بحث هذه المدونة الإلكترونية

2013/08/15

متى صدّر الغنوشي الثورة... حتى نستورد "الانقلاب"؟

لا يمر تصريح إعلامي أو خطاب حزبي لزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، إلا وضمنه "موقفا" مضادا فعلا للمسار الثوري الذي تعيشه تونس بدرجة أولى ومصر بدرجة ثانية... ولعل الجملة التي يرددها الآن زعيم حركة النهضة خير دليل على مدى "استهتاره" بأحلام من سالت دماؤهم من 17 ديسمبر إلى ما بعد 14 جانفي... وخاصة إبان حكم الترويكا... تلك الجملة التي يقول فيها حرفيا "نحن (أي هو وحركة النهضة) صدّرنا الثورة، وهم (أي الذين اسقطوا نظام بن علي) يريدون استيراد الانقلاب" في إشارة إلى أن الملايين الذين انتفضوا ضد استبداد وفشل وكذب السجين الهارب مرسي العياط وجماعة الإخوان... هم "الانقلابيون" بإيعاز من مؤسستي الجيش والأمن المصريتين... وفي إشارة إلى أن مئات الآلاف من التونسيات والتونسيين المعتصمين بساحة باردو وبمختلف ولايات ومعتمديات الجمهورية التونسية هم أيضا "انقلابيون"... فهل صدّر فعلا راشد الغنوشي الثورة التونسية بمعية وزراء حركة النهضة ونوابها ونائباتها وقيادييها القادمين على متن الطائرات والبواخر من العواصم الأوروبية والعربية؟ وهل فعلا ستستورد الأحزاب الديمقراطية والمنظمات والجمعيات المدنية والنقابيون والحقوقيون والمحامون والطلبة والشباب والنساء والمعطلون عن العمل... هل سيستوردون فعلا ما يعتبره الغنوشي وحركة النهضة "انقلابا"؟ إن تصديق مثل هذا "الموقف"/"الوهم" يتطلب آلية وحيدة وهي أن نكذّب التاريخ ونمحيه تماما، وندلق معه الماء على دماء الشهداء الذين سقطوا في انتفاضة الحوض المنجمي وفي سيدي بوزيد والقصرين وقفصة وتونس العاصمة... وعلينا أن نصدق أن "محمد البوعزيزي" مات منتحرا وأن الشعار المركزي للثورة التونسية لم يكن "شغل حرية كرامة وطنية"... بل كان تطبيق شريعة الله في الشعب التونسي الكافر... إن "موقفا" كهذا يؤكد فعلا أن رائحة الغاز المسيل للدموع وصوت الرصاص والاعتقالات التي طالت النقابيين والمحامين والشباب في الشوارع التونسية وملاحقة الصحافيين كانت تسجيلا رديئا لمخرج سينمائي مبتدئ... وعليه فإن من عجّل بهروب بن علي وزبانيته من تونس ليلة 14 جانفي هم أصحاب الشركات والمصانع القابعين خلف شاشات التلفزات في باريس والدوحة ولندن وبرلين وواشنطن... وأن محمد الغنوشي وفؤاد المبزع قد سقطا من جبة "القرضاوي"... وعلينا أن نصدق فعلا أن أم الشهيد التي خرجت وقالت "لئن قتلوا ابني فإن لي ثلاثة أبناء آخرين سأهبهم فداء لتونس وللحرية" علينا أن نصدق أنها هي اليوم من تنعم بأجرة خيالية تصلها بالعملة الصعبة... أو هي التي تستهلك اليوم ما يفوق مائتي لتر من البنزين لتتنقل من تونس إلى صفاقس... وعلينا أيضا أن نصدق أن المنصف المرزوقي كان "ينصب المشانق" لعائلتي بن علي والطرابلسي، وأن سهام بادي كانت تفتح باب بيتها كل مساء للمتظاهرين الهاربين من الغاز المسيل للدموع ومن الرصاص... وأن حسين الجزيري وسمية الغنوشي كانا يخرجان كل ليلة على الفضائيات ليطالبا برحيل بن علي وإسقاط نظامه... علينا أن نمحي تاريخ دموعنا ودمائنا ونصدق فقط أن من كان قابعا في دهاليز وزارة الداخلية ليلة 13 أكتوبر ليس حمة الهمامي ومحمد مزام بل نور الدين الخادمي والمنصف بن سالم... علينا أن نصدق أن فوزي بن قمرة و"بسيكو آم" كانا يشحنان الشباب التونسي بالأغاني الثورية... وأن ذاك "الكافر" بيرم الكيلاني (بنديرمان) كان يوقّع عقود الحفلات التجارية... علينا أن نكذب المراسلات الصحفية للفاهم بوكدوس ومقالات لينا بن مهني وأن نصدق أن لطفي زيتون وسنية بن تومية هما اللذان كانا يراسلان الإذاعات والمواقع الإخبارية ولا يكفان عن التدوينات الالكترونية ... وعلينا أن نصدق مقالات طارق الكحلاوي في جريدة الصباح المحرضة على إسقاط نظام بن علي... وان رفيق بوشلاكة كان يمد قناة "الجزيرة" بآخر المعطيات الميدانية حول تحركات الشعب التونسي... علينا أن نكذّب الدكتور سامي السويحلي... ونصدق أن عبد اللطيف المكي هو الذي كان يستقبل الجرحى ويهاتف الاطباء لمساعدة من تعرض للاعتداء... لنصدق كلامك... أيها "الشيخ" علينا تحديدا أن نكذّب أعيننا وأصواتنا... وعلينا تصديق أن نور الدين البحيري هو الذي قدم من باب بنات إلى بطحاء محمد علي فشارع الحبيب بورقيبة صبيحة يوم 14 جانفي بدلا عن الشهيد شكري بالعيد وبدلا عن المرحوم فوزي بن مراد والقاضية كلثوم كنو والمحاميان مختار الطريفي وعبد الستار بن موسى... لنصدق كلامك... أيها "الزعيم" علينا أن نكذّب محمد شعبان الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس ونكذّب كل النقابيات والنقابيين الذين اكتسحوا شوارع صفاقس ليلة 13 جويلية... وعجلوا بهروب بن علي... علينا أن نكذّب الصور التلفزية التي بثت صور الإضراب الجهوي بصفاقس وبالمقابل علينا أن نصدّق إمام جامع سيدي اللخمي باعتباره كان ثائرا ضد بن علي... أما من استورد فعلا "الانقلاب"... الانقلاب على إرادة الشعب التونسي فهو الذي وظف الأموال القطرية والأمريكية ليقوم بحملته الانتخابية... هو من "احتل" بيوت الله وحولها إلى معسكرات حزبية... هو الذي يمكث على صدورنا سنتين رغم التزاماته... من يستورد الانقلاب هو الذي "وعده" بتشغيل الشباب المعطل عن العمل ففاقم عطالتهم... المنقلب هو الذي صمت على من نعت العسكريين والأمنيين بالطواغيت والكفرة... من استورد "الانقلاب" هو الذي أوعز، ولا زال، للعصابات بأن تعتدي على الأحزاب والمنظمات والجمعيات والمفكرين باسم "حماية الثورة"... المنقلب الحقيقي هو لنصدّقك... لا نجد سبيلا إلى ذلك إلا إن نكذّبك... بكل بساطة... لنصدّقكم... لا نجد سبيلا إلى ذلك إلا أن نواصل اعتصام الرحيل... بكل إصرار... حتى تصدّقوا كذبة الشرعية...

هناك تعليق واحد: