بحث هذه المدونة الإلكترونية

2012/12/27

حكومة "المايباخ" وثورة "التكتك"

سيُحشر الشعب التونسي في علب "التكتك" ليتنقل بها بين الحفر والطرقات المهترئة، مجازاة له على دمائه التي سالت على الطرقات نفسها، وسينعم بعضهم بسيارة "المايباخ" ليتنقلوا بها من قصورهم الفخمة إلى المطارات، ليتمتعوا بنعم الثورة التي لم يشاركوا فيها أبدا... فبين سرعة أفخم سيارة على وجه الأرض "المايباخ"، (300 كلم في الساعة) والتي أهدى واحدة منها القذافي لبن علي، تلك المعروضة الآن بمعرض كليوبترا بضاحية قمرت، وبين سرعة "التكتك" (لا تتجاوز 50 كلم في الساعة) وسيلة النقل المزمع توريد 21 ألف واحدة منها إلى الطرقات التونسية، بين السرعتين يمكننا أن نقف على الهوة العميقة بين مطالب الثورة الشعبية وبين "الحلول" التي تطرحها الحكومة الحالية... ويمكن أن نتبين الصورة الكاريكاتورية التي نحن بصددها... أما سيارة "المايباخ" تلك المركونة تحت أضواء معرض قمرت، إلى جانب عشرات السيارات المماثلة فخامة وغلاء، في انتظار من سيظفر بها ويدفع سعرها الذي قد يفوق الثلاثة مليارات من مليماتنا، فضلا عن الإضافة الرمزية لسيارة "الطاغيتين"، وهو مبلغ يمكن أن يفتح أكثر من شركة قد تضمن أكثر من مائتي موطن شغل، ويمكن للمبلغ عينه وأكثر أن تضمنه الدولة لو جعلت من معرض كليوبترا بقمرت معرضا سياحيا مفتوحا دائما للزوار مثل المعرض الملكي بالأردن الذي يدر أرباحا محترمة للدولة من خلال عائدات الزيارات اليومية له... خاصة أن معرض الأملاك المصادرة شهدت زيارة 451 زائرا في اليوم الأول و385 زائرا في اليوم الثاني وهذا الرقم يوفر 11 مليونا و550 دينارا باعتبار أن تذكرة الدخول 30 دينارا للزائر. ويمكن أيضا استغلال آلاف القطع والتحف والوثائق التاريخية والنادرة للفترة البورقيبية، تلك المنذورة للتلف والغبار والنسيان داخل القصر الرئاسي، وعرضها في فضاء آخر يمكن أن يكون هو أيضا موردا من موارد الدولة وفضاء يشغل أكثر من شخص... غير أن فن إتلاف الذاكرة ونسف التاريخ يبدو انه الفن الأكثر امتهانا لدى الحكومات المتعاقبة، فمثلما "مسح" نظام بن علي سجن 9 أفريل من فوق الأرض، هاهي الحكومة الحالية "تبيع" التاريخ في المزاد العلني تحت الأضواء الكاشفة والابتسامات المجانية... إن مثل هذه الأشكال لا تساهم إلا في تعميق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين ملايين الشعب المفقرة والمسحوقة من جهة وبضع مئات من "الرأسماليين" الذين يمتصون عرق العمال ليقتنون سيارة بأكثر من مليار ونصف المليار... وأما "سيارة التكتك" التي أعلن رئيس الحكومة المؤقتة أنه سيتم توريد قرابة العشرين ألف وحدة منها بداية من السنة القادمة في إطار "مشروع نموذجي"، فهو مشروع مثلما انتقده سواق التاكسي يهدد أكثر من 60 ألف موطن شغل، هذا فضلا عن كون المدن التونسية تعيش حالة اختناق كبيرة، ولا يمكن أن تكون هذه السيارات مواطن رزق دائمة وحقيقية... ومن المفارقات المضحكة أن يتزامن رواج خبر توريد واستغلال حوالي 21 ألف عربة تكتك، مع تدشين الصين لأطول خط للقطارات فائقة السرعة في العالم يربط بين بكين في الشمال وكانتون في الجنوب في رحلة طولها 2300 كلم وتستغرق ثماني ساعات، ثلث المدة التي يستغرقها القطار العادي...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق