بحث هذه المدونة الإلكترونية

2012/11/13

معرض قندهار للكتاب بالكرم

غربتنا "مكتسبات الحداثة"، ونأت بنا "الثورة التكنولوجية" عن كنه الحياة وسرها، فأدمنت أصابعنا الأزرار الباردة، وتعلقت أبصارنا بالشاشات المسطحة، وصرنا رهائن العلب الالكترونية نعاشرها آناء الليل وأطراف النهار... حتى صارت تفاصيلنا اليومية مضغوطة كالأقراص الليزرية، مهددة بالعدم والإتلاف بمجرد خدش بسيط... أو قل هي هويتنا وكينونتنا الإنسانية تلك التي باتت منذ زمن بعيد منذورة كل لحظة لأن تٌنخر بفيروسات الحداثة وما بعدها والصناعة وما بعدها والتكنولوجيا وما بعدها... انغمسنا كل في اللهث والركض الأرعن خلف آخر انتاجات التقنية، فزدنا على عبوديتنا عبودية جديدة للهواتف المحمولة، ولاقمات الأقراص (VCD/DVD/DVX/MP3/MP4/MP5) والهوائيات الرقمية والحواسيب الشعبية... وكل ما يٌشغل بآلة تحكم عن بعد... حتى صارت البيوت التونسية لا تختلف كثيرا عن المغازات الصغرى، تتوفر على كل "الأواني" والعلب الحديدية والبلاستيكية، وتفتقد حتى لاضمامة كتب لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة... المكتبة المنزلية، لم تعد من مشاغل التأثيث المنزلي لدى أغلب التونسيين والتونسيات، ولا أعني بالتأثيث، التوظيف الديكوري والتزويقي للمكتبة للتباهي بها، وإنما أقصد تأثيث العقل التونسي القادم بتوفير مسوغات العقلانية وتوفير الأرضية المعرفية... فالطفل الذي يكبر بين الكتب والمجلدات والمجلات والصحف، سيكون لا محالة محصنا من تلك الفيروسات الالكترونية، وسيكتسب تلك المناعة الدائمة من أي غزو أو اختراق من شأنه أن يهز كيانه ووجوده... طبعا أنا لست ضد استثمار مكتسبات الحداثة، ولست ضد التمتع بمزاياها المتطورة والناجعة رغم علاتها، ورغم فيروساتها الإيديولوجية بالأساس (أغلب الإحالات أو الإشارات المرسومة على التقنيات الحديثة، إما باللغة الأنقليزية أو باللغة العبرية)، قلت أني لست ضد التوظيف العقلاني والمتزن لمثل هذه الأدوات - بل إنني لا أرى الجنة اليوم إلا بستانا لا متناهيا من الكتب التي أتلفها الطاغوت أو أحرقها اللاهوت أو تلك التي استأثر بسحرها التاريخ لنفسه... وأراها أيضا رفوفا مؤلفة من الأقراص الليزرية المكتنزة بسحر اللغة، وإنما أنا أعلن عدائي الفطري للعبودية التكنولوجية، والتكلس الذهني والتنميط الميكانيكي والسقوط في براثن الحياة الآلية التي تنفي الفكر والفاعلية وتكرس التبلد الذهني والوجود السلبي والشخصية المنفعلة والمفعول بها... إن توفير أو تجهيز مكتبة منزلية لا يساوي الكثير ولا يتطلب قروضا أو صكوكا بنكية ولا ديونا متخلدة بالذمة، كما لا يكلف الزوجين تشنجا أو خصاما عائليا مثلما يحدث عادة بسبب اقتناء آلة الالكترونية. المكتبة المنزلية، تنمو كما ينمو العشب ليباغتنا ببرعم ذات صباح سيبني عليه الطير أيكه. إنها ممكنة ومستحيلة. ممكنة لأنها لا تكلف المواطن التونسي الكثير من الأموال، ومستحيلة لأنها ذهنية كاملة، وممارسة يومية تنبني على المراكمة المتواصلة... للمعرفة العقلانية والتنويرية التي باتت اليوم مهددة بشكل علني بعد الغزو الورقي في الدورة الاخير لمعرض تونس الدولي للكتاب حيث انهالت علينا دور النشر بما تعتبرها "كتبا"، تلك التي لا ترسخ الا الثقافة الانهزاميّة الانكسارية وتقدس مبرّرات السقوط والتراجع وفي أحسن الحالات الثبات والجمود، "كتب" مازالت أسيرة للفتنة الكبرى وصفين وكربلاء و ما يزال جزء كبير يناقش عقلانيّة ابن رشد وشكيّة المعري و"إلحاد" التوحيدي وابن الراوندي... "كتب" الفتاوي البائسة والموغلة في الغباء والاستغباء، القادمة تحت العباءات الخليجية وعلى أجنحة الدولار الأمريكي... ليعترضها الشباب بتهافت استعراضي موهوم... شباب يداعب أزرار ذات الحاسوب الذي غربه عن العقل والعقلانية بحثا عن "كتب" الفتاوي الساذجة و"كتب" الأصوات المطلة من خلف زجاج القنوات التلفزية الخليجية لتبث سمومها بعد ان أمنت أرصدتها البنكية...

2012/11/01

امارة دوار هيشر؟!

تعتبر مناطق حي التضامن ودوار هيشر وحي خالد ابن الوليد بمثابة مثلث برمودا، فهذه المناطق الثلاثة من ولاية منوبة غرب العاصمة تعتبر المناطق الأكثر فقرا وتهميشا، ولذلك تكثر فيها الجريمة وتنتظم فيها العصابات الإجرامية، وتعيش هذه المناطق طوقا أمنيا منذ زمن بن علي، حيث لم تتعامل الدولة مع أهالي المناطق الثلاثة كمواطنين لهم الحق في الحياة الكريمة بكل شروطها، بل ظلت محرومة من المرافق الأساسية ومن البنى التحتية التي تجعل من المناطق الأكثر كثافة سكانية في تونس، مناطق آمنة "يحلو" العيش فيها، وكانت بمثابة السجن الكبير، ولذلك لا نستغرب اليوم ما يحدث فيها من عنف منظم ومن عصيان وتمرد على الحكومة الحالية التي تواصل سياسة التهميش واللامبالاة لأكثر من مليون ونصف المليون ساكن بهذه المناطق... إن الصراع المحتدم اليوم بهذه المناطق وخاصة بمنطقة دوار هيشر بين الحركات السلفية من جهة ورجال الأمن وقوات الجيش من جهة ثانية، إنما هو وليد السياسة المتبعة من طرف الحكومة الحالية، فهي من جهة تجاهلت تماما المطالب الأساسية لهذه المناطق والمطالبة أساسا بحقها في التنمية والشغل، وأيضا للتعامل الانتهازي مع الحركات السلفية واعتمادهم كورقة ضغط على كل من خالفهم الرأي وهو ما جعل من هذه الحركات تتحول إلى قوة ضغط حقيقية وتشرع لنفسها ممارسة "قانونها الشرعي" بدلا من القانون المدني لمؤسسات الدولة... وهذا "الدور" الجديد لا يبدو غريبا خاصة أمام الإصرار على تقسيم المجتمع التونسي إلى جزء علماني وجزء كافر، وهو ما يغذي نزعة الانتقام والعزل "للأقوى" وبالتالي تشريع قانون الغاب الذي ينسف كل مقومات العيش المدني الآمن... فما يحدث منذ أيام في دوار هيشر من عمليات كر وفر بين باعة الخمر خلسة من جهة والسلفيين من جهة ثانية لا يدخل إلا في باب "السكوت" على الإجرام، فباعة الخمر خلسة مارقون عن القانون وبالمثل السلفيون مارقون عن القانون، غير أن ما يجعل من كرة النار تكبر لتحرق المواطن العادي الباحث عن أمنه واستقراره هو التعامل الهش للدولة مع الفئتين، فهي تتعامل مع باعة الخمر، كما كان يفعل بن علي، بشكل سري لتقصي الأخبار وجمع المعلومات وبالمثل تدعو إلى التحاور مع السلفيين وتتقاسم معهم الفضاءات الدينية، بل إنها لا تكتفي بهذا الدور وإنما تُمعن في إفقاد الدولة هيبتها عندما تُلقي التهم على الأطراف السياسية المعارضة لها ببث الفتنة ودعم المجموعات الإجرامية لبث الفوضى... وكذلك تحميل وسائل الإعلام تضخيم الأحداث!!! هذه الحكومة بنفس الأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام السابق بل وأكثر، تلك التي كانت قادرة ذات يوم على تتبع شخصين التقيا للتخطيط لجريمة حق عام في مقهى شعبي أو حمام عمومي أو مسكن مغلق النوافذ والأبواب، غير قادرة، بنفس تلك الأجهزة اليوم، على التدخل لإيقاف المجموعات التي تتدرب على فنون تقطيع الأصابع وتشويه الوجوه وبث الرعب في النفوس الساكنة... والتي طالت اليوم رجال الأمن ذاتهم!!! وباتت تقوم "بدوريات تمشيط" بحثا عن باعة الخمور و"السافرات" والمفطرين... والمبدعين لتأديبهم حسب الشرع!!! إن المؤسسة الأمنية، ورغم ما تقترفه يوميا في حق المواطن من انتهاك لحرياته وقمع وتنكيل به، فهي تبقى المؤسسة الأولى التي تسهر على حماية المواطن وفرض القانون، وقد بدأت عديد المؤشرات الايجابية "تكتسح" بعض الأمنيين بعد "الثورة"، غير أن التوجه العام لسلطة الإشراف يجعل من وزارة الداخلية مرفقا حزبيا بالأساس (مثلما صرح بذلك الناطق الرسمي باسم النقابة الأساسية لسلك الحرس الوطني) كما أن المجلس الوطني التأسيسي تجاهل الرسالة المفتوحة التي تم توجيهها من طرف الجمعية التونسية من أجل شرطة وطنية التي طالبت فيها بوضع إطار قانوني للمؤسسة الأمنية يساير متطلبات مرحلة ما بعد الثورة وهذا التجاهل والإصرار على تسييس المؤسسة الأمنية (وباقي مؤسسات الدولة) من شأنه أن ينسف إمكانية تأسيس أمن جمهوري محايد... وبالتالي نسف أهم مقوم من مقومات حقوق الانسان والحريات العامة والفردية، وقد يقوض كل إمكانات الاستقرار الدولي خاصة أمام الخطة "الذئبية" للولايات المتحدة الأمريكية لتطويق الجزائر واستحلاب نفطها بتعلة مقاومة الإرهابيين في مالي... بعد زيارة هيلاري كلينتون لعبد العزيز بوتفليقة... وبعد افتضاح سيناريو مقتل السفير الأمريكي ببنغازي... على يد الأمريكان أنفسهم...

2012/10/24

لا اكراه في الاحتفال

وجوه أكل الفقر والبؤس كل محياها... خطوات متعثرة... أياد مرتعشة... وهتافات مكتومة لبضع عشرات من التلاميذ الذين انتشروا هنا وهناك للاحتفال بيوم 23 أكتوبر وسط شارع الحبيب بورقيبة... عشرات التلاميذ تركوا مقاعد الدرس والعلم والمعرفة ليلتحقوا بدعوات الاحتفال بمرور سنة على انتخاب الحكومة المؤقتة التي وعدتهم بأن تكتب دستور البلاد في ظرف سنة وتضمن جميع ممهدات الانتقال الديمقراطي السلمي من هيئات ومؤسسات ستسهر على تحقيق أهداف «الثّورة»... عشرات من الكادحين الذين تشققت أياديهم من العمل لفظتهم الحافلات العمومية ليخرجوا من منافذ شارع الحبيب... جيوبهم مثقوبة وأحلام البعض منهم مكسورة لعجزهم عن اقتناء خروف العيد... وبهم «اختلطت» بعض «الشابات» يرفعن لافتات الولاء وما تيسر من لافتات شتم وثلب من خالفهنّ الرأي... عشرات اخر من نفس الشريحة، شريحة المفقرين والمهمشين الذين سحقتهم سياسة بن علي، استقلوا الحافلات العمومية واتجهوا نحو قبة المجلس الوطني التأسيسي للتعبير عن ولائهم المطلق لحكومة مؤقتة دخلت بفضل أصواتهم إلى قبة المجلس التأسيسي بباردو وقصر قرطاج وقصر الحكومة بالقصبة وتوزع أبناء وبنات الحكومة على رؤوس الإدارات والمؤسسات الوطنية... من مدراء ومستشارين وولاة ومعتمدين... وبالمثل انتشر العشرات في هذه المدينة أو تلك الولاية تعبيرا منهم لولائهم المطلق للحزب قبل الوطن... متجاهلين «الحالة الثورية» التي اكتسحت العقل والقلب التونسي منذ أن سقط جدار الخوف، ضاربين عرض الحائط آلام عائلات شهداء نظام بن علي وشهداء الترويكا المؤقتة... متجاهلين تفاقم البطالة وغلاء المعيشة عشرات وعشرات وعشرات... ركنوا الوطن في زاوية مظلمة، وحولوا انتماءاتهم الحزبية «مقدسا» جديدا ينضاف إلى مقدّسات كنا نجتمع حولها منذ آلاف السنين فاختلفنا إلى حد التناحر والقتل حول ذات «المقدسات»... احتفل العشرات والمئات... والآلاف... بحزب طغى... وبأحزاب زكت الطغيان الجديد... احتفلوا في مأتم جنائزي بداخل كل فرد يستنكف من الاصداح بمرارة ما حلُم به ليلة هروب الطاغية بن علي... غير أن الخنوع المستتر والكامن في الأحشاء الضعيفة لم يعرف طريقه لرفض الطغيان... ولو كان مأتاه... الأب... السلطة... مهما كان مأتاه... احتفلوا وفي أذهانهم أنهم صاروا حكاما جددا سيستولون من جديد على ثروتنا وفكرنا وعقلنا وأحلامنا... وتناسوا أنهم يلوكون ذات الحكاية... حكاية “الشيطنة”... ورواية أنهم “ضحايا”... ولكنهم تناسوا أيضا أن زمن “تضحياتهم” (من اجل مشروعهم الضيق، لا مشروع تونس) كانوا يستجيرون بالاتحاد العام التونسي للشغل وبالمنظمات الوطنية المناضلة كالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وبالأحزاب التي صاروا ينعتونها “بالعلمانية”... الاتحاد والرابطة وعشرات الصحافيات والصحافيين النزهاء و”أحزاب الصفر فاصل” هي التي كنست الدكتاتور يوم 14 جانفي ومهدت لهروبه منذ انتفاضة الحوض المنجمي... وهي التي أمنت لكم الطائرات لتعودوا على متنها من هناك... وهي أيضا التي أصرت على المرور السلمي إلى الديمقراطية عبر انتخاب المجلس الوطني التأسيسي... ولم تتجرأ على الاستهزاء بهذا الشعب و”افتكاك” السلطة يوم كانت بيدها... لم يكن “الاحتفال” يوم 23 أكتوبر وطنيا، ولم يكن فرصة للتقييم وطرح ممكنات التجاوز بقدر ما كان محاولة يائسة للاستعراض الفلكلوري غير أن الاستعراض كان باهتا شاحبا في شارع الحبيب بورقيبة... وكان استعراضا صامتا في القصبة... أما تحت قبة المجلس، وأمام الكراسي الخضراء الفارغة فكان الاستعراض الخطابي منسجما مع المثل القائل “الطير يغني وجناحو يرد عليه”... غير أن جناح الحرات والأحرار كان مدويا أمام المجلس... وفي الشوارع الخلفية للمدن التونسية المثخنة بخيبة الأمل من ترسانة الوعود المبددة في المنابر الحزبية والتلفزية... إننا نعيش الاحتفال تلو الاحتفال منذ أن آمنا بالحرية... وآمنا بأن القدر لا يستجيب إلا لإرادة الشعب... الشعب التونسي... إننا في احتفال دائم بحريتنا وبإنسانيتنا وبحلمنا... ولا حاجة لنا بحافلات عمومية ولافاتات زرقاء... وقوارير ماء... ومليشيات تلتحف الذل... إننا في احتفال دائم رغم أنهم يُكرهُوننا على الاحتفال... على احتفال الجاهلية الأولى...

2012/10/17

حوار مع حسين العباسي الامين العام للاتحاد العام التونسي للشغل

حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل في أول حوار لجريدة الشعب الاطراف التي ستلتقي حول مبادرة الاتحاد لن تعوض لا المجلس الوطني التأسيسي ولا الحكومة المؤقتة أجرى الحوار ناجي الخشناوي وعبد الجبار الذهبي/تصوير منتصر العكرمي لأول مرة منذ انتخابه أمينا عاما للاتحاد العام التونسي للشغل بعد مؤتمر طبرقة يدلي الأخ حسين العباسي بحديث شامل إلى جريدة الشعب ويأتي هدا الحديث في مرحلة دقيقة جدا حيث يتحرك الأمين العام على عدة واجهات منها ما يتعلق بمتابعة الشأن النقابي وخاصة على مستوى دفع المفاوضات الاجتماعية في القطاعين العام والخاص ومنها ما يتعلق باللقاءات والمشاورات مع الفرقاء السياسيين ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية لتفعيل مبادرة الاتحاد وانجاح مـؤتمر الحوار الوطني حولها المقرر ليوم 16 من هذا الشهر... رغم هذا الحراك الدائرة رحاه دون توقف فان الاخ حسين العباسي لم يبخل على جريدتنا بهذا الحور الذي قدم له بتقييم شامل لطبيعة المرحلة قبل 14 جانفي الى الآن حيث أكد أنه رغم الاستقرار النسبي المشهود بالبلاد بدت هناك مسائل اشتدت حولها الخلافات والتجاذبات جعلت الاتحاد يفكر في اطلاق مبادرة عساها تكون محل توافق بين كل الفرقاء السياسيين للخروج بالبلاد من الوضع الذي تردت إليه. وفي هذا الحديث ايضا أجاب الاخ الامين بكر نزاهة وصراحة عما تم انجازه نقابيا منذ مؤتمر طبرقة مبرزا بالخصوص جانب المفاوضات الاجتماعية وسن مشروع العقد الاجتماعي واعداد مشروع دستور يتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال واعداد تصور جديد لإعادة هيكلة الاتحاد. كما تطرق الحوار الى مسائل تتعلق بالقرار النقابي داخل الهياكل وتأثيرات التعددية النقابية وبعض ظواهر الانفلاتات وعلاقات الاتحاد الدولية ودورها في دفع عجلة الاستثمار الوطني في وقت تراجعت فيه ثقة بعض الدول ببلادنا... • الأخ الأمين العام، كيف تقيّمون طبيعة المرحلة الراهنة وتأثيراتها على الأداء النقابي؟ ـ لابد من الرجوع الى الوراء قليلا قبل 14 جانفي لمعرفة طبيعة المرحلة فالجميع كان يعرف ان الاتحاد يناضل في بلاد فيها تصحر سياسي وديمقراطية محدودة وحقوق الانسان مقموعة ونظام حكم متسلط يحاصر الاحزاب وايضا مكونات المجتمع المدني مقابل تفريخ آلاف الجمعيات الصورية كان يفاخر بها في الخارج. غير ان الحقيقة لو أحصيت عدد الجمعيات الفعلية لوجدت أنها لا تتجاوز أصابع اليد مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان وعمادة المحامين وجمعية الصحافيين وجمعية النساء الديمقراطيات وهي جمعيات قليلة لكنها لم تكن بمنأى عن اطار «المصيدة» فكانت هناك دوما محاولات لإرباكها عبر افتعال مشاكل وهمية وكل من يخرج عن دائرة السيطرة تحاك ضده التهم والمكائد مثلما تم اختلاق أزمة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان وعمادة المحامين عندما أرادوا التعبير عن رأيهم وكذلك جمعية القضاة التي تعرضت الى عديد المشاكل. بعد 14 جانفي يمكن ان نقول ان المرحلة طبعت بعدة ميزات لعل اهمها زوال عامل الخوف، وبدأت الكلمة الحرة تجد الطريق الى العلن وهامش الحرية اصبح متسعا الى درجة الفوضى وكل واحد يتكلم من فهمه للحرية ودعني أقول بصراحة ان «البكوش نطق» بعد الثورة وهذا ما جعل الظرف يتغير في فترة قصيرة. هذا كان ايجابيا لانتعاشة الكلمة الحرة وتحرير الاعلام وخلق التجاذبات السياسية. لكن ايضا تميزت الفترة الاولى بعد الثورة بفراغ دستوري عمّ البلاد فكل المؤسسات انهارت وكان على بعض الاطراف لم شتات الفرقاء في اطار عملية توافقية وهذا الدور قام به الاتحاد العام التونسي للشغل لكن الحقيقة ليس وحده فهناك عمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان... وتجمع الفرقاء في ما سمي بمجلس حماية الثورة وأحدثت اللجنة العليا للانتخابات، لكن ايضا لا يمكن ان نغفل القول إن هذه الفترة تميزت بظواهر اخرى فهناك اطراف أخذت تحاسب اطرافا اخرى بموجب ودون موجب وكل واحد ركب جواد الثورة وكل واحد حسب أنه لاعب رئيسيّ في الثورة ليس من باب الحلم بمناب من الثورة لكن لمحاسبة اشخاص آخرين، الاتحاد عاش هذه الفترة وهو يقترب من موعد مؤتمر طبرقة ويستعد لتوديع فترة نيابية ويستقبل اخرى، في ذلك الوقت لم يكن الاتحاد يعمل فقط على ادارة المرحلة مع بقية الشركاء لكن كان ايضا يتفاوض حول الزيادة في الاجور وفي نفس الوقت يعد الى المؤتمر الوطني لذلك نؤكد القول ان الاتحاد كان يناضل على عدة جبهات واستطاع رغم دقة الظرف أن يظل متماسكا في وقت انهارت فيه عدة منظمات مثل ما عاشه اتحاد الصناعة والتجارة أو ما حدث لاتحاد الفلاحين. وباعتبار الاتحاد منظمةً تمارس فيها الديمقراطية رغم الحصار المضروب بشكل عام على الحريات والديمقراطية ولم يخضع الى التدجين عبر تاريخه واستطاع ان يتماسك وان يلعب كل هذه الادوار المتعددة وكانت بصماته واضحة سواء في حماية الثورة او في مساعدة اعمال اللجنة العليا للانتخابات أو في تجميع شتات الفرقاء رغم الصعوبات والعراقيل حتى وصلت البلاد الى موعد 23 اكتوبر كل ذلك دون التأثير على أداء الاتحاد الاجتماعي. مؤتمرنا انعقد بعد موعد 23 اكتوبر وبطبيعة الحال وجدنا المجلس التأسيسي يشتغل وتشكلت حكومة الترويكا... وانتقلنا من مرحلة التوافق الى مرحلة الشرعية وعلى اساس ذلك أطقلنا أيادينا للتعامل مع الحكومة المنتخبة المؤقتة غير ان الفترة شهدت بعض المشاكل مع الترويكا وكلنا يعرف المرحلة الصعبة التي مر بها عمال البلديات وانعكاساتها، لكن الاتحاد عرف بفضل تماسك هياكله والتفاف قواعده وعراقة علاقاته مع أجزاء كبيرة من المجتمع المدني كيف يدير المرحلة ويخرج منها منتصرا. وبعد ذلك مباشرة دخلنا في المفاوضات الاجتماعية والكل يعلم الصعوبات التي اعترضتنا فهناك من دعا الى سنة بيضاء وهناك من دخل في موجة من التصعيد ووقعت تجاذبات لكن الاتحاد ذهب مباشرة للتمسك بحق منظوريه والدفاع عن مطالبهم في فترة شهدت تطورا مفزعا للأسعار وتدهورا كبيرا للمقدرة الشرائية للشغالين والبلاد تمر بمرحلة اقتصادية صعبة لكن بفضل تحلينا بروح الحوار والتفاوض والاقناع استطعنا اقناع الاطراف الاجتماعية الاخرى بأحقيتنا في الزيادة في الاجور وهو ما تم في الوظيفة العمومية ونأمل ان يكون كذلك في القطاع العام والقطاع الخاص. وتساويا مع هذا العمل الاجتماعي بدأنا رغم الاستقرار النسبي المشهود بالبلاد نتساءل الى اين نسير خاصة بعد أن ظهرت بوادر عدم توافق حول عدة مسائل اشتدت حولها الخلافات لذلك فكرنا في الاتحاد منذ شهر جوان الماضي في بحث الوضع واستنتجنا ان هناك بعض القضايا لابد ان يحصل حولها توافق واستقرءنا الواقع وكانت لنا نظرة استشرافية وفهمنا ماذا نفعل ولذلك بوبنا ما هو سياسي وما هو اجتماعي وما هو اقتصادي وارتأينا ضرورة تجميع التونسيين من اجل التوافق على اهم المسائل المطروحة لإيماننا بأن ما يحدث له انعكاسات على الوضع العام الذي اتسم بالعنف وبعض مظاهر الارهاب والتراجع في الديمقراطية وتأكدنا ان الامر أخذ يستفحل والسكوت عنه قد يدفع الى سرقة الثورة او الالتفاف عليها او يقع انحباس في أهدافها. هذه قراءتنا للوضع وما سيترتب عنه خاصة في ظل اعداد دستور للبلاد، الاتحاد لم يغفل هذا الجانب فقدم مشروع دستور ورأى أنه يجب ان يجد الطريق الى النفاذ الى دستور البلاد خاصة في الابواب المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال ويلعب الاتحاد دوره حتى يوجد لمشروع دستوره اثرا في دستور البلاد القادم. بالمقابل لا يمكن ان ننسى انه بعد الانتهاء من الدستور والذهاب الى الانتخابات سيجد الاتحاد نفسه امام عدة ملفات أخرى منها مراجعة قوانين الشغل ومراجعة واقع الصناديق الاجتماعية ومراجعة نظام التأمين على المرض الذي بدأت تظهر عليه بوادر العجز ولنا في كل هذه الملفات دراسات لكنها تحتاج الى تحيين ولنا ايضا دراسات حسب الجهات تحتاج كذلك الى بلورة منوال تنمية نابع من اهداف الثورة وكل هذا لا يمكن ان يحجب عنا الواقع القطاعي مثل التشغيل والجباية والصحة والتعليم. •تظهر احتجاجات نقابيّة واعتصامات من حين إلى آخر ومعظمها يتم خارج مؤسسات الإنتاج، وهناك من ينسبها الى الاتحاد، فماهو موقفكم من مثل هذه الاشكالية، خاصة ان بعض النقابيين في عدة جهات يدفعون ضريبة هذه التحركات، سجونا وملاحقات واعتداءات بالعنف؟ مع العلم ان بعض التحركات المنفلتة عن السيطرة النقابية تأتي من بعض الهياكل جهوية او قطاعية؟ ـ أولاً ظاهرة الانفلات بدأت في التكاثر اسبوعا فقط بعد الثورة وهناك احتجاجات واعتصامات وعدة مظاهر هي خارجة عن نطاق الاتحاد مثل قطع الطرق او الاحتجاج على مظاهر البطالة أو من أجل الماء أو الكهرباء... هي مظاهر يتضرر منها الاتحاد لكن جانب الكبت خاصة في القطاع الخاص والخوف الذي كان سائدا والذي تفجر بعد الثورة دفع بالمئات للانخراط في الاتحاد وبدأت تظهر ملامح انفلات عن المنظمة نفسها فتشن اضرابات واعتصامات في هذه المؤسسة او تلك دون ان يكون للهياكل النقابية المسؤولة علم بذلك، ولا ننكر ان هذه الظواهر مازالت موجودة لكنها اخذت تنتفي شيئا فشيئا. وفي الواقع اقول ان هذه المظاهر قد تعود إلى عوامل أخرى منها تفجر حالة الكبت والحرية لدى كل الناس من جانب، ومن جانب آخر هناك من يدفع في هذا الاتجاه لتشويه الاتحاد والنقابيين على خلفية ان الاتحاد قوة يعمل على عدم استقرار البلاد ويُريد عرقلة المسار ويريد الفوضى وغير ذلك من الاوصاف المعروفة والتي أدت حتى إلى إلصاق تهم ببعض النقابيين عرضوا من أجلها على المحاكم غير ان الثابت والاكيد ان هؤلاء لم يفلحوا في مسعاهم وعرف الاتحاد كيف يجاري الوضع ويتحمل مسؤوليته ويقنع الاطراف الأخرى بان من يأتي مثل هذه الافعال لا يمكن ان يكون من الاتحاد او من قواعده. • هناك من يصرّ على التهجم علي الاتحاد وممارسة العنف المجاني ضد النقابيين ومقرات الاتحاد ولعل ما حصل يوم الاربعاء دليل قاطع على استهداف الاتحاد العام التونسي للشغل، فكيف تردون على هذه الممارسات؟ الانفلات قائم ويمكن أن نجد له مبررات لكن ما لا نجد له مبرّرا اطلاقا هو العنف، بمختلف انواعه المادي واللفظي، والكلام البذيء الذي يدل على مستوى قائليه! وان يصل الأمر الى اتلاف ممتلكات الاتحاد وتحطيم بعض السيارات وقذف المكاتب المركزية بالحجارة والزجاجات الحارقة فهذا أمر غير مقبول وغير منطقي، وكان بامكان الامن الذي رأى كل شيء ان يحمي مقر الاتحاد غير انّ هذا لم يقع ولم نلاحظه. وبطبيعة الحال عندما يكون العنف والقذف بالحجارة والزجاجات الحارقة لا يقبل انسان ان يبقى مكتوف الأيدي، لو مرّت خمس دقائق أخرى لتمّ اقتحام مقراتنا وحرق ممتلكاتنا واتلافها لكن للاتحاد رجال ونقابيون يحمونه ويحمون مقراته ومن هنا فصاعدًا سندافع عن أنفسنا بأنفسنا. • يرى بعض المراقبين والملاحظين للشأن النقابي أن المكتب التفيذي الوطني يتفرد بالمواقف ويغيُّب سلطات القرار داخله وخاصة الهيئة الإدارية الوطنية، فما مدى صحّة هذا الرأي؟ ـ أولاً أريد التساؤل حول مصادر هذا الكلام ثم أعود بك إلى هيكلة الاتحاد لأقول لك ان المكتب التنفيذي ليس سلطة قرار والقرارات لها هياكل منظمة هي التي لها صلاحيات اتخاذها ولم يحدث ان اجتمعنا في المكتب التنفيذي واتخذنا قرارا بالاضراب في مؤسسة او جهة أو قطاع ومن يدعي مثل هذا الكلام عليه ان يحيلنا على قرار واحد اتخذه المكتب التنفيذي عوضا عن الهياكل المسؤولة، لو عدنا إلى القانون الاساسي للاتحاد ونظامه الداخلي سنجد ان الهيئة الادارية الوطنية اجتمعت في اكثر من مناسبة على خلاف ما يحدده القانون ولنا في المفاوضات الاجتماعية خير مثال حيث كنا نعود دوما الى الهيئة الادارية ونأخذ رأيها ثم نلتزم بما تقرره وحتى في حال الوصول الى اتفاق مع الاطراف لا نمضي على أي شيء الا بعد العودة الى الهيئة الادارية وأخذ رأيها. إذن أؤكد انه لم يحدث ان اتخذ المكتب التنفيذي قرارا بمفرده وحتى المبادرة التي اطلقناها عرضنا تفاصيلها على الهيئة الادارية وهي التي قامت بالتعديلات والتنقيحات ثم صادقت عليها وكلفت المكتب التنفيذي بالسهر على تنفيذها. وعليه فإن المكتب التنفيذي لم يتغول اطلاقا على سلطات القرار داخل الاتحاد وربما من يروج لهذا يكنّ أمرا في نفسه لابراز ان المكتب التنفيذي هو من يبحث عن الزيادة في الاجور وهو من يريد كذا وكذا دون مراجعة هياكله وسلطات القرار بالاتحاد. • أصوات من داخل الهياكل النقابية ترى في اهتمام الاتحاد بالشأن السياسي العام رغم حتمية دوره الوطني، مغالاة قد أضرت بحقوق الشغالين ومطالبهم فهل يعني ذلك الدفع باتجاه تحجيم دور الاتحاد؟ ـ الاتحاد يُمانع من اجل كلمة الحق ومن أجل فعل ايجابي ولا يمانع لمجرد الظهور بمظهر المعاند والممانع، والاتحاد إذا مانع في بعض الامور فهو يدرك لماذا يمانع وله من الدلالات والحجج ما يكفي لتأكيد مواقفه. ما يقال لم أسمعه من كثير من النقابيين ولكن هذا أسمعه من أطراف سياسية، لهذه الاطراف السياسية أقول ان الاتحاد منذ تأسيسه وهو يلعب دوره الاجتماعي والسياسي وحشاد عندما انسلخ من الـ س ج ت وأسس الاتحاد العام التونسي للشغل لانه رأى في الـ س ج ت عدم مقاومة للاستعمار رغم دفاعها عن حقوق العمال ورأى حشاد في تأسيسه للاتحاد العام التونسي للشغل فضاء يمكن له ان يمزج فيه النضال بين ماهو اجتماعي واقتصادي وبين ما هو سياسي لذلك فان اغتياله لم يتم من أجل مطالب اجتماعية بل لانه كان يلعب دورا متميزا في الحركة الوطنية في غياب الحزب وغياب السياسيين وحتى بعد اغتياله فان رفاقه واصلوا على نفس الدرب ناهيك أنه عندما بدأت تونس تجهز للاستقلال والقيادات الحزبية والسياسية في المنافي كان الاتحاد يعمل ويتوفر على برنامج اقتصادي واجتماعي تم استغلاله من قبل الحبيب بورقيبة عندما استقلت البلاد واصبح هو رئيسا وبعد ان احكم بورقيبة استغلال هذا التقرير تنكر للاتحاد وجاء بأحمد بن صالح وكما يقال ـ علمته الرماية ولما اشتد ساعده رماني - ولا انكر ان الاتحاد مر بفترات صعبة وأخذ الضعف منه لكن هناك خطّا ممانعًا لا يسكت ولا يرضخ ولا يهادن ويدافع عن المطالب والاستقلالية وفي بعض الاحيان يُصعّد إلى درجة التعجيز من أجل خلق حراك بالبلاد وكلنا يذكر استماتة احمد التليلي في الدفاع عن الديمقراطية ويذكر استماتة الحبيب عاشور في الدفاع عن الاستقلالية وحتى أزمة 1978 كانت أزمة دفاع عن الاستقلالية لكن بعد رجوع الاتحاد وجد البلاد قد انخرطت بشكل واضح في النظام الليبرالي وبدأت تقبل بالانصياع الى املاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بتعلة اصلاح الاقتصاد التونسي وغير ذلك ولكن في ذلك الوقت كان النقابيون منشغلين بالاعداد لمؤتمر سنة 1984 وشكل ذلك مناسبة لأن يُعدّ الاتحاد تقريره الاقتصادي والاجتماعي الشهير ودخل في مفاوضات مع الحكومة التي كانت تراها شكلية لكن الاتحاد عاد الى الممانعة وكانت الحكومة انذاك قد شعرت بان المؤسسات قابلة بالوضع وأن المجتمع قابل بما يدور ولم يبق الا الاتحاد على خط الممانعة فافتعلت له ازمة 1985 وجاؤوا بقيادة منصبة ثم جاءت مرحلة ما بعد 1987 وتم مؤتمر سوسة وكان اسماعيل السحباني لاعبا رئيسا في ملعب السلطة اذ هو الذي تم في عهده تحوير مجلة الشغل وبعض تشاريع العمل التي تمت مراجعتها في 74 و77 وبدأت تتلاشى وتغيب في فترات وتبعا لذلك أطلت مظاهر العمل الهش والمرونة وغيرها والتي مازال العمال الى الان يعانون نتائجها السلبية، وخلال سنة 1988 وعند رجوع الاتحاد كانت البلاد في ذلك الوقت قد قطعت اشواطا كبيرة في الانخراط في الاقتصاد العالمي وتم التفويت في أغلب مؤسسات القطاع العام وكان يفترض في قيادة الاتحاد التي انبثقت عن مؤتمر سوسة ان تعجل ببعض الاصلاحات وايقاف نزيف بيع مؤسسات الدولة لكن للاسف قبلت القيادة في ذلك بالكثير من الواقع وقبلت بالكثير من الخنوع للسلطة لكن هذا لم يحجب الخط الممانع داخل المنظمة والذي نجده قائما دوما وبدأ العمل شيئا فشيئا حتى تمت ازاحة السحباني وفعل هذا الخط من داخل الاتحاد وخارجه فعله في مؤتمر جربة وفي تحييد المنظمة عن الدخول الى مجلس المستشارين رغم عدد البقاع التي عرضت عليها. اردت ان أذكر بهذا لأقول ان الاتحاد ليست له أطماع عندما يهتم بالشأن السياسي، والنقابي الذي لا يفهم في الشأن السياسي ويفعل فعله فيه لا يمكن ان يكون نقابيا ناجحا ولذلك لا يمكن للنقابي ان يظل يترقب التجاذبات السياسية حتى يداهمه خطر انعكاسها على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية بل يجب عليه الذهاب إلى مربع السياسة وميزة الاتحاد انه يذهب الى هذا المربع بما يغيض بعض السياسيين الذين يرون فيه منظمة مهنية حرفية فقط، ويذهب البعض منهم، الآن إلى حدّ التساؤل عمّا قام به الاتحاد في عهد بن علي الشيء الذي يدفعني إلى التأكيد بأنّ الاتحاد دافع على الأقل عن الديمقراطية وأطر انتفاضة الحوض المنجمي ولم يسكت عندما وقع إرباك الرابطة والمحامين والصحافيين والقضاة... فالاتحاد كان دائم الحضور في هذه المحطّات ليس بالنسب المأمولة لكن أيضا لم تكن قيادته كلّها مهادنة فهناك نفس داخله دائم التحرك ويدفع دوما باتجاه الايجابي والدليل على ذلك احتضانه لشباب الثورة وتأطيره لتنطلق الثورة من مقرّات الاتحاد ولا يمكن أن نجحد علىقيادة الاتحاد مواكبتها لانطلاقة الثورة ذلك أنّ ثلاثة من أعضاء المكتب التنفيذي رابطوا أيّام الثورة بسيدي بوزيد والڤصرين والأمثلة كثيرة على ذلك رغم استمرار حكم بن علي وكان الاتحاد أحسّ بأنّ محرّك الثورة لا يدور بشكل مجدي وسريع في ذلك الوقت فأعلن الاضرابات القطاعية والجهوية ثمّ الاضراب العام والذي توّج باندلاع ثورة 14 جانفي وسقوط نظام بن علي لكن وبعد كلّ الأدوار التي قام بها في ظلّ الثورة بدأنا نسمع أشياء غريبة ومحاولات لتحديد دور الاتحاد فقلنا على رؤوس الملإ أن لا أحد داخل السلطة أو خارجها بإمكانه تحديد المربع الذي يتحرك فيه الاتحاد ونحن قمنا ومازلنا نقوم بدورنا التاريخي دون أن ننسى تذكير الأحزاب والسياسيين بأنّنا لسنا منافسين لهم ولسنا طلاّب حكم أو سلطة ونقف من الكل على نفس المسافة في استقلالية تامة... واستطعنا أن نقنع كل الناس بدورنا هذا وهو ما أكّدته الأيّام حتى أنّ كل المجتمع أصبح يرى في الاتحاد الأمل الذي يمكن أن يخرج البلاد ممّا تردّت فيه. • في أكثر من مرّة وقع الحديث عن تقارب بين الأطراف الاجتماعية سواء مع الحكومة أو مع منظمة الأعراف، وهو تقارب رأى فيه بعض المراقبين مزايدة على واقع العمّال والبلاد، فما هي النتائج الفعليّة لهذا التقارب إلى حدّ الآن؟ ـ من المهم هنا أن نفرّق بين المسائل... لم أر إلى حدّ الآن أي تقارب لكن قد يحدث هذا التقارب بما يعني أنّه في بعض الأحيان يطفو ملف ما ويكون محلّ حوار مع هذا الطرف أو ذاك فيحصل اتفاق حوله ألا نرى في هذا تقاربا وفي بعض الأحيان لا يحصل الاتفاق فنلتجئ إلى النضال ثمّ تأتي النتائج ايجابية هذا أيضا نسمّيه تقاربا وان تمّ التعثّر فلا نناصب أحدا العداء بل نواصل النضال ويمكن الفصل بين مصلحة العمّال والبلاد، ومنذ مؤتمر جربة تحديدا لم يعد بالإمكان الفصل بين ماهو اجتماعي وبين ماهو اقتصادي لذلك أخذنا بعين الاعتبار وضع المؤسسة التي تمرّ بصعوبات ولم يعد بالامكان الحديث عن وضع العامل دون الحديث عن المؤسسة وهو ما نعتبره تقاربا لكن ليس التقارب الذي نغفل فيه الجانب الاجتماعي للأجراء وفي نفس الوقت أيضا ليس بأي كلفة كانت حتى ولو انهارت المؤسسة لأنهّ عند انهيار المؤسسة نفقد الشغل ونفقد الأجر ولهذا يجب أن يقتنع أرباب العمل أنّنا في نفس المركب وأن لا يأخذوا منطق التقارب على حساب حقوق العمل والعمل نفسه ولا أيضا على حساب الحق النقابي... نحن نتمنّى أن يدرك أصحاب العمل هذا الفعل على غرار ماهو موجود في نقابات أوروبية وبلدان متقدّمة ومن هنا يأتي حرصنا على التفاوض في العقد الاجتماعي... وفي النهاية أقول أنّه ليس هناك تقارب بالمعنى المشترك إنّما فقط هناك معرفة بدقة المرحلة... • حصل مؤخرا الاتفاق في الوظيفة العمومية لكن المفاوضات تتعثّر في القطاع العام وتتردّى إلى نقطة الصفر في القطاع الخاص، فما السبيل إلى تجاوز هذا الوضع خاصة في ظلّ استمرار ارتفاع الأسعار وتدنّي القدرة الشرائية للشغالين؟ ـ بالنسبة إلى الوظيفة العمومية أنهينا التفاوض وبالنسبة إلى القطاع العام المفاوضات سائرة أمّا في القطاع الخاص فتمّ التراجع من قبل الأعراف ونحن في الاتحاد متمسكون بما صرّح به أحد ممثلي اتحاد الصناعة والتجارة وطالبنا من اتحاد الصناعة والتجارة مراجعة موقفهم والالتزام بما جاء على لسان ممثلهم وبالمناسبة كنت اليوم (الثلاثاء) في حديث مع رئيسة اتحاد الصناعة والتجارة وقلت لها إنّنا نترّقب الامضاء على الاتفاق قبل أن نلتجئ إلى اللجنة العليا للتفاوض وإذا لم يحصل الاتفاق فإنّ قطاعاتنا على استعداد للنضال. • في ظل ارتفاع الأسعار وبعد الزيادة في المحروقات وفي معلوم الكهرباء والماء وفي ظل الانفلات الموجود في السوق عموما كلها أثرت بشكل سلبي على نسق المفاوضات في الوظيفة العمومية وعلى نسبتها، فما هو موقف الاتحاد من هذه الوضعية؟ ربما ارتفاع الأسعار هو الذي يجعلنا نناقش وندافع بقوة لتحقيق المزيد في نسبة الزيادة في الأجور، ولكن ما يحدث أن ما نتحصل عليه باليسرى يُفتك باليمنى، والخوف كل الخوف أن تتدهور المقدرة الشرائية إلى وضع أكثر كارثية. سعر الطاقة يؤثر على المقدرة الشرائية للمواطن العادي لكن أيضا يؤثر بدرجة اكبر على المؤسسة والمشكل هنا يتضاعف فطبيعي أن المؤسسة التي تعاني مشاكل وفي ظل التنافس، ستضطر إلى الزيادة في سعر المنتوج وبالتالي الزيادة في سعر استهلاكه، وهو ما يضر بعملية الترويج الداخلي وكذلك بعملية التصدير إلى الخارج، كما أن مثل هذه الزيادات ستأثر على العلاقات الشغلية بين الأطراف وقد تؤدي مثل هذه الزيادات لغلق المؤسسات وبالتالي تسريح العمال وهو ما يمثل لنا كارثة حقيقية. •هل توصّل الاتحاد في هذه الفترة الزمنيّة القصيرة منذ مؤتمر طبرقة إلى تجسيم البعض من توصيات وقرارات المؤتمر خاصة المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟ ـ التزمنا أمام المؤتمرين بالعمل على أربعة ملفات هي: 1 ـ في ظلّ الحكومة الانتقالية المؤقتة سنعمل وسندافع عن مشروع دستورنا حتى يلقى أثره في دستور البلاد. ونحن بصدد القيام بهذا العمل. 2 ـ سنعمل مع الدولة ومع اتحاد الصناعة والتجارة على انجاز عقد اجتماعي يربط بين جميع الأطراف وقد شرعنا في هذا العمل وخطونا فيه خطوات بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وتمّت الى حدّ الآن عديد الجلسات هنا وهناك والحاصل أنّ هناك اتفاقا على أن ننهي هذا العقد قبل 14 جانفي القادم. 3 ـ اخترنا أن تدور المفاوضات الاجتماعية على سنة واحدة باعتبار أنّ هذه الحكومة مؤقتة وفعلا أنهينا جزءًا من هذه المفاوضات ونعمل على إتمام ما تبقّى. 4 ـ المؤتمر شرّع لنا أحقيّة اعداد تصوّر لهيكلة جديدة للاتحاد وقد انجزنا ذلك وسنعرض مشروعنا أوّلا على هياكلنا الجهوية لإبداء رأيها قبل أن يتمّ عرضها على المجلس الوطني ليس للنظر فيها فقط وإنّما لإنجاز هذا الحلم لأنّ منظمتنا منذ مؤتمر جربة قائمة على نفس القوانين في حين تطورت العلاقات الشغلية وتطورت القوانين والتقنيات تغيّرت وبرزت علاقات عمل لم تكن مألوفة وهناك مهن جديدة برزت وأخرى اندثرت وهناك تصنيفات مهنية جديدة في قطاعات محدثة جديدة... كل هذا يحدث وهيكلة منظمتنا مازالت جامدة. هذه هي النقاط الأربعة التي وعدنا بانجازها هذه السنة ونتمنى أن لا تنتهي السنة حتى نكون أوفينا بما تعهدنا به ومع هذا وعدنا بأنّنا سنفتح كل الملفات العالقة مع الحكومة القادمة التي ستكون حكومة استقرار وقد شرعنا من الآن في اعداد ملفاتنا (الصناديق الاجتماعية واقع التشغيل ـ بوادر إفلاس الصندوق الوطني للتأمين على المرض إلى غير ذلك) ونتمنّى أن نبدأ بالعمل الفعلي على هذه الملفات في الأشهر الأولى من السنة القادمة. •يرى البعض ان التعددية النقابية باتت أمرا واقعا، فما هي انعكاساتها على نسبة الانخراط بالاتحاد العام التونسي للشغل، وهل يفكر الاتحاد في آليات لتحصين النقابيين من محاولات الاغراء وشراء الضمائر؟ هذا الوضع يملي علينا اليوم أن نستأنس بتجارب عديد المنظمات التي لها أقدمية في فهم هذه المسائل واليوم نقوم بتعاون في هذا المجال مع نقابة س.ف.د.ت وأقول إن تحصين هياكلنا ليس من الاغراء فقط وإنّما من كلّ المواقع التي تصادف فيها النقابي اخلالات وفي حديثنا مع عدّة نقابات ذات التجارب أكّدوا لنا أن أصعب الفترات التي مرّوا بها هي الفترات الانتقالية من هيكلة إلى أخرى، وكل نقابي حرّ يعرف كيف يحصّن نفسه من الاغراءات. • الاتحاد بصدد اعداد مشروع العقد الاجتماعي، والذي سيعرض على وزارة الشؤون الاجتماعية وعلى منظمة الأعراف، فهل «سيفرض» الاتحاد مشروعه الاجتماعي والحقوقي على الأطراف التي عُرفت تاريخيا بـ «عدائها» للعدالة الاجتماعية والعمل النقابي عموما ؟ ـ انطلقنا في اعداد المشروع في حدود شهر فيفري بعد ان نضجت الفكرة ووجدنا المموّل وبعد ان عبرت كل الاطراف المعنية عن استعداداتها علما وان من وفر التمويل هو المكتب الدولي للشغل B I T وفي مرحلة أولى تم التعاطي حول الموضوع مع B I T كل طرف على حدة ثم وقعت دعوتنا (الاطراف الثلاثة للانتاج). وحصل اتفاق ان ننهي هذا العمل قبل 14 جانفي وعندما نتوصل الى التوقيع على هذا الاتفاق تصبح كل الاطراف ملزمة به ويقع الرجوع اليه في كل اختلاف. ان بلادنا تحتاج ايضا الى عقد مجتمعي وربما هذا العقد الاجتماعي هو الذي سيمهد الى وجود عقد مجتمعي ببلادنا. • إلى أي مدى يمكن للاتحاد العام التونسي للشغل الذي يتوفر على علاقات دولية تاريخية مشعة التـأثير في القرارات الدولية بشـأن تونس سواء على المستوى الاقتصادي (الاستثمار) أو السياسي في مرحلة توحي بالتحفظ من عدة جهات خاصة منها الأوروبية؟ ـ للحقيقة ان كل الاخوة الذين مروا من قسم العلاقات الدولية بالاتحاد العام التونسي للشغل كانوا دوما نقطة قوة وتركوا إرثا ايجابيا نحن الآن نبني عليه ودائما نحن في حاجة الى مشورتهم فلنا كوادر بعدة منظمات جديرة بالاحترام والتقدير ولا نتردد في الاخذ برأيها على غرار الاخ محمد الطرابلسي. نحن في العلاقات الدولية نتعامل بالاساس مع النقابات وخاصة الاوروبية لانها مستقلة ولا تتأثر بمواقف حكوماتها على خلاف النقابات في بعض الدول العربية. هذا ما يعني ان العلاقات بين بلدنا واحدى البلدان الاخرى اذ كانت تشهد خلافات فلا يعني ان النقابات تتأثر بهذه الخلافات. غير ان الجدير بالتذكير في هذا المجال اننا اذا شعرنا كنقابات بأن الخلافات السياسية ستنعكس على الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي هنا يتنزل دورنا ونقوم بما يجب القيام به للحد من الانعكاسات وهذا ما تم بعد الثورة حيث ينظر العالم كله الى بلدنا نظرة اعجاب لان ثورة تونس أثبتت للعالم فشل منوال التنمية الذي كان متبعا في تونس وما قام به الاتحاد من دور على هذا المستوى تنظر اليه النقابات الاوروبية بإكبار واعجاب لأنه كشف زيف النمط التنموي الذي كان متبعا في تونس. وأعطى حجة لهذه النقابات من اجل الدفاع عن حقوق الشعوب الأخرى التي تعاني من نفس نمط هذا المنوال التنموي. وعموما نريد التأكيد على ان اختلافاتنا بالداخل لا يمكن ان تحجب عنا الدفاع عن مصلحة البلاد العليا في الخارج فنحن ندعو للاستثمار في بلادنا وهناك من يرى في النقابات صمام أمان لبعث المشاريع والاستثمار لذلك ستكون لنا مشاريع تعاون مع عدة منظمات نقابية ويمكن ان تصل الى المشاركة بوفود من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة وأذكر في هذا السياق برنامج عمل سيتم مع منظمة القوى العمالية بفرنسا. وأقول صراحة اننا مازلنا مقصرين نسبيا في جانب العلاقات الدولية نظرا للضغط الداخلي وكثرة الاعمال والالتزامات التي جعلتنا لا نقوم بهذا الدور كما يجب ونأمل ان نعود الى هذا الدور بعد انهاء العمل على بعض الملفات العاجلة. •هناك من يعتبر بروز مبادرة الاتحاد مجددا يستند الى ثلاثة مستجدات وطنية وهي ظهور نداء تونس كقوة سياسية وجدل انتهاء الشرعية الانتخابية وتداعيات أحداث سفارة أمريكا، ما مدى صحة هذه المقاربة؟ ـ المبادرة أطلقناها منذ شهر جوان الماضي عندما شعرنا بأن هناك بداية لتجاذبات وصراعات سياسية كبيرة وشعرنا ان بلادنا تحتاج الى من يجمع الناس ويدعوهم الى التوافق حول بعض المسائل المطروحة وعندما أطلقنا المبادرة وجدت ترحابا من عديد الاطراف ووجدت تعاطفا عاما خاصة ان المرحلة اتسمت بالحديث عن قرب موعد 23 اكتوبر والشرعية وما الى ذلك وبروز مظاهر للعنف السياسي والمادي حتى داخل المجلس التأسيسي وارتسمت حول الديمقراطية وحرية الاعلام واستقلالية القضاء نقاط استفهام عديدة... وهذا ما اثر سلبا على الوضع العام الاجتماعي وحتى الاقتصادي بما قد لا يسمح بالتحكم فيه اذا لم تكن هناك بوادر للحوار الوطني وعدنا لدعوة الاطياف السياسية والمجتمع المدني بغاية تجميعهم ولسنا نطلب منهم اي شيء غير العمل على مصلحة تونس وترك المصلحة الفئوية أو الحزبية جانبا لكن المتعارف عليه ان لا حزب يطمئن للآخر لذلك رأينا نحن في الاتحاد على اعتبارنا غير معنيين بالتنافس لا على السلطة ولا على الحكم ولا على غيرهما واننا نقف على نفس المسافة من كل الاحزاب وان الناس يمكن ان يستمعوا الينا عدنا الى دورنا الذي لعبناه قبل وبعد الثورة وقررنا ان ندعو السياسيين ونقول لهم ان مصلحة تونس تعنينا كما تعنيكم لكن دون ان نكون منافسين لكم وسنعرض عليهم مبادرتنا التي فيها ما هو عاجل وما هو آجل وما هو على المدى الطويل لذلك حددنا نقاطا محددة يجب ان يحصل عليها التوافق وأهمها طبيعة نظام الحكم الذي نريده لتونس والاسراع بتكوين اللجنة العليا المستقلة للانتخابات والهيئة العليا المستقلة للاعلام وانهاء التجاذبات حول استقلالية القضاء العدلي وبعد ان نوجد التوافق حول هذه النقاط العاجلة يمكن ان نتحدث بأريحية في مسائل أخرى. نتمنى ان يقع التفاهم والتوافق وان تلتقي جميع الاطراف بالفعل حول مصلحة تونس بعيدا عن الفئوية والحسابات الضيقة مع التأكيد ان الاطراف التي ستلتقي في هذا الحوار لن تعوض المجلس التأسيسي ولن تعوض الحكومة. نحن نسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الطرف الذي يسعى إلى إقصاء طرف آخر لأننا نعتقد ضمن هذه المبادرة أن من مصلحة الجميع هو أن تجلس كل الأطراف إلى طاولة الحوار والتفاعل المسؤول والعميق مع جميع وجهات النظر حتى نخلص إلى وفاق وطني، فبالأخير نحن نطرح هذه المبادرة لا لان تتحول إلى ما يشبه سوق عكاظ تتناظر فيه الأحزاب السياسية وإنما لخلق مناخ توافقي يخرجنا من عنق الزجاجة. ومسألة الإقصاء هاته هي التي تأخذ الآن الحيز الأكبر من جهد ومناقشات الهيئة المشرفة على تسيير هذا الحوار. هناك مواضيع حارقة يجب إن نحسمها الآن وهنا، وبعد ذلك فليتنافس المتنافسون. • تسعى بعض وسائل الإعلام إلى حصر العمل السياسي في الاستقطاب الثنائي بين حركة النهضة وحركة نداء تونس، في حين أن اليوم هناك الجبهة الشعبية، التي تقدم نفسها كخيار أول، إلى جانب تشكل قوة رابعة ممثلة في الحزب الجمهوري والمسار، فأين يرى الاتحاد نفسه بين هذه الخيارات؟ فيما يخص ما تروج له وسائل الإعلام من الاستقطاب الثنائي بين حركة النهضة من جهة وحركة نداء تونس من جهة ثانية، هناك اليوم تجمع الأحزاب اليسارية في إطار الجبهة الشعبية وهي ستغير الخارطة السياسية، وهناك تقارب بين الحزب الجمهوري والمسار، وهناك عديد النقاشات بين أكثر من حزب، وان تقاربت فإننا سنشهد وجود أكثر من قطبين، وشخصيا لست مقتنعا بوجود استقطاب ثنائي فقط، لان المشهد السياسي عموما يعيش حالة مخاض كبرى، وستحسم هذه التكتلات والأقطاب السياسية عندما تتحدد رزنامة الانتخابات القادمة. نحن في الاتحاد العام التونسي للشغل مستقلون عن كل الأحزاب ونقف نفس المسافة من كل الأحزاب السياسية. صحيح أن الشأن السياسي يعنينا ولكن عندما يصير الأمر يهدد استقلاليتنا فان كل الحساسيات السياسية وكل التوجهات الموجودة داخل الاتحاد تنصهر مع بعضها البعض في الصف النقابي، لان كل نقابي مسؤول يعرف الخطوط الحمر بين نضاله النقابي وانتمائه السياسي. نحن في الاتحاد يهمنا أن تنتهي حالة التشرذم بين الأحزاب الصغيرة التي تجمعها رؤى وأفكار مشتركة ولكنها مشتتة، لان ذلك يمنح الفرصة ليكون هناك تنافس حقيقي وأيضا نضج سياسي في البلاد، وتكفينا الأصوات الضائعة في انتخابات 23 أكتوبر الفارطة لنعرف حجم الضرر الذي يحدثه تشتت الأحزاب. الفسيفساء السياسية الموجودة في البلاد اليوم هي نفسها تقريبا موجودة في الاتحاد وبالتالي لا يمكننا أن نقول بان الاتحاد يجد نفسه مع هذا الطرف أو ذاك وهو أمر محسوم لان هياكلنا تنضبط لاستقلالية المنظمة ولكن هم أيضا أحرار في اختيار هذا الحزب أو ذاك التكتل. المشروع الاقتصادي والاجتماعي، وفي إطار منوال التنمية الذي يعده الاتحاد وينسجم مع مبادئه وثوابته ومثلما نادت به الثورة التي قامت في تونس، هذا المشروع هو الذي يجعل إمكانات التفاهم واردة مع أي حزب يحترم مشروعنا الاقتصادي والاجتماعي ويسعى إلى تطبيقه في ارض الواقع، ولكن معلوم أن الحزب الذي يمسك بزمام السلطة تتغير مواقفه، ولا أخفي سرا إن قلت أن بعض الأحزاب الموجودة اليوم في السلطة كانت علاقتنا بها جيدة لكن بمجردة أن اعتلت سدة الحكم غيرت طريقة تعاملها، وإذا تحولت الأحزاب الموجودة اليوم من السلطة إلى المعارضة فسيصيرون أحبابا للاتحاد. هذا الأمر لا يغرينا ولا يدفعنا لاختلاق نعرة داخل الاتحاد لصالح هذا التوجه أو ذاك ولذلك من المستحيل أن نقرر مساندة هذا الطرف على حساب طرف آخر أو نلزم النقابيين باختيار هذا الحزب أو ذاك الحزب، حتى لو طرح حزب ما مشروعنا الخاص في الاتحاد فلن نلزم نقابي أو نقابية به لان هذه مسألة تبقى شخصية.

2012/10/04

مملكة النمل لشوقي الماجري: الوجع الفلسطيني... لا تحت الارض ولا فوقها...

ناجي الخشناوي اعتبر المخرج التونسي شوقي الماجري أن فيلمه الأخير "مملكة النمل" "أهم فيلم انجزه به لأنه عاش معه فترة من الزمن (الفيلم مكتوب منذ ما يزيد على السبع سنوات)... وأجمل "غايته" من هذا الفيلم في تسليط الضوء على "حق الدفن وحق الحياة" بعيدا عن الجوانب السياسية للقضية الفلسطينية... مثلت القضية الفلسطينية المحور الرئيسي لأكثر من 276 فيلما سينمائيا لمخرجين فلسطينيين، إلى حدود سنة 2001، واختلفت الكتابة السينمائية لقضية شعب الشتات من السمات الثورية والتحريضية المباشرة، إلى سمة التأمل والإفصاح عن حال الفلسطيني بلغة شاعرية لم تغفل رصد قسوة الاحتلال وبشاعته بعين فلسطينية. ثم كانت السينما العربية عموما "شحيحة" في تطرقها إلى القضية الفلسطينية باعتبار طبيعة الأنظمة الحاكمة التابعة التي تتجنب مواجهة الكيان الصهيوني ولو ثقافيا، إلى أن بدأت الأصابع المتمردة والعدسات المتوثبة ترصد علاقة الأنا الفلسطيني بالآخر "الصهيوني" بعيون ليست فلسطينية، فكان فيلم " من نحن؟" للمخرج المصري توفيق صالح فيلم (1960) أول فيلم تسجيلي طويل يقدم ظروف حياة اللاجئين الفلسطينيين مستعرضاً قضيتهم السياسية والاجتماعية... لتتناسل عشرات الأعمال السينمائية العربية عن القضية الفلسطينية لعل ما يعلق بذاكرتنا منها "فتاة من فلسطين" و"أرض السلام" و"طريق الأبطال" و"صراع الجبابرة" و"الفدائيون" و"أجراس العودة" و"ناجي العلي" و"رجال تحت الشمس" و"المخاض" و"الميلاد" و"مائة وجه ليوم واحد" و"كفر قاسم" و"الأبطال يولدون مرتين" و"قمران وزيتونة" و"أيام الضجر"، و"أحلام المدينة" و"الليل" و"شيء ما يحترق" و"رؤى حالمة" و"بوابة الجنة"... ويبقى فيلم يسرى نصر الله "باب الشمس" من بين أهم الأفلام "المرجعية" للقضية الفلسطينية وأضخم عمل (يدوم قرابة 4 ساعات و38 دقيقة) ... وأخيرا وليس آخرا يأتي فيلم المخرج التونسي شوقي الماجري بعنوان "مملكة النمل"، الذي بدأ عرضه في تونس بداية من يوم الأربعاء 3 أكتوبر 2012 بقاعات السينما (المونديال، البرناص، اميلكار المنار، مدار قرطاج، الحمراء بالمرسى) والذي جمع كل من الممثلة صبا مبارك (جليلة)، ومنذر رياحنة (طارق)، وجميل عواد (أبو النمل)، وعابد الفهد (الضابط)، صباح بوزويتة (دلال) وخالد شنير (الطفل محمّد)... ولئن طرح شوقي الماجري القضية الفلسطينية من خلال العمل الدرامي الضخم "الاجتياح" (2007) إلا أن فيلم "مملكة النمل" له نمطه الخاص ورؤية مخرجه المخصوصة للقضية الفلسطينية من زاوية الكتابة السينمائية التي تختلف عن الكتابة الدرامية، ويبرز فيه شوقي الماجري "نفسه وذاته وعينه دون غيره"، ولكن كل هذا لم يجعل الفيلم بعيدا عن الفلك العام وسياق الصراع الفلسطيني الصهيوني القائم على صياغة ميلودرامية لحكاية وطن بلا جيش اغتصبه جيش بلا وطن... ولقصص "امرأة كانت تسمى فلسطين... وصارت تسمى فلسطين..."... لتكون الذاكرة، معطوبة كانت أو متوثبة، "ملكَةَ" المملكة السينمائية التي رمى شوقي الماجري بأطرافها من تخوم السواد إلى ما لانهاية من الوتر الجنائزي... في الفيلم تنقلب معادلة الموت والحياة، حيث تصير الحياة متوهجة تحت الأرض، في حين يتطاول الموت على كل من يروم الحياة فوق الأرض... وتضعنا الشخصيات والأحداث في سياقين يبدوان متباعدين في الظاهر في حين أنهما "مكملان" لبعضهما البعض، فهدوء عالم ما تحت الأرض والضوء المنهمر على قصص العشق التي لا تقضم التفاحة إلا لتنبت شجرة ليس إلا عالما متوازيا مع عنف وصخب عالم ما فوق الأرض حيث أزيز الطائرات وصوت البنادق والمدافع... هي ذي المعادلة الوجودية لمملكة النمل: حياة فموت فحياة... تماما كتلك التي صاغها محمود درويش عندما كتب ساخرا من العدو الصهيوني "هل تعرفون القتلى جميعا والذين سيولدون... سيولدون تحت الشّجر وسيولدون تحت المطر وسيولدون من الحجر..." غير أن هذه المعادلة الوجودية جعلت نسق السيناريو وإيقاع الفيلم الداخلي يؤثران بشكل السلبي على عملية "التقطيع المشهدي" الذي كان مباغتا وسريعا في اغلبه ولم يترك للمتقبل فرصة "التماهي" مع الحكاية، ورغم الإطالة المجانية لبعض المشاهد خاصة تحت الأرض، إلا أن المخرج لم يُمكّن المتفرج من فرصة التخلص من "الهزات"المباغتة في نسق الحكاية الرئيسية للفيلم ليتابع حكاية ثانوية، خاصة أن الحكايات الثانوية أو الجانبية هي التي ترفد الحكاية الرئيسية لأي فيلم روائي طويل، وربما ما أمّن الخيط الناظم بين هذه المشاهد المقطعة، وجعلها تقترب من بعضها البعض، ذاك الإحكام اللامتناهي على مستوى الإضاءة، فالإضاءة في هذا الفيلم، وان بدت شديدة القتامة لا تستقيم إلا مع اللون الأسود أو الإنارة الخافتة وفي بعض الأحيان تشقها بهرة ضوء تنسكب من سماء الحب على مغارة الولادة، رغم ذلك فقد كانت الإضاءة نصا مكتملا بمفردها بما أضفته من جمالية إخراجية حتى يُخيّل إلى المتفرج أن بعض المشاهد قد كُتبت بالضوء... أليس الضوء قصيدة؟... وكذا كان دور الموسيقى التي رافقت المشاهد في هدوئها تارة وصخبها طورا، إذ كانت الموسيقى التي أعدها وليد الهشيم بمثابة الدليل اللامرئي أو الجواز المعنوي للاقتراب من باطن الشخصيات وتفاصيل المشاهد، وقد كانت في أغلبها موسيقى جنائزية وهو اختيار موفق، لان هذا النمط الموسيقي يتكئ على الماضي ليفتح أفق الحاضر والمستقبل، ويشحن المتقبل بطاقة إضافية، خاصة أن اللحظات المأتمية في الفيلم لم تكن الطاغية، وان بدت للعيان كذلك، لأن الكآبة لم تكن سوى جسر خارجي لإيصالنا إلى "الفرح" الكامن في كل شخصية في الفيلم... بما فيهم الشيخ (أبو النمل)... وكل مشاعر الحزن والخوف كلها كانت تخدم سياق الحياة إن فوق الأرض أو تحتها... تماما مثل حركة الممثلين التي بدت ثقيلة طول زمن الفيلم، حتى في لحظات الصراع المباشر بين الفلسطينيين والصهاينة، إلا أنها في العمق كانت هي الأخرى ترفد معنى الحياة في الصبر والتأني... "مملكة النمل" عمل سينمائي يؤجج الوجع الفلسطيني دون أن يسقط في التوثيق والتأريخ، لكن الإفراط في النوستالجيا وتواتر "الكليشيهات" المستعملة في السياق الإبداعي عموما للقضية الفلسطينية قد تجعل من الفيلم يفقد جزءا كبيرا من أن يكون إضافة نوعية للسينما العربية الهادفة، فالتيمات الرمزية المستخدمة في الفيلم من قبيل التفاحة والقمر والماء والشجرة الهرمة التي يُفتتح بها الفيلم جميعها تقريبا تم توظيفها في أعمال سينمائية سابقة... إلى جانب الصورة النمطية لأرملة الشهيد وللفلسطيني اليتيم الذي يولد ويعيش ويستشهد دون أن يعرف والديه... إلا أن ما "يشفع" لشوقي الماجري وجود هذه "الهنات" هو إيمانه، الذي عبر عنه في احد الحوارات الصحافية، عندما قال "القضية الفلسطينية أكبر بكثير من أن يلخصها فيلم أو مسلسل، كما أن هذه القضية لم تنته بعد لذلك يصعب علينا اختزالها في أي عمل فني." هي إشارات أولية بعد مشاهدة أولى لفيلم "مملكة النمل" لشوقي الماجري، الأكيد أنها ستكون فاتحة لقراءات قادمة بعد المشاهدة الثانية وربما الثالثة، لأن فيلم "مملكة النمل" يستحق المشاهدة أكثر من مرة.

من يتعلّم النضال ينسى العبودية

مهدى إلى ابن ساحات النضال الفقيد لطفي الحيدري
من لا يملك إرادة الموت لا يمكنه أن يملك إرادة الحياة، لأننا نحيا مع الموت في كل لحظة ولا نموت للحظة واحدة، والمهمة المتواصلة لحياتنا هي أن نبني صرح الموت الذي لا مناص منه، إذ بقدر ما يتعين علينا أن نعزو لحياتنا شكلا من أشكال الوعي، فإنه ينبغي علينا أيضا أن نعزو ـ لحياتنا ـ ضربا من اليقين الحدسي بالموت الذي قد يكون شرّا يترصدنا في كل منعطف ولكنه حتما ليس أمرا عبثيا لا تسوّره حكمة ما، وموت "ارنستو تشي غيفارا" لم يكن موتا عبثيا ولا موتا نهائيا، فقط اضطر للمغادرة والرحيل إلى جبهة قتال جديدة لان الثورة لا تنتظر أحدا،كما كان دائما يقول كلّما كان على أهبة مهمّة ثورية جديدة. لقد حمل سلاحه ودّس في حقيبته الظهرية، كتابات ماركس وإنجلز ولينين وأشعار بابلو نيرودا وخوسي مارتي وروايات همنجواي ولم ينسَ اضمامة الأوراق والأقلام ليكتب "يومياتي في بوليفيا" و"حرب الأنصار" و"لمحات من الحرب الثورية" وأيضا ليدوّن رسائله الحميميّة لزوجته وأبناءه وإلى رفاق الجبهات، فالفكر عنده لم يكن يوما معزولا عن الثورة أو العاصفة، والموت ليس بمنأى عن الحياة ولهذا ظل "تشي" حيّا بين المقاومين في كل أرجاء العالم ولم يكن موته المادي إلا مولدا إلى رحاب أوسع، فمن شهر السلاح مرة واحدة في وجه الامبرياليّة لا يمكن أن يُسقطه من يده أبدا و"تشي" لم يستسلم ولم يُلق السّلاح بعدُ لأنه لا يزال يُطلق رصاصه على الامبرياليّة والصّهيونية في القدس وجنين ونابلس ورام الله والضفة الغربية وقطاع غزة وفي بغداد والفلّوجة وكربلاء والبصرة وفي حمص وحلب وادلب ودمشق... وإن مات "تشي" الأرجنتيني فإن في العالم مليون "تشي" فلسطيني وعراقي ولبناني واسباني وإفريقي وآسيوي" وحال كل مقاوم يذكر في دخيلته قول "غيفارا":" لن نحقق العدالة بالابتهال والتضرّع والتعاويذ،على الشعب أن يقوم بمهمة واحدة هي النضال." ولا ينسى أيضا دقة كلام خوسي مارتي وتفاؤله الشديد عندما قال:"إن جوهر المسألة لا يكمن في كم من السّلاح تملك في يديك بل كم نجمة في السماء تريد أن تصطاد."وعدوى التفاؤل هذه صارت تسرى لدى فصائل المقاومة الفلسطينية والعراقية واللبنانية اليوم فأبناء الحجارة وأحفاد الرّصافة لا يملكون ترسانات من الأسلحة وقرارات أممية وتواطئا عربيا وإنما يمسكون حجرا بيد ونجمة بيد أخرى، باسقين كشجر النخيل في العراق، لأن الثوري ليس مسموحا له أن ينهار فنهوضه يساوي نهوض العالم وان مات فوقوفا لا ركوعا. هذا هو "إرنستو تشي غيفارا"يقتسم الخبز والحلم مع الفقراء ويطلق الرصاص على اليانكي، رحل ولم يترك لأبنائه أية ممتلكات بل انه ائتمنهم عند الدولة لإيمانه الرّاسخ بأن الثورة تضمن لهم الحياة والتعليم هذا هو ارنستو تشيغيفارا الذي سيحتفل كل مناضل حر وتقدمي بذكرى وفاته/حياته يوم غد الاحد 7 أكتوبر

2012/10/03

مادام الذكاء مقتصرا على الحركتين فالغباء نعمة

لا يختلف عاقلان على إن الاصطفاف السياسي والحزبي تحديدا لا يخضع لمنطق الذكاء أو الغباء بقدر ما ينبع من القناعة الشخصية والمبدئية لكل فرد يروم التموقع داخل هذا الحزب أو ذاك التنظيم، ولم يعد خافيا اليوم أننا بتنا نعيش حالة من "الخطف" الممنهج للأفراد وحتى للجماعات ودفعهم للاصطفاف والوقوف خلف هذا الزعيم أو ذاك، وبدأت حالة الخطف تدفع المشهد السياسي برمته نحو الاستقطاب الثنائي بين حركة النهضة والإسلاميين عموما من جهة، وحركة نداء تونس والليبراليين عموما من جهة ثانية، وطبعا من تخلف عن هذين الاتجاهين قد يُنعت بالغباء والتكلس السياسي، وكأن لا خيار لهذا الشعب إلا أن يكون إما مع السيئ أو مع الاسوإ منه... والغريب أن من لا ينتمي لحركة النهضة فهو من أعداء الثورة أو من أزلام النظام البائد أو من جماعة "صفر فاصل" وجماعة "عنقني"، ومن لا ينتمي إلى حركة نداء تونس فهو رجعي وظلامي أي مع حركة النهضة وليس حداثيا... أتذكر هنا قولا للكاتب الانكليزي كولن ولسون حيث يقول "إن اللامنتمي إنسان لا يستطيعُ الحياة في عالم البرجوازيين المريح المنعزل، أو قبول ما يراهُ ويلمسهُ في الواقع.. (انه يرى أكثر وأعمق من اللازم). إن البرجوازي يرى العالم مكاناً منظماً تنظيماً جوهرياً يوجد فيه عنصر مقلق مرعب غير متعقل، أما اللامنتمي فانه يرى العالم معقولا ولا يراهُ منظماً، وحين يقذف بمعاني الفوضوية في وجه دعة البرجوازي، فليس لأنه يشعر بالرغبة في قذف معاني الاحترام بإهانة لإثارتها، وإنما لأنه يحس بشعور يبعث على الكآبه، شعور بأن الحقيقة يجب أن تُقال مهما كلف الأمر، وإلا فلن يكون الإصلاح ممكنا... بل وان هذه الحقيقة يجب أن تُقال حتى إذا لم يكن هنالك أمل ما. الأمل الذي ماتت لأجله أجيال وتتوق له أجيال أخرى، يظل دوما رهينا بقول "الحقيقة"، تلك التي لا تتطلب مجهودا أسطوريا للاصداح بها، ويكفي اليوم أن يتعقل "الرهائن السياسيين" الذين وقع "اختطافهم" بإرادتهم وباختيارهم، حتى لا نقول بانتهازيتهم أو بخوفهم أو بطمعهم أو بتملقهم... يكفي أن يتعقلوا وينأوا قليلا بأنفسهم عن الصخب والضجيج المتعالي من "الحركتين" ويلوذوا بأنفسهم إلى نقاء داخلي علهم يتجاوزون النظر أمام أنوفهم ويتمكنوا من التفكير بشكل أبعد وأعمق لأن "تكرير" الاستبداد وإعادة إنتاج الفساد ليس بعيدا لا عن حركة النهضة ولا عن حركة نداء تونس... إلى الصديق الذي كتب تعليقا على صفحتي بالفايس بوك يقول فيه "إن اليسار التونسي مختص كالعادة في الغباء" أهديه هذه الأسطر وأقول له ما دام الذكاء مقتصرا على حركة النهضة أو حركة نداء تونس فإن الغباء في هذه الحالة يصير نعمة... ووحده الغبي من يفرّط في نعمة هو فيها.

2012/09/24

حوار مع المناضل النقابي عدنان الحاجي:

السلطة واهمة إذا ما صدّقت أنها نجحت في إخماد الاحتجاجات الاجتماعية ناجي الخشناوي في ضيافتنا هذا الأسبوع المناضل النقابي عدنان الحاجي الذي عرف بنضالية أوصلته في سنوات الجمر إلى السجون لكنه لم يسكت ولم تبحّ له حنجرة ولا يمكن أن نتصور أنّ يصمت خاصة عند المحطات السياسية والاجتماعية الكبرى... دعوناه ضيفا في جريدتنا هذا الأسبوع ليطلع القراء على الوضع بالمناجم حيث لم يكن متفائلا إذ أكد أن شركة فسفاط قفصة ستمرّ سنة 2014 بعجز عن تصدير الفسفاط وقال إن السلطة الحاكمة واهمة إذا ما صدقت أنها نجحت في إخماد الاحتجاجات الاجتماعية.. بدا متشائما عندما قال قد يكون يوم 23 أكتوبر شبيها بيوم 14 جانفي 2011. عدنان كان لابد أن يتحدّث عن الاتحاد وعن مبادرته ولم يخجله القول إنها جاءت متأخرة وقال مازال بإمكان الاتحاد أن يلعب دوره. لنبدأ هذا الحوار من النتائج النهائية للانتدابات بشركة فسفاط قفصة؟ ـ النتائج النهائية لمناظرة انتداب عمال بشركة فسفاط قفصة اعتقد أنها نجحت في خلق حالة من الارتخاء واليأس في نفوس المعطلين عن العمل بالمنطقة باعتبار أنها المرة الثالثة التي تصدر فيها هذه النتائج ثم تقع مراجعتها. يبقى الأمر المهمّ هو أن المقاييس التي وقع على أساسها الانتداب لم يقع الاتفاق عليها مع ممثلي جهة الحوض المنجمي من نقابات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية ولذلك بقيت هذه المقاييس غامضة وغير مفهومة إلى حد الساعة وفيها الكثير من الحيف والظلم الذي لحق بعض المعطلين ممن شاركوا في هذه المناظرة. القضية ليست في عدد الانتدابات بل في أسس الانتداب التي تفتقد إلى شروط الشفافية والموضوعية وأعتقد أن القضية في الحوض المنجمي في علاقة بهذا المطلب تحديدا تتجاوز هذه المسألة إلى عديد الإشكالات والتي تتطلب حلاً مستعجلاً، بصورة أوضح تمّ اختزال قضايا منطقة الحوض المنجمي في انتداب بضع مئات من المعطلين في شركة قفصة بينما كانت اتفاقاتنا الأولى مع الرئيس المدير العام لشركة فسفاط قفصة منذ ماي 2011 تنصّ على توفير كل مقومات الحلول الجذرية للمنطقة غير أن هذه الحكومة تراجعت وتنصلت من هذه الالتزامات. هل نذكّر القراء بأهم مطالب أبناء الحوض المنجمي؟ ـ أريد أن أوضح أن مطالبنا ليست متعلقة بالتنمية الشاملة والمستديمة لأننا نعلم أن التنمية الشاملة تتطلب عقودًا من الزمن وحوارًا وطنيّا جادًا، ولكن ما أريد أن أشير إليه هو تلك المطالب الخصوصية للحوض المنجمي وفي اعتقادنا أن تحقيق هذه المطالب سيوفرّ بالضرورة الاستقرار والأمن وللتذكير هذه المطالب يمكن إجمالها في ما يلي: شركة فسفاط قفصة لابد من تأهيلها وتجديد أسطولها وأدوات عملها والعمل على زيادة طاقة إنتاجها من أجل توفير مواطن شغل أكثر لاستيعاب اكبر عدد من المعطلين لأن نسبة الانتدابات الحالية هو ليس زيادة في عدد العمال بل هو تعويض لنسبة من عدد العمال الذين تم تسريحهم في إطار التقاعد لمدة خمس سنوات 2011 إلى 2015. وبالتالي سنجد أنفسنا في المستقبل المنظور نعود إلى نفس النقطة والأزمة، وعندما نطالب بتأهيل الشركة فهذا بالرجوع إلى الإحصائيات والأرقام بشركة قفصة التي ستجعلها سنة 2014 عاجزة عن تصدير مادة الفسفاط. أيضا تفعيل دور الشركة في محيطها أي أن الشركة تتحمّل مسؤولية أخلاقية وقانونية عن التلوث البيئي واهتراء البنية الأساسية وتدني الوضع الصحي للأهالي لذلك نرى لزامًا على هذه الشركة أن تساهم ماديا في إصلاح هذه الأوضاع. كذلك تتحمل الشركة مسؤولية أخلاقية إزاء عائلات ضحايا الشغل ممّن تعرضوا إلى حوادث خطيرة نجمت عنها إعاقات دائمة وعليها أن تكافئ عائلات هؤلاء الضحايا بانتداب شخص على الأقل من كل عائلة. أيضا تتحمل الشركة مسؤولية المتقاعدين الذين سُرّحوا قبل سنة 1986 والذين تراوحت مدة عملهم بين 30 و40 سنة ومازالوا إلى اليوم يتقاضون أجورًا أقل من الأجر الأدنى الصناعي أو الذين أحيلوا على عدم المباشرة في 1986 إلى سنة 2000 والذين تعرضوا إلى مظالم كبيرة في احتساب أجورهم وهم إلى اليوم يطالبون بحقوقهم ونذكر بان هذه الاتفاقية أبرمت بين الشركة و«الشرفاء» سنة 1986 بعد ضرب القيادة الشرعية للاتحاد العام التونسي للشغل. أيضا بالنسبة إلى الفلاحين الذين تضرّرت أراضيهم جراء نشاطات الشركة والمعمل الكيمياوي بالمظيلة نرى أنّه لزامًا على الشركة تعويض هذه الأضرار. وأخيرا نحن نطالب بتخصيص نسبة من أرباح الشركة للتنمية بالمنطقة وهذا ما التزمت به فعلاً إدارة شركة قفصة وأقرّه مجلس إدارتها وذلك بتخصيص 400 مليار دفعة واحدة بعنوان 2006 / 2011 لإنجاز بعض المشاريع بالمنطقة على سبيل المثال إحداث بنك تجاري لتمويل المشاريع الصغرى وقد أنجزت دراسته ورصدت له الأموال وكذلك تهيئة 10 مناطق سقوية بمنطقة الحوض المنجمي وانجاز معمل اسمنت بمنطقة «تابديت» التابعة للرديف وغيرها إلا أن الحكومة الحالة تنكرت لهذا الاتفاق ونذكر على سبيل المثال أن نَصيب الرديف لوحدها في هذا الاتفاق توفير ألف (1000) موطن شغل مباشرة مقسمة كالآتي: 454 انتداب بالشركة و200 بشركة البيئة والغراسة و300 بمعمل الاسمنت المزعوم و46 انتداب من عائلات ضحايا الشغل وعليه قبلنا هذا الاتفاق وأمام تراجع الحكومة لم نحصل إلا على الانتدابات بالشركة فقط، ولو نُفِّذ هذا الاتفاق لحلّ المشكل من أساسه ومن بين المطالب الرئيسية هو الاعتراف بجميع حقوق عائلات الشهداء والجرحى واعتبارهم ضمن شهداء الثورة وتمكينهم من فرص العمل. في حوار سابق أدلى لنا وزير الشؤون الاجتماعية خليل الزاوية بتصريح مفاده أن يوم 31 ديسمبر سينطلق العمل الفعلي لشركات البيئة فهل هناك من المؤشرات ما يدل على الشروع في هذه الخطوة؟ ـ أوّلا لابد من الإشارة إلى أنّه ومنذ تأسيس شركات البيئة على أنقاض شركات المناولة سابقا وعمّالها يتقاضون أجورًا من أموال المجموعة العمومية دون انجاز أي عمل يُذكر وعددهم كان في البداية 2700 عامل أي بجملة أجور شهريا بما قيمتها مليار ومائة مليون، والإشكال في كل هذا أن هؤلاء العمّال يطالبون بوضع الأسس القانونية لهذه الشركات وتوضيح العلاقة الشغلية بينهم وبين مشغلهم وهذا من حقهم طبعًا، وقد طالبنا الحكومة بالتعجيل في التفاوض في هذا الموضوع وصرف العمال إلى العمل إلا أنها بقيت تُماطل وهناك إشكال آخر يتمثل في تمثيلية العمال في التفاوض من خلال ما سمي بالنقابات المؤقتة ولا أعتقد أن المشكل القائم قد حُلًّ بمجرّد إبرام اتفاقية بزيادة 50 دينارا شهريا وبالتالي لا أعتقد أن الأمور ستهدأ داخل هذه الشركات، وأتساءل هنا عن مبرّر تحديد نهاية ديسمبر موعدًا لانطلاق العمل بهذه الشركات. هل يُنذر هذا الوضع بعودة الاحتجاجات الاجتماعية؟ ـ اعتقد أن الاحتجاجات لم تخمد وان كانت في الوقت الراهن هادئة فإن ذلك يعود إلى المؤسسات وغياب ممثلي السلطة في الجهة والاحتجاج حاليا كمن يصرخ في الصحراء واعتقد أن السلطة واهمة إذا ما صدّقت أنها نجحت في إنهاء الاحتجاجات الاجتماعية بالحوض المنجمي واعتقد أن اليوم في الحوض المنجمي أنه بمجرّد عودة هذه السلطة السياسية والأمنية ستعود الانتفاضة من جديد وهذا المشكل لابد للحكومة من التفكير فيه بجديّة وتحمل مسؤوليتها في معالجة جُذور القضايا بالمنطقة. ماذا تعني بغياب السلطة السياسية والأمنية؟ ـ حاليا في الرديف لا يوجد المعتمد ولا العُمد ولا النيابة الخصوصية ولا رجال الأمن ما عدا بعض العناصر أصيلي المعتمدية الذين يقومون بعمل إداري بَحْت، كذلك أم العرايس تفتقد إلى الأمن ونيابة خصوصية ممثلة لأن النيابة الحالية تم تنصيبها من قِبل حركة النهضة ودون توافق أما المتلوي فهي على كفّ عفريت. ثمّ إنّ الوالي منذ تنصيبه على رأس ولاية قفصة لم يحلّ أية مشكلة وقد دأب على التعامل مع عناصر حركة النهضة في الجهة فقط ويعمدُ إلى التسويف والوعود الكاذبة وهو في نظري غير قادر وليست له الكفاءة المطلوبة بإدارة جهة مثل ولاية قفصة ورغم انتمائه إلى حركة النهضة فلم يُعرف عنه خوض غمار السياسة أو المشاركة الفعالة في الحياة العامة طوال إقامته بالجهة. على ذكر حركة النهضة والسلطة السياسية، اليوم نحن على مقربة من انتهاء الشرعية الدستورية والانتخابية (23 أكتوبر) وهي المسألة التي قد تؤجّج الوضع من جديد، كيف ترون هذا التجاذب بين الأطراف السياسية وما مدى انعكاسه على الوضع العام؟ ـ مما لا شك فيه أن يوم 23 أكتوبر هو تاريخ مفصلي لانتهاء الشرعية الانتخابية المزعومة التي طالما تغنت بها حركة النهضة لتبرير سياستها وأحيل القراء على المرسوم الرئاسي الداعي الشعب التونسي إلى انتخاب مجلس وطني تأسيس مدّته سنة واحدة وكذلك إلى الالتزام الأخلاقي والسياسي لبعض الأحزاب منها حركة النهضة والتكتل الذين أمضوا بيان 15 سبتمبر 2011 والذي التزمت فيه الأطراف الممضية بان تكون مدة المجلس سنة لا أكثر، وإذا كانت حركة النهضة اليوم تتعلّل بان القانون المؤقت المنظم للسلطات قد جبّ ما قبله أي المرسوم والالتزام والبيان فإن هذا عذرٌ أقبح من ذنب إذ أنها تعمّدت منذ مناقشة القانون المؤقت الانقلاب على التزاماتها السياسية ولم تدافع عنها وهي الكتلة الأقوى في المجلس فيوم 23 أكتوبر سيكون منعرجًا خطيرًا في تاريخ ما بعد الثورة ولابد من التفكير جدّيا في إيجاد الحل المناسب من أجل تجنب الفراغ وأعتقد حسب رأيي أن الحل الوحيد يكمن في حل هذه الحكومة وتعيين حكومة تكنوقراط لتصريف شؤون البلاد مع تحديد موعد للانتخاب لا يزيد عن الستة أشهر والالتزام بذلك لأن يوم 23 أكتوبر قد يكون يومًا مشابها ليوم 14 جانفي إذا ما تواصل التعنّت. ولكن اليوم هناك تمشٍّ نحو تشكيل حكومة ائتلاف وطني؟ ـ من الآن والى توسيع الائتلاف الحاكم اعتبر أن المشاورات اليوم هي خطوة استباقية من حركة النهضة لسحب البساط من تحت أقدام المعارضة ولكن هذه المناورة لا يمكن لها أن تدرأ المقروء باعتبار أن انتهاء الشرعية الانتخابية لا تعني الحكومة فقط بل المجلس التأسيسي برمته الذي فشل في الالتزام بالمدة النيابية المحدّدة وعليه فان استمالة بعض الأطراف ومحاولة تشريكها في اقتسام غنيمة الحكم لا يمكن إلا أن يزيد في تأجيج الغضب وعزل كل من تسوّل له نفسه المشاركة في هذه اللعبة وأقصد بالتحديد حركة نداء تونس التي ربما وحسب تصريحات قياداتها قد تتحول من منافس حقيقي وجدّي لحركة النهضة إلى شريك فعلي ومتآمر على الشعب إذا قبل بالمشاركة في ما يسمى بحكومة الائتلاف الوطني. ففي ظلّ وجود أكثر من مائة حزب لا يمكن الحديث عن حكومة ائتلاف وطني. ألا ترى أن الوقت الراهن يفرض بقوة المبادرة الوطنية التي طرحها الاتحاد العام التونسي للشغل لفتح حوار جدي وعميق بين كل مكونات المجتمع المدني؟ ـ مبادرة الاتحاد أود أن أشير إلى أنها جاءت متأخرة وأعتقد أن مبادرة الاتحاد لا يمكن الحديث عنها اليوم باعتبار اقتراب موعد انتهاء الشرعية الانتخابية ورغم النقاط الايجابية في المبادرة إلا انه لا يمكن الجمع بين الذئب والقطيع فما تضمنته هذه المبادرة من نقاط أساسية لابد من التوافق حولها فإن هذه المحاور فيها اختلاف كبير وجذري مع حركة النهضة ولو لم يكن هذا الاختلاف لما وجدنا أنفسنا اليوم في هذا الوضع الخطير حسب رأيي، فالاتحاد إذا كان له من دور لابد أن يلعبه في كبح جماح هذا الائتلاف الحاكم ولعب دور كبير لخلق توازن اجتماعي يضمن الحقوق الدنيا للشعب التونسي وأنا أستغرب عندما نرى لافتة في تجمع نهضوي بالقصبة كتب عليها «إلى متى صمت الحكومة على عصابات التجمع والاتحاد» بينما قيادة الاتحاد تمرّ على ذلك دون تعليق فهذه الترويكا الحاكمة التي يريد الاتحاد من خلال مبادرته إيجاد توافقات معها يسعى طرفها الرئيسي (حركة النهضة) إلى ضرب الاتحاد والتحامل عليه واعتباره عدوًا رئيسيّا للشعب والوطن. وأدعو الاتحاد إلى أن يكون محورا رئيسيا في مبادرة عملية تضمن الاستقرار في مرحلة ما بعد 23 أكتوبر وعليه كذلك أن يُعلن انحيازه بوضوح للكتلة الديمقراطية في البلاد. في علاقة بالكتلة الديمقراطية طالبت مؤخرًا باستقالة وزير الداخلية على خلفية تدهور الوضع الأمني خاصة بعد اقتحام السفارة الأمريكية فكيف ترون هذه المطالبة وكيف تقيمون المد السلفي في البلاد؟ ـ وزير الداخلية هو جزء من هذه الحكومة التي فشلت فشلا ذريعًا في كل خياراتها بالنسبة إلى هذه المرحلة وقد لمس الشعب التونسي زيف وكذب برنامجها الانتخابي ونحن نلاحظ في كل جهات البلاد غضبًا شعبيا عارمًا ضد حكومة الترويكا ووزير الداخلية باعتباره وزيرًا في هذه الحكومة فقد باءت سياسته الأمنية بالفشل وخاصة في ظلّ غياب إصلاح جذري وجدّي لأجهزة هذه الوزارة، فالبوليس السياسي مازال يعمل إلى اليوم والممارسات والملاحقات والتتبعات للنشطاء مازالت كما في السابق والعناصر الفاسدة داخل الوزارة والتي لعبت أدوارا قذرة ضد المناضلين مازالت إلى اليوم تنعم بالحرية ولا أدلّ على ذلك من الخلافات المتكررة والمتفاقمة مع نقابات الأمن الذين يطالبون بالإصلاح ومحاسبة الفاسدين فما كان من وزير الداخلية إلاّ أن أوقفهم عن العمل وزج بهم في السجن وقام بنقلهم إلى مناطق مختلفة وأذكر على سبيل المثال السيد عصام الدردوري الذي أثار قضية شابين من الرديف هاجرا خلسة إلى اسكتلندا في 2008 في باخرة فسفاط وماتا على متنها ووقع دفنهما في اسكتلندا ولم يقع إعلام عائلتيهما بتدبير من السلط الأمنية وإلى حد اليوم لم يقع فتح تحقيق في الموضوع ومازال المفقودان في عداد الأحياء ومسجّلين ببلدية الرديف وهما زهيّر بيّة ورفيقه وكذلك النقابي علي السلطاني بسلك الأمن الذي وقع إيقافه عن العمل لأسباب نقابية، أما السلفية فإن حركة النهضة ما فتئت تشجّعهم وتطلق أيديهم للوقوف ضد خصومها وهي المتسبب الرئيسي في تقوية شوكتهم بل سمحت لهم بالنشاط العلني رغم معاداتهم لمبادئ الجمهورية والديمقراطية وعدم اعترافهم بالنمط المجتمعي التونسي المتفق والمتوافق عليه. إن ما قام به هؤلاء يوم 14 سبتمبر أمام وداخل السفارة الأمريكية إنما هو نتاج طبيعي لسياسة النهضة المهادنة لهم وقد كان هذا الفعل منتظرًا نظرًا إلى غياب الحزم والصرامة في تطبيق القانون معهم. واعتقد أن الكثير من الوزراء كان لهم أن يستقيلوا من هذه الحكومة مثل وزير التربية خلال امتحان الباكالوريا في جوان الفارط وعلي العريض الذي اعترف بفشله في ضبط الأمن والاستقرار ولا أعتقد أن لديه ما سيضيفه في هذه الخطة وكذلك وزير التعليم العالي في أحداث منوبة وكذلك وزير الخارجية خاصة بعد فضيحة مركب لمبدوزا.. وأتساءل لماذا الكيل بمكيالين من قِبَل هذه الحكومة ووزرائها في علاقة باحتجاجات المعطلين عن العمل والمهمشين والمفقرين في حين يتم التغاضي عن العنف الممنهج والدعوات المتكررة إلى القتل من قبل بعض الأئمة...

2012/09/19

حوار مع الرئيس السابق للهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال كمال العبيدي:

الاستحواذ على وسائل الإعلام بداية الاستبداد ونهاية المستبد على رئيس الحكومة أن يتذكر وعوده في شهر جانفي الحكومة الحالية ليست ناطقة باسم الثورة التونسية احتكار الإشهار العمومي من علامات غياب الإرادة السياسية للإصلاح الإعلاميون والشعب التونسي سيحمل حزبا التكتل والمؤتمر المسؤولية التاريخية لمواقفهم السلبية من هذه الهجمة ضد حرية الإعلام هذا ردي على الحبيب اللوز وقيادي النهضة ما يحدث اليوم في دار الصباح يذكرني بما حدث سنة 89 في وكالة تونس إفريقيا للأنباء أجرى الحوار ناجي الخشناوي ـ تصوير كريم السعدي
عن مشروعية إضراب صحفيي وتقنيي وإداريي دار الصباح، والصحافيين المتملقين في السابق والمتسلقين الآن، وعن ضرورة التوزيع العادل للإشهار العمومي، وعن السياسة الممنهجة لضرب أهم مكتسبات الثورة التونسية، حرية الإعلام والتعبير، دار هذا الحوار الذي خصنا بها السيد كمال العبيدي الرئيس السابق للهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال. * لنبدأ هذا الحوار من "الحدث" الأخير والمتعلق بإضراب صحافيي وتقنيي وإداريي دار الصباح؟ * لو كنا حقيقة ملتزمين بما تعمل به الدول الديمقراطية لبادرت الحكومة منذ أن اندلعت انتفاضة الشعب التونسي لدعم قطاع الإعلام والمساهمة في توسيع هامش الحرية التي افتكها الصحافيون، ولكن على العكس تماما نلاحظ توترا كبيرا في التعامل مع قطاع الإعلام عموما ومنه دار الصباح التي تم تعيين مديرا عاما لها كان في السابق رجل أمن، وعُرف بتورطه في ملف فساد (رشوة) وحكم عليه بالسجن ولا يملك أي تجربة في إدارة مؤسسة إعلامية في حجم دار الصباح بتاريخها العريق المرتبط بحركة التحرر من الاستعمار الفرنسي وباستماتتها في الدفاع عن استقلالية خطها التحريري زمن بورقيبة وفي الفترة النوفمبرية، رغم الضغوطات المسلطة عليها، وحتى عندما اشتراها المدعو صخر الماطري وشرع في تحويل دار الصباح إلى أداة دعائية شهدت المؤسسة احتجاجات من بعض الأقلام بلغت حد الاستقالة. هذا قرار خاطئ وكان على الحكومة المؤقتة أن تراجعه وتأخذ برأي أهل القطاع وممثليه الشرعيين خاصة أنهم في المفاوضات الأخيرة قدموا ما يكفي من الأدلة عن عدم كفاءة هذا المدير، لكن مع الأسف الحكومة تصرفت وكأنها في نظام استبدادي وهو ما دفع بالعاملين في دار الصباح للدخول في إضراب عن العمل. هذا التعيين المسقط يذكرني شخصيا بما حدث سنة 1989 في وكالة تونس إفريقيا للأنباء عندما قام بن علي بتعيين المدعو محمد الهادي التريكي مديرا عاما مساعدا على الوكالة، وقد انتفض العاملون وحملوا الشارة الحمراء، كما وجه العاملون بالوكالة، عريضة لبن علي يرفضون فيها ذاك التعيين، لكن بن علي لم يستجب لطلبهم وكأن نفس النموذج السيئ يتكرر، رغم أن هذه الحكومة منتخبة ولم تأت بانقلاب مثل ما حصل مع بن علي، ولكن بمثل هذا التصرف أعتبر أن الحكومة الحالية فقدت ماء الوجه تماما. * بعد المفاوضات الأخيرة صرحت نقيبة الصحافيين بأن ممثلي الحكومة لا يملكون القدرة على اتخاذ القرار، وفي كل مرة يطلبون مهلة من الوقت للتشاور، كيف ترون هذه المعادلة خاصة أن ملف دار الصباح استوفى كل الشروط؟ * من الطبيعي أن يعود المستشارون الحكوميون إلى الوزراء والى رئيس الحكومة لأخذ القرار النهائي، ولكن المؤسف أن هؤلاء المستشارين غير مسموح لهم بالاجتهاد، وشخصيا استغرب أن يتم التفاوض مع المستشارين مع احترامي لهم، ولكن كان من الأجدى والأنفع أن يكون التفاوض مع من له القدرة على اتخاذ القرار الفوري. في الحقيقة هذه الحكومة غير جادة بالمرة منذ أن أمسكت بدواليب الحكم، والعديد من التونسيين يتابعون باستغراب ما تبديه الحكومة من تناقض صارخ بين ما تقوله وما تفعله، فهي تتحدث دوما عن الحوار ولكن على ارض الواقع لا تفعل سوى ما تقرره هي بمفردها وهذا بداية طريق الاستبداد، ولكن هذا أيضا بداية نهاية المستبد خاصة أن الشعب التونسي اليوم أبدى من الفطنة والحذر ممن سيصادر حريته. رئيس الحكومة التزم في بداية شهر جانفي بالالتزام بالمعايير الدولية لحرية التعبير ووعد بتطبيق المرسومين 115 و116، لكن سرعان ما أعلن بعض مستشاريه أن هذين المرسومين لن يتم تفعيلهما ولابد من مراجعتهما، وكأن هناك جهة خفية تمنع رئيس الحكومة من الإيفاء بوعوده وهذا أدركناه خاصة بعد التعيينات الأخيرة على رأس المؤسسات التي أثبتت غياب الآليات والمعايير التي تعتمدها الأنظمة الديمقراطية، بل بالعكس يبدو أن الأمور تسير وفقا للمزاج الشخصي وللحسابات الضيقة، وتبين أن المعيار الأساسي هو معيار الولاء قبل الكفاءة، وقد سبق لنا أن شرحنا وبيّنا لرئيس الحكومة أن عديد الدول عاشت نفس التجربة الانتقالية مثل جنوب إفريقيا وجمهورية التشيك قد تم تجاوز مثل هذه الوضعيات (التعيينات) باختيار أفضل الملفات المقدمة. * وكيف ترون الدعوات المتتالية لضرب الإعلام والإعلاميين مثل دعوة النائب بالمجلس الوطني التأسيسي الحبيب اللوز عن حركة النهضة في احد خطبه لما دعا لضرب الإعلام بيد من حديد؟ * مثلما ذكرت، منذ بداية شهر جانفي أصبحت العلامات المخيفة فيما يتعلق بمستقبل الإعلام تتكرر، والتعيينات هي شكل من أشكال العنف مثلها مثل الاعتداءات الجسدية التي طالت عديد الصحافيات والصحافيين من طرف البوليس ومن طرف أشخاص يُقال أنهم تابعين لحركة النهضة، والذين يفلتون في كل مرة من العقاب والمحاسبة، حتى أصبح المعتدي يشعر بحماية وحصانة من السلطة التي تمنحه دفعا جديدا لمعاودة الكرة، وهذه أيضا من علامات الاستبداد، وما قاله الحبيب اللوز يوم الجمعة في خطبته يدل على أن هناك إصرار في حركة النهضة على "تأديب" الصحافيين، وأنا شخصيا أحملّه ما قد يحدث من عنف ضد أي صحفي، لان العنف يبدأ من التحريض عليه. شخصيا اسأل الحبيب اللوز وأقول له لو لم تكن التغطيات الصحفية لمحاكمتك ولبقية قياديي حركة النهضة في الثمانينيات لما كان لقضية الإسلاميين في تونس أن تجد كل ذاك التعاطف، ولو لم تكن هناك أقلام حرة في تونس لما كنت نائبا بالمجلس الوطني التأسيسي. أقول للحبيب اللوز ولكل من يحرض على تعنيف الصحافيين أن هذه الممارسات هي من سجل الدكتاتوريات التي اكتوينا منها، ومن العار أن نستخدمها اليوم مع شعب اثبت رفضه العيش تحت ديكتاتورية جديدة، كما أدعو الجهاز القضائي لتتبع كل من يحرض على العنف ومحاسبته. * كيف تردون على الرأي القائل بأنه من الوارد جدا أن نعيش التجربة الجزائرية أو اللبنانية فيما يتعلق بتهديد الصحافيين وتعنيفهم حد القتل؟ * هذا السيناريو مُستبعد، لان تجربة الشعب التونسي وظروفه التاريخية والسياسية تختلف عن التجربتين الجزائرية واللبنانية، وما يبعث الأمل في تونس وعدم تكرار مثل هذين النموذجين والانزلاق نحوهما، هو اليقظة والحرص من طرف التونسيين على التصدي لكل حاكم مستبد، إلى جانب أن هذه الخلافات من الممكن تجاوزها سلميا ومدنيا وديمقراطيا، ولكن يجب الحذر من بعض الأطراف المتشددة التي لا يمكن التنبؤ بممارساتها. * كل الأسهم تتجه إلى حركة النهضة في حين أن الائتلاف الحاكم متشكل من ثلاثي حزبي، فكيف ترون دور حزبا التكتل والمؤتمر من اجل الجمهورية في هذا التمشي الضارب لحرية الإعلام؟ * في الحقيقة شاهدت بعض القياديين سواء من التكتل أو من المؤتمر يتضامنون مع الإعلاميين في القصبة خاصة يوم 9 جانفي ومرة ثانية في شهر أوت، ولكن ما يبعث على الحيرة والاستغراب أن هذين الحزبين يرأسهما حقوقيان عُرفا بتاريخهما النضالي ضد الاستبداد وخاصة في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ما يثير الاستغراب هو صمتهما وغياب موقفهما، وأعتقد أن الإعلاميين والشعب التونسي سيحملهما المسؤولية التاريخية لمواقفهم السلبية من هذه الهجمة ضد حرية الإعلام واستقلاليته. هذه فضيحة بكل المقاييس، لأن الصمت على تعيين شخص "متورط" و"متآمر" على النقابة الوطنية للصحفيين ومن الداعمين للانقلاب عليها سنة 2009، من العار على حزبين لهما تاريخ نضالي أن يصمتا أمام هذا التعيين ولا يبديان سوى موقف اللاموقف. * وكيف ترون الاتهامات الموجهة للحكومة السابقة ولليسار عموما بتحريك وسائل الإعلام ضد الحكومة الحالية؟ * هذا اتهام مجاني ومبرر غير منطقي واعتبر هذه الاتهامات تعليقا للفشل وللعجز على الآخر، فلو طبقت هذه الحكومة منذ البداية المراسيم المتعلقة بتنظيم القطاع الإعلامي لما آلت الأمور إلى ما آلت إليه الآن، ولكن هذه الحكومة خيرت عدم المصادقة على هذه المراسيم الحاسمة لتحدث الفراغ وتجد الثغرات، فمثلا اليوم نجد قنوات تلفزية جديدة لا نعرف مصادر تمويلها ومع ذلك تخصها الحكومة بتصريحات حصرية مثل قناة "الزيتونة"، وهو سبق اعتبره شخصيا استنطاق بوليسي للبغدادي المحمودي، وهذا مخجل، ولا يحدث في الدول الديمقراطية وكل هذه الممارسات لا تأكد إلا أن هذه الحكومة لا تفكر إلا في الانتخابات القادمة وكيفية الفوز بنتائجها. * كيف تفسرون حالة الشد والجذب بن وزارة الداخلية والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين فيما يتعلق بما يسمى القائمة السوداء للصحافيين خاصة أمام وجود عدد من الصحافيين الذين انسجموا مع سياسة الحكومة الحالية ومنهم من بارك تعيين لطفي التواتي؟ * وزارة الداخلية تتحمل مسؤولية كبيرة لأنها لم تتحمل المسار الجديد للإعلام الطامح إلى التحرر والحرية والانتعاق من الرقابة، أو بالأحرى لم تتقبل الصيغة الجديدة لدور الإعلام. لا أحد ينكر أن جزءا مهما من الصحافيين تواطؤوا مع النظام السابق وباعوا ضمائرهم بأبخس الإثمان وساهموا في الانقلاب على شرعية المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين وكتبوا التقارير البوليسية في زملائهم، وهم اليوم يبحثون عن عذرية جديدة، والمشكلة أن هؤلاء هم اليوم مستعدون لمواصلة نفس الممارسات ولذلك لا أجد تشبيها ملائما لهم إلا "المرتقزقة" والوشاة الساقطون تحت سطوة الإغراء بالأموال والمناصب. هناك عملية مفضوحة لربح الوقت واستمالة للوجوه الفاعلة زمن الاستبداد. المطلوب اليوم من وزارة الداخلية ومن كل مؤسسات الدولة هو تمكين المواطن التونسي من حقه في الإطلاع على جميع الوثائق تفعيلا للبند 41 الناص على الحق في النفاذ إلى المعلومات. * كيف تفسرون ما يحدث اليوم لقناة التونسية؟ * لا احد ينكر أن مدير هذه القناة، سامي الفهري، كان متورطا مع بلحسن الطرابلسي وهناك العديد من القضايا المرفوعة ضده، ولكن أتسائل لماذا هذا الخرق القانوني ولماذا هذا التسرع، بل ولماذا تتزامن عملية اعتقال سامي الفهري مع موجة التصريحات الناقدة لتلفزة "التونسية" وخاصة لبرنامج "اللوجيك السياسي". أرى أن منطلق هذه الحكاية هو ضرب حرية الإعلام وليس تتبع شخص متورط أو سيثبت القانون انه متورط في قضايا فساد واستغلال نفوذ، وبالأخير ليس سامي الفهري الوحيد المتورط في قضايا فساد فهناك العديد من الصحافيين المتورطين في الفساد. ما يبعث على الاطمئنان أن هناك عديد المسؤولين الجدد يؤمنون بمطلب الحرية والاستقلالية، وهناك عديد الصحافيين الذين يقفون اليوم صدا منيعا أمام كل من يريد العودة بالإعلام إلى مربع الاستبداد. * هناك سلاح قديم جديد يسمى الإشهار العمومي، كيف ترون تأثيره اليوم في المشهد الإعلامي؟ * احتكار الإشهار العمومي من علامات غياب الإرادة السياسية لإصلاح قطاع الإعلام فتوزيع الإشهار والإعلام العمومي يخضع لمقاييس موضوعية، في حين أن الأنظمة المستبدة تحتكر الإشهار وهو ما كان حاصلا في تونس من خلال وكالة الاتصال الخارجي التي تمنح النسبة الكبرى للصحف الأكثر موالاة، وللأسف إلى اليوم مازلنا نرى نفس الصحف التي كانت تتمتع بالنسبة الأكبر من الإشهار العمومي في زمن بن علي مازالت تتمتع إلى اليوم بنفس الإشهار العمومي في حين أن عديد الصحف الجادة محرومة من هذا الإشهار على غرار صحيفة "السور" وصحيفة "الأولي" أما الصحف التي كان يصنفها نظام بن علي على أنها صحف معارضة فحدث ولا حرج. * هناك الكثير من اللوم على تقديم استقالتكم من رئاسة الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام وإنهاء مهام هذا الهيكل؟ * هذا صحيح، ولقد بلغتنا عديد رسائل اللوم في بداية شهر جويلية لما قررنا إنهاء مهام الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام من الشخصيات الوطنية ومن الإعلاميين، وأذكر أن عياض بن عاشور كان من بين الشخصيات الوطنية التي تأسفت لقرار إيقاف عمل الهيئة ولكن بعد مدة عاود عياض بن عاشور الاتصال بنا ليقول أن موقفنا كان صائبا وفي محله. لقد قررنا إيقاف عمل الهيئة حتى لا نكون ديكورا تابعا للحكومة الضاربة عرض الحائط بكل القرارات التي نطرحها وتدير ظهرها لكل النصوص القانونية التي يشهد القاصي والداني بتقدميتها وديمقراطيتها، ثم نحن لم ننه عملنا، ففي الأيام القليلة سنصدر التقرير النهائي لعملنا باللغتين الفرنسية والانقليزية بعد أن أصدرناه باللغة العربية. استقالتنا كانت بمثابة الرسالة لكل الغيورين على تونس وعلى تحقيق أهداف ثورتها. * الاتحاد العام التونسي للشغل أطلق مبادرة وطنية للخروج من الأزمات المتتالية، واليوم يفصلنا شهر تقريبا عن انتهاء الشرعية الانتخابية لهذه الحكومة فكيف ترون أفق الاستجابة لفتح حوار جدي؟ * مبادرة الاتحاد لا يمكن تجاوزها إلا من جاحد وناكر لهذا الشعب، ولا يمكن تأمين الانتقال الديمقراطي في ظل حكومة ترفض الحوار المسؤول والجدي مع مكونات المجتمع التونسي المدني والنقابي والحقوقي. اليوم نحن بحاجة ملحة وأكيدة للعزوف عن منهج الهيمنة والغطرسة والانزلاق في اتجاه إنشاء استبداد جديد. حقيقة أقول أن هناك عديد المؤشرات السلبية التي لا تبعث على الارتياح من طرف الحكومة الحالية، ومنها أساسا الاستفراد بالرأي وهناك نهم حقيقي للسيطرة على المؤسسات وعلى دواليب الحكم، واستخفاف بالمطالب الحقيقية للشعب التونسي. على هذه الحكومة أن تحسم أمرها في الخضوع لبعض المتشددين ولبعض الدوائر الأجنبية التي تخدم أجندات سياسية لا علاقة للشعب التونسي بها.

2012/09/14

نواب من التأسيسي ونقابيين ونشطاء المجتمع المدني يساندون إضراب دار الصباح

ناجي الخشناوي (صور منتصر العكرمي) لم يكن صحافيو وتقنيو وإداريو دار الصباح لوحدهم أثناء تنفيذ إضرابهم يوم الثلاثاء 11 سبتمبر، بل كان إلى جانبهم عديد الشخصيات الوطنية من نواب المجلس الوطني التأسيسي ونقابيين وسياسيين ومثقفين وخبراء ونشطاء من المجتمع المدني. الشخصيات أجمعت على أن مساندتهم مبدئية من اجل استقلالية دار الصباح وقطاع الإعلام عموما باعتباره احد أهم أجنحة الانتقال الديمقراطي. "الشعب" رصدت بعض الآراء والمواقف للمساندين لهذا الإضراب:
نبيل جمور (الكاتب العام لنقابة الثقافة والإعلام بالاتحاد العام التونسي للشغل) حان الوقت لإسقاط أقنعة الانتهازية قبل كل شيء أوجه تحية نضالية لكل العاملين بدار الصباح الذين كان لهم شرف قيادة هذه المعركة الكبرى لتشبثهم بمطالبهم الشرعية والمشروعة من أجل ديمومة مؤسستهم. أما فيما يتعلق بالإضراب وبالوضع العام بدار الصباح فيجب التذكير بان نقابة الثقافة والإعلام بالاتحاد العام التونسي للشغل سبق أن قدمت لائحة إضراب ورغم حضورنا في جلستين صلحيتين بولاية تونس فإننا لم نتوصل إلى حل نهائي وايجابي، ونحن متشبثون برفضنا القطعي والمطلق للتعيينات المسقطة ومنها تعيين المدعو لطفي التواتي الذي يدل تاريخه على أن اختياره لا يدخل إلا في باب الهجمة المنظمة والممنهجة لضرب حرية الإعلام وكسر شوكة الإعلاميين من اجل خدمة أجندة حزبية ضيقة. إن هذا النفق الذي تريد الحكومة الحالية أن تزج فيه قطاع الإعلام لا يترك لنا المجال إلا لنكون يقظين وحذرين من القرارات والخطوات التي تأتيها الأطراف التي من مصلحتها الهيمنة على الإعلام وتطويعه ليعود أداة طيعة ومستكينة في خدمة الاستبداد، وما على مكونات المجتمع المدني والسياسي والحقوقي وعلى النقابيين أن يعوا أن معركة الإعلام هي معركة كل الأحرار والشرفاء لتأمين الانتقال الديمقراطي الذي مات لأجله الشهداء والذي لن يكون إلا بإعلام مستقل وقضاء مستقل، واليوم حان الوقت لإسقاط كل الأقنعة على كل من يتاجر بهذه المبادئ خدمة لمصلحته الشخصية. غازي الغرايري (استاذ القانون) حرية الإعلام خط أحمر تواجدنا اليوم إلى جانب صحافيي دار الصباح لا يجب أن يُفهم إلا على أساس الدفاع عن المكتنز الأساسي الذي اكتنزه الشعب التونسي منذ الثورة وهو حرية الكلمة وحرية التعبير واستقلالية وسائل الإعلام، وبالتالي وقوف أهل القطاع صفا واحدا ضد أي محاولة للالتفاف على هذا المكتنز أمر طبيعي ووقوفنا إلى جانبهم واجب وطني لان المساس بحرية الإعلام هو خط احمر. سعيد العايدي(وزير الاقتصاد في الحكومة السابقة) حرية الإعلام مكسب ثوري تأسيس الديكتاتوريات ينطلق من ضرب حرية الإعلام وتقييد الصحافيين وتوجيه عملهم ونقلهم للخبر. اليوم لا يختلف عاقلان من أن أهم مكسب بعد الإطاحة بنظام بن علي هو الهامش المحترم من حرية الإعلام، ولكن التعيينات المسقطة على مؤسسات إعلامية وطنية وتضييق الخناق على الأقلام والمصادح كشف النية الواضحة في ضرب هذا المكسب الثوري. ما يثير الضحك فعلا أن هذه الحكومة تلقي بفشلها على الحكومة السابقة التي انتميتُ إليها وتعتبر أن اليسار هو الذي يحرك وسائل الإعلام، وهذا تجن واضح لا يثبت سوى عجز هذه الحكومة، وانصحها أن تبحث في مكامن عجزها وفشلها داخلها هي، لان المعارضة اليوم تلعب دورها الحقيقي وتقدم المقترحات العملية ولكن الحكومة لا تسمع سوى صوتها. سالم العياري (المنسق الوطني لجمعية المعطلين عن العمل) تونس ليست للبيع باعتبارنا منظمة وطنية ومكون من مكونات المجتمع المدني فإن حضورنا اليوم يتنزل في إطار مساندتنا المطلقة لمبدأ حرية الإعلام، هذا المبدأ الذي تحاصره الحكومة المؤقتة بمختلف الوسائل من قمع وتوجيه وتعيينات مسقطة وتفويت هذه المؤسسات الوطنية وكأن هذه الحكومة لا هم لها سوى بيع ممتلكات الشعب التونسي. جمعية المعطلين عن العمل ستكون سندا دائما لكل التحركات والاحتجاجات المطالبة لا بحرية الإعلام فقط، وإنما بكل ما سيدفع في اتجاه تحقيق أهداف الثورة ومنها أساسا الحق في الشغل. إيهاب الشاوش (صحفي بالتلفزة الوطنية الأولى) لن نتراجع ولن نستسلم هل يُعقل أن كل الصحافيين والإداريين والتقنيين بدار الصباح مخطئين ووحدها الحكومة على حق؟ الثابت والمؤكد اليوم هو الاستفراد بالرأي وتجاهل المطالب الحقيقية لأهل القطاع ولممثليه الشرعيين وضرب صارخ لمبدأ الحوار بدليل فشل كل جلسات التفاوض مع الحكومة خاصة بشأن التعيينات المسقطة. ما لا يعرفه المواطن أن العديد من الإعلاميين مصابون بعقد نفسية جراء ما تعرضوا لها في زمن الدكتاتورية من ضغط وقمع ولذلك هم غير مستعدون اليوم إلى التراجع عما افتكوه يوم 14 جانفي من حرية التعبير. حياة السايب (رئيسة القسم الثقافي بجريدة الصباح) نرفض التنصيب والتعيين إضرابنا اليوم اضطررنا إليه بعد أن استنفدنا كل الوسائل الأخرى ولم نكن نرغب البتة في خوض الإضراب بقدر ما كان لدينا أمل في أن تفهم هذه الحكومة أن فرض خياراتها وتوجهاتها علينا في دار الصباح لن يجد سوى الصد والرفض، وما يحزن فعلا هو التصعيد المجاني من طرف السلطة والتهجم على صحافيي الصباح. بصراحة الوضع صار "متعفنا" إلى ابعد الحدود، واليوم نحن في مفترق طرق ولا خيار لنا سوى النضال حفاظا على مورد رزقنا وعلى استقلاليتنا الصحفية، وما يشحننا بالأمل هو هذه المساندة المطلقة من مختلف مكونات المجتمع التونسي المؤمنة بحرية الإعلام. الصادق بالعيد (أستاذ القانون الدستوري) لا علاقة لهذه الحكومة بالثورة باعتبار أن حرية الصحافة والإعلام هي الأساس الأول للديمقراطية فهي المعركة الفاصلة في هذه المرحلة لتحديد طبيعة النظام الذي سنعيش فيه، إما تأسيس منظومة ديمقراطية أو العودة إلى الديكتاتورية، وأعتقد أن الثورة متواصلة خاصة أمام هذه "الردة" التي تأتي من طرف بات معلوم وهي الحكومة المؤقتة وأنصارها، التي تثبت كل يوم أن لا علاقة لها لا بالثورة ولا بأهدافها. محمد الحامدي (نائب بالمجلس الوطني التأسيسي) من ادوات الاستبداد الاعلام "الحكومي" هناك مسعى محموم من حركة النهضة لتطويع الإعلام وتوجيهه، ومع الأسف أن "الجماعة" لم يستوعبوا إلى الآن الفرق بين الإعلام العمومي والإعلام الحكومي وهذا أمر خطير لان من أهم أدوات الاستبداد هو تركيز ما يسمى "بالإعلام الحكومي" الخاضع تماما لتوجهات الحكومة القائمة واعتماده كجهاز دعاية وتلميع، واعتقد أن هذه المحاولات فضلا عن كونها مرفوضة فإنها ستفشل بفضل المقاومة الحقيقية للشعب التونسي الذي هو بصدد تطليق كل أشكال الاستبداد. عبد الستار السحباني (نقابي وأستاذ علم الاجتماع) تطهير الإعلام لا يعني القضاء عليه هو إضراب شرعي ومطالب الصحافيين بالاستقلالية وحماية حرية التعبير في مؤسستهم وفي جميع المؤسسات الإعلامية يأتي في إطار التهديدات المتواصلة من قبل الحكومة لضرب أهم مبدأ في الإعلام وهو الاستقلالية والحرية. بصراحة لأول مرة نرى حكومة تشن "حربا" هوجاء على قطاع الإعلام، فحتى في النظام السابق لم يتم التعامل مع الصحافيين بهذه الطريقة المهينة وهذا أمر مؤسف. كنا نرى في السابق كل الأخبار الجميلة عن تونس في "ظل السابع من نوفمبر" إلى أن استفاق الشعب التونسي يوم 14 جانفي على الخراب المعمم وفساد طال الأخضر واليابس، وهذا ما تريده الحكومة اليوم أن نزوق صورتها وكأنها لم تستوعب أن في تونس اليوم كل فرد بصدد نحت وجوده كمواطن حقيقي سيرفض حتما من يعيده إلى مربع الاستبداد. أما شعار تطهير الإعلام فيبدو أن الحكومة ترفعه للقضاء على هذا القطاع وترك من سيكون في خدمتها، وعليها أن تعرف أن تطهير الإعلام يعني فتح حوار جدي مبني على نقد ذاتي وموضوعي لأهل القطاع وطرح تصور جديد للإعلام يستجيب لروح الديمقراطية. يوسف الصديق (مفكر وفيلسوف) انتهى زمن "القوادة" دون مبالغة أعتقد أن إضراب دار الصباح هو يوم الفصل في قضية الإعلام التونسي وتحديد وجهته التي يجب أن يسير فيها، وهي الاقتراب من مشاغل الشعب التونسي في إطار من الاستقلالية والحيادية. الإعلام هو العصب الحقيقي في الأنظمة الديمقراطية أما في الأنظمة الاستبدادية فإن الحكام ينسجون خيوطا واسعة من المخبرين و"القوادة" لتلميع صورتهم، واليوم نحن في حالة حرب مع كتيبة "القوادين" القديمة والجديدة التي تنتجها حركة النهضة، هذه الحركة التي تعتبر نفسها الناطقة باسم الرب والمسؤولة عن تنفيذ تعاليمه ولو بالعنف والقهر والظلم. في السابق كان هناك عبد الوهاب عبد الله التابع لبن علي أم اليوم فصار لنا أكثر من عبد الوهاب عبد الله... وهذا سرطان قد يؤدي بنا إلى أن نصبح مثل كوريا الشمالية. سلمى بكار (سينمائية وعضوة المجلس الوطني التأسيسي) الدستور وحده لا يكفي هذه المرة الثانية التي نأتي من المجلس التأسيسي كنواب عن الكتلة الديمقراطية لمساندة صحافيي دار الصباح، بعد أن استقبلناهم بالمجلس الوطني التأسيسي بباردو. وقد دافعنا بشدة ككتلة ديمقراطية على الفصل 26 المتعلق بحرية الصحافة والإعلام، ولكن للأسف القوانين وحدها لا تكفي إذا لم تكن مسنودة بإرادة سياسية تحترم حرية التعبير واستقلالية الصحافة، ويبدو أن هذه الإرادة مغيبة من طرف الحكومة الحالية. وباعتباري سينمائية اعتقد إننا مع الصحافيين في نفس مرمى الحكومة الحالية باعتبار ما يلحق الفنانين اليوم من تهديدات بالقتل والتعنيف والمحاكمات الجائرة باسم المقدسات. أيمن الرزقي (عضو النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين) حرية الإعلام هي "أم المعارك" توقيت وإطار إضراب دار الصباح يجعل من هذا التحرك "أم المعارك" في الدفاع عن حرية الصحافة واستقلالية المؤسسات الإعلامية، واعتقد أن نجاح الحكومة الحالية في ضرب صحافيي دار الصباح سيكون المدخل الحقيقي لضرب باقي المؤسسات الإعلامية. المفاوضات التي خضناها مع الطرف الحكومي اتسمت بازدواجية الخطاب وسببه وجود جناحين داخل الحكومة واحد معتدل والثاني يريد التغول على القطاع الإعلامي وتطويعه لخدمة أجندته الحزبية، ويبدو أن هذا الجناح الأخير هو المسيطر داخل الحكومة ويسعى إلى جعلنا نتفاوض من اجل التفاوض فقط وهذا أسلوب بشع جدا. المشكلة في التفاوض أننا نقنع الطرف الحكومي ونقدم له الأدلة ولكن للأسف في كل مرة يريدون العودة لاستشارة "أعرافهم السياسيين" ولذلك لم نتقدم في المفاوضات، بل تعطلت تماما. نجيبة الحمروني (رئيسة النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين) رئيس الحكومة لم يفتح ملف لطفي التواتي بعد جلسات التفاوض التي خضناها مع الطرف الحكومي اكتشفنا أن الحكومة لا تفعل شيئا سوى ربح الوقت ولا تطرح حلولا عملية بخصوص قطاع الإعلام ومنه دار الصباح، ومن نتفاوض معه لا يملك القدرة على اخذ القرار بمفرده. تعيين لطفي التواتي هي القطرة التي أفاضت الكأس فقد قدمنا ملفا كاملا لرئيس الحكومة بخصوص التواتي، ويبدو انه لم يفتح هذا الملف ولم يطلع على تاريخ لطفي التواتي والدليل على ذلك المضي قدما في هذا التعيين، وبالتالي لا خيار لنا كنقابة وطنية للصحفيين إلا المضي قدما في خيارنا النضالي دفاعا عن قطاعنا وعن استقلاليته. مراد العمدوني (نائب بالمجلس الوطني التأسيسي) محطة نضالية لن تكون الاخيرة مساندتنا لحرية الإعلام يدخل في المعركة التي نخوضها كديمقراطيين من اجل الحريات الأساسية الفردية والعامة ومنها حرية الصحافة وحرية الإبداع، وما نلاحظه أن أعضاء حركة النهضة في لجنة الحقوق والحريات مصرين على تقييد هذه الحريات وجعلها مشروطة بعدة ضوابط التي من شأنها أن تقضي على حرية التعبير والإبداع وقد ترجمت على ذلك من خلال ممارسات الحكومة والإيهام بما تحققه من مكاسب حزبية ضيقة على حساب المجموعة الوطنية. نحن في محطة نضالية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة إلى حين تحقيق أهداف الثورة. خميس الخياطي (صحفي بدار الصباح) ذهب صخر... جاء الماطري! باعتبار ابنا لدار الصباح قبل الثورة وبعدها كصحفي لا يمكنني إلا أن أكون هنا إلى جانب زملائي وزميلاتي وكل العاملين بدار الصباح الذين لا تربطنا فقط صلة عمل بل نحن نعيش كأسرة متضامنة. ودار الصباح ليست أي مؤسسة فهي قد كونت مدرسة إعلامية منذ فترة الاستعمار، والتفريط فيها وفي وجودها من طرف الحكومة الحالية غاية مرفوضة تماما وهي مشبوهة في حد ذاتها، لان الكثير من الدلائل تشير إلى إمكانية بيعها مجددا إلى صخر الماطري! ناجي البغوري (رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين سابقا) محاولة للهروب بالثورة الهجمة الشرسة والممنهجة لضرب حرية الإعلام لم تنطلق اليوم، وإنما منذ أن مسكت هذه الحكومة بدواليب الحكم المؤقت، وجميعنا يتذكر ما سُمي "باعتصام الأحرار لتطهير إعلام العار" الذي نظموها أمام مقر التلفزة الوطنية، وتكون نوع من الرضا عن دور التلفزتين الوطنيتين الأولى والثانية بعد تغيير المدير العام ومديري القناتين، واليوم يأتي الدور على المؤسسات الإعلامية التي تمت مصادرتها ومنها دار الصباح، وكل هذا الهجوم والنهم اللامحدود لتطويع الإعلام هو لغاية البقاء في السلطة إلى اجل غير محدد. حركة النهضة لا تضرب الصحافيين فقط بل المبدعين عموما من فنانين وتشكيليين وممثلين ورسامين وكتاب ومسرحيين... وهناك رغبة جامحة لإسكات كل الأصوات المنادية بالحرية ومحاولة إفساد الجهاز القضائي وتسييس المؤسسة الأمنية بعد اختراقها وخلق ميليشيات موازية وكل هذا من اجل الهروب بالثورة والبقاء في الحكم. سناء فرحات (رئيسة فرع النقابة الوطنية للصحفيين بدار الصباح) مهددون بالإحالة على البطالة إضراب اليوم كان مقررا منذ عشرة أيام، وكنا خلال الأيام السابقة في اعتصام مفتوح وننتظر حلا جديا من طرف المسؤولين، لكن مع الأسف انقطع حبل التواصل مع الحكومة بسبب تعنتها ورفضها لمطالبنا خاصة الرافضة للمدير الجديد لدار الصباح، وضربوا عرض الحائط مطالبنا المادية والمعنوية. هناك قرابة 180 عائلة مهددة بالإحالة على البطالة والحكومة لا تهتم لمطالبهم. خالد الكريشي (عضو مؤسس لحركة الشعب) منارة إعلامية مهددة بالتوظيف مساندتنا مطلقة لإضراب صحافيي دار الصباح وكل العاملين فيها من اجل استقلالية المؤسسة وحيادية خطها التحريري وانتخاب هيئة تحرير طبقا للمرسوم 118 ومثلما يقع اليوم تطبيق المرسوم 115 في جانبه الجزائي فيما يتعلق بقضايا الثلب ضروري أيضا اعتماد المرسوم المخول لانتخاب رؤساء التحرير ومديري الصحف. حضورنا اليوم يتنزل في إطار الدفاع عن دار الصباح باعتبارها منارة إعلامية وطنية مهددة اليوم بالتدجين واستغلالها وتوظيفها لغايات حزبية ضيق
ة.

الخط التحريمي

لأن الخط التحريري الذي استبسل لأجله عشرات الصحافيين أيام الديكتاتورية بات مهددا اليوم ويتم تحويل وجهته لما أسميه خطا تحريميا بفضل الخط التحريضي المتصاعد والممنهج لإخماد كل نفس جديد يريد الخروج من جبة دخل فيها إما خوفا أو طمعا في السابق... ولأنه كان في البدء إعلاميا يساريا متطرفا، ثم صار إعلاميا يعاوده الحنين إلى اللون البنفسجي، ثم صار إعلاميا كافرا فخائنا لوطنه، سجى القلم في درج مكتبه بالبيت وخرج إلى الشارع الطويل ليكتب مقالا تحت الطلب يستجيب لإعلام الثورة، إعلام الأغلبية التي كانت في الصفوف الأمامية للثورة إبان اندلاعها!!! لقد أراد أن يكتب مقالات تحت الطلب مساهمة منه في تحقيق أهداف الثورة... وينأى عن ذاك الإعلام الذي لا يفعل سوى تشويه المسيرة المظفرة للحكومة المؤقتة... ذاك الإعلام الأعور الذي لم ير أهداف الثورة تتحقق مثلما حلم به كل تونسي وكل تونسية، وهي أهداف تعزز انتقالنا الديمقراطي السلمي، وتجعل من تونس بلدا رائدا في الثورات السلمية الحديثة مثلما كانت رائدة في المدنية... فكان أول مقال له فرصة للتذكير بأهم أهداف الثورة المتحققة مع الحكومة المؤقتة: من أهداف ثورتنا أن يصير كل مواطن قادر على قراءة أخبار البلد في الصحف والجرائد بعد "الفجر" حتى لا يعكر صفونا "المغرب"... ومن أهداف الثورة أن نوقف الفيضانات العارمة بالشمال الغربي بواسطة جدار سميك من عُلب الحليب والعجين. ومن أهدافها أن نختن فلذات أكبادنا حتى نؤدي دينا لنا في عنق كل تونسي للشيخ عبد العزيز ابن الباز، كدنا ننساه لولا مقال شيخنا الراشد. من أهداف الثورة التونسية أن نترك عصابة فرت بثروة البلد ونستبدلها بطائرة تأتي من حيث تنعم ذات العصابة، محملة بالأغطية الصوفية. من أهداف الثورة أن نعرف أن في تونس مدينة اسمها مكثر لم تضرب بجذورها في التاريخ الحديث ومقاومة المستعمر في الجبال، بل بزغت فجأة من برنس منصفنا. ومن أهم أهداف الثورة التونسية أن نطيع "منقذنا" الجديد ونتماهى مع بعضنا البعض مثل "دجاج الحاكم". من أهداف الثورة أن نهدي سحب سماء تونس وغيومها المدرارة لتمطر في قطر أو في السعودية. من أهداف الثورة أن نخيط كفنا للشعب السوري في فندق من فئة تسعة وتسعين نجمة ونرفع تابوتا مغطى بالعلم الأمريكي لجثة شقيق عربي. من أهداف الثورة أن نمنح أبناءنا رصاصا حيا بدلا من الدمى الصينية ليلعبوا مع جيرانهم على حدودنا الغربية والشرقية... وقريبا في أحياء العاصمة... من أهداف الثورة أن نضيف عيدا لترسانة أعيادنا، نحتفل فيه مرة في السنة بشراء البصل لطبخه ويكون فرصة للعائلات للتزاور وتبادل رؤوس البصل... من أهداف ثورتنا أن نستبدل المركز الوطني للأرشيف بحديقة غنًاء أسوة بمن استبدل سجن 9 أفريل بشجيرات دفلى، حتى لا نرهق مسيرتنا الجديدة بتلك الأسماء المتبجحة... من أهداف ثورتنا أن نتعلم كيف تكون الجثث بحالة وفاة... وكيف نصيب سمك البحر الابيض المتوسط بالتخمة البشرية...

2012/09/08

رئيس جامعة منوبة الأستاذ شكري مبخوت للــ"الشعب":

الجامعة تعيش تحت هيمنة مطلقة من الوزارة الأولى بالحريات الأكاديمية يمكننا صياغة "عقد جامعي" ديمقراطي ذهاب الأمن الجامعي غير مأسوف عليه الجامعة لا يمكنها إلا أن تكون إلا حداثية وهي المختبر الحقيقي لنجاح المشروع الديمقراطي حتى قبل صياغة الدستور أي طرف سياسي سيحاول السيطرة على الجامعة سينكسر على صخرتها وأدعو الأحزاب السياسية لرفع يدها عن اتحاد الطلبة أجرى الحوار ناجي الخشناوي ـ تصوير منتصر العكرمي
في هذا الحوار الذي خصنا به رئيس جامعة منوبة أياما قبل انطلاق العودة الجامعية، أكد الأستاذ والباحث شكري مبخوت رئيس جامعة منوبة أن ما يعيق سير الجامعة التونسية هو التوهم الخاطئ لدى المسؤولين بان مطلب الاستقلالية، وهو معيار دولي، لا يعني انه مشروط بالمحاسبة والمراقبة، كما اعتبر أن صياغة عقد جامعي ديمقراطي يكمن في فتح حوار مفتوح بين جميع مكونات المؤسسة الجامعية، كما اعتبر أن قرار إلغاء الأمن الجامعي أمر غير مأسوف عليه، وأن ما حدث السنة الفارطة من عنف سببه عدم تطبيق القانون على من مارس العنف من الطلبة، والتوظيف السياسي من ناحية والهالة الاعلامية التي رافقت احداث العنف من ناحية ثانية. * أيام قليلة وتفتح الجامعة التونسية أبوابها للطلبة، فما هي آخر استعدادات جامعة منوبة، وهي التي تضم 14 مؤسسة جامعية ؟ * في الحقيقة الاستعدادات عادية ولا يوجد أي استثناء، فجميع مؤسسات جامعة منوبة لها من الناحية التقنية الخبرة والكفاءة في تأمين العودة الجامعية، ولكن اتخذنا جملة من الاحتياطات اعتبارا لما حدث السنة الفارطة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمنوبة من تجاذبات سياسية، ولا نخفي تخوفنا من أن يكون لتلك الأحداث انعكاس هذه السنة، وتخوفنا تحديدا من تعطيل سير الدروس، ولكن نحن متأكدون أن تجربة الجامعيين وتمسكهم بالضوابط الأكاديمية سيمكننا من تجاوز ما قد يطرأ من تجاوزات. هناك تخوف أيضا من تاريخ 25 أكتوبر، وهو تخوف مشروع لأنه موعد محاكمة عميد كلية الآداب بمنوبة الأستاذ الحبيب الكزدغلي مع تكييف قانوني يدعو إلى بعض التساؤلات وهو تكييف قد تكون له بعض النتائج السلبية رغم الموقع السليم للعميد باعتبار أن الوقائع قد جدت في مكتبه وتم التهجم عليه وهناك شهود ونرجو أن تكون هذه المحاكمة من "حواشي" كلية منوبة وان لا تكون منطلقا لتعقيد الوضع من جديد. عدد الطلبة بالمركب الجامعي بمنوبة مستقر إلى حد ما، بل إن العدد هذه السنة اقل بقليل من السنة الماضية باعتبار عدد الناجحين في الباكلوريا، وأيضا لأننا حرصنا مع سلطة الإشراف، التي كانت متفهمة، على أن يكون عدد الموجهين إلى الجامعة عدد معقول خاصة أن عدد الأساتذة القارين محدود وعدد الأساتذة من الصنف "أ" من أساتذة التعليم العالي والمحاضرين اقل بكثير وهذه النقص مفهوم باعتبار جامعة منوبة تعتبر "شابة" (12 سنة) ولكن النزيف الكبير الموجود هو في العدد الكبير للأساتذة المتعاقدين من الذين لا ينتمون قانونيا إلى سلك المدرسين الجامعيين، بل اعتبرهم طلبة، لان ما يتقاضونه يعتبر منحا لإتمام بحوثهم وليست أجورا بمفهوم قانون الشغل، ورغم أنهم طالبوا بالإدماج في السنة الفارطة غير أن التوجه العام للوزارة هذه السنة هو تجديد العقود. * نفهم من كلامكم أن علاقتكم بسلطة الإشراف طيبة خاصة فيما تعلق بطاقة استيعاب الجامعة؟ * السياق الجديد الذي نعيش فيه اليوم بعد انتخاب المسؤولين الجدد على التعليم العالي بما في ذلك رؤساء الجامعات، أوجد سياقا جديدا لم يخلو من جوانب سلبية خاصة فيما تعلق باستقلالية الجامعة من حيث التسيير والقرارات والتصرف الإداري والمالي وفي الموارد البشرية. ما ألاحظه شخصيا هناك نوع من التفكك في علاقات المؤسسات بالجامعات وفي علاقة الجامعات بالوزارة، وهذا التفكك له ما يبرره باعتبار أن الجميع في حالة بحث عن صيغ تعامل جديدة في تسيير الجامعة، وفي اعتقادي أن الصيغة الجديدة لا يمكن أن تقطع مع الماضي إلا بتكريس مفهوم الاستقلالية باعتباره من المعايير الدولية في أي منظومة جامعية، والمشكلة أن في الوزارة من يتوهم أن الاستقلالية تعني عدم المحاسبة والمراقبة وهذا توهم خاطئ بل فهم متخلف جدا بمقتضيات التسيير الجامعي، ونحن كمسؤولون جامعيون عندما نطالب بالاستقلالية فنحن نطالب أكثر بالمحاسبة والمراقبة الحقيقية. نحن اليوم نعيش هيمنة مطلقة من الوزارة الأولى عن طريق المحاسبة المالية ومراقبي المصاريف من وزارة المالية مما يعطل حتى المشاريع التي تخدم أهداف الحكومة، لغياب المرونة في التصرف المالي وفي الموارد البشرية، وهذه الهيمنة يجب أن تنتهي لأنها وضعت في عهد الدكتاتورية للسيطرة على المؤسسات العمومية، هذا من الناحية المالية. هناك الناحية الثانية وهي ما نسميه "مدخلات التعليم العالي"، فالمؤسسات الجامعية تقدم "الشهادات" وهي شهادات نوعية وهو ما يتطلب تصرفا محكما في الموارد البشرية، لكن جامعاتنا لا تتحكم معرفيا في الطلبة الوافدين عليها لان عملية التوجيه ممركزة لدى الوزارة، ولا تتحكم في انتداب الأساتذة ولا في انتداب الكفاءات والإطارات الإدارية ولا حتى في العملة لان عملية الانتداب ممركزة أيضا في يد الوزارة. الأمر المتحقق في الواقع وليس باقتناع الجميع وهو حرية القرار الأكاديمي، وفي الواقع هذا الأمر كان متوفرا في السابق في زمن الدكتاتورية وحافظ عليه الجامعيون وهم بصدد تطويره منذ 14 جانفي خاصة بعد القرار الهام والمتمثل في انتخاب رؤساء الجامعات. * على ذكر الحريات الأكاديمية، ونحن بصدد كتابة دستور جديد هل هناك مسعى من الجامعيين لدسترة هذه الحريات باعتبارها العمود الفقري لنجاح وإشعاع الجامعة التونسية؟ * أولا أود أن أشير إلى أن مفهوم الحريات الأكاديمية في حد ذاته فيه شيء من الاختلاف، فما يفهم مباشره هو حرية التعبير وحرية التفكير وحرية الدرس، ولكن الحريات الأكاديمية في تعريف اليونسكو وفي تعريف أهل الاختصاص تتجاوز هذا الفهم الأولي إلى صياغة علاقات تشاورية مبنية على الحوار المفتوح بين كل مكونات الجامعة من طلبة وأساتذة وموظفين وعملة لصياغة عقد جامعي ديمقراطي. دسترة الحقوق الأكاديمية أمر مطروح لأنها جزء لا يتجزأ من الحريات العامة، ولان كل تمش ديمقراطي يمنع العودة بأي شكل من الأشكال إلى الديكتاتورية يمر حتما عبر دسترة جميع الحريات العامة والفردية ومنها الحريات الأكاديمية، والجامعة باعتبارها نوعية قادرة لان تكون مختبرا حقيقيا لنجاح المشروع الديمقراطي حتى قبل الانتهاء من صياغة الدستور. * باعتبار نوعية الفضاء الجامعي بنخبته المعرفية والثقافية وباعتبارها مختبرا لنجاح الديمقراطية، ألا ترون أيضا أنها مختبرا اليوم "للصراع" بين المشروع التنويري والحداثي والمشروع "الظلامي"؟ * الجامعة لا يمكنها إلا أن تكون حداثية، وما حدث في كلية الآداب كان أمرا مفروضا من الأطراف السلفية التي أرادت اختبار مدى قدرة الجامعة على رؤية ونظرة معينة وهذا الأسلوب معروف في جميع المراحل الانتقالية، وما وقع في منوبة أربك الجميع قبل حكم الترويكا وبعده أيضا، حتى صارت "ورطة". الأمر المطروح هو كيف يمكن للجامعة أن تحافظ على تقاليدها الجامعية وفي نفس الوقت أن تحترم الحريات الفردية حتى وان كانت "متطرفة"، وان تفرض معاييرها في التعامل مع ظواهر مثل السلفية كما تعاملت في السابق مع اليسار. واعتقد انه من الخطئ أن نطرح المسالة من زاوية الجامعة مقابل السلفية، مثلما لم تطرح من قبل الجامعة مقابل القومية أو اليسارية، رغم أن الأطراف السياسية اليسارية وحتى الإسلامية في الماضي كانت "تلوذ" بالفضاء الجامعي عندما كانت الدكتاتورية تضيق الخناق في الفضاء العمومي، أما اليوم فهذا الفضاء مفتوح لكل التيارات و"الصراع" يُدار في فضائه الحقيقي أي بعيدا عن الجامعة، ولذلك علينا أن نمنع أي محاولة للتحكم في الجامعة من أي إيديولوجيا لان الجامعة لا تحتمل إلا العمل النقابي. ومسألة النقاب مثلا هي مسالة محسومة باعتبار أن النظام الداخلي للجامعة يرفض قبول شخص مجهول الهوية، ونحن لا نفرق بين منقبة أو شخص من الطوارق أو شخص مقنع (cagoule ). في الولايات المتحدة الأمريكية أو في بريطانيا تقبل الجامعات بدخول مثل هؤلاء الأشخاص، ولكن هذه ليست حجة لضرب خيارات الجامعة التونسية ولا يمكن اعتمادها باسم حقوق الإنسان والحريات العامة لأنها منظومة كاملة لا تتجزأ. وعلى من يطالب بالحقوق أن يلتزم بالأساليب السلمية لا أن يلجأ إلى العنف وفرض رأيه بالقوة وتعطيل الدروس مثلما فعل السلفيون في كلية منوبة والخطأ الذي نتحمل مسؤوليته السنة الفارطة هو عدم تطبيق القانون بصفة فورية على من مارس العنف في الفضاء الجامعي. * هناك تخوف كبير اليوم من طرف الطلبة وأوليائهم والمدرسين من ارتفاع منسوب العنف والتهديد داخل الفضاء الجامعي، خاصة بعد إنهاء تواجد الأمن الجامعي فكيف ستواجهون مثل هذه الوضعية؟ * بكل بساطة أقول انه لو كان الأمن الجامعي متواجدا السنة الفارطة لوقع ما وقع من عنف وتصادم، لان الأمن الجامعي لم يتدخل البتة لفض مشكلة ما داخل الجامعة بل كان دوره الوحيد قمع الطلبة زمن الدكتاتور، وبالتالي فإن ذهاب الأمن الجامعي غير مأسوف عليه. المطلوب اليوم هو التفكير في توفير الأمن الجامعي على أسس جامعية وفق المعايير الدولية، وللأسف وزارة الإشراف لم تحرك ساكنا بخصوص هذا الجانب. في جامعة منوبة لنا 14 مؤسسة جامعية لم يقع فيها أي إشكال "امني" إلا في كلية الآداب السنة الفارطة، وبالتالي عموم المؤسسات الجامعية هي محمية بطبيعتها لان المواطن التونسي لا يرى في الجامعة إلا معقلا للعلم والمعرفة، وما حدث هو أمر ظرفي ومتعلق بقرار سياسي ضيق ينبغي أن تتحمل فيه الأطراف السياسية مسؤوليتها. * ولكن اليوم لم يعد خافيا على احد إصرار بعض الأطراف للسيطرة على الجامعة؟ * هناك وهم أن من يمتلك الساحة الطلابية سيمتلك الشارع، وهذا وهم ثبت انه لا يعدو أن يكون وهما، وعلى الأطراف السياسية أن تتأكد أنها لن تستطيع الهيمنة على الجامعة وعلى هذه الأطراف أن تكون مسؤولة ومن سيتجرأ ويحاول الهيمنة على الجامعة سينكسر على صخرتها. بالنسبة للعنف الموجود في الجامعة لا يقتصر على الظاهرة السلفية فقط، بل هناك مشاكل المخدرات والمتاجرة بالطالبات وبالتالي يجب أن تكون هناك مقاربة أمنية شاملة ويجب فتح حوار وطني حقيقي لتأمين الدور الفعلي للجامعة التونسية. والحلول الآنية والظرفية لا يمكنها أن تحل مشكلة العنف في الفضاء الجامعي. اليوم علينا أن نوجد تناغما حقيقيا بين أبناء الجامعة من طلبة ومدرسين وموظفين وعملة والجهاز الأمني والجهاز القضائي لتجاوز خطر العنف المهددة للجامعة التونسية. * هناك أحداث وطنية هامة ستعيشها تونس قريبا منها خصوصا إعلان الدستور الجديد والانتخابات القادمة، فكيف ترون انعكاس هذه الأحداث الوطنية على الطلبة والجامعة التونسية عموما؟ * سؤالك ينبني على تصور لما كان في السابق باعتبار أن في زمن الاستبداد كان الفضاء الجامعي هو الذي يستطيع أن يندد ويرفض ويعبر بكل حرية، الآن الفضاءات عديدة، وشخصيا أنا ضد أن تكون هناك إضرابات بسبب مثلا تأخر موعد الإعلان عن الدستور وضد إيقاف الدروس بسبب أحداث طارئة لا دخل للجامعة فيها. يكفينا من ردود الفعل الآنية ويجب أن نجعل من الجامعة قريبة من البرج العاجي لأنه المكان الوحيد الذي يمكننا من رؤية الواقع بطريقة أفضل. الجامعة للجميع ولا احد يملكها، والتهويل الإعلامي في السنة الفارطة هو الذي جعل من أحداث العنف سواء في منوبة أو سوسة أو قابس أو القيروان... أقحمت الجامعة في سياق هي ليست معنية به أساسا. * كإدارة، مع من ستتفاوضون حول مشاغل الطلبة، خاصة أن اليوم هناك الاتحاد العام لطلبة تونس والاتحاد العام التونسي للطلبة؟ * قانونيا لا يوجد إلا طرف واحد وهو الاتحاد العام لطلبة تونس، ونحن نتفاوض مع كل طرف يكون معبرا عن قضايا الطلبة وله تمثيلية في المجالس العلمية، وهي الوحيدة التي لها صبغة قانونية وشرعية وانتخابية رغم محدودية عدد المشاركين. ونحن نتفاوض معهم باعتبارهم طلبة ولا تهمنا لا ألوانهم الإيديولوجية ولا انتماءاتهم السياسية، ولا نخفيكم سرا أننا كجامعيين نشتكي من غياب الهياكل النقابية الممثلة للطلبة والسبب هو الخلط الذي ورثناه منذ مؤتمر فيفري 72. نحن نتفاوض على المطالب المادية والمعنوية للطلبة ولا نتفاوض على طبيعة النظام التونسي هل هو شبه شبه أم رأسمالي تابع. اليوم نحن بصدد الدخول في مرحلة التعددية النقابية واعتقد أن الطرف الأكثر تمثيلية للطلبة ومن لا يحاول تسريب السياسي إلى النقابي سيكون هو الطرف المفاوض بالنسبة لنا، وهنا أدعو الأطراف السياسية لرفع يدها عن الاتحاد العام لطلبة تونس. ثم نحن نرنو إلى أن تكون هناك تمثيلية بيداغوجية ونقابية وثقافية للطلبة. * ينتج طلبة الجامعة سنويا عددا مهولا من الإعمال الجامعية ولكنها تظل مركونة في الإدراج، فهل تفكرون في طرحها للقراء في المكتبات، خاصة أن فيها من الأعمال ما يضيف للمشهد العلمي والثقافي؟ * أولا يجب أن أوضح مسالة يتم تداوله مفادها أن ما كان ينشر سابقا من المنشورات الجامعية يتم وفق الولاءات الحزبية وهذا غير صحيح إطلاقا بل ما يحسب للجامعة أنها احترمت وحافظت على المعايير الأكاديمية والاستقلالية المعرفية في النشر الجامعي. أما الأعمال الجامعية للطلبة وخاصة رسائل الدكتوراه وهي كثيرة جدا، يجب هنا أن نقر بان الكثير منها لا يقدم إضافة علمية كبيرة وهذا ليس استنقاصا بل لان الإضافات العلمية تكون جزئية في الأبحاث وتندرج عموما في مشروع معرفي شامل، وبالتالي ليست كلها جديرة بالنشر، ولكن غالبا يُترك الأمر لرغبة صاحبها في النشر أو لوجود مثلا جائزة يمكن أن تتوج الأعمال المهمة ونحن في جامعة منوبة أنشأنا هذه السنة جائزة جامعة منوبة للبحوث لاستصفاء واختيار الأعمال الأكاديمية الجادة وستصدر نتائجها قريبا. * في سياق النشر أحدثتم السنة الفارطة مجلة "أكاديما" وكان لها الوقع الحسن منذ عددها الأول فهل ستتواصل هذه المجلة؟ * "أكاديميا" هي مجلة ذات بعد ثقافي ولكنها تُعنى بجل القضايا الجامعية وركزت في السنة المنقضية على توضيح خطها التحريري ووصلت إلى صيغة مرضية إلى حد ما. وستعود في بداية أكتوبر القادم إلى الصدور لتكون صوتا للجامعة المعبر عن قضاياها وشواغلها ونتمنى أن تعيش طويلا.