بحث هذه المدونة الإلكترونية

2010/08/27

نون الجماعة...

للاقتراب من بعض الظواهر، نلجأ في بعض الأحيان إلى اعتماد الاعتقاد بدل العلم، والاستئناس بما درج الناس على تداوله لا بما وضعه العلماء من نظريات، ولذلك سأقول بأن الحرباء تغير لون جلدتها لملائمة بيئتها مثلما يعتقد جميع الناس بدلا من التذكير بأن تغير لون الحرباء يعود لأسباب فيزيائية وفيزيولوجية استجابة لتعرضها للضوء وتغير درجة حرارة المحيط الذي تتحرك فيه إضافة إلى أن تغيير لونها يمثل شكلا من أشكال جذب قرينها لممارسة الحب معه...

أستعين بمثل الحرباء، للاقتراب من ظاهرة قديمة جديدة، تميز صنفا، أو رهطا، من الناس الذين يتلونون ويتغيرون بنسبة 180 درجة بالتمام والكمال في مواقفهم ومن مواقعهم بعد ذلك...

طبعا وحدها المصالح المادية بالأساس تكون هي الطعم المغري لاستدراج الكائنات الزئبقية أو الحربائية، تلك التي تفتقد لأدنى شروط الحصانة الشخصية فتتحول بقدرة قادر وتصير أشبه بالدرج الخشبي المخلوع الذي لا تهدأ حركته ولا تستقر على وضع واحد... فهذا الرهط المتلون بات يفوق الحرباء في خصوصيتها الفيزيولوجية بما يأتيه من مواقف متناقضة ومتضادة...

وان كان البعض منهم، يبدي موقفا ما في العلن ويحمل نقيضه في السر، في السابق، فاليوم تسقط كل أوراق التوت، وتنحدر الأقنعة إلى الأسفل، وتصير الأسرار معلنة على الملإ... بل يتحول البعض الى كهنة في معبد الاولمب ذوي عيون بصيرة وأصحاب عقول استشرافية يتكهنون بما لا يخطر ببال غيرهم من البشر ويعلنون مواقفهم بفائض من النخوة والاعتزاز...

هذا الفائض هو الذي يمنحهم جرأة مضاعفة ليسحبوا مواقفهم على الجميع دون استثناء، والنطق بألسنة الخلق جميعا دون مراعاة لا لفارق إيديولوجي أو أخلاقي أو أدبي...

وبات هذا الرهط لا يتوانى في تدبيج خطاباته بنون الجماعة تلك التي تعرف أيضا بنون العظمة ونون الكبرياء، وأصلها في اللغة أن يتحدث بها المتكلِّمُ ومعه غيرُه. وقد تكون للمتكلم وحده إذا كان معظما نفسه، ونون الكبرياء هذه أو نون التعظيم تُستعمل أيضا لأسباب منها تعظيم النفس أو إظهار أثر المُنعم على المنعَم عليه، وكأن النعمة تفيض عليه وعلى سواه فتغمرهم جميعا وادعاء شمول النعمة له ولغيره بالانتفاع.

وإذا كانت نون الجماعة محمودة في الخطابات الأكاديمية والعلمية، فإنها في غير ذلك، وخاصة في الخطابات الغوغائية، لا تؤدي إلا إلى تقويض فكرة الفرد المستقل بذاته التي بدأت مع حركة التنوير ونشأت عنها صفة المواطن، وضرب لفكرة الاختلاف والتعدّد ونسف للتوزيع العادل للكلام والمواقف... ومصادرة لوعيه وفكره...

بل إنها تصير حيلة ومطية لاستدراج الجميع نحو الوعي القطيعي تستخدمها مجموعة "تفكر" بدلا عن الجميع دون توكيل أو تفويض... وتتكلم باسم الشعب وهو أسهل من يُتكّلّمُ باسمه.

نحن لسنا نحن دائما... نحن مختلفون... نحن متعددون...

2010/08/20

مقاولات ثقافية

يبدو أن مصطلح "الثقافة المؤسسة" قد دخل طور الانقراض من أوسع أبوابه، بعد أن تم "تحرير سوق الثقافة" بشكل غير معلن، وفتح الباب على مصراعيه للأفراد والمؤسسات التجارية ذات الغطاء الثقافوي للاستثمار والاتجار في السياق الثقافي... بذهنية المرابين...

فمثلما تفيض اليوم الفضاءات التجارية الكبرى والأسواق المنظمة والموازية بالسلع القابلة للتلف والإتلاف بعد أول استعمال، تفيض سوق الثقافة بالمنتجات المعلبة في المسرح والسينما والموسيقى ومختلف الفنون الأخرى، وبلغنا ما يعرف بالطفرة الاقتصادية في الإنتاج "الثقافي"...

اليوم، وفي متحف الذاكرة الوطنية، ترقد تلك التيارات المسرحية والحركات الأدبية والمدارس السينمائية والتشكيلية التي وسمت المشهد الثقافي الوطني بميسم الحركية والإضافة النوعية في أطار التنافس الفكري والثقافي البناء والمؤسس للثقافة الوطنية في السياق الحداثي لبلاد تنفتح على الفضاءات الأخرى المختلفة والثقافات المغايرة من المشرق والمغرب...منذ ثلاثينيات القرن الماضي... لتصاب في العقدين الأخيرين بالسكتة الإبداعية...

تخفت تلك الحركة البناءة ليسري ويتأجج "النمش الثقافوي" في جسد الثقافة الوطنية وينتشر كالداء في مفاصله تشويها وتخريبا... وتدميرا...

تنتصب أكشاك الثقافة لتبيعنا معلباتها الفاقدة للصلاحية، أو المنتهية المفعول بعد أول عرض لها، وتنتصب "حضائر" الثقافة هنا وهناك فتستعر حمى المقاولات وينشط سوق البيع والشراء ويتناسل الوسطاء والسماسرة للتسريع ببيع المنتوج الوفير وعقد الصفقات دائما وأبدا... أما الشعار المركزي المرفوع فهو "ذراعك يا علاف".

ومثلما كتبت سابقا في هذه المساحة، هناك جيل تقاعد "إبداعيا" فبات يستثمر اسمه ليستأثر بكل شيء... وجيل سيخفت بريقه لشده ما ضاق به السياق... وما بينهما جيل يتهافت هنا وهناك...جيل يعتبر نفسه المتن وما سواه هامش... وجيل ينخره السوس لشدة ما هُمش... وما بينهما جيل يتأرجح على الحبلين...

فالمتأمل في "ثقافوت" هذه البلاد والممتهنين بالثقافة عموما، سينتبه دون عناء إلى وجود أكثر من فئة تصول وتجول في الحقل الثقافي كالجرذان المسعورة التي لا تكل ولا تمل من الأكل والتخريب.

فئة أولى "أكلت الدنيا وتريد أن تتسحر بالآخرة" وهي تضم أولئك الذين نضبت منابع إبداعاتهم فباتوا يستثمرون ارثهم وتاريخهم، وطبعا علاقاتهم، ويكفي أن يضع واحد منهم اسمه على أي عمل بسيط، لا إبداع فيه، حتى يلهف مئات الملايين...

فئة ثانية تضم المسيرين والمسؤولين ومنظمي "موائد الإفطار الفني والإبداعي" الذين يلهفون الأموال في السر والعلن... ولا رقابة على أياديهم المندسة أبدا في ميزانيات مؤسساتنا الثقافية... واغلب المتنفذين في المؤسسات الثقافية...

فئة ثالثة لا علاقة لها أصلا بالثقافة، قفزت إليها من نافذة رأس المال، فباتت "تغرف" ملء جشعها ما أمكنها من أموال الشعب والثروة الوطنية قفزت على الإعلام واندسّت بذلك في كلّ بيت دون استئذان تسوّق مؤثراتها الصوتية وأحدث تقنيات التقاط الصورة مستندة إلى الإبهار وأشياء أخرى أما عن المضمون فلا تسأل...

إني أرى صرحنا الثقافي يتهاوى مثلما تتهاوى تلك المباني التي يرفعها مقاولو الغش وتدك أعمدتها وتتناثر حجارتها... هكذا نكون قد بادرنا ونحن أصحاب الريادة دوما، استقبال نهاية العالم في 2012... لو صدقت نظرية نهاية العالم وفق تقويم شعوب "المايا"...

هكذا نحن أعددنا العدّة لأجمل أشكال الفناء...الفناء ثقافيا وإبداعيا وحضاريا ؟؟؟

من الصعب علينا أن نحب وطنا نلهث لامتلاك ثرواتها وتبديدها...

2010/08/10

إلى محمود درويش في ذكراه الثانية



محمود درويش، الفلسطينيُّ المعتقلُ بالذّكريات داخلَ/خارجَ الوطن المُتكرّر في المذابح والأغاني... الفلسطينيُّ الذي مازال يفكُّ طلاسمَ هويّته المُوزّعة من مطار إلى مطار...

محمود درويش مات متّهما بالتّجريد وتزوير الوثائق والصور الشّمسيّة، وهو يُصرُّ على رسم شكلَ فلسطين المُبعثرة بين الملفات والمُفاجآت... المُتطايرة على شظايا القذائف وأجنحة العصافير... فلسطين المحاصرة بين الرّيح والخنجر...

اسمُ محمود درويش السّرّيُّ هو بالكامل «محمود درويش»، أمّا اسمه الأصليّ فقد انتزعته سياطُ الشُّرطة وصنوبر الكرمل عن لحمه... وتركت له هويّة تتكئ على الرّيح... وقامة تصقلها المسافات وتذاكرُ السّفر... وممرّاتٌ تحتشدُ بالفراغ...

ظل يستجدي فلسطينَ كي تُعلن براءته منها ليكفّ عن الموت... أو تُعلن انتهاء عَقْد الشغف بينهما ليُصبح قادرا على الموت والرّحيل...

لم تمت فلسطين درويش... ولم تكن زوجة لمحمود... عاش درويش يشرحُ سُدًى للبوليس تهمة الخيانة الموصوفة التي ترجُم صوتهُ أنَّى ولَّى شعره... أو أين سرَّحَ شَعْرَهُ...

بين اتهام البوليس بالخيانة ودفاع درويش عن البراءة، طالت حالة احتضاره... وتكاثر من حوله المغنّون والخُطباء، ونبت على جثّته الشّعر والزُّعماء و"كل سماسرة اللّغة الوطنيّّة صفّقوا... صفّقوا... ولتعشْ حالة الإحتضار الطّويلة... مادام المطر يتساقط في الخارج بلا سبب... والقحط ينتشر في الداخل لأسباب كثيرة..."

طالت حالة احتضارك يا محمود... وانت تتحفّز للموت على حافة الحلم كما يتحفّز الشّهيد للموت مرّة أخرى تاركًا لحمهُ مشاعًا للجنود كسطوح المنازل، فظل، بعد رحيله، صامدا في الهزيمة وعدوّهُ صامد في النّصر...

كان درويش/الفلسطيني يرثُ السّلاسل ويمنح هويّته شكلها الطّبيعي: صوت يابسٌ كسارية العَلَم ويَدَيْن فارغتين كالنّشـيد الـوطنيّ وروحٌ منذورة لرغوة السّفن... وربطة عنق تلتفّ حول الرّقبة مثل حبل المشنقـة !!!...

هو ذا محمود درويش... هو ذا الفلسطينيُّ... سقط من رحم فلسطينيّ وحشر في نفق "اسرائيليّ" ولكن هل تمتلك الطّفولة والولادة دعوى في المكان ؟

كلّما فتّش عن شيء لم يجده في عكا، أُمٌ عادت إلى البروة، حبيبة زُفّت لرجل آخر، وفقر ٌيُلاحقه... وزنزانةٌ وضابطٌ وَقحٌ عوضًا عن أرض وشعب... عكّا كانت آخر حدود العالم وأولى المحاولات والخيبة...

بنى فوق الرّمال ما تحملهُ الرّياح... لا قشّر البرتقال فوق طبق من ورق في مقاهي باريس... ولا ملك من الوقت وقتا ، في أقبية الأندلس، ليُسرّح وقته بين الكروم...

غادرت وجهك نحو قلبك لتُعلن قصّتك والحرائق تنمو على زنبقة... غادرت لتُعلن صورتك والصّنوبر ينمو على مشنقة... أعلنت قصّتك وصورتك بعد أن سرقت من جرح الشّهيد القطن لتُلمّع أوسمة الصّبر والإنتظار... لينهمر منك الحبر خلف جداول الدّم...

غادر درويش وجهه نحو قلبه بعد أن تعلّم اللّغات الشّائعة... متاعب السّفر الطّويل... النّوم في القطارات البطيئة والسّريعة، والحب في الميناء والغزل المُعد لكل النّساء والشّوق المُعلّب... غادر وجهه نحو قلبه بعد أن تعلّم تربية الأمل ومراسم الوداع...

تعلم كل ذلك وفشل في نسيان فلسطين... إذ يتفتت وجهها حصًى في اللغة... وتتوزّع شوارعها وأديرتها كنايات واستعارات في لغته وأحرفا ونقطا... لتطرّز حقول القمح... وتُزهر الورود فوق المقابر...

وتظلّ المُدُنُ اللّقيطة تتدحرجُ على بطن الهَزيمة كل صَباح... ومابَين صباحين يُولدُ صباح جديد للفلسطيني يسميه "الوطن"...

من تحت الأظافر يُولد، من بَين الأنامل تُورقُ كرومه... وفي كََف اليَد المُحترقة تعلو بذرة القمح أعلَََى وأعلى... وبين المفاصل يُعصَر البرتقَال البرتقاليّ وفوق اللّحم الفلسطينيّ ينمو الزّيتون أخضرا... أخضَرا... ويمتزجُ الدّم مع الحبر فوق التراب/الورق... وتحت كل حجر يكتَََمل قمر. فلا تأتي إلاّ أسطورَة الفلسطيني ولا يَكون إلاّ العرس الفلسطيني حََزينا... حزينا... وللحُزن وجه الفرح في الجليل ويافا والكرمل وعكا والبروة و... ينام على شجر الذكريات ويصحو على وتر المعجزات...
ويجيؤنا درويش بلغة من رخََام وبرق... لغة له منها "وضوح الظل في المترادفات ودقة المعنى"... له منها "التشابه في كلام الأنبياء على سطوح اللّيل"... و"حمار الحكمة المنسيّ فوق التّل يسخر من خرافتها وواقعها"... لغة له منها "احتقان الرّمز بالأضداد...لا التجسيد يُرجعها من الذكرى ولا التجريد يرفعها إلى الإشراقة الكبرى"...

ظل يربّي الأمل ويسبق كل "المتعاطفين" الذين يُعدّون له قبرا مريحا "يظلّله السنديان وشاهدة من رخام الزمن" سبقهم وزغرد في "عطفهم الكلاميّ الغوغائي الخطابي... كان يُزغرد ويسألهم من مات ؟... لمن تحفرون هذا القبر ؟... وهذه الشاهدة على من تدلّ ...؟

يسألهم/يسألنا ومضى نحو النعش يجرحُ خشبه بتهاني ابنه الذي وُلد من الطلقة التي أصابت الجندي الصهيوني... ومن القصيدة التي فجرت سيّارات الغُزاة مجازا وتورية... ومزّقت أوتار عازف الكمان اليهوديّ في مسرحيّة "شالوم عاليخم"... فالشّعر لا يمزح كما التّاريخ الذي سيذكر أن الموت في فلسطين مهنة الرّضيع والشّيخ... مهنة العروس والحبيبة...

2010/07/19

كرسي قرطاج

إشارة لابد منها:

هذا البطاقة كنت قد نشرتها في الدورة السابقة لمهرجان قرطاج الدولي السنة الماضية، وإعادة نشرها مرة ثانية هذه السنة ليس بسبب خمول أصابني أو كسل، وإنما بسبب تكرر نفس الممارسات التي أشرت لها في متن هذا المقال، وهي ممارسات لا أظن أنها ستنتفي ويقلع عنها من ياتونها، لأنها ببساطة ليست ممارسات طارئة وإنما هي ذهنية كاملة.

للكرسي حكمته الأزلية وسحره الأبدي، فأما حكمته فهي تقتضي أن من يصله أولا يستأثر به ولا تهم الوسيلة التي أوصلته، وأما سحره فيتمثل في أسر من يجلس عليه ويمنحه صفة الالتصاق النهائية فوق جلده الأثير وسيقانه البرنزية...

وقلة قليلة من الكراسي التي لا نلهث وراءها للفوز بامتيازاتها، لعل أقربها إلى أذهاننا ومخيلتنا الجمعية، كراسي الصف الأول بالمدارس والمعاهد والجامعات، فهذا الصنف من الكراسي لا يتطلب قوة مال ولا قوة عضلات ولا حتى قوة دهاء ومكر، بقدر ما تتطلب قوة علم وحب للمعرفة، وهي قوة نادرة وباتت غير متوفرة اليوم بشكل كبير...

وللجلوس على كرسي ما والاستئثار به طقوس معلومة وسياسة كاملة في فن الجلوس لا اعرف كيف سها الجاحظ عن ذكرها في رسائله...

المهم، ما يعنيني في هذه المساحة، من أصناف الكراسي وأنواعها ما وصفته بكرسي قرطاج، واعني تحديدا تلك الكراسي المصففة في نصف الدائرة المخصصة لما يناهز ثلاث مائة شخص يشاركون كل ليلة الآلاف المؤلفة من جماهير مهرجان قرطاج، أولئك الذين تكاد تلتصق مؤخراتهم كل ليلة، بالحجر الأملس للمسرح الأثري الروماني الذي تنتظم على ركحه منذ 45 سنة حفلات مهرجان قرطاج الدولي، ومنهم نحن الصحفيون المجبورون كل ليلة، في إطار عملنا، على مواكبة سهرات المهرجان وحفلاته...

أصحاب وصاحبات كراسي مهرجان قرطاج، لا تعنيني صفاتهم ولا مراتبهم الوظيفية أو الاجتماعية ولا ثرواتهم، بقدر ما تعنيني تلك الممارسات التي لا تليق بهيبة الكرسي الذي يجلسون عليه ولا بحكمته أو سحره...

أصحاب الكراسي يتعمدون دخول المسرح متأخرين، ففي كل حفل أحضره ألاحظ حلولهم بالمكان عند اعتلاء الفرقة الموسيقية خشبة المسرح أو تماما بعد موسيقى استقبال النجم وفي أحيان كثيرة بعد استقبال الجماهير الغفيرة لهذا الأخير وتقديمه لشيء من أعماله...

حينها يتناسلون بين الكراسي البيضاء، ينتشرون ببدلاتهم الأنيقة وفساتينهن الناعمة يوشحون المكان بعطورهم الثمينة غير عابئين لا بالمغنى ولا المُغنّي ولا حتى المغنّى لهم، مع أنهم في الغالب يملكون سيارات تودعهم بأمان في الوقت المناسب بالمسرح ولا يمنعهم عن احترام الفنان وفنه تأخر وسائل النقل العمومي ولا اكتظاظها ولا رائحة العرق المعتق داخلها.

ثم أراهم كل ليلة يرفعون الكراسي فوق رؤوس الجالسين وكما لو أنهم على رقعة شطرنج يوزعونها مستسمحين الموجودين أو غير مستسمحين... وفي أحيان كثيرة أراقب أياديهم ترتفع غضبا على أعوان التنظيم محتجين على التوزيع الغير العادل للكراسي متحججين بتذاكرهم حاجبين عنا رؤية المطرب، شاغلين إياه بحركاتهم المستعلية.

هم نفسهم الذين يأتون متأخرين كأنما يختبرون نجوميتهم الاجتماعية، يغادرون المسرح قبل انتهاء السهرة. يحبذّون الخروج في الظلام، فنراهم ينسحبون واحدا خلف الواحد أمام أنظارنا وأنظار المطربين والعازفين فلا يفلحون إلا في إحباط المبدع الساهر لأجلهم وإقلاق الجمهور العريض...

هذه بالفعل ظاهرة اجتماعية جديرة بالدراسة من طرف علماء الاجتماع وعلماء النفس وأهل الاختصاص، وهي تتكرر أيضا بالمسارح البلدية مثلا وفي قاعات السينما بشكل متواتر ومستفز خاصة للمبدع الذي يشعر، لا محالة، بنوع من الإهانة أو الاحتقار من خلال تلك الممارسات التي يأتيها أصحاب الكراسي.

بالأخير لا يمكنني إلا أن أقول بان الغاية تبرر الوسيلة وبأن أصحاب الكراسي ليسوا هم دائما أصحاب الكراسي...

2010/07/07

مع عبد اللطيف بن عمار: النخل يموت واقفا رغم جراحه

بعد قصة "غاية في البساطة" و"سجنان" و"عزيزة" و"نغم الناعورة" يضيف المخرج التونسي عبد اللطيف بن عمار لرصيده السينمائي وللمدونة السينمائية التونسية والعربية عموما فيلما جديدا اختار له من العناوين "النخيل الجريح" وهو فيلم روائي طويل يمكن تصنيفه ضمن خانة سينما الواقعية الجديدة و"يقترح" المخرج عبد اللطيف بن عمار ضمن هذا الفيلم، مثلما صرح بذلك، مقاربته الخاصة إلى كتابة علمية وجادة للتاريخ من خلال إدانته للمفكرين الذين لا همة لديهم، إلا مصالحهم الخاصة يزورون التاريخ لأغراض سياسية ولنيل شرف لا يستحقونه" واضعا "إصبعه على إشكالية الفرق بين الرواية الشعبية للتاريخ والرواية الرسمية التي نجدها بكتب التاريخ".

وعمق المقاربة التي يعلنها عبد اللطيف بن عمار ضمن عمله هذا نجد لها جذورا ممتدة عند جيل دولوز من خلال سؤاله /الإشكال ماهي القوى الجديدة المتحكمة في صناعة الصورة؟ وهو السؤال الذي انبثق بشدة مباشرة اثر الحرب العالمية الثانية بأوزارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية...التي خلفتها.

وغير بعيد عن جيل دولوز، يبني عبد اللطيف بن عمار عمله السينمائي هذا في صميم الواقعية الجديدة باعتبارها، "فن اللقاء وفن المصادفة بين الناس والأشياء والأحداث" مثلما يصفها "زافاتيني"، فالمنعرج الحاسم في فيلم "النخيل الجريح" هو جملة المصادفات التي تقاطرت على البطلة "شامة" (ليلى واز) في بحثها عن حقيقة استشهاد والدها (كمال بن محمود) ومن ورائها تاريخ حقبة حاسمة من تاريخ بنزرت وتونس عموما...وهي معركة الجلاء عن بنزرت التي دارت رحاها بين قوات الاستعمار الفرنسي وبين الشعب التونسي بكل فئاته طيلة أربعة أيام ممتدة من 19 إلى 22 جويلية 1961 التاريخ، ورغم أن مجلس الأمن الدولي صادق على قرار يقضي بوقف إطلاق النار إلاّ أن المستعمر الفرنسي خرق القرار الاممي، وبعد سقوط مئات التونسيين والتونسيات على إسفلت شوارع بنزرت وتخريب نخيل المدينة الهادئة تم الاتفاق في 18 سبتمبر 1961 على سحب كل القوات الفرنسية من مدينة بنزرت والعودة إلى مراكز انطلاقها، ليكون جلاء آخر جندي فرنسي عن قاعدة بنزرت يوم 15 اكتوبر من السنة ذاتها.

الرؤية الإخراجية ضمن هذا العمل كانت جد واضحة وهي استنطاق جانب مهم من تاريخ مسكوت عنه وتقديم قراءة رصينة ومتأنية لمرحلة هامة من تاريخ تونس الحديث، والاهم من هذا وذاك أن هذا العمل السينمائي أعاد "تصنيف" الفاعلين الحقيقيين في التاريخ، وهي قراءة مهمة جدا لأنها تسير في الاتجاه المعاكس للقراءات الرسمية وشبه الرسمية التي لا تنزع إلا لتلميع "الوجاهة الزعامتية" التي أفرطت، ولا تزال مفرطة، في تضخيم ذاتها وتأليهها واقصاء وتجاهل كل من ساهم بقطرة من دمه في صنع تاريخ هذا البلد، واصطفت من كان رصيده مكتنزا بالولاءات مثل شخصية "الهاشمي عباس" التي جسدها في الفيلم الممثل ناجي ناجح.

اختلاف قراءة عبد اللطيف بن عمار للتاريخ ضمن هذا الفيلم يمكن أن نقف على أهم ملامحها من خلال اختياره المرأة بطلة لفيلمه وكأنه يعلن بشكل واضح عن "رفضه" للذاكرة الذكورية وللتاريخ المذكر. كما نقف عليها من خلال احتفائه بجمالية رهيفة أمنتها المشاهد الطبيعية بالأساس وتلقائية الشخصيات وتمسكه بالمحايثة بعيدا عن التركيبات التقنية والإغراق في أساليب المونتاج ومؤثراته، والحيل السينمائية في الإضاءة والحركة، وأيضا باعتماده لا على ممثلين غير محترفين، وإنما على ممثلين غير "مستهلكين" بصريا لم تثقلهم مساحيق المكياج أو ما وصفه عبد اللطيف بن عمار في إحدى حواراته الصحفية بالممثل "الخام" الذي يقوم هو بتطويعه للدور المطلوب (النوري بوزيد، أولاد أحمد، الأسعد بن عبد الله، فتحي العكاري، نجا مهداوي، حمادي بن سعيد، خالد طبربي...) والتصوير في المواقع الفعلية للأحداث (رغم الاعتماد على ديكورات مركبة في بعض المشاهد) والابتعاد عن الاصطناعات الجمالية والسردية وإثارة العاطفة، والثابت أيضا ضمن هذا الفيلم "هوس" عبد اللطيف بن عمار بالصورة السينمائية كأداة جديدة لكتابة التاريخ وإعادة قراءته... بعيدا عن السرد الجاف للأحداث التاريخية والوقائع والحيثيات المملة... وجميع هذه العناصر تمنح الفيلم نسبة كبيرة من الاقتراب من الواقع والتحقق من حيثياته دون الوقوع في التوثيقية، ولعل قصة الحب التي تطورت بين "شامة" (ليلى واز) و"خليل" (جوهر الباسطي) وكذلك التفاصيل العشقية بين "نبيلة" (ريم تاكوشت) و"نور الدين" (حسان كشاش) ورغم دورهما الوظيفي في السياق العام للفيلم، إلا أنهما مثلا بشكل ما متنفسان دراميان أضفيا بعدا جماليا وفتحا أفقا تخييليا ضمن مسار الفيلم...

نقطة مضيئة أخرى في الفيلم بدت لي نقطة تحول مفصلية ذات دلالات وإحالات جد مهمة في الفيلم ككل، واعني بها الحفلة الثقافية المباغتة التي رتب تفاصيلها المخرج عبد اللطيف بن عمار على غير ما تعودنا به، حيث جمع مشكاة الفنون (النحت والرّسم والشعر والسينما والموسيقى) في لوحة موسيقية راقصة شارك فيها (النوري بوزيد ونجا المهداوي وحمادي بن سعد والصغير أولاد أحمد وخالد الطبربي ولسعد بن عبد الله) وهذا المشهد/اللوحة، وفضلا عن طابعها الاحتفالي البهيج الذي كسر هدوء السياق الدرامي لرحلة البحث عن الحقيقة مع شامة، وبعيد عن التأويلات "الساذجة" التي قد تشي بأنها ربما تكون لعبة تسويقية بالأساس للفيلم، فإنها مثلت "حركة" وفاء نبيلة للذاكرة الثقافية الوطنية من خلال اختيار تلك الأسماء الدالة التي أضافت للمدونة الثقافية الوطنية الكثير.

هذه بعض الإشارات التي اقتنصناها من مشاهدتنا الأولى للفيلم ضمن العرض الخاص بالإعلاميين، نتمنى أن تحفز القارئ لمشاهدة هذا العمل السينمائي المتميز الذي يستحق أن يُشاهد أكثر من مرة.

2010/06/30

التفويت في قرطاج



بعد أسبوع تقريبا ستنطلق فعاليات الدورة السادسة والأربعين لمهرجان قرطاج الدولي، وستبقى "حركة" إقالة السيد مراد الصقلي، مدير ما قبل أيام للمهرجان، وتعويضه بالسيد بوبكر بن فرج المدير الجديد القديم لقرطاج، ستبقى في حدود الحركة الوزارية.

سنتحسر قليلا على رجل الذي أتى وذهب بجرة قلم، ونبارك رجلا ذهب وأتى في الوقت المناسب بجرة قلم أيضا... وربما سننتظر في الدورة المقبلة للمهرجان نفس الحركة الوزارية ونحن نتفق على اسم الرجل الثابت ونختلف على اسم الرجل المتحول...

وربما ستتوالى الدورات المقبلة ويصير مسلسل الإقالة جزءا من البرنامج الرسمي لهذا المهرجان، مادامت المسألة ليست مسألة برامج وخطط إستراتيجية بقدر ما هي مسألة أسماء ومواقع لا أكثر ولا أقل... إن لم نقل بأنها مسألة مزاجية...

إن التفسير الوحيد والأكثر معقولية، في تقديري، لمَ صار يعرف بــ:"الإقالة الوزارية لمديري مهرجان قرطاج الدولي"(لا نعرف هنا إن كانت إقالة وزارية أم وزيرية) يعود بالأساس لغياب الشفافية والوضوح، وهذا الغياب ينسحب على عدة جوانب أخرى تتعلق بالمهرجان في حد ذاته كالبرنامج الفني النهائي ومستحقات الفنانين المالية وشروط قبول ملفاتهم...

كما أن غياب الشفافية والوضوح في التعامل مع الشأن الثقافي يطال عدة مجالات أخرى نذكر منها خاصة الدعم المالي للأعمال السينمائية والمسرحية واقتناء الكتب وتوزيع الجوائز والتمثيل الثقافي خارج حدود الوطن وغيرها من المسائل ذات الصلة...

ولعل ما يؤكد غياب الشفافية والوضوح في الشأن الثقافي وتحديدا في ما يتعلق بمهرجان قرطاج الدولي هو الرفض غير المبرر لتقديم التفسيرات والتوضيحات اللازمة لوسائل الإعلام من طرف المدير المُقال ومن طرف المدير المُنصب أيضا ، وكأن الأمر صار منة أو"مزية" من طرف هذا المسؤول أو ذاك...

أعتقد أن الحل الجذري لوضع حد لمسلسل الإقالات المفاجأة لمديري مهرجان قرطاج الدولي هو "التفويت" النهائي في هذه الفعالية الثقافية، وإخراجها من أروقة وزارة الثقافة والمحافظة على التراث لتصير مؤسسة مستقلة بذاتها لها مجلس إدارة مستقل ومصالح مختصة واحدة للبرمجة وأخرى للمالية وثالثة للتنظيم اللوجستيكي وغيرها من المصالح المختصة في ابسط التفاصيل التي تساهم في تأمين استمرارية المؤسسة وديمومة نشاطها وازدهارها...

ورغم أن هذا الحل لن يكون في صالح المجموعة الوطنية في مفهومها "النظري" إلا انه سيكون، في تقديري، في صالحها على ارض الواقع، على الأقل سنصير نتعامل مع "مؤسسة قرطاج" بأقل "غيرة" على مهرجان وطني نساهم فيه بأموالنا وكان في ما مضى يمنحنا "نخوة" و"اعتزازا" بانتمائنا لهذه الأرض... وسنصير نتعامل مع مؤسسة اقتصادية ذات توجه ثقافي وساعتها تتوضح لنا المسافة كمستهلكين لا مواطنين مع مؤسسة إنتاج لا يهمها إلا الربح ووحدها تتحمل خسارتها بدلا من التعامل كمواطنين مع وزارة ذات سيادة وطنية... لا تبيع إنتاجا ثقافيا بقدر ما تؤسس لثقافة وطنية.

2010/06/01

نقاوةُ الكُتَّابِ

مثل تلك الحصاة التي تُلقى في بركة مياه راكدة فتحدث دوائر لا حدّ لها من الإتساع وتحرّك المياه الساكنة والآسنة، تشبه فكرة بعث نقابة للكتاب التونسيين التي انبثقت شرارتها منذ أسابيع قليلة... وهي في طورها إلى أن تصبح واقعًا ملموسًا أو "شرا لابد منه"!!

فكرة تشكيل هيكل نقابي هي بالضرورة مدخل منهجي وعملي لتدعيم مسار الكاتب التونسي وتقريبه من طرائق حركة أكثر كفاءة وتوسيع دوائر الوعي العام لديه باتجاه يدفع إلى مستقبل أكثر وضوح بدلاً من مستقبل تضع أطرهُ العامة الظروف أو تتحكم فيه الأهواء والمصادفات وردات الفعل بمعناها السلبي ...

ويشهد تاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل على ما أولته قيادته، ولا تزال، من بالغ الاهتمام والعناية بالمبدع التونسي، ويكفي أن نذكر أن الزعيم الخالد الذكر فرحات حشاد كان قد بادر ببعث الفرق الموسيقية والمسرحية والرياضة وفتح المجال واسعا صلب المنظمة الشغيلة منذ ستينيات القرن العشرين للنقاش الفكري ورسم البرامج الاقتصادية والاجتماعية والرؤى الفكرية والمعرفية ...

وإذا ما كانت الممارسة تخلق بيئتها الثقافيّة وسياقها العام فإنّ المتأمل الآن في ما أحدثته فكرة تأسيس نقابة للكتاب من ارتباك صارخ واستنفار قصووي لدى العديد من الممتهنين لحرفة الكتابة يدعو إلى الاستغراب وكأنّ ثورة ما ستحدث بمجرد عقد مؤتمر نقابة الكتاب التونسيين !!!في الوقت الذي يُفترض بالكتّاب أن يستبشروا بهذا الكسب وبهذا الهيكل الذي لن يكون بأي حال من الأحوال في "صدام" مع أي هيكل آخر، أو سيسعى لنسف ما تحقق للكاتب التونسي بقدر ما سيدعم مكاسبه ويطوّرها ولن يستحوذ أو يهيمن أو يقصي أية منظمة أخرى ينضوي تحتها كتاب تونس وكاتباتها، بل بالعكس الاتحاد العام التونسي للشغل يساند كل جمعيّة أو منظمة أو رابطة مستقلة ...

أما هذا الارتباك والاستنفار، فأنّه لا يؤكد إلا على تلك الصورة النمطية والإطار الذي لم يخرج عنه أولئك الممتهنون لحرفة الكتابة، أولئك الذين لا يضعون ممارساتهم إلا في مساحات آمنة لا تمرح خارج ما يمليه عليهم وعيهم الثقافي!! وشروط إقامتهم الدنيا!! مهرولين بعيدًا عن موقعهم الاجتماعي المفترض أن يكونوا فيه، ومنحدرين إلى أسفل المراتب وهم يتسترون على تحوير شكل السيطرة الذي تفرضه المؤسسة القائمة وتبرير ممارستها في الآن ذاته ومساعدتها بالتالي على إخفاء سيطرتها وتكثيف شرعيتها لتأبيد فداحة أخطائها...

هل من معنى واضح وتفسير عقلاني لحالة الكرّ والفرّ ولحركات الشد إلى الخلف التي تأتيها بعض " الكائنات الحبرية " في هذه الآونة لعرقلة مشروع حضاري ومدني؟ !!.

هذه الكائنات التي تحوّلت بقدرة قادر إلى كائنات " حربية " تتصدّى بما أوتيت من "وعود " و " تسويفات " بعدائية مفرطة لنقابة يُفترض أنها أداة لتكريس السلم الاجتماعي الذي طالما كانوا ينادون به ...

كائنات "حربائية" تتلوّن في كل منعطف ولا تُصبغُ على جلدتها إلاّ الألوان الباهتة التي لا تمنحها شرف الانتماء للونها الحقيقي... ولا تملك القدرة والجرأة على أن تكون نقية وتُعلنُ موقفها بشكل مصيري...

إن التاريخ لا يمنحنا في كل يوم فرصة للتحرّر من ذواتنا المرتبكة والخائفة وتعتقنا من ربقة التهميش، كما أن فرص إثبات ذواتنا لا تعترضنا مصادفة في الصالونات والبلاطات، بل نحن من يصنعها ويخلقها من عمق الانكسارات والانهزامات...

فهل كثير على كتّاب تونس وكاتباتها أن يُلقوا حصاة في بركة المياه الراكدة والآسنة ويُطلِّقُوا حالة التدجين والموت البطيء !!!