بحث هذه المدونة الإلكترونية

2012/03/22

قيس رستم في أول معرض شخصي بعد الثورة: الخط ده خطي

موسيقى الألوان والأشكال، هي الصفة التي يمكن إطلاقها على معرض قيس رستم "ببراءة" تكوينها وتشكيلها، وبما وقعه من سيمفونية متجانسة ومتناغمة في الحركات والوضعيات والتبدلات التي قد تبدو للعين المجرّدة نمطية، هجينة حينا، محبّبة حينا آخر، في حين أنّها تغور بعيدا في مداراتها التي تناسلت منها تلك اللوحات المنتصبة هناك بفضاء ألف ورقة، مدارات مشحونة بزخم ثوري جمالي... ومدججة بألوان المسرح والرقص والإيقاعات الموسيقية.
بعد أن شاهدها كل من الفاضل الجعايبي وجليلة بكار وهشام رستم ولطفي الحافي في مرسمه، أخرج الرسام التونسي والسينوغرافي والموسيقي قيس رستم 17 لوحة زيتية للعموم مفتتحا بها أول معرض شخصي له بعد الثورة التونسية يوم 17 مارس الجاري بمكتبة وفضاء الفنون "ألف ورقة" بالمرسى بالضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية. لوحات قيس رستم، امتد زمن انجازها من شهر فيفري 2011 إلى موفى شهر جوان من نفس السنة، وعن ظروف انجاز هذا المعرض يقول قيس رستم " تركت الناس في شارع الحبيب بورقيبة ينهون مشوارهم الثوري وأغلقت باب مرسمي لأنجز ثورتي الشخصية بين الخطوط والألوان...". أسرار تأسيسيّة وشيفرات أوليّة "فكها" قيس رستم بمفرده داخل مرسمه، فوق المساحات البيضاء التي بسطها أمامه ليقدّمها لنا نوتات موسيقية لتشكيل جسدي يرقُص على إيقاع ريشته وفكرته كما تأججت بداخله... فبين الامتلاء والفراغ تعبُرُ الخطوط والأشكال، الدائرية والمربعة، المستقيمة والمتعرجة... تعبر ملفوفة داخل ألياف القماش المُبقّع بالألوان والتّعرجات... تعبر واحدة واحدة، تارة نحو السواد الفاقع وأخرى نحو البياض الهيوليّ، وثالثة نحو باقي الألوان... تاركة أثرها هي وحدها ولا شيء سواها... ترتخي لتنتصبَ وتتمدّدُ لتنحسر... تنتعشُ لتنتكسَ... تنمو وتتشكّلُ وفقا لقانون الأصابع التي تحرك الريشة... أجساد يبعثر قيس رستم أطرافها وتفاصيلها فتنتصب كبيرة في هذه اللوحة حد الاستيلاء على كل مساحتها، أو صغيرة في تلك اللوحة حتى لا تراها العين... ملتحفة بالألوان في وضعيات منفردة أو محتشدة، وكأنها تعبر عن حالات وحركات مخصوصة، وكأن قيس رستم يذكرنا بأن أجسادنا هي بمثابة الإيقاع من الموسيقى... أو هي بمثابة الألوان من اللّوحة... متماهية فينا مثلما هي الإيقاعات كينونة الموسيقى وهويّتها، ومثلما هي الألوان حديث اللّوحة وبوحها... هل هناك فعلا جسدُ مُتخيّل أو محلوم به خارج جسدي أنا ؟ أم أن هناك جسد يتناسل من جسد آخر ولا يفصل بينهما إلاّ رعشتي في العالم سواء كانت باللّغة أو بالموسيقى أو بالصورة أو بالنّحت أو بالرّسم...؟ سؤال يستفز المتجول داخل فضاء "ألف ورقة" وهو يتنقل من لوحة إلى أخرى حيث الأجساد مُنبثقة من طينة لونيّة ومن ريشة مارقة وفالتة، هي ريشة قيس رستم، المدجج بالموسيقى والرقص، وهو الملحن وعازف الإيقاع وكذلك السينوغرافي المحنك ولعل مسرحيتا "خمسون" و"يحي يعيش" تشهدان على قدرة قيس رستم في التصميم المتكامل والفني للعناصر المشهدية. يقول قيس رستم "المسرح والموسيقى كان لهما انعكاس كبير على ألوان لوحاتي، خاصة من ناحية التحكم في الفضاء ومجاراة نسق الريشة وكذلك الإيقاع الحي في كل رسم" وهذا الانعكاس يلمسه زائر المعرض من خلال الوضعيات المختلفة للأجساد المتعدّدة في وحدتها، إذ أنها توزّعت في الألوان بين الملائكيّة والشيطانيّة... بين الآدمية والجنيّة... بين الإنسية والحيوانية... وضعيات تتجسّد في تلك التناقضات ولا تخضع لنواميسها الطبيعية والتشكيلية، بقدر ما تنفلتُ من قبضتها الهندسيّة نحو مرافئ بعيدة وعميقة، أبعدُ وأعمقُ من التعبيريّة الباهتة الشاحبة، لكأنّها منظومة حسيّة مُبتكرة تُعبّر عن شكل إقامة قيس رستم في آنه ومكانه وطبعا وفقا لجسده هو دون شريك أو رقيب، ما عدا اللغة، تلك التي تطوق لوحاته بحروفها التي تنتصب هنا كبيرة وهناك صغيرة... حروف لاتينية تتشكل منفردة في هذه اللوحة ومجتمعة في كلمات في لوحة أخرى... تفتح لوحات قيس رستم الباب واسعا للتأويل وقراءة الرسائل المشفرة التي أراد الرسام إرسالها للمتقبل غير أن الرسام ذاته يقول بكل وثوق "لا رسالة لي من هذا المعرض ولا الذي قبله." ولكن اللوحات المعروضة تكتنز بالرسائل الجمالية والسياسية، فجماليا يكسر الرسام كل القيود الممكنة على الأشكال المنتظمة والمستقيمة في الذهن ويقدمها في تعرجاتها المستحيلة وكأنها ترفض الانصياع لضوابط الهندسة والقياسات وحدود الفضاء، حتى أن بعض اللوحات التي توهم بارتفاع القضبان في إحالة على السجن تكسر تلك الضوابط الصارمة للقضبان، وهو ما ينعكس إيجابا على البعد "السياسي" لهذه اللوحات لأنها لا تعبر فقط عن الحالة الثورية التي تعيشها تونس بل هي تحرض، ربما في لا وعي قيس رستم، تحرض على المضي قدما في الثورة وفي السياق الثوري المؤسس لإقامة أجمل في العالم... وهذه الثورية الكامنة في لوحات قيس رستم تتأتى من "تيمة" الالتزام التي يعيشها الرسام، إذ يقول "الرسم التزام يومي مثله مثل الموسيقى والمسرح، غير أن الرسم يفرض علي التزاما مضاعفا لاني اعبر من خلاله عن الموسيقى والمسرح معا...".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق