحة غلاف جميلة جداً للفوتوغرافي رمزي درويش، صدرت المجموعة القصصية الأولى لناجي الخشناوي

. مقارنات بين متضادات غريبة بحثاً عن استشفاف حركة الواقع، ليس هنا كحوار، بل مونولوج مع الذات، أو حوار إسترجاعي، يروي لنا وله تفاصيل الأحداث، منذ الورقة الأولى يعلن الكاتب مأساة الورقة البيضاء، وألمنا المتشابه نحن رفاق القلم مختبئا حافة الجلباب:

من السهل على الواحد منا نحن السواد الأسود أن يعثر على عتبة حبرية يشغل بها رأس المساحة الورقية المتبرجة بين ناظريه، في فستانها الأبيض، لكن من الصعب عليه أن يجد الوقت الكافي والضروري لفك أزرار الفستان البيضوي والولوج إلى أتون الورقة ومغاورها / ببساطة من السهل على واحد منا أن يمسك بعنوان قصة قصيرة مثلاً وهو يركض خبطاً ولطماً خلف ذيل حافلة صفراء عجوز / من السهل عليه ذلك، لكن من الصعب جداً أن ينجح في الحفاظ على حبات الزمرد والمرجان لعقده اللغوي بمجرد أن يحشر داخل العلبة الصفراء العجوز اللعينة، إذ تتبخر فكرة القصة مع الروائح العطنة وتبتلعها أحداق العيون المتوثبة على الجيوب والحقائب اليدوية لصبايا الطريق، ويداس المتن السردي بأحذية الركاب المعفرة بأوحال الأرصفة، وتثقب الفكرة بكعب حذاء يرزح تحت وطأة مائة كيلو غرام من لحم أنثوي مترهل».
كتابة تحمل تفاصيل على طريقة السينما الواقعية، حكايات بسيطة تفسح الطريق حيث لا تنتهي القصة، يبدأ ناجي الخشناوي حكاياته باستعارات متواترة تحول الوصف إلى شعائر تربط الكاتب بشخصيات قصصه، فتمتزج و لا نعود نميز إحداهما من الأخرى، حكايات اليوم العادي، يمرر فيها حياة النسيج الاجتماعي وبنيته التحتية، معظم القصص تدور في الشارع والبيت والأماكن المرتادة كل يوم، عجينة مطواعة تحاول أن تحمي إنسانيتها عبر الحلم، بسطاء الشباب، أولئك الذين يعيشون على هامش الحياة، يحمل الكاتب أوراقه ويرصد أحلامهم المتعبة ولاجدوى حياتهم، لكنه لا يغلق الباب، يتركه مفتوحاً أمام تلك الفئة الاجتماعية المشتتة بين ثقافة مكتسبة ونكران اجتماعي.

في «خطوة القط الأسود» خمس عشرة قصة في نصوص مبنية على خصوصية التعامل مع اللغة تعاملاً يربط بين الحساسية القصوى ووحشة الرجل الوحيد، وهناك تواصل بين القصص في بنى متراصة ومتسلسلة بتسلسل غير منطقي، بروابط نفسية ووحدة الشعور الذي يعبرعنه الكاتب، يتلاعب ناجي بإدارة لعبة القص، وطريقة السرد، يعطي للغة ألواناً ويصنع من المفردات نجوماً، حيث تتحرك الأشياء الجامدة لتعبر عن إنسانية في شرنقة المدينة والحافلة اللاهثة. تجربة حياة وقراءة الكاتب للحياة، صور يومية متدفقة كالريح، كالحافلة الصفراء اللعينة وروائحها العطنة، ولص المكتبة الحالم برحلة إلى طنجة على خطوات محمد شكري، وذلك الذي تضاءلت مساحة البياض فوق ورقة علبة السجاير الفضية يحسب المصاريف وهو ينتقي أثاث زواج منتظر، ليستلم في النهاية زوجي حذاء تزاوجا دون جهاز إلى الأبد. أو بائع الياسمين راكب الدرجة الأولى خطأ. لكن ذلك لا يمنع الذكريات الجميلة مع حسن وسعيد في حانوت عبودة الحلاق، وفي خضم تلك المفارقات يخترق بصيص الأمل الحياة فيتصل الراوي بملهمته التي يهديها كتابه قلباً وعقلاً، و التي رافقته من الصفحة الأولى على سرير من حنين وورق مردداً مقطعاً من ديوانها الشعري
مستوحدان أنا وظلي / نرسم على الحلم سلالم /لا وفي لنا / نسمي الدفاتر عمراً / العمر خيول تهاوت

والقصة القصيرة من أكثر الفنون استقصاء عن التنظير والتأطير الشكليين، وكل قصة قصيرة هي تجربة جديدة في ما يسمى «التكنيك» وفي خطوة القط الأسود نتعرف على كتابة لها صفات خاصة، ضمن العمق الدلالي واللغوي، الناتج عن أهم العناصر الفنية وهي فلسفة التجربة الحياتية وتألق اللغة الأدبية، ناجي الخشناوي أديب من نوع خاص في أدواته وأسلوبه، يحمل تجربة حياة وقراءة، حياة لا تبدو غامضة ولا مبهمة، حياة ضمن سياقها المألوف، وتجربتها التي تسطر أمامنا دون حوار، تجربة مختزنة ومرتحلة معنا أينما نذهب، تقربنا من الحياتي حيث يكمن الجزء الأعمق، لنجد الملغى والمهمل، ورغم كل هذا فالحياة تيار جار دائماً إلى الأمام والكتابة أيضاً. ففي النهاية يصل بنا الكاتب إلى عالم أبعد ما يكون عن عوالمه السابقة، عالم افتراضي، يبحث فيه لاهثاً كحافلته الصفراء عن عالم فاضل تتحقق فيه إيتوبيا السلم والقيم الأساسية مثل الحرية والمساواة والتضامن والمسؤولية المشتركة واحترام الطبيعة. لكن حتى هناك الفضيلة افتراضية، ويهمس له زميله: «كل شيء يمكننا أن نصيره افتراضياً ماعدا صوت فيروز ووقع أقدام الجنود».
مهنة الكاتب هي أقصر طريق للألم والأمل، ولا وجود للقصة بدون قصة تحكى، أي أن تقنيات القص لا تكفي وحدها بالضرورة لإنتاج فن قصصي، بل إن وجود المادة القصصية هو العامل الاساسي الذي يبدأ معه العمل القصصي، وكما قال الناقد ويت بيرينت «لا أعتقد أنك تستطيع كتابة قصة قصيرة جيدة دون أن يكون في داخلك قصة جيدة، أفضل أن يكون لديك شيء تقوله من غير تقنيات القصة، عن أن تملك التقنيات وليس لديك شيء تقوله».
ناجي الخشناوي كان لديه القصة والتقنيات منذ عمله الأول خطوة القط الأسود.

ramaracha@yahoo.fr

2009/04/23

حفل توقيع

ساقيم حفل توقيع مساء الأحد 26 أفريل بداية من الساعة الثالثة بمعرض الكرم بدار ورقة للنشر
يسعدني أن أخص كل واحد من أحبتي بتوقيع على صفحة كتابي الأول "خطوة القط الأسود"الصادر حديثا