بحث هذه المدونة الإلكترونية

2012/01/26

من الضحية الى الجلاد

شهدت تونس منذ أن نالت استقلالها بفضل دماء شهدائها قبل ستين عاما، تقسيما مجحفا بين أفراد هذا الشعب، فمنذ الحكم البورقيبي سعت الحكومة الأولى التي مسكت دواليب الدولة إلى تقسيم أفراد الشعب التونسي إلى وطنيين (البورقيبيين) وخائنين (اليوسفيين أساسا والشيوعيين) وهو التقسيم الذي فتح الباب على مصراعيه لتشريع شتى أنواع التعذيب والتنكيل بالمواطنين من نفي وتصفيات جسدية وتشريد وتخوين...
ثم تواصلت نفس الطريقة مع النظام النوفمبري، بعد الانقلاب الذي حصل على بورقيبة ليلة السابع من نوفمبر 1987، فبعد أن ثبت بن علي نفسه في سدة الحكم، وبعد عامين فقط، أبان عن وجهه القمعي والسلطوي، فشرع في تقسيم الشعب التونسي إلى صنفين، صنف وطني وثان عميل يتآمر على امن الدولة واستقرارها ويستقوي عليها بالأجنبي، فتكررت نفس الأساليب لقمع أي رأي مخالف وتتالت المحاكمات الجائرة والسجن والملاحقات والمداهمات خاصة للنقابيين ولليساريين والإسلاميين والطلبة، وتجندت الآلة الإعلامية لتأبيد سياسة التفريق بين الشعب الواحد، بعد أن أحكم البوليس قبضته الأمنية وحاصر سدنة النظام السابق من رأسماليين الشعب التونسي بالقروض...
اليوم، وبعد أن أطاح نفس الشعب برأس الدكتاتورية، وخال نفسه أنه على درب استكمال الإطاحة ببقاياها على أمل تأسيس جمهورية مدنية تمنحه شروط مواطنته وتوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ها هو يلفي نفسه وجها لوجه مع تقسيم جديد هو الأكثر خطورة والأشد بؤسا مقارنة بما سبق، فإلى جانب تقسيم الشعب التونسي بعد 14 جانفي إلى شق وطني وثان خائن، ظهر التقسيم الجديد القديم، ذاك الذي يصنف الشعب الواحد إلى جزء مؤمن وجزء كافر، فأما المؤمن فهو ذاك الذي وافق ويوافق ويدافع بشراسة واستماتة لا متناهية عن مسار الحكومة المؤقتة، التي رغم نواياها الحسنة فان المؤشرات الأولية لبرنامجها تدعو إلى الحيرة والاستغراب (ارتباك في القرارات، اتهامات مجانية، استضافات لا مبرر لها، قروض عشوائية، وعيد وتهديد، تراجع في الخطاب...).
وأما الكفار من هذا الشعب، فهم العمال الذين نفذ صبرهم من وعود طال أجلها، وهم الإعلاميون الذين يريدون أن يفتكوا ما أمكنهم من هامش الحرية والاستقلالية، وهم الطلبة والأساتذة الذين يدافعون عن حصون كلياتهم وجامعاتهم، وهم النقابيون المستميتون في دفاعهم عن حقوق العمال، وهم القضاة والمحامين المطالبين بتطهير إدارتهم من الفاسدين، وهم المواطنين والمواطنات المدافعين والمدافعات عن حرية معتقداتهم...
ولئن كان الطرف الذي يسعى لتقسيم البلاد في الآونة الأخير غير معلوم بدرجة كافية لعموم الناس، فان الأحداث الأخيرة التي جدت بالبلاد كشفت "النقاب" عن ملامح هذا الطرف، وصار معلوما لنا وللحكومة، ولئن تواصل كل الأطراف "المتضررة" نضالها ورفضها لهذا التقسيم القروسطي، فان الحكومة مازالت تتلكأ في موقفها وفي وضع حد لهذه الأفعال التي لا يمكن تصنيفها إلا ضمن مسار إعادة إنتاج الدكتاتورية، وهنا لا يمكننا إلا أن نسأل الحكومة المؤقتة عن نواياها الحقيقية بين القطع مع منظومة الاستبداد أو التمهيد لتأبيدها وتكريرها؟.
ولو فرضنا أن هناك من يستبطن القمع فهل يعني هذا أن من كان ضحية بالأمس سيصير اليوم جلادا؟؟

هناك تعليق واحد: