بحث هذه المدونة الإلكترونية

2013/08/06

القتل الأزرق والفاشية الثالثة...

قواعد النهضة وأنصارها ينادون بتحصين الثورة و"قيادات" الترويكا تستقبل بارونات النظام السابق ما الفرق بين خطاب "جهادي" انتحاري داخل المغاور الجبلية وبين خطاب "إمام شرعي" فوق منبر بمسجد الوردية؟ إذا كان "الشيطان يسكن بين التفاصيل" فإن "القتل" يسكن هو الآخر ذات التفاصيل، تلك التي لا نعيرها اهتماما في الغالب الأعم. فهذا "القتل الأزرق" الذي تزكمنا رائحته من مغاور مرتفعات الشعانبي أو على الحدود التونسية/الليبية/الجزائرية أو من أدغال وغابات الشمال الغربي على الحدود الجزائرية... ولم تخل منه أحزمة الفقر المتاخمة لتونس العاصمة... يزفنا كل يوم أخبار الرصاص والألغام وأدوات نشر ثقافة الموت... وعودا إلى التفاصيل، فإن بعض الإشارات البسيطة، وبعض التفاصيل العابرة نلتقطها هنا وهناك، حذو خطواتنا، وأمام أعيننا لنقف على حقيقة باتت تترسخ اليوم في تونس مفادها أننا بصدد الانحدار نحو نظام ديكتاتوري في ظل حكم فاشي... ومن هذه الإشارات، تحرك بعض الزعماء والناشطين السياسيين، وحتى بعض المثقفين والمبدعين وهم يرتدون "الصدريات الواقية من الرصاص" أو المتعارف عليها باللغة الفرنسية (gilet pare-balles)، والى جانب استخدام هاته الصدريات الواقية فان البعض منهم وجد نفسه "مجبرا" على التحرك بين حارسين أو أكثر يلازمونهم أينما تحركوا... الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، أحمد نجيب الشابي رئيس الحزب الجمهوري... الباجي قائد السبسي مؤسس حزب حركة نداء تونس... محاطون بحراس رئاسيين يسهرون على سلامتهم وأمنهم وكأنهم يتحركون فوق حقل ألغام مكتنز بالفخاخ، وليسوا في وطن حسبوا أن آخر طلقاته الغادرة أُطلقت يوم "الخميس الأسود"... ومعهم تنضاف قوائم طويلة لأسماء من المناضلات والمناضلين السياسيين ومن النقابيين والحقوقيين ومن الإعلاميين... منهم من وصلته رسائل التهديد مباشرة إلى بيته، ومنهم من تلقى التهديدات على الهواء مباشرة في التلفزات التونسية من "قيادي" الترويكا الحاكمة... فـــ"رؤوسهم مطلوبة" مثلما قال ذلك "أمام مسجد بجرجيس" باعتبارهم "علمانيين وكفارا وملحدين"... "الطاغوت" المتوجب قتله واغتياله وتصفيته من "أرض الإسلام" سيتعدى الملايين من التونسيات والتونسيين، ولئن كانت القائمات مدججة بالسياسيين والإعلاميين والحقوقيين فما هي إلا "فاتحة شرعية" كتلك التي كانت في أرض مالك حداد وجميلة بوحيرد... ولكن هل الملايين قادرون على اقتناء "صدريات واقية من الرصاص"؟ وهل الملايين لهم من المال ما يكفي "لتأجير" حراس شخصيين؟... إن التدرج في "تعبئة" الصدور والسطو المستمر على المساحات والفضاءات العمومية من جهة، ومن جهة ثانية التقوقع الإيديولوجي البسيط والساذج في بعض الأحيان لدى "الأحزاب المدنية" جعلت من فزاعة الإرهاب السلفي الشجرة التي تحجب عن الشعب الذي أسقط نظاما ديكتاتوريا يرتد عن المطالب الأساسية التي ثار من اجلها، وتتحول وجهته بطريقة ميكانيكية نحو الجبال والمغاور وأحزمة الفقر، وصار الأمن خبزه اليومي... إن مناضلا مثل حمة الهمامي، الناطق باسم الجبهة الشعبية، لم يرتد طوال مسيرته النضالية ضد بورقيبة وضد بن علي، صدرية واقية من الرصاص، ولم يتحرك وسط حراس شخصيين، وهو الذي عاش لأكثر من عشرة سنين في "السرية"، ومع ذلك هاهو يجد نفسه اليوم بعد الثورة التي حلم بها وكان لشباب حزبه دورا في تأجيجها، ها هو يجد نفسه اليوم في فترة الانتقال الديمقراطي محوطا بحارسين شخصيين من رئاسة الجمهورية ويرتدي صدرية واقية من الرصاص... قد تكون فاجعة اغتيال المعارض السياسي شكري بالعيد، أمام بيته بطريقة هوليودية تذكرنا بما حصل في الجزائر وفي لبنان أيضا، قد تكون النقطة الفاصلة بين مرحلتين، مرحلة مهتزة أمنيا ولكن دون بصمات إرهابية واضحة وحاسمة، ومرحلة ثانية دخلت فيها البلاد في منعرج الاغتيالات ورسائل التهديد المباشرة وغير المباشرة للمعارضين السياسيين بدرجة أولى وللإعلاميين بدرجة ثانية... ومن ورائهما الشعب التونسي عموما... غير أن هذه المرحلة لم تعد مرحلة افتراضية، بل صارت واقعا ملموسا بعد اغتيال الشهيد الوطني محمد البراهمي أمام منزله وأمام بناته وأبنائه وزوجته في واضحة النهار... ليتأكد هذا الواقع الأسود بعد "ذبح" خمسة جنود من الجيش من جملة ثمانية مقتولين غدرا فوق قمم الشعانبي. إن اغتيال رمزين من رموز المعارضة للفريق الحكومي المؤقت الذي تتزعمه حركة النهضة اليوم في تونس، واستهداف غيرهما بشكل مباشر وحاد نسف ابسط قواعد اللعبة الديمقراطية، وجعل الطريق نحوها مفخخا بالألغام والمطبات التي ستُعجل بانتكاسة مرحلة الانتقال الديمقراطي الموعودة، وتُمهد الطريق مرة ثالثة، بعد النظامين السابقين، إلى تكرار التجربة الفاشية من جديد، غير أن الفاشية الثالثة، تختلف في عمقها عن سابقتيها، فلئن أبّد الحبيب بورقية حكمة طيلة ثلاثين سنة بسبب نرجسيته المفرطة، ولئن ظل نظام "السابع من نوفمبر" جاثما على الصدور طيلة 23 سنة كاملة تحت مسمّى الإصلاح الديمقراطي التدريجي، فإن طبيعة النظام القادم تبحث لها الآن على قدم وسط شرعية الكفر والإيمان لتتدحرج أيقونة الديمقراطية تحت شريعة القرون الغابرة... وخير دليل على ذلك السذاجة المفرطة التي أبداه راشد الغنوشي ليلة شبّه تظاهرة القصبة بفتح مكة؟ وقبلها ما أقدم عليه "وزير الشؤون الدينية" في بيان وزاري عندما غالط الرأي العام وقال إن معتصمي الرحيل يرفعون شعار "تونس حرة والإسلام على بره"؟ إن الفاشية الثالثة القائمة على عبادة الزعيم الأوحد وتمجيد العنف والإرهاب والتشبث بنظرية المؤامرة... تحط رحالها بأرض تونس من الباب الواسع، وتجد لها موطئ قدم في المرتفعات كما الإحياء... إذ لا فرق بين خطاب "جهادي" انتحاري داخل المغاور الجبلية وبين خطاب "إمام شرعي" فوق منبر بمسجد الوردية... غير أن الفاشية الجديدة لا تدخل علينا من باب الرصاص والمتفجرات والألغام فقط... بل هي تعود إلى الشعب التونسي من بوابة قصر قرطاج ومن مقر مونبليزير فبعد استقبال ما يسمى "روابط حماية الثورة" وبعد أن ألقى السلفي البشير بن حسين "محاضرة" في قصر قرطاج... وبعد أن بحت حناجر قواعد حركة النهضة مطالبة بوجوب تمرير "قانون تحصين الثورة"... ها إن بارونات النظام القديم وعلى رأسهم حامد القروي الوزير الأول لبن علي طيلة عشرية كاملة... يتوافدون على "قادة" الترويكا بحثا عن "توافقات" جديدة لم تخرج عن منطق "المحاصصة" ومنطق "التهديد" المغلف بعبارات "المصلحة الوطنية" بعد أن خفت صوت المنادين بالتحصين السياسي للثورة ... وبعد أن أصبحت وزارة الداخلية ووزارة الدفاع الوطني في مهب التخريب الداخلي والسطو على طبيعة دورهما الأمني بالأساس... كما أن الفاشية الثالثة شرعت في تنفيذ مقوماتها الأساسية وهي إلجام كل إعلامي حر ودفعه إلى الصمت المطلق حتى على تحليل الأحداث وخير دليل على ذلك لجوء اغلب القنوات التلفزية والإذاعية إلى البرامج الترفيهية والكف عن البرامج الحوارية والتحليلية في الوقت الذي تعيش فيه تونس على فوهة بركان ثائر... أمنيا... وشعبيا...

هناك تعليقان (2):