بحث هذه المدونة الإلكترونية

2010/11/10

مراسم الكذب لشكري الباصومي:


كتاب التمائم اليومية

ما الذي يمكن أن يُحرّك البِرَكَ الرّاكدَة؟ وما الذي يمكن أن يقطع خيط الصمت الطويل؟

كيف يمكن أن نَفرُكَ المصباحَ فيخرج ذلك الماردُ الغارق في غيبوبته منذ زمن بعيد؟

كيف يمكن أن نسحب أنفسنا من أيامنا اليتيمة ونأتي إلى الورقة متعرّين من كل شيء، إلا من صدق الرغبة في تغيير الوقت؟

هل لدينا متّسع من الوقت؟

بل لعلَّ الوقت هو الشيء الوحيد المتوفّر لدينا حتى نفكر في اغتياله وشنقه من عقاربه.

وشنق الوقت لا يكون إلا بالكتابة، لأن الكتابة دهشة وإدهاش في الآن. ضرب من العصيان اللغوي والتمرد الحبري على ما سكن واستكان، ووحدها الكتابة الآبقة تكسر قيود العقارب الميتة، وتحبك حبائلها المجازية وهي تستنفر كل حواسنا وتحرضنا على رفع "سماء ثامنة" تمطرنا بوابل نقاط الاستفهام والتعجب من كل ما خلناه حقيقة أو صدقا...

"مراسم الكذب" لصاحب القلم المتوثب أبدا، شكري الباصومي، ضرب من الدهشة والادهاش، ضرب من العصيان اللغوي والتمرد الحبري... لأنه يكتب لنا تمائم "سحرية" فنحملها مثلما حمل ديوجين شمعته وجاب شوارع باريس بحثا عن الحرية، ومع شكري الباصومي في هذا المنجز نقتحم دواخلنا خلسة منا بما تشذر فينا ومن حولنا.

من إبن الأثير إلى أبي حيان التوحيدي، ومن المعري إلى ابن المرزيان، ومن ابن عبد ربه والغزالي والقشيري وابن قتيبة وأبي ذر الغفاري، إلى ابن الحداد، فأبي الفرج الأصفهاني، وأبي سليمان الخطابي وعلي السيستاني وغيرهم يدخلنا شكري الباصومي إلى بستان شذراته التي يتعانق فيها الشعر بالنثر، ويمتزج فيها المجاز بالسخرية.

ومن خلال شهادات للماغوط والراحل محمود السعدني وبدر شاكر السياب ومظفر النواب، والبير كامو، وناصر الدين النشاشي ودريد لحام وأغاثا كريستي وجمال الغيطاني والهادي دانيال ورياض الصيداوي وغيرهم تتقاطع ترنيمات شكري الباصومي بين مختلف فضاءاتها وتلقي بضلالها الوارفة على ما تعتم منها أو ما أوهم باشعاعه...

كتاب "مراسم الكذب" لشكري الباصومي الذي قدم لمتنه الكاتب الحر سليم دولة، كتاب كرنفالي، احتفالي، مزهو بفزاعة اللغة، لأنه كُتب في "زمان القرود والريح الصنصر... في زمن السكر المرشوش على الموتى..." لم ينضبط كاتبه إلى أي تصنيف أجناسي بقدر ما فسح لقلمه حرية الجولان في متاهات اللغة... وطرق الأبواب الموصدة لخلخلة مراتيجها الصدأة...

كتاب شكري الباصومي يخز أدراج الفطنة المستترة لدى القارئ المتقلب، ويرمى الحصى في البرك الراكدة لتتسع دوائر السؤال بشكل مطرقي ولا يترك لك مجالا واحدا للتنصل من إغراض التأويل والجري به نحو المناطق الأكثر تلغيما في مخيالنا اليومي...

كتاب يصيبك بلعنة التمرد والانتفاض:

جوعان أنت

وشجاعة الشجعان

بين يديك

فلماذا أنت صائم

عن الرأي؟.

كتاب لا يترك لك فرصة الكتابة عنه بموضوعية، بقدر ما يهبك فسحة التجول في داخلك...

2010/11/05

"باي باي بورقيبة"


فجأة يتحول كل الناس إلى محبين للسينما ومريدين للشاشة الفضية طيلة أسبوع أيام قرطاج السينمائية...

فجأة يتحول كل الناس إلى محبين للمسرح ومريدين لخشبات ركحه طيلة أسبوع أيام قرطاج المسرحية...

فجأة يتخلص كل الناس من قيود الجهل التي تطوقهم ويهيمون بين أروقة معرض الكتاب الدولي طيلة عشرة أيام...

فجأة أيضا، يتخلص كل الناس من تعلقهم المفرط بالبطاطا والبصل والسندويتشات ويهتمون بالشأن العام السياسي أيام الحملات الانتخابية... (وكأن البطاطا والبصل والسندويتشات ليست من الشأن العام)

فجأة...

فجأة...

فجأة...

فجأة يفيض شارع الحبيب بورقيبة مع كل حدث ثقافي، وفجأة تعود أرصفته إلى سباتها العميق... المدجج بالأقدام والرؤوس المنحدرة أبدا إلى أسفل البطن... ويعود الشعار المركزي لسرة العاصمة، شارع الحبيب بورقيبة وما تفرع عنه من انهج، فالكل، وبعد اختفاء مراسم البهرج الاحتفالية يقول لهذا الشارع "باي باي بورقيبة" فتعود القاعات إلى ظلمتها الدائمة والمسارح إلى مراتيجها والمكتبات إلى غبارها...

هكذا تبدو لي علاقتنا بالثقافة، علاقة طارئة أو موسمية، إذ نستهلكها بنهم وشراهة مفرطة طيلة الأيام المعدودات التي تقررها وزارة الإشراف، ثم وبمجرد أن ينتهي موسم الاحتفال نعود أدراجنا إلى قواقعنا وبيوتنا وأيامنا المتشابهة لنلوك الفراغ... لنكون بذلك أوفياء لحقيقتنا وحقيقة علاقتنا بالثقافة... تلك العلاقة البدوية الموغلة في الولائمية والمبنية أساسا على عادة "الزردة" وطقوسها النهمية...

إن تواتر الاحتفالات الثقافية وتناسل أشكال التنشيط الثقافي البسيط لا يعكس بالضرورة وجود أسس ثقافية متينة، لان الثقافة، يا أهل الثقافة، لا تقتصر على عرض الأفلام أو المسرحيات أو دعوة النجوم والمشاهير أو إقامة معارض للكتب واللوحات والمنحوتات...

فالثقافة هي قبل كل شيء، تلك الممارسات البسيطة التي نتسلح بها لنعرف كيف نستهلك المنتوج الثقافي. ونحن لم نمتلك ثقافة استهلاك الثقافة ولم نؤسس لها بعد، فالمواطن الذي يدخل قاعة سينما محملا بالسندويتشات و"القلوب" و"الشيبس" والمشروبات الغازية، ويترصد ظلمة القاعة ليصعد مكبوتاته، وبائع التذاكر الذي يتأفف من كثرة الجمهور، والشرطي الذي ينهر المارة، والسكارى الذين يترصدون الفتيات، وأصحاب المحلات والمقاهي الذين يستغلون هذه المواسم للترفيع في أسعار بضائعهم...

ولا ينم هذا السلوك إلا عن هشاشة علاقتنا بالثقافة، فهي علاقة سطحية في عمومها... لا تؤسس لأفق بناء بقدر ما توهمنا بذلك...

أما الرواق الآخر، رواق التنظيم والتخطيط والتنفيذ، فلم يتخلص أغلبه من ذهنية "المزية"، ومازلنا نسمع إلى اليوم من هنا وهناك أن هذا المسؤول أو ذاك "عامل مزية على البلاد" بتنظيم هذا المهرجان أو ذاك، ومازال البعض من هؤلاء التكنوقراطيين يتوهم أن الأموال التي تقام بها الأنشطة الثقافية هي منة أو هبة من الدولة... وليست من الضرائب التي يدفعها المواطن المحروم من قاعات السينما ومن المسارح كغيره من الخلق...

2010/11/03

فيلم الخارجون عن القانون



سطوة الخطاب السياسي على الخطاب الجمالي

"الخارجون عن القانون"هو عنوان الفيلم الأخير لصاحب الفيلم الشهير "انديجان" الجزائري الفرنسي رشيد بوشارب، الفيلم الذي أسال في الدورة الأخيرة لمهرجان "كان" السينمائي الكثير من الحبر وأثار موجة من النقد والانتقاد في الأوساط السينمائية بفرنسا وخارجها وألقى بظلاله على السياق السياسي برمته قبل وأثناء وبعد مهرجان "كان"، بعد أن انتقدت الدوائر الفرنسية الرؤية والزاوية السينمائية والتاريخية التي انتهجها المخرج رشيد بوشارب للخوض في مراحل كثيرة من التاريخ المشترك بين الجزائر وفرنسا وكان من ابرز محطاتها مجازر 8 ماي 1945 وفيدرالية جبهة التحرير الوطني في فرنسا والتي كان من بين المنتمين اليها فرنسيون معتدلون حيث اعتبرت الانتقادات آراء رشيد بوشارب غير مسؤولة ومجحفة في حق الفرنسيين إبان احتلالهم للجزائر خاصة ما تعلق برؤيته لمجازر 8ماي 1945 حيث اتهم بأنه يشوه الفرنسيين الذين حسب نظرهم هم أول من عانى من "ظلم" الجزائريين لهم عندما اعتدوا على الأهالي من الأوربيين خلال 8 ماي 45 فما كان على السلطات الفرنسية حينها إلا أن تتدخل وتضع حد "للعصيان المدني" و"الاعتداء" على الفرنسيين العزل من طرف الجزائريين متناسين، كحال كل مستعمر، أن الحقيقة التاريخية التي يدركها الجزائريين وغيرهم أن مجازر8 ماي 45 كانت من فعل الفرنسيين المدججين بأسلحة الحلف الأطلسي في حق الجزائريين العزل وهي الرؤية التي حاول رشيد بوشارب إبرازها من خلال فيلمه "الخارجون عن القانون".

فيلم رشيد بوشارب كان حاضرا ضمن فعاليات الدورة 23 لأيام قرطاج السينمائية التي احتفت بالمخرج وبهذا العمل السينمائي الجزائري التونسي، باعتبار أن منتجه طارق بن عمار وباعتبار أيضا الظهور العابر لأكثر من وجه سينمائي تونسي في هذا الفيلم، إلى جانب طبعا التقنيين ومكان التصوير، وقد تم عرض الفيلم للمرة الأولى صباح يوم الأحد الفارط للإعلاميين بمخابر قمرت، ومساءً لعموم الجمهور بالمسرح البلدي.

الفيلم في مجمله يروي جزءا مهما وحاسما من ملحمة النضال الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، ما بين 1830 و1962، ويرصد تحديدا الفتنة بين اليمين واليمين المتطرف الفرنسي من جهة، والسلطات الجزائرية، ممثلة حزب جبهة التحرير الوطني، أقدم وأكبر حزب سياسي في الجزائر، ويقدم الفيلم عموما أشكال النضال المسلح التي فتحها الجزائريون من قلب باريس باسم "جبهة التحرير الوطني" (FLN) وهذا السياق العام هو الذي رفد الخطوط العريضة للمنجز السينمائي الجزائري.

"الخارجون عن القانون" يروي قصة الأبناء الثلاثة الذين عايشوا مجزرة 8 ماي وشهدوا استشهاد والدهم لتبدأ بذلك قصة مأساتهم حيث يقتاد الابن الأكبر مسعود (رشدي زام) للمشاركة ضمن القوات الفرنسية ضد الفيتنام، ويقتاد الثاني عبد القادر (سامي بوعجيلة) إلى السجن، في حين يختار الثالث سعيد (جمال دبوز) الهرب من الفقر والتذلل بانتهاج طرق مختلفة لكسب المال، في حين يقف أخواه بعد عودة كل واحد منهما في وجهه لإقناعه بأن الكرامة تتمثل في المقاومة ومجابهة العدو ويعملان على غرس الوطنية ومحاولة تجنيد الجزائريين في صفوف جبهة التحرير الوطني لتختار هذه الأخيرة عبد القادر ممثلا لها في فرنسا ويقود عمليات عسكرية ضد مراكز الأمن ورجال الشرطة الذين عملوا على التنكيل بالأبرياء.

"الخارجون عن القانون" راوح بين السرد التخييلي والنسق التسجيلي docufiction وخضعت أحداثه لخط دائري صارم حيث انفتح الفيلم بمشهد افتكاك الفرنسيين للأرض الجزائرية وانغلق باسترجاع الأرض وتحرير الجزائر، كما أن الفيلم، في الكثير من مشاهده لم ينجو من الوقوع في العديد من "الكليشيهات" المستهلكة والبسيطة كصورة الأم النمطية التي قدمها الفيلم ومشهد الاغتيال في المقهى، وصورة الزوجة...

ولم تشفع للفيلم دقة المشاهد وجمالية زوايا التصوير والإضاءة المحكمة والحرفية العالية في إدارة الممثلين وإحكام تنفيذ الديكور من السقوط في الرتابة والنمطية، بل وجعل الفيلم اقرب إلى التسجيلي منه إلى الخيالي، خاصة أن السيناريو كتب بطريقة جافة وحادة في نفس الوقت، ومقارنة بسيطة مثلا بين فيلم الخارجون عن القانون لرشيد بوشارب وفيلم النخيل الجريح لعبد اللطيف بن عمار اللذان يلتقيان بشكل ما في رصد العلاقة الصدامية بين المستَعمر والمستعمر سنلاحظ من دون عناء كبير أن سيناريو النخيل الجريح كتب بطريقة أكثر فنية وبحس مرهف من خلال تلك اللعبة الذكية التي اخترعها عبد اللطيف بن عمار داخل الفيلم التي فسحت للمشاهد مساحات أوسع للتخييل والحلم وكسرت أفق انتظار المتفرج في توقع ما ستؤول له الأحداث، كما أن النوافذ التي فتحها فيلم النخيل الجريح أضفت مسحة من الجمالية المتقنة والتي تخرج بالمشاهد من حدة المشاهد الحربية والصراعات إلى مناطق أخرى مثقلة بالجب والحياة، وهو ما يفتقدها فيلم رشيد بوشارب فلا الموسيقى التصويرية أفلحت في "تنفيس" المتفرج من وابل الرصاص ولا قصة الحب غير المعلنة بن البطل عبد القادر والفتاة الفرنسية فتحت أفقا أوسع من الدمار وهو ما أصاب الفيلم بنوع من الاختلال العميق بين الخطاب السياسي القوي المقدم من جهة والخطاب السردي غير المقنع من جهة ثانية.

رسالة المخرج كانت جد واضحة في هذا الفيلم ويمكن التفطن لها في تلك الجملة المكثفة والمكتنزة بالدلالات عندما خاطب المفتش الفرنسي عبد القادر وهو ميت "أنت من انتصرت"، أي عدالة القضية الجزائرية هي التي هزمت وقهرت وحشية المستعمر الفرنسي.

2010/11/01

فيلم "فراق" للتونسي فتحي السعيدي:



قل إن سفينتي ساقتها الرياح، لا ادري أين مرساها؟

"الفراق" أو (séparations) هو عنوان الفيلم الثالث في رصيد المخرج التونسي المقيم بفرنسا فتحي السعيدي، أخرجه على نفقته الخاصة سنة 2010 بعد فيلمه الأول "أنا وبحبح" الحاصل على جائزة أول إنتاج في مهرجان "جون روش" السينمائي بباريس سنة 1995 وفيلمه الثاني بعنوان "عمارة" الذي أنتجه سنة 2002 وشارك في أيام قرطاج السينمائية في نفس السنة.

فيلم "فراق" الذي أنتجته شركة "بلكون" والمُهدى إلى السينمائي الفرنسي "جون روش"، هو من النوع الوثائقي "الاثنوخيالي" (مخرجه حاصل في فرنسا على شهادة الدراسات المعمقة اشتغل فيها على موضوع "السينما:الانثروبولوجي والوثائقي")، يدوم قرابة الساعة والنصف ساعة وساهم في انجازه إلى جانب فتحي السعيدي كل من عايدة بن شعبان ووسام التليلي وبسام عون الله وحاتم الكنزاري وياسين بن منصور، وهو يرصد بعدسته القريبة ملامح تونسي "حارق" احترق بنار البؤس واليأس والندم بعد أن ضاقت به الدنيا في تونس وخالها ستتسع وتبتسم له في باريس أو روما، غير أن سفينته ساقتها الرياح وتنقلت به من ليبيا إلى لمبدوزا الايطالية فباريس وضواحيها... فعودة خائبة إلى تونس...

وموضوع الهجرة السرية أو غير الشرعية أو ما نصطلح عليه بالحرقة، هو موضوع مطروق في السينما العالمية وفي السينما التونسية، خاصة في الأفلام القصيرة التي أنتجت في العشرية الأخيرة، غير أن ما يضفي فرادة ما على فيلم "الفراق" هو طبيعة الوضع الاجتماعي للحارق الذي اختاره المخرج في الفيلم، فإذا كان المتعارف عليه أن أغلب الحارقين هم من فئة الشباب، وتحديدا العاطلين منهم أو المعطلين عن العمل، فإن "حارق" فتحي السعيدي، محمد، هو كهل تجاوز العقد الرابع من العمر يشتغل بائع ثياب قديمة بتونس العاصمة وأب لأربعة أطفال (ميسا، ياسين، وسيم ووئام). محمد "حرق" يوم 28 أوت 2008 مع قرابة 350 شخص من مختلف الجنسيات على متن الزورق الذي أبحر خلسة من المياه الليبية باتجاه ايطاليا، وبعد شهر انتقل إلى فرنسا.

هذا الوضع الاجتماعي المختلف عما ألفته عين المشاهد في ما شابه من الأفلام، هو الذي أضفى على الفيلم شحنة مضاعفة من التفاعل مع الشخص الحارق، من خلال تلقائيته وعفويته ومن خلال المسؤولية التي يتحملها تجاه أبنائه وزوجته ونفسه من ناحية، وأيضا باعتبار أنه كان يشتغل في تونس، رغم قلة مداخيله، وشحنة "التعاطف" أو التفاعل التي تسري عند مشاهدة هذا الفيلم لا تعود بالأساس إلى "الحارق" في حد ذاته بقدر ما تعود إلى فطنة المخرج في التركيز على ملامح بطله من خلال الاعتماد على اللقطات الكبيرة والمكبرة والإتقان المحكم لضبط حدود الإطار (cadrage) واقتناص، إلى جانب الملامح التعبيرية لمحمد من جهة وزوجته وأبنائه من جهة ثانية، لدقائق الفضاءات التي تم التصوير فيها، فجمال المناظر الطبيعية في فرنسا وضخامة المباني والأماكن الأثرية التي اقتنصها المخرج إبان تصويره لمحمد منحت الفيلم فائضا دلاليا رفد تفاصيل حكاية "البطل". ورغم الجمال الباريسي من خلال الحدائق المزهرة فإن الرجل كان مثخنا بالجراح ومثقلا باليأس، ورغم المباني الشاهقة فإن محمد أصابته لعنة الإحباط من عدم العثور على شغل، ورغم تراص المبيتات السكنية فإن الحارق لم يجد لا خيرا ولا عونا من أبناء بلده أو من أمثاله الحارقين في ليالي تسكعه وتشرده والنوم في المحطات العمومية، ولا تعاطفا وتضامنا من أخت زوجته القاطنة بباريس.

لقد حقق المخرج انسجاما دقيقا بن الخطاب والصورة وجعل من الفضاء خادما أمينا لخطاب فيلمه في جزءه المصور بفرنسا، وكذلك كان الأمر مع الجزء المصور في تونس مع عائلة محمد، حيث رفدت أركان البيت القديم بأثاثه البسيط خطاب الزوجة والأبناء عن حالة الفقر والخصاصة التي دفعت بعائلهم إلى المغامرة بحياته من اجل تحسين وضعهم. كما أن تصوير ملامح الأبناء عن قرب واقتناص تفاصيل فرحهم الطفولي عبرت بشكل غير مصطنع عن أملهم في نجاح والدهم وتحقيق أمانيهم من بيت وسيارة وملابس أنيقة... فمثلت حركة الكاميرا وعدستها ومسافاتها وزواياها وطريقة التركيب منجزا لغويا مفتوحا اخرج الفيلم من السياق التوثيقي إلى سياقات أخرى تزدحم فيها القراءات والتأويلات.

في الفيلم انتفت الموسيقى، وانتفاؤها لم يؤثر على الفيلم بقدر ما خدم حكايته، إذ أن الإيقاع الداخلي لخطاب محمد وعائلته كان أبلغ من الموسيقى. لقد كان العزف داخليا مشحونا بالشجن هناك مع تنهيدات محمد وزفراته، وممتلئ بالبهجة هنا، مع ضحك الأبناء ولعبهم مع والدتهم، تارة يعلو وطورا يخفت وما بينهما تتواتر أصوات "الميترو" الباريسي منذرة بقرب السفر والرحيل... أو تتخللهما بعض المقاطع من أغاني "الحرقة" التي كان يستمع إليها ابنه البكر عبر آلة التسجيل أو من خلال اللقطة التي صور فيها حضور الابن حفل "وين ماشي؟" الذي نظمته جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية السنة الفارطة (2009) بقاعة الحمراء في إطار مشروعها من اجل الهجرة الآمنة.

موسيقى الفيلم أيضا يمكن أن نلتقطها بحساسية مفرطة من خلال الإيقاع الحي لهذه العائلة، فرغم حالة البؤس التي تعاني منها، إلا أنها كانت عائلة "ديمقراطية" بأتم معنى الكلمة ويتجلى ذلك من جهة، من خلال الحوارات المفتوحة بين الأم وأبنائها ونقاشهم في كل المواضيع بطريقة تُحترم فيها الآراء ووجهات النظر على بساطتها واختلافها، ومن جهة ثانية من خلال الاتصالات الهاتفية بين الأب المهاجر وأفراد أسرته، وقدرة محمد على إسعاد أبنائه بحرارة الكلام ودفء المشاعر رغم ألم الفراق وبرد باريس.

الفيلم، ورغم الطول النسبي الذي كان بإمكان المخرج أن يتفاداه ويتجاوز بعض المشاهد التي يتكرر فيها تقريبا نفس الخطاب، رغم ذلك فإن رسالة، فتحي السعيدي، في هذا العمل تتكثف في تلك الخلاصة التي وصل إليها محمد بعد رحلة الشقاء التي اختارها غصبا عنه، إذ يصف فرنسا (بلاد الغربة) بقوله هي "بلاد فلوس وبلاد إنسان له مستوى ثقافي محترم ومعارف، وان لم تمتلك هذا المفتاح فلن تدخلها"، لذلك تخلى مكرها عن حلمه وعن "النظرية" التي جعلته يغامر بحياته، وهي نظرية كل الحارقين من تونس، تلك التي قالها محمد في هذا الفيلم "أنا ميت سواء في تونس أو في البحر ولذلك علي أن أحرق."

2010/10/18

التلفزة معاك


وحدها التلفزة تدخل إلى بيوتنا من دون استئذان. تستأثر بزمننا النهاري والليلي، وتقوض كل إمكانات التواصل والتحاور بين أفراد الأسرة الواحدة. تمارس علينا كل أنواع الانزياحات المعنوية والأخلاقية... مرة تُدهش الساكن فينا، ومرة تُمعن في استغبائنا واستبلاه عقولنا، ومرة ثالثة ترمينا بالسأم والملل...

تتوزع مهامها أساسا بين الإخبار والتثقيف والترفيه والإبداع أيضا، وما على المستهلك أمام ما يقدمه صندوق العجب إلا أن يختار ويفرز الجيد من الرديء متى استطاع إلى ذلك سبيلا، فهذا الصندوق بات يمتلك اليوم من السلطة ما لا تحتكم له اعتى الحكومات والأنظمة في العالم...

في تونس، وقريبا من "صناديقنا العجيبة"، أي قنواتنا التلفزية، يمكننا بمعادلة بسيطة أن نقسم الشعب التونسي إلى صنفين من المشاهدين، ونقول بنوع من الموضوعية أن 45 بالمائة يشاهدون البرامج ذات البعد الديني والمسلسلات (النساء خاصة وجحافل كبيرة من الشباب) و45 بالمائة يتابعون البرامج الرياضية (الرجال خاصة) ونترك العشرة بالمائة للنزر القليل من المتابعين للبرامج "الثقافية" وهي أيضا، تقريبا، النسبة التي تخصصها قنواتنا التلفزية لهذه المادة أو أقل.

ولكن الملاحظ أننا في السنوات الأخيرة، ومع بروز البرامج ذات البعد الاجتماعي والقانوني، تقاربت تلك النسب والتقت في مفترق هذه البرامج، بعد أن استأثرت هذه النوعية من البرامج بنسبة كبيرة من المتابعين لها لاقترابها من مشاغلهم ومشاكلهم، رغم أنها كانت في الغالب تبتعد عن تحليل وملامسة عمق المشاكل الحقيقية.

مثل هذه البرامج التي اكتسحت الزمن التلفزيوني واجتاحت بحلقاتها منازل الملايين من الناس وتحولت إلى محور أحاديث المشاهدين في مكاتب الشغل وفي المقاهي وبين ربات المنازل، باتت تمثل خطرا حقيقيا لما بات يُعرف بدولة "القانون والمؤسسات"، ذلك أن أقصى طموح لدى الملايين من الناس هو الوصول إلى هذا البرنامج أو ذاك المنشط أو تلك المنشطة لطرح قضيته على "الرأي العام" وصار الهاجس الأوحد للمواطن المظلوم اللجوء إلى "بلاتو" التلفزة لكسب "تعاطف شعبي" مع قضيته أو لفت انتباه هذا المسؤول أو تلك الإدارة لضيم لحق به أو بأسرته...

بهذه البرامج يسقط الشعار الحقيقي للمواطن المتمثل في "القانون" ليأخذ مكانه شعار جديد هو "التلفزة معاك"، ولئن توهمنا هذه البرامج بأن دورها لا يتعدى الوسيط بين المواطن والقانون أو الحق، فان ذلك لا يشفع لها السقوط الواضح من جهة أولى في "الانتقائية المسالمة" التي تبتعد قدر المستطاع عن مكامن الفساد الحقيقية وارباك السكون المعمم في أرجاء المؤسسات والادارات، وفي "استثمار الحالات" التي تقدمها لكسب اكبر عدد من المشاهدين وبالتالي اكبر عدد من المستشهرين من جهة ثانية، وهو الهدف الرئيسي لمنتجي هذه البرامج الذين لا هم لهم سوى مراكمة الأموال على حساب مشاعر الناس وعواطفهم.

بهذه البرامج تحولت وجهة المواطن من المؤسسات القضائية والإدارية باعتبارها الراعية الأولى والأخيرة لحقوقه ومصالحه، وانتقلت إلى أبواب المؤسسات التلفزيونية وهواتف المنشطين والمنشطات، وهي وجهة تنذر بالخراب لأنها لا تبني الوطن ولا تخدم مصالح المواطن بقدر ما تخدم مصالح أشخاص بعينهم.

2010/10/07

تحيا السينما


عندما يقول المخرج الفلسطيني نصري حجاج إن مدينة نابل ستنافس "كَان" الفرنسية وتطوان المغربية ووهران الجزائرية في تحويل الصورة السينمائية إلى أيقونة لازوردية، فإنه حتما لا يلقي الورود إلى عاصمة الوطن القبلي التي كرمته واحتفت بآخر انتاجاته السينمائية "كما قال الشاعر" ضمن لقاء نابل الدولي للسينما العربية...

وعندما يقول المخرج التونسي إبراهيم لطيف بأن لقاء نابل للسينما العربية لقاء فريد من نوعه ومغامرة محفوفة بالإصرار والمكابرة فهو حتما لا يجامل ولا يمدح من سهر على هذا اللقاء وأثث لياليه وأيامه بالحب قبل التعب...

وعندما يصرح الممثل محمد علي بن جمعة بأعلى صوته أمام كاميرا طلبة المعهد العالي للفنون الجميلة بنابل ويقول "تحيا لغة السينما وتسقط لغة كرة القدم" فانه حتما يعبر بكل تلقائية وعفوية الممثل المتعطش للجمهور عن سعادته بملاقاة جحافل المشاهدين المتوافدين على المركز الثقافي نيابوليس بنابل لمشاهدة السينما المختلفة والمغايرة...

وعندما تتفق المخرجتين السوريتين لمى طيارة وعلياء خاشوق والجزائرية حجلاء الخلادي والمغربي إدريس شوكة على أن من يقوم بالفعل الثقافي يجب أن يكون مهووسا قبل أن يكون موظفا، فإنهم حتما لا يقصدون مدير المركز الثقافي نيابوليس السيد الطاهر العجرودي في شخصه وإنما يقصدون تلك الفورة المتوثبة بداخل كل شابة وشاب من طلبة المعهد العالي للفنون الجميلة بنابل وكل من تحركت خطاها أو خطاه بثبات بين أروقة وقاعة هذا الفضاء الشامخ في قلب مدينة نابل...

وعندما "تجازف" المؤسسة الثقافية الرسمية، في شخص السيد لطفي المسعدي المندوب الجهوي للثقافة والمحافظة على التراث بنابل، بإطلاق هذا اللقاء وتجند لإنجاحه كل الوسائل، فإنها حتما تراهن على أن يكون مولودها ناضجا في سنته الأولى وواثقا في خطوته الأولى...

خطوة أولى مؤسسة لدرب طويل سيُشرع نوافذ أوسع للحلم ويدخل مريدي الشاشة الفضية إلى عوالم أكثر انفتاح ويمنحهم مفاتيح لم تصدأ بعد بفعل التجارة والاستهلاك المفرط حد الهلاك...

لقاء نابل للسينما العربية، باختياراته السينمائية، بضيوفه، بجمهوره، بإدارته، وبمن أراد له الاختناق في السر والعلن... أثبت بعد دورته الأولى انه "بروفة" ناجحة لفعل ثقافي جاد ومختلف ومؤسس، واثبت أن مركزة الثقافة في العاصمة وَهمٌ لم تنجح جدران المؤسسات الثقافية المنتصبة في شوارع العاصمة وأزقتها في تثبيط عزائم وإصرار من أصابتهم لعنة الثقافة الحقيقية البعيدة عن التنشيط الثقافي العابر والمهووسة بكتابة الجمل الاسمية الباهتة...

لقاء نابل للسينما العربية يبدو انه سيكون مثل ذاك الديوان الشعري الذي نحتفظ به داخل غرف نومنا لنختلي كل ليلة بقصيدة منه ونحلم بالتي ستليها... وبما ستحمله لنا من فوائض دلالية وجمالية...

وأن نحلم بما لا ننتظر هو الحلم في ذاته...

2010/09/17

فيلم "آخر ديسمبر" لمعز كمون: خطوة إلى الأمام... قفزة إلى الوراء


"عن ملاحظة شخصية لحياة وطموحات المرأة الريفية انطلقت فكره فيلم آخر ديسمبر". هكذا قدم لنا معز كمون وجهة نظره ودافعه "الشخصي" ضمن الجذاذة الفنية لآخر فيلم أخرجه "آخر ديسمبر" والذي عُرض لأول مرة بقاعة "الافريكارت" يوم الثلاثاء 14 سبتمبر.
الفيلم تصنفه أيضا الجذاذة الفنية كفيلم اجتماعي رومانسي وتدوم أحداثه 104 دقيقة وتقمص شخصياته هند الفاهم، ظافر العابدين، لطفي العبدلي، دليلة المفتاحي، لطفي بندقة، جمال المداني، سنية بلقاسم، حلمي الدريدي، توفيق البحري، لطيفة القفصي، علي الخميري، وعدة وجوه أخرى...
الفيلم يروي قصة عائشة فتاة العشرين التي تحلم بحياة أفضل تتعقد حياتها بعد هروب صديقها إلى الخارج وعودة شاب يقطن بالمهجر وقدوم طبيب قرر الاستقرار بالقرية.
خطوة إلى الأمام
يخطو الفيلم، من الناحية التقنية، خطوة كبيرة إلى الأمام، إذ توفرت وحداته الصغرى (اللقطات) وبنياته الأوسع (المشاهد)، إلى جانب المؤثرات الصوتية والإضاءة، على حرفية عالية في تصويرها وتقديمها بفائض جمالي يأسر المشاهد بسطوة المكان الرئيسي (القرية) والصور "الكارتبوستالية" المتتالية في الفيلم دليل على مهارة استخدام مختلف العناصر التشكيلية للقطات والمشاهد من الصورة/الحركة والزمان/المكان والألوان والصوت إلى جانب الإتقان المحكم لضبط حدود الإطار (cadrage) ونجحت في تقريب المشاهد من السياق الاجتماعي حينا وحينا آخر في تأثيث خياله ضمن الأفق الرومانسي للفيلم، خاصة من خلال التوزيع المحكم بين اللقطات القريبة وللقطات المكبرة تلك التي تركز على الوجه أو جزء مفصلي من الحركة لتبرز أهمية وعمق الحدث الدرامي المراد تبليغه. وهناك العديد من اللقطات المصورة في الفيلم التي تجاوزت إطارها المرئي البصري لتنفتح على أفق رحب من الدلالات المقروءة واكتنزت باحتمالات تأويلية شاسعة. ويمكن اعتبار الصورة في الفيلم نصا مكتمل التشكيل ومثلت حركة الكاميرا وعدستها ومسافاتها وزواياها وطريقة التركيب منجزا لغويا مفتوحا.
كانت الموسيقى التصويرية للفيلم والتي أنجزها الموسيقار رياض الفهري منسجمة مع حركة ونسق أحداث قصة الفيلم، إن خفوتا أو توترا، وأضفت مسحة من الجمالية غير المصطنعة على الفيلم. إلى جانب التوفيق في اختيار الممثلين، فقد اثبت خاصة ظافر العابدين وهند الفاهم وسنيا بلقاسم وجمال المداني ولطفي العبدلي حرفيتهم العالية في تجسيد الشخصيات.
قفزة إلى الوراء
السينما ليست مجرد عمل تقني بحت تنجزه كاميرا التصوير بحرفية. السينما تفكير بالصورة والصوت واستدراج مقصود للتفكير أيضا. وإذا كانت الأفكار ملقاة على قارعة الطريق فان كيفية التفكير في الأفكار هو الذي يُحدث الفارق والاختلاف...
يمثل السيناريو عملا أدبيا فنيا مستقلا بذاته. السيناريو هو موقف ورأي ونظرة المخرج التي ينفذها بصياغته السينمائية المخصوصة ليبلغ رسالته للمتلقي، وفي علاقة بفيلم "أخر ديسمبر" فان الرسالة المراد تبليغها مثلما يعلن ذلك المخرج في الجذاذة الفنية هو "وجوب تغيير نظرتنا للمرأة الريفية التي أصبحت متعلمة ومنفتحة على العالم" كما أراد معز كمون من منجزه هذا تقديم "شريط حي بعيد عن الميلودراما وذلك بشخصيات واقعية وطريفة وقريبة من الجمهور في الآن نفسه".
في قراءة انطباعية أولى غير مسرفة في هتك حجب الخطاب المقدم في هذا الفيلم يمكن القول بأن المخرج لم يوفق في تبليغ رسالته بل حملها ما لا تحتمل إن سلمنا بأنه أراد أن يفسر لمتقبل فيلمه أن العذرية هي فكرية بالأساس وليست جسدية.
وإذا استثنينا بعض الجمل المنثورة هنا وهناك وبعض المواقف "الجدية" القليلة فان نص الفيلم ضعيف البناء، حواره بسيط ومسقط في الكثير من أجزائه، ثم إن ثنائية الريف والمدينة ثنائية كلاسيكية ومستهلكة جدا في السينما العربية والتونسية وحتى زاوية التناول كانت سطحية، وطرح هذه الإشكالية يعيدنا إلى سنوات السبعينات ولا ينم عن انه فيلم منتج سنة 2010 ، وأعتقد أن المرأة الريفية "المتفتحة" التي يقدمها معز كمون مازالت حلما بعيد المنال وانفتاحها مازال يعاند القشور ولم يبلغ اللب بعد، وبعيدا عن الخطابات البلورية المفتخرة بتطور المرأة تسعفنا أبصارنا بعودة المراتيج الصّدئة على الذهنيات والعقول والتوغل في كهوف التزمت وتزفنا صفحات الجرائد يوميا بعشرات الروايات عن "الشرف"...التي تُحبك في أطراف العاصمة قبل أعماق الريف... ومازالت المرأة الريفية تفد على الجامعة التونسية "مُصفحة"من أسفلها إلى أعلاها... فالمرأة المنفتحة تلك التي تقود الطائرة لم تجرأ بعد على المطالبة بالمساواة في الميراث مثلا مع زوجها وهي دائما "حرة" المطبخ مثلما تسوقها لنا تلفزتنا بفائض من التقدمية والحداثة... مثلما كانت نظرة معز كمون لبطلة الفيلم نظرة جد استباقية إن لم نقل سريالية...
وهناك عدة هنات في صياغة السيناريو من قبيل تأخر لقاء البطل مع البطلة الى حدود ساعة تقريبا من زمن الحكاية وعدم تهيئة وتحضير المتلقي دراما لسبب التحاق الطبيب بالقرية النائية أو لهوايته التجديف والصيد وهي هنات تنم عن مشكلة قائمة ما بين عمليتي التقطيع والتركيب (découpage/ montage).
في الفيلم يرسم لنا المخرج صورة كاريكاتورية للفعل الثقافي غير انه يُسرف في الكوميديا السوداء التي تصل حد التهريج البليد.
فكرة الفيلم لم تقترب من واقعيتها المفترضة ولم تفتح لنا قصص الحب المعدومة التي عاشتها "عائشة" نوافذ رحبة في الرومانسية المعلنة

2010/09/16

في"تشفير" تلفزتنا


يمثل التليفزيون النافذة الأوسع على العالم فقد اعتبره الناقد الأمريكي موريس ويجين "بديلا للرحلة والصحبة بينما نحن منكمشين في مخابئنا نستخدمه كمنظار نتبين به الناس والعالم". فالتليفزيون اليوم يجلب لك كل العالم إلى بيتك.

داخل غرفتك وأنت تستلقي فوق سريرك تقضم قطع "الشيبس" فلا تفطن بنفسك إلا وأنت تسبح في بحيرات الأمازون أوتلاعب السناجب في أقصى أسيا أو تأكل السوشي في مطعم ياباني أو تدخل ملعب ومبلي لتشاهد مباراة بين ليفربول ومانشستر، أو تتجول في قصور الملكة كليوبترا أو داخل الطائرات والغواصات... تزور أجمل متاحف الدنيا وتشارك في المسيرات المنددة بانتهاك حقوق الإنسان... وتحضر افتتاح مهرجان كان السينمائي...

أمام شاشتك، وبكبسة زر واحدة، يمكنك أن تعيش لعدة قرون طويلة وتتنقل في كل الأماكن وتخالط كل البشر... وإذا لم تعرف ما يجرى على شاشة التليفزيون فستفتقد العالم كله.

التلفزيون نافذتنا على العالم، وتلفزتنا الوطنية برقميها،7و21 هي نافذتنا التي يمنحنا بلورها فرصة للنظر علينا وعلى غيرنا... لنتمعن في ذواتنا عن قرب ونتقاطع مع غيرنا فيما من شأنه أن يؤثث رؤيا أخرى للعالم تنطلق منا ولا تنتهي مع غيرنا حتما...

ومثلما تغرينا المساءات الشتوية بالجلوس إلى شرفاتنا المعلقة لمتابعة قطرات المطر المنزلقة على بلور نوافذنا، تنادينا شاشاتنا للجلوس إليها مرة في السنة على الأقل بفائض من الحميمية لنرتب صورها المزدحمة وفقا لمشيئة آلة التحكم عن بعد...

في رمضان، وككل سنة، تغمرنا تلفزتنا التونسية بسيول مدرارة من المسلسلات والسيتكومات... حتى أن الكثير منا ينام وهو يحلم بأحداث الحلقة الجديدة من هذا المسلسل أو من ذاك السيتكوم ونصل الحلقة الأخيرة ونحن نتحسّر على مفارقة الأحداث لما سيتركه فينا ذاك المسلسل من فراغ عاطفي وذهني ثم نعزّي أنفسنا بأنه قد تعلّمنا الكثير من القيم ومن مآثر شعبنا بفضل ذلك العمل الدرامي وأننا اكتسبنا معارف جديدة وتسلّينا بخفّة روحنا المتأصّلة وتمتّعنا بموسيقانا المبتكرة وفتحنا نوافذ أخرى للنفاذ إلينا .. حتى أن المواليد الجدد يُسمّون بأسماء أبطال مسلسلاتنا...

مسلسلاتنا التي ما إن يسري خبر إنتاجها حتى تتهافت الفضائيات العربية على اقتناءها وتتفاوض بمشقة لاقتنائها بأرفع الأسعار حتى يكون لها السبق في بثّها، غير أن تلفزتنا الوطنية تأبى ذلك، وتؤثر إفراد المواطن/المشاهد التونسي بعرضها الحصري ولا أدلّ على ذلك من اكتساح الدراما التونسية بعد نهاية شهر رمضان لمختلف القنوات التلفزية "الشقيقة والصديقة"...

برامج الوعظ الديني والإرشاد المطبخي ووابل من الإشهارات تقطر إبداعا، أما أخبار الساعة الثامنة فهي من الأهمية بمكان، إنها الإدمان المحبب لدينا الذي لا فكاك لنا منه... وبالمثل نشرتنا الجوية... حتى أن اغلب موظفينا يقضون أوقات عملهم في الحديث عن أدق تفاصيل هذا البرنامج أو ذاك بكل فخر واعتزاز لما وصلنا إليه من إبداع وخلق في عوالم التلفزيون...

تلفزتنا الوطنية نضجت بشكل فعال وصارت قادرة على تطويق مريديها برباط أثير لا يترك لهم فرصة واحدة للتحرك من أمامها... ولم تعد عبئا اقتصاديا ثقيلا على الدولة بل صارت ترفد الاقتصاد التونسي بمداخيل ضخمة وتساهم في التخفيف من وطأة عطالة الشباب... وتمكنت من إنشاء سياسة ثقافية ومنظومة قيمية تحصننا من أي خطر خارجي...

لقد نجحت القناتان في تعليق أبصارنا نحوهما طيلة شهر رمضان، كعادتهما كل سنة، وفي صرف عقولنا عن تدبير أي شأن عام سواهما... أغنتنا عن مطالعة الكتب لأنها تهبنا من المعلومات مالا تحتمله أوراق الكتب... أغنتنا عن الذهاب إلى قاعات السينما بما تطرحه علينا من أحدث الأفلام... أغنتنا عن كراسي المسارح... عن أروقة المعارض الفنية... حتى أن هناك من حمل التلفزيون سبب "التراجع الطفيف" للحركة الثقافية في تونس لاستئثارها بكل جديد وحديث... إنها تمنحنا سياقات قيمية ذات أفق حداثي وجد تقدمي... وتفتح خيالاتنا على قدرات إبداعية غير منتظرة...

واعتقد أن الوقت قد حان لتفكر إدارة تلفزتنا بجدية في "تشفير" تونس 7 وتونس 21 لحماية إنتاجنا التلفزي من القرصنة أو من مشاهدة العموم له دون دفع أموال مقابل التمتع بإبداعاتنا، وتضبط معلوما مرتفعا لمن يريد فك التشفير من خلال مفتاح سري أو بطاقة فك التشفير وبيع بطاقات الاشتراك... خاصة وان القناتين يتوفران على الشروط الفنية للتشفير مثل النقل الحي على مدار الساعة يوميا والبث بطريقة جد احترافية والجودة العالية في الصوت والصورة (تغنيك عن تقنية الأبعاد الثلاثية 3D) إلى جانب البث الحصري للعديد من البرامج القيمة والأعمال الدرامية الحديثة، ومن غير المعقول أن تُهدر ثروتنا التلفزية مجانا، كما اقترح أيضا على إدارة تلفزتنا الوطنية أن ترفع من نسبة 7بالمائة المضروبة على المواطن التونسي بعنوان معلوم البث التلفزي لأنها بصراحة نسبة غير مجزية أمام ما تقدمه له من إبداعات...

ولأننا في بقية المجالات تعوّدنا على تبوّء أولى المراتب... فإنه لمن العُسف والجحود أن لا تصنّف تونس7وتونس21 ضمن أفضل القنوات التلفزية العشر في العالم... وهذا اقل واجب تجاههما.

2010/09/06

توم وجيري في تونس العاصمة


ما يزال نهج شارل ديغول وبعض الانهج والأزقة المتقاطعة معه أو المتفرعة عنه مرصعا بالباعة المنتصبين على طرفيه ومزدحما بأصواتهم المنادية على السلع المعروضة فوق الأرصفة... ولا يزال أيضا اغلب المواطنين يلوذون بهذه السلع لأسعارها البخسة... ولا يزال أيضا أعوان الشرطة البلدية يطاردون باعة الشوارع "صباحا مساء ويوم الأحد" وينهكون جيوبهم الخالية بالخطايا المالية التي قد تتكرر أكثر من مرة ولا تدون بمحاضر رسمية في اغلب الأحيان...

علاقة متوثبة دائما وأبدا بين باعة الشوارع وأعوان الشرطة البلدية،علاقة كر وفر تذكرني بنوبات الضحك التي تعتريني وأنا أتابع سلسلة توم وجيري الكرتونية، حيث لا يمل الفأر توم من المشاغبة وإتقان الحيل ليتلهى بالقط جيري المفرط في غبائه... فنفس المشاهد تقريبا يرصدها كل من يمر بشارع شارل ديغول أو نهجي اسبانيا وهولندا وغيرها... ونفس نوبات الضحك تتملك العابرين والمتسوقين ولكنه ضحك مر، يقطر ألما وشفقة على أولئك الباعة الذين باعتهم الحياة قبل أن يولدوا حتى...

مشاهد سينمائية تتكرر مليون مرة في اليوم الواحد... استجداء وتعنت... ترصد ومباغتة... هجوم وفرار... لخصمين هما بالنهاية ضحية لطرف خفي يحركهما كيفما شاء... يمنح البضاعة بيد وبالأخرى يصدر أوامره لافتكاكها متى عنّ له ذلك ليعيد بيع نفس البضاعة أكثر من مرة في اليوم الواحد...

ظاهرة الانتصاب العشوائي تطرح أكثر من نقطة استفهام: طريقة الانتصاب، نجاعة الحلول، مصادر البضاعة، مدة صلاحيتها، كيفية دخولها، من يستوردها، ومن يصادرها من الشارع... ويبقى السؤال الأهم ذاك المتعلق بمصير أولئك التعساء الأشقياء المنثورين نهارا بشوارع العاصمة وليلا بوكائلها؟؟؟

أسئلة قد تتناسل من جمجمة سوسيولوجي مختص في دراسة الظواهر الاجتماعية... أسئلة تسقط من إحصائيات عالم اقتصاد يتقن دراسة تحولات السوق وطبيعة رأس المال المالي والرمزي... أسئلة تسقط من أبحاث انتروبولوجي يشتغل بالفئات المهمّشة والمفردة خارج الحلقات الاجتماعية المقنّنة... أسئلة تسقط من أوراق منظمة الدفاع عن المستهلك المهيأة سلفا للدفاع عن سلامة المواطن وترشيد رغباته...

إن تقاطع ثنائية الحق والواجب وثنائية الوطن والمواطنة تمثل إفرازا لعلاقة ذات طبيعة أفقية تمرّ حتما عبر الاحترام المتبادل بين الطرفين: أفراد النظام وجمهور الشعب، وهي لن تستقيم مطلقا أن ظلت خاضعة لمنطقها العمودي المبني على القمع والردع والابتزاز والعنف المادي والرمزي الذي لن يفضي إلا إلى التمرد والعصيان والهيجان...

إن الخيط الرفيع الذي يفصل تلك العلاقة العمودية السلبية عن العلاقة الأفقية المتوازنة هو ذاك الحلم الصغير الذي يربّيه طفل ما كامل اليوم وهو يبيع الولاّعات أو البالونات على رصيف إحدى الشوارع... حلم بان لا يطارده شرطيّ البلدية... حلم بان يأكل خبزه ويقلع عن التسكّع ليلا والسكر في الزوايا المظلمة... حلم بأن يتابع السلسلة الكرتونية "توم وجيري" في بيته مثل كل الأطفال ولا يكون طرفا فيها...

2010/08/27

نون الجماعة...

للاقتراب من بعض الظواهر، نلجأ في بعض الأحيان إلى اعتماد الاعتقاد بدل العلم، والاستئناس بما درج الناس على تداوله لا بما وضعه العلماء من نظريات، ولذلك سأقول بأن الحرباء تغير لون جلدتها لملائمة بيئتها مثلما يعتقد جميع الناس بدلا من التذكير بأن تغير لون الحرباء يعود لأسباب فيزيائية وفيزيولوجية استجابة لتعرضها للضوء وتغير درجة حرارة المحيط الذي تتحرك فيه إضافة إلى أن تغيير لونها يمثل شكلا من أشكال جذب قرينها لممارسة الحب معه...

أستعين بمثل الحرباء، للاقتراب من ظاهرة قديمة جديدة، تميز صنفا، أو رهطا، من الناس الذين يتلونون ويتغيرون بنسبة 180 درجة بالتمام والكمال في مواقفهم ومن مواقعهم بعد ذلك...

طبعا وحدها المصالح المادية بالأساس تكون هي الطعم المغري لاستدراج الكائنات الزئبقية أو الحربائية، تلك التي تفتقد لأدنى شروط الحصانة الشخصية فتتحول بقدرة قادر وتصير أشبه بالدرج الخشبي المخلوع الذي لا تهدأ حركته ولا تستقر على وضع واحد... فهذا الرهط المتلون بات يفوق الحرباء في خصوصيتها الفيزيولوجية بما يأتيه من مواقف متناقضة ومتضادة...

وان كان البعض منهم، يبدي موقفا ما في العلن ويحمل نقيضه في السر، في السابق، فاليوم تسقط كل أوراق التوت، وتنحدر الأقنعة إلى الأسفل، وتصير الأسرار معلنة على الملإ... بل يتحول البعض الى كهنة في معبد الاولمب ذوي عيون بصيرة وأصحاب عقول استشرافية يتكهنون بما لا يخطر ببال غيرهم من البشر ويعلنون مواقفهم بفائض من النخوة والاعتزاز...

هذا الفائض هو الذي يمنحهم جرأة مضاعفة ليسحبوا مواقفهم على الجميع دون استثناء، والنطق بألسنة الخلق جميعا دون مراعاة لا لفارق إيديولوجي أو أخلاقي أو أدبي...

وبات هذا الرهط لا يتوانى في تدبيج خطاباته بنون الجماعة تلك التي تعرف أيضا بنون العظمة ونون الكبرياء، وأصلها في اللغة أن يتحدث بها المتكلِّمُ ومعه غيرُه. وقد تكون للمتكلم وحده إذا كان معظما نفسه، ونون الكبرياء هذه أو نون التعظيم تُستعمل أيضا لأسباب منها تعظيم النفس أو إظهار أثر المُنعم على المنعَم عليه، وكأن النعمة تفيض عليه وعلى سواه فتغمرهم جميعا وادعاء شمول النعمة له ولغيره بالانتفاع.

وإذا كانت نون الجماعة محمودة في الخطابات الأكاديمية والعلمية، فإنها في غير ذلك، وخاصة في الخطابات الغوغائية، لا تؤدي إلا إلى تقويض فكرة الفرد المستقل بذاته التي بدأت مع حركة التنوير ونشأت عنها صفة المواطن، وضرب لفكرة الاختلاف والتعدّد ونسف للتوزيع العادل للكلام والمواقف... ومصادرة لوعيه وفكره...

بل إنها تصير حيلة ومطية لاستدراج الجميع نحو الوعي القطيعي تستخدمها مجموعة "تفكر" بدلا عن الجميع دون توكيل أو تفويض... وتتكلم باسم الشعب وهو أسهل من يُتكّلّمُ باسمه.

نحن لسنا نحن دائما... نحن مختلفون... نحن متعددون...