بحث هذه المدونة الإلكترونية

2008/09/22

القطار المغاربي


صادف أن سافرت منذ سنوات قليلة إلى الجزائر الشقيقة عبر القطار الذي كان يربط أرضنا بأرض المليون شهيد... فتوفرت لي فرصة اكتشاف سلاسل جبال خمير والمجرى العظيم لوادي مجردة واكتشفت أيضا عدة مدن تونسية وأخرى جزائرية مثل مدينة سوق هراس وعنابة وخاصة تلك المدينة الأسطورية المحروسة بقناطرها وجسورها، تلك المدينة التي عشقتها الروائية أحلام مستغانمي وما وفت في عشقها... لقد مكنتني سفرتي بالقطار من اكتشاف مدينة قسنطينة الجزائرية.
ولئن زرت أيضا المملكة المغربية في إطار المنتدى الاجتماعي المغاربي ولكن كانت سفرتي وقتذاك بالخطوط الجوية فاني أيضا اكتشفت سحر المدن المغربية ولفحتني روائح التشرد وعبق الكتابات المغربية المارقة... ولكني أيضا ظللت مسكونا برغبة عميقة في معاودة السفر إلى المغرب عبر القطار الذي كان يطوي الجبال والوهاد ويشق الحدود وهو يتمايل بأحاديث وأغاني المسافرين والمسافرات...
القطار الذي كان...ما عاد اليوم يسافر والسبب قلة المردودية المالية، وهذا سبب في اعتقادي واهن يمكن حله ببساطة كبيرة. فمثلا لو يتم الإشهار لرحلات القطار في البلدين، تونس والجزائر، ويقع تنظيم رحلات مدرسية وجامعية وسياحية، ويتم التنسيق مع المبيتات الشبابية وبعض النزل وتبرمج مثلا رحلة واحدة في النصف شهر وتكون في نهاية الأسبوع، ليتمكن الموظفون والطلاب من السفر خاصة أن سعر التذكرة ذهابا وإيابا لا يتجاوز 23 دينارا فقط... لو توفرت بعض هذه الشروط البسيطة لحقق القطار مدخولا محترما ولتمكن الشعبان من التواصل الحقيقي، مثلما يحصل في الاتحاد الأوروبي من خلال القطارات الدائمة الحركة في ربط أوصال الفضاء الأوروبي...
ففي الاتحاد الأوروبي يمكن لشاب مثلا أن يسافر من بلد لآخر لقضاء سهرة بليلة واحدة مثلما يمكن لطالب أو مجموعة من الطلبة السفر لحضور ندوة علمية او محاضرة في جامعة ببلد آخر، خاصة أن تذاكر سفرهم مدعمة من قبل الدول...
إن مراقبة الرحلات التجارية والحد من مظاهر العنف المسمى إرهابا، من قبل الدوائر الرسمية من شأنه أن يجعل القطار المغاربي فعلا مجسدا فوق دروب الأجزاء الخمسة للفضاء المغاربي، وأعتقد أيضا أن مشكلة الصحراء الغربية، قد يساهم هذا القطار في التخفيف من حدتها، بل قد يساهم في حلها نهائيا إذا ما تواصلت الشعوب تواصلا حقيقيا، تواصلا حضاريا وثقافيا خلاّقا يقوم على التبادل الفعلي...
إن مدّ الجسور الحقيقية بين أقطار المغرب الكبير لن يتحقق من خلال الخطب الرنانة أو اللقاءات الرسمية أو بطاقات التهاني الموسمية، بقدر ما يتحقق كلما تواصلت الشعوب مع بعضها البعض:الكُتّاب والسينمائيون، المسرحيون والشعراء، الطلاب والتلاميذ، العائلات والأصدقاء... فإذا ما توفرت وسيلة النقل التي تؤمن رحلات لتونس وليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا، القطار المغاربي، فان مثلا التجارة العشوائية أو المهربة ستخفت لأن كل مواطن سيصير قادرا على اقتناء ما يرغب فيه من دون محتكرين أو مهربين، واعتقد أن تكلفة مدّ سكة حديدية على مساحة المغرب الكبير لن تفوق ميزانية ثلاثة أو أربعة لقاءات رسمية لن تخرج إلا بقرارات جبرية...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق