بحث هذه المدونة الإلكترونية

2013/05/28

السلفية، ذاك المارد الذي لن يعود إلى قمقمه

تلتقي أغلب المؤشرات الموضوعية والذاتية، حول حقيقة، باتت اليوم بمنأى عن أي تفنيد، حقيقة مفادها أن مارد السلفية قد كَسَرَ كل القيود المضروبة عليه، وانفلت من القمقم الذي حُشر فيه حشرا طيلة عقود من الزمن، وحقيقة أن عودته، إن طوعا أو غصبا، إلى قمقمه باتت صعبة، أن لم نقل مستحيلة، على الأقل على المدى القريب... بعد أن "حُوصرت" تونس بين أضلاع مثلث برمودا (حركة النهضة، حزب التحرير وأنصار الشريعة). فالسلفية، التي لا تمثل ظاهرة عامة في المجتمع التونسي، هي بصدد افتكاك تمظهرها الحقيقي والطبيعي الموؤود في الفترتين "الدستوريتين" السابقتين، مستندة في ذلك على المعطيين المكاني والزماني، فجغرافيا، تحولت تونس إلى معبر حقيقي للأسلحة الخفيفة والثقيلة، بعد أن "تأثثت" مكتباتها ومعارضها بالكتب المحرضة على الجهاد والعنف، وبعد أن صارت قبلة "شرعية" للدعاة المتشددين ولأصحاب الفكر الأصولي، وتحديدا الوهابي منه، الذي يضخ كميات هائلة من الأموال لتثبيت قدم محمد بن عبد الوهاب من جديد، ومذهبه الوهابي القائم على قاعدة "أسلم تسلم"، بعد أن "قطع دابرها" العلامة التونسي عمر المحجوب بطلب من حمودة باشا، باي تونس في القرن الثامن عشر... أما المعطى الزماني، فقد مثل ما سمي "الربيع العربي" مناخا مناسبا لاستفاقة التيار السلفي وظهوره إلى العلن، لممارسة السياسة والتشكل في الأحزاب والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، ("أنصار الشريعة" لها 213 جمعية خيرية تقدر نسبة تعاملاتها المالية 3 مليارات و826 مليون دينار... وحركة النهضة لها189 جمعية خيرية واجتماعية تقدر معاملاتها المالية ب4.2 مليار... ولحزب التحرير87 جمعية خيرية وطبية تقدر معاملاتها المالية ب1.9مليار من المليمات)، معتبرين أن الزمن هو زمن الصحوة الإسلامية التي انطلقت منذ سقوط نظام صدام حسين في العراق سنة 2003، وأن الأوان حان لإقامة دولة "الخلافة الراشدة السادسة"، تلك التي أعلن عنها السيد حمادي الجبالي في إحدى الاجتماعات العامة لحزب حركة النهضة (الاتجاه الإسلامي سابقا)، وهو التصريح الذي فتح المجال واسعا أمام الصنفيين الثانيين (حزب التحرير وأنصار الشريعة) إلى المضي قدما في تحويل وجهة الدولة التونسية من دولة جمهورية مدنية إلى إمارة إسلامية (عاصمتها القيروان) تحكمها الشريعة. بين حركة النهضة، صاحبة الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي، وحزب التحرير المحظور في عدة بلدان عربية وأوروبية، والسلفية الجهادية ممثلة في أنصار الشريعة من جهة ثالثة، يتحرك المارد بسرعات مختلفة، وبأشكال متنوعة، ولكن في اتجاه غاية واحدة، ولأجل تحقيق هذه الغاية بالذات، فإن كل الوسائل متاحة ومُباحة، وهي شرعية بالتالي لا نقاش فيها ولا اختلاف... ومن ثمة تم تقسيم الأدوار بين الأطراف الثلاثة، كل حسب موقعه، وحسب ارتباطاته الداخلية والخارجية، حيث اضطلعت حركة النهضة بتعطيل مداولات المجلس الوطني التأسيسي من خلال أصوات ممثليها، وتكفلت وزارة الشؤون الدينية بترك باب المساجد مفتوحا أمام الأيمة المتشددين والمختصين في تفرقة الشعب التونسي بين المؤمنين والكفار، كما جعلت المؤسسة الأمنية مرتبكة في أدائها (أحداث السفارة الأمريكية وأحداث بئر علي بن خليفة والروحية...الاعتداء على زوايا الأولياء الصالحين...) ووقفت حركة النهضة ضد مشروع دسترة المؤسسة الأمنية وضد النقابات المنبثقة من هذا الجهاز، ولم تتوانى وزارة الخارجية التونسية في جعل دولتا قطر والسعودية، دولتا تدخل بامتياز في الشؤون الداخلية لتونس... أما حزب التحرير، وبعد الإيهام بمقاطعته لانتخابات 23 أكتوبر، فقد تكفل بإعلان ما لا يمكن أن تعلنه حركة النهضة بشكل مباشر، وهو إقامة دولة الخلافة، و"رجوع الإسلام"، خاصة بعد أن وزع "دستور الخلافة" الذي ينص على أن الديمقراطية كفر وشرك بالله، كما أن حزب التحرير تكفل بمهمة "تشويه" الخصوم السياسيين لحركة النهضة، ومنهما خاصة "العلمانيين والملحدين"، مثل الجبهة الشعبية اليسارية، و"أزلام النظام البائد" مثل حركة نداء تونس، ولم يتأخر أنصاره في كل مرة، في ضرب العمل النقابي وتشويه الاتحاد العام التونسي للشغل... أما السرعة القصوى لمارد السلفية والتشدد الديني، فيتجلى في المجموعات السلفية الجهادية، والمعروفة بأنصار الشريعة، فبعد الأعمال الخيرية والدعوية التي انتظمت في المناطق الأكثر فقرا وتهميشا في تونس، وبعد إجراء التدريبات في المعسكرات الجهادية خاصة في ليبيا للتنقل إلى سوريا وإسقاط نظام بشار الأسد وإقامة دولة الخلافة، خاصة أن أنصار الشريعة يقاسمون "تنظيم القاعدة المنهج الفكري والعقائدي"، ورغم أن أنصار الشريعة لا يعتبرون تونس "أرض جهاد"، إلا أنهم مثلوا "ورقة رابحة" لدى حركة النهضة لكسر عنق الانتقال الديمقراطي وتحويل وجهة نظر الرأي العام الوطني عن مشاكل التنمية والتشغيل في تونس، وإلهائه عن الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة، فالعلاقة "الأخوية" بين قياديين من حركة النهضة و "أمير" أنصار الشريعة، سيف الله بن حسين المكنى "أبو عياض"، علاقة لم تعد خافية عن أحد، خاصة بعد التحول الكامل في نظرة راشد الغنوشي "لأبنائه" السلفيين، واعتبارهم "جماعة تكفيرية"، وأيضا تصنيف علي العريض رئيس الحكومة المؤقتة أنصار الشريعة "بالجماعات الإرهابية"، ليصير بذلك "أمن التونسي" الأولوية القصوى بدلا من التشغيل والتنمية وإنهاء كتابة الدستور والمرور إلى الانتخابات، وقد نجحت الحركة ومن ورائها حزب التحرير وأنصار الشريعة، في "تأليف قلوب" الشعب والنخبة التونسية لتجاوز هذا "الخطر" و"التضحية" من جديد بالفقر والتهميش وحالة الضبابية السياسية... أن توزيع الأدوار بين الأطراف الثلاثة، ولئن كان مكشوفا لدى الطبقة السياسية والفكرية، فإنه مازال يفعل فعله لدى الأوساط الشعبية المستبطنة في لا وعيها لمقولة "التونسي مسالم بطبعه"، والأوساط الشعبية، تمثل الطرف الأهم بالنسبة لحركة النهضة في المعادلة الانتخابية القادمة، باعتباره يمثل ثقلا معتبرا من ناحية الأصوات التي سيمنحها للحكومة التي "تمكنت" من "كبح جماح الإرهاب والتطرف الديني" في الفترة الحالية... رغم أنها أطلقت سراح الناطق الرسمي باسم أنصار الشريعة؟ ولكن هل ستتمكن فعلا حركة النهضة من "كبح جماح أنصار الشريعة"؟ وهل ستتوقف دوامة العنف باسم الدين في حدود مواجهات "غير رسمية" بين رجال الأمن و"أشباح" الجهاديين في جبال الشعانبي وبوقرنين، وفي باحة المساجد وفي الأحياء المفقرة والمهمشة؟ أم أن "انفلاتات" مرتقبة من الشباب السلفي قد تنقلنا إلى مرحلة التفجيرات الانتحارية والأحزمة الناسفة والذبح والسحل وما شابهها من طرق تطبيق "شرع الله" في تونس؟ بين تفادي الحلقة الأخيرة من مسار تدمير الانتقال الديمقراطي، و"إحلال" نظام ديكتاتوري جديد، وبين "تأمين" هذا المسار الذي طال أمده، يظل "مقود البلاد" (مثلما قال راشد الغنوشي) بيد حركة النهضة، ويظل الخط المستقبلي لتونس رهين صندوق النقد الدولي ومدى تطبيق شروطه وضمان سياسته.

2013/05/16

جولة ثانية من الحوار الوطني: هل تنزع النوايا الحسنة فتيل المواجهات المحتملة؟

بعد جولة أولى من الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل مختلف الإطراف السياسية والحقوقية والمدنية، يوم 16 أكتوبر 2012، وحضرها الرؤساء الثلاثة و43 حزبا و76 منظمة وجمعية، ورغم سعي الأطراف، التي تخلفت عن الجولة الأولى، إلى سحب البساط من تحت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل الوطنية بتعلة أن قبة المجلس الوطني التأسيسي هي الفضاء الوحيد والجهة المخول لها إدارة الحوارات الوطنية في خطوة أولى، ثم بتنظيم مؤتمر للحوار الوطني بإشراف رئاسة الجمهورية في مرحلة ثانية، وفي خضم ما تعيشه البلاد من أحداث التفجيرات الإرهابية في جبال الشعانبي، وإصرار "أنصار الشريعة" على عقد مؤتمرهم السادس "رغم أنف لطفي بن جدو" وزير الداخلية، وكذلك بعد قرار المحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ السلم التقييمي لاختيار المرشحين للهيئة العليا للانتخابات... وأمام الانزلاق الخطير لسعر الدينار... وفتح بورصة تونس للأوراق المالية حصتها باللون الأحمر... في خضم هذا الوضع، وفي نفس المكان (قصر المؤتمرات)، انطلقت جولة ثانية من الحوار الوطني، يوم 16 ماي 2013، حيث ارتكزت نقاشات الجولة الثانية بالخصوص على خمس نقاط أساسية تتمثل في إنهاء تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتحديد تاريخ إنهاء وإصدار دستور يجسد مدنية الدولة ويؤسس للحقوق والحريات، وتحديد تاريخ إصدار قانون انتخابي، وتحديد أجل نهائي لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأخيرا تنقية المناخ العام ونبذ العنف والإرهاب ومجابهته... وهي نقاط، حسب المشاركين، ستوفر الأرضية والظروف الملائمة لانجاز انتخابات ديمقراطية وتعددية ونزيهة وشفافة. نقاط جديدة تنضاف إلى جملة النقاط المطروحة في الجولة الأولى والتي من أهمها المطالبة بحكومة محدودة العدد لا يتحمل أعضاؤها مسؤوليات حزبية ولا يرشحون للانتخابات القادمة رئاسية كانت أم تشريعية، والرجوع عن التعيينات الحزبية، وتشكيل لجنة عليا للتشاور حول التعيينات الجديدة وفق مقاييس موضوعية، وحل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات المنظمة، وكذلك الإسراع بكشف حقيقة كل أحداث العنف وحقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وتقديم، إلى جانب تحييد المساجد والنأي بها عن الصراعات السياسية والحزبية ومحاسبة كل الداعين للتكفير والتحريض على العنف، والتعجيل بتركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتفعيل ما تم الاتفاق بشأنه في العقد الاجتماعي الممضى بين الأطراف الاجتماعية ومعالجة الوضع الاجتماعي المتردي... وتأتي الجولة الثانية للحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد جملة من "التوافقات والاتفاقات" التي أثمرتها جلسات الحوار بقصر الضيافة بقرطاج والتي دامت قرابة الشهرين، وهي توافقات ستأخذ الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة بالمجلس الوطني التأسيسي بعين الاعتبار لها لتضمينها في مسودة الدستور الجديد... وشملت هذه الاتفاقات، النظام السياسي الذي سيكون مختلطا تتوازن فيه السلطات الثلاث وتراقب بعضها البعض إلى جانب منح رئيس الجمهورية صلاحيات رسم السياسات العامة والدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية والقيام بتعيينات في الخطط السامية، كما نصت الاتفاقات على تضمين الدستور الجديد الحق النقابي والحق في الإضراب دون قيد أو شرط، وآخر التوافقات كانت حول الفصل 136 من الدستور الذي ينص على "أنه لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من الإسلام باعتباره دين دولة" وتم اختصار مضمونه على ألا يمس ذلك مضمون الفصلين الأول والثاني من الدستور. غير أن الاختلاف ما يزال قائما فيما يتعلق بشأن تركيبة المجلس الأعلى للقضاء وخاصة نسبة تمثيلية القضاة صلبه... غير أن الخلاف الحقيقي، هو الحاصل بين مختلف الأطراف من جهة وحركة النهضة من جهة ثانية بخصوص حل رابطات حماية الثورة، وهي ربما النقطة التي سوف تكون عثرة الطريق في الحوار الوطني تحت خيمة الاتحاد العام التونسي للشغل خاصة أن التقرير الختامي للاتحاد أثبت بالصورة والصورة تورط أعضاء رابطات حماية الثورة في الاعتداء على النقابيين وعلى بطحاء محمد علي يوم 4 ديسمبر 2012 يوم الاحتفال بستينية الاتحاد. وقد سبق لزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، الإعلان يوم الأربعاء، 15 ماي 2013، أي يوما قبل انطلاق الجولة الثانية للحوار الوطني، أعلن راشد الغنوشي انه لا سبيل لحل رابطات حماية الثورة إلا عبر القضاء، وهو إعلان لا يُمكن أن يُفهم إلا في سياق تأزيم الحوار الوطني... رغم أن راشد الغنوشي سبق أن "صافح" زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي ضمن الحوار الوطني الاقتصادي الذي دعا إليه اتحاد الصناعة والتجارة، وهي المصافحة التي أثارت الكثير من الحبر والتعاليق الصحفية والسياسية وذهبت بعيدا في التأويلات والقراءات، ولكن الثابت أن هذه المصافحة "التاريخية" كانت نتيجة حتمية للدور الريادي الذي اضطلع به قياديو الحزب الجمهوري في تقريب وجهات النظر بين الحركتين (النهضة ونداء تونس)... ولكن إن كان حوار دار الضيافة سياسي ـ سياسي، وتحركه أجندات انتخابية بالأساس، فان الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل يتشابك فيه البعد السياسي بالبعد الاجتماعي، وهو ما يجعل الهوة أكثر عمقا بين الفرقاء السياسيين والأطراف الاجتماعية، وقد يجعل "المصافحة" بعيدة المنال خاصة بين زعيم الجبهة الشعبية حمة الهمامي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أو زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي، باعتبار أن الجبهة لا ترى في الحركتين إلا وجهان لعملة واحدة، وهي السياسة الليبرالية المجحفة والضاربة لدولة العدالة الاجتماعية... إن التوافقات الحاصلة بين مختلف الأطراف في الحوارات السابقة، هي توافقات هشة و"تكتيكية" بالأساس، ينتهي افقها مع بداية الانتخابات القادمة (إن حصلت) مع تركيز حكومة ذات شرعية انتخابية، ذلك أن "المقود" في يد حركة النهضة مثلما صرح بذلك راشد الغنوشي في إحدى خطبه الحزبية، كما أن "الانغراس" الوظيفي للمنتسبين لحركة النهضة في مفاصل الدولة ومؤسساتها سيكون حاسما في صندوق الاقتراع، إلى جانب دور رابطات حماية الثورة والجماعات السلفية التي ستتجند مثلما فعلت في انتخابات 23 أكتوبر لتدفع الناس إلى منح أصواتهم للحركة الإسلامية. أما حركة نداء تونس والأحزاب المتحالفة معها، فان التوافقات التي بلغتها مع حركة النهضة، هي الأخرى توافقات تكتيكية، ستنتهي بمجرد "الفوز"في الانتخابات، باعتبار أن "دولة البوليس"ستكون الحل الأمثل للتعامل مع الجماعات السلفية من جهة ومع الإضرابات العمالية من جهة ثانية... وفي الحالتين، فإن "الصراع" التاريخي بين المنظمة الشغيلة من جهة، والحزب الحاكم في الدولة، من جهة ثانية، سيظل قائما، أمام غياب المؤشرات الحقيقية الضامنة لدولة الرفاه الاجتماعي التي طالب بها الشعب المنتفض عن النظام السابق... ولعل في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت أكثر من دلالة على تباين المواقف بين الشقين، ففي خطابه ذكر بضرورة "خفض الاحتقان السياسي والاجتماعي"، معتبرا بذلك أن هذا الاحتقان سببا وليس نتيجة، وهي ذات النقطة التي اختلف فيها معه الاتحاد العام التونسي للشغل عندما طلب المرزوقي السنة الفارطة "هدنة اجتماعية"، كما أن مبدأ حرية التعبير والصحافة وردت في خطاب الرئيس المؤقت في إطار "اتهام صريح" إذ "أدان" ما أسماه "الاحتقان الإعلامي الذي لم يسلم منه إلى حد الآن أي طرف" معتبرا أن "الباب مفتوح على أخطر المغامرات"... رئيس الجمهورية المؤقت، وإن طالب برص الصفوف أمام تنامي ظاهرة التشدد الديني، فإنه قال حرفيا في خطابه "لا أفهم ولا أقبل أن تمنع فتاة منقبة من اجتياز الامتحانات الجامعية"، (وهي الجملة التي لاقت ردة فعل سلبية لدى الحضور) وهي أيضا نظرة لا تنم عن الخلفية الحقوقية للرجل، بل هي بالأساس تضرب في العمق القانون المنظم للمؤسسات التربوية، وتفتح المجال مجددا لانتهاك الفضاء التعليمي... إن تباين الرؤى والمواقف من القضايا الوطنية المعرقلة للانتقال الديمقراطي تجلت بشكل واضح من خلال "الإنشائية المفرطة" لأحزاب الترويكا بالأساس، في الوقت الذي أبانت فيه منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للتجارة والصناعات التقليدية وبقية الأحزاب التي لم تشارك في حوار قصر الضيافة بقرطاج، أبانوا عن تصورات عملية وممكنة، على الأقل في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي، لعل أهمها إيقاف برنامج الإصلاح الهيكلي الجديد، وعدم عقد اتفاقات دولية ذات تأثير في المستقبل، وإيقاف كل الاتفاقيات والصفقات التي تم بمقتضاها البيع أو التفويت في الشركات والمؤسسات والأراضي، والدعوة إلى عدم خصخصة أي شركة أو مؤسسة عمومية، وتعليق تسديد الديون وتكوين لجنة تدقيق في شأنها، إلى جانب تجميد الأسعار ووضع آليات لمقاومة الفساد المالي والتهرب الجبائي... وغيرها من المقترحات العملية، كتلك التي طرحها السيد مصطفى الفيلالي في كلمته الشرفية في الجولة الثانية من مؤتمر الحوار الوطني، والمتعلقة بإنشاء وزير دولة خاص بمنطقة الجنوب لمنحها صلاحيات القرار الجهوي. بالأخير يظل الحوار الوطني، مهما اختلفت فضاءاته ومنظميه والداعين إليه والمشاركين فيه، يظل حوارا ممكنا وبناء إذا كانت أرضيته الأساسية تؤمن بشعار "إن كنا غير شركاء في الحكم فنحن شركاء في الوطن"، وهو الشعار القادر على سد الطريق على كل ما من شأنه أن يهدد سلامة الوطن وكرامة شعبه.

جولة ثانية من الحوار الوطني: هل تنزع النوايا الحسنة فتيل المواجهات المحتملة؟

بعد جولة أولى من الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل مختلف الإطراف السياسية والحقوقية والمدنية، يوم 16 أكتوبر 2012، وحضرها الرؤساء الثلاثة و43 حزبا و76 منظمة وجمعية، ورغم سعي الأطراف، التي تخلفت عن الجولة الأولى، إلى سحب البساط من تحت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل الوطنية بتعلة أن قبة المجلس الوطني التأسيسي هي الفضاء الوحيد والجهة المخول لها إدارة الحوارات الوطنية في خطوة أولى، ثم بتنظيم مؤتمر للحوار الوطني بإشراف رئاسة الجمهورية في مرحلة ثانية، وفي خضم ما تعيشه البلاد من أحداث التفجيرات الإرهابية في جبال الشعانبي، وإصرار "أنصار الشريعة" على عقد مؤتمرهم السادس "رغم أنف لطفي بن جدو" وزير الداخلية، وكذلك بعد قرار المحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ السلم التقييمي لاختيار المرشحين للهيئة العليا للانتخابات... وأمام الانزلاق الخطير لسعر الدينار... وفتح بورصة تونس للأوراق المالية حصتها باللون الأحمر... في خضم هذا الوضع، وفي نفس المكان (قصر المؤتمرات)، انطلقت جولة ثانية من الحوار الوطني، يوم 16 ماي 2013، حيث ارتكزت نقاشات الجولة الثانية بالخصوص على خمس نقاط أساسية تتمثل في إنهاء تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتحديد تاريخ إنهاء وإصدار دستور يجسد مدنية الدولة ويؤسس للحقوق والحريات، وتحديد تاريخ إصدار قانون انتخابي، وتحديد أجل نهائي لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأخيرا تنقية المناخ العام ونبذ العنف والإرهاب ومجابهته... وهي نقاط، حسب المشاركين، ستوفر الأرضية والظروف الملائمة لانجاز انتخابات ديمقراطية وتعددية ونزيهة وشفافة. نقاط جديدة تنضاف إلى جملة النقاط المطروحة في الجولة الأولى والتي من أهمها المطالبة بحكومة محدودة العدد لا يتحمل أعضاؤها مسؤوليات حزبية ولا يرشحون للانتخابات القادمة رئاسية كانت أم تشريعية، والرجوع عن التعيينات الحزبية، وتشكيل لجنة عليا للتشاور حول التعيينات الجديدة وفق مقاييس موضوعية، وحل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات المنظمة، وكذلك الإسراع بكشف حقيقة كل أحداث العنف وحقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وتقديم، إلى جانب تحييد المساجد والنأي بها عن الصراعات السياسية والحزبية ومحاسبة كل الداعين للتكفير والتحريض على العنف، والتعجيل بتركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتفعيل ما تم الاتفاق بشأنه في العقد الاجتماعي الممضى بين الأطراف الاجتماعية ومعالجة الوضع الاجتماعي المتردي... وتأتي الجولة الثانية للحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد جملة من "التوافقات والاتفاقات" التي أثمرتها جلسات الحوار بقصر الضيافة بقرطاج والتي دامت قرابة الشهرين، وهي توافقات ستأخذ الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة بالمجلس الوطني التأسيسي بعين الاعتبار لها لتضمينها في مسودة الدستور الجديد... وشملت هذه الاتفاقات، النظام السياسي الذي سيكون مختلطا تتوازن فيه السلطات الثلاث وتراقب بعضها البعض إلى جانب منح رئيس الجمهورية صلاحيات رسم السياسات العامة والدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية والقيام بتعيينات في الخطط السامية، كما نصت الاتفاقات على تضمين الدستور الجديد الحق النقابي والحق في الإضراب دون قيد أو شرط، وآخر التوافقات كانت حول الفصل 136 من الدستور الذي ينص على "أنه لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من الإسلام باعتباره دين دولة" وتم اختصار مضمونه على ألا يمس ذلك مضمون الفصلين الأول والثاني من الدستور. غير أن الاختلاف ما يزال قائما فيما يتعلق بشأن تركيبة المجلس الأعلى للقضاء وخاصة نسبة تمثيلية القضاة صلبه... غير أن الخلاف الحقيقي، هو الحاصل بين مختلف الأطراف من جهة وحركة النهضة من جهة ثانية بخصوص حل رابطات حماية الثورة، وهي ربما النقطة التي سوف تكون عثرة الطريق في الحوار الوطني تحت خيمة الاتحاد العام التونسي للشغل خاصة أن التقرير الختامي للاتحاد أثبت بالصورة والصورة تورط أعضاء رابطات حماية الثورة في الاعتداء على النقابيين وعلى بطحاء محمد علي يوم 4 ديسمبر 2012 يوم الاحتفال بستينية الاتحاد. وقد سبق لزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، الإعلان يوم الأربعاء، 15 ماي 2013، أي يوما قبل انطلاق الجولة الثانية للحوار الوطني، أعلن راشد الغنوشي انه لا سبيل لحل رابطات حماية الثورة إلا عبر القضاء، وهو إعلان لا يُمكن أن يُفهم إلا في سياق تأزيم الحوار الوطني... رغم أن راشد الغنوشي سبق أن "صافح" زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي ضمن الحوار الوطني الاقتصادي الذي دعا إليه اتحاد الصناعة والتجارة، وهي المصافحة التي أثارت الكثير من الحبر والتعاليق الصحفية والسياسية وذهبت بعيدا في التأويلات والقراءات، ولكن الثابت أن هذه المصافحة "التاريخية" كانت نتيجة حتمية للدور الريادي الذي اضطلع به قياديو الحزب الجمهوري في تقريب وجهات النظر بين الحركتين (النهضة ونداء تونس)... ولكن إن كان حوار دار الضيافة سياسي ـ سياسي، وتحركه أجندات انتخابية بالأساس، فان الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل يتشابك فيه البعد السياسي بالبعد الاجتماعي، وهو ما يجعل الهوة أكثر عمقا بين الفرقاء السياسيين والأطراف الاجتماعية، وقد يجعل "المصافحة" بعيدة المنال خاصة بين زعيم الجبهة الشعبية حمة الهمامي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أو زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي، باعتبار أن الجبهة لا ترى في الحركتين إلا وجهان لعملة واحدة، وهي السياسة الليبرالية المجحفة والضاربة لدولة العدالة الاجتماعية... إن التوافقات الحاصلة بين مختلف الأطراف في الحوارات السابقة، هي توافقات هشة و"تكتيكية" بالأساس، ينتهي افقها مع بداية الانتخابات القادمة (إن حصلت) مع تركيز حكومة ذات شرعية انتخابية، ذلك أن "المقود" في يد حركة النهضة مثلما صرح بذلك راشد الغنوشي في إحدى خطبه الحزبية، كما أن "الانغراس" الوظيفي للمنتسبين لحركة النهضة في مفاصل الدولة ومؤسساتها سيكون حاسما في صندوق الاقتراع، إلى جانب دور رابطات حماية الثورة والجماعات السلفية التي ستتجند مثلما فعلت في انتخابات 23 أكتوبر لتدفع الناس إلى منح أصواتهم للحركة الإسلامية. أما حركة نداء تونس والأحزاب المتحالفة معها، فان التوافقات التي بلغتها مع حركة النهضة، هي الأخرى توافقات تكتيكية، ستنتهي بمجرد "الفوز"في الانتخابات، باعتبار أن "دولة البوليس"ستكون الحل الأمثل للتعامل مع الجماعات السلفية من جهة ومع الإضرابات العمالية من جهة ثانية... وفي الحالتين، فإن "الصراع" التاريخي بين المنظمة الشغيلة من جهة، والحزب الحاكم في الدولة، من جهة ثانية، سيظل قائما، أمام غياب المؤشرات الحقيقية الضامنة لدولة الرفاه الاجتماعي التي طالب بها الشعب المنتفض عن النظام السابق... ولعل في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت أكثر من دلالة على تباين المواقف بين الشقين، ففي خطابه ذكر بضرورة "خفض الاحتقان السياسي والاجتماعي"، معتبرا بذلك أن هذا الاحتقان سببا وليس نتيجة، وهي ذات النقطة التي اختلف فيها معه الاتحاد العام التونسي للشغل عندما طلب المرزوقي السنة الفارطة "هدنة اجتماعية"، كما أن مبدأ حرية التعبير والصحافة وردت في خطاب الرئيس المؤقت في إطار "اتهام صريح" إذ "أدان" ما أسماه "الاحتقان الإعلامي الذي لم يسلم منه إلى حد الآن أي طرف" معتبرا أن "الباب مفتوح على أخطر المغامرات"... رئيس الجمهورية المؤقت، وإن طالب برص الصفوف أمام تنامي ظاهرة التشدد الديني، فإنه قال حرفيا في خطابه "لا أفهم ولا أقبل أن تمنع فتاة منقبة من اجتياز الامتحانات الجامعية"، (وهي الجملة التي لاقت ردة فعل سلبية لدى الحضور) وهي أيضا نظرة لا تنم عن الخلفية الحقوقية للرجل، بل هي بالأساس تضرب في العمق القانون المنظم للمؤسسات التربوية، وتفتح المجال مجددا لانتهاك الفضاء التعليمي... إن تباين الرؤى والمواقف من القضايا الوطنية المعرقلة للانتقال الديمقراطي تجلت بشكل واضح من خلال "الإنشائية المفرطة" لأحزاب الترويكا بالأساس، في الوقت الذي أبانت فيه منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للتجارة والصناعات التقليدية وبقية الأحزاب التي لم تشارك في حوار قصر الضيافة بقرطاج، أبانوا عن تصورات عملية وممكنة، على الأقل في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي، لعل أهمها إيقاف برنامج الإصلاح الهيكلي الجديد، وعدم عقد اتفاقات دولية ذات تأثير في المستقبل، وإيقاف كل الاتفاقيات والصفقات التي تم بمقتضاها البيع أو التفويت في الشركات والمؤسسات والأراضي، والدعوة إلى عدم خصخصة أي شركة أو مؤسسة عمومية، وتعليق تسديد الديون وتكوين لجنة تدقيق في شأنها، إلى جانب تجميد الأسعار ووضع آليات لمقاومة الفساد المالي والتهرب الجبائي... وغيرها من المقترحات العملية، كتلك التي طرحها السيد مصطفى الفيلالي في كلمته الشرفية في الجولة الثانية من مؤتمر الحوار الوطني، والمتعلقة بإنشاء وزير دولة خاص بمنطقة الجنوب لمنحها صلاحيات القرار الجهوي. بالأخير يظل الحوار الوطني، مهما اختلفت فضاءاته ومنظميه والداعين إليه والمشاركين فيه، يظل حوارا ممكنا وبناء إذا كانت أرضيته الأساسية تؤمن بشعار "إن كنا غير شركاء في الحكم فنحن شركاء في الوطن"، وهو الشعار القادر على سد الطريق على كل ما من شأنه أن يهدد سلامة الوطن وكرامة شعبه.

2013/05/15

gilet pare-balles والفاشية الثالثة

إذا كان "الشيطان يسكن بين التفاصيل" فإن "القتل" يسكن هو الآخر ذات التفاصيل، تلك التي لا نعيرها اهتماما في الغالب الأعم. فهذا "القتل الأزرق" الذي تزكمنا رائحته من مغاور مرتفعات الشعانبي أو على الحدود التونسية الليبية أو من أدغال وغابات الشمال الغربي على الحدود الجزائرية... ولم تخلو منه أحزمة الفقر المتاخمة لتونس العاصمة... يزفنا كل يوم أخبار الرصاص والألغام وأدوات نشر ثقافة الموت... وعودا إلى التفاصيل، فإن بعض الإشارات البسيطة، وبعض التفاصيل العابرة نلتقطها هنا وهناك، حذو خطواتنا، وأمام أعيننا لنقف على حقيقة باتت تترسخ اليوم في تونس مفادها أننا بصدد الانحدار نحو نظام ديكتاتوري في ظل حكم فاشي... ومن هذه الإشارات، تحرك بعض الزعماء والناشطون السياسيون، وحتى بعض المثقفين والمبدعين وهم يرتدون "الصدريات الواقية من الرصاص" أو المتعارف عليها باللغة الفرنسية (gilet pare-balles)، والى جانب استخدام هاته الصدريات الواقية فان البعض منهم وجد نفسه "مجبورا" على التحرك بين حارسين أو أكثر يلازمونهم أينما تحركوا... حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، الباجي قائد السبسي مؤسس حزب حركة نداء تونس... ثلاثتهم محاطون بحراس رئاسيين يسهرون على سلامتهم وأمنهم وكأنهم يتحركون فوق حقل ألغام مكتنز بالفخاخ، وليسوا في وطن حسبوا أن آخر طلقاته الغادرة أُطلقت يوم "الخميس الأسود"... "الطاغوت" المتوجب قتله واغتياله وتصفيته من "أرض الإسلام" سيتعدى الملايين من التونسيات والتونسيين، ولئن كانت القائمات مدججة بالسياسيين والإعلاميين والحقوقيين فما هي إلا "فاتحة شرعية" كتلك التي كانت في أرض مالك حداد وجميلة بوحيرد... ولكن هل الملايين قادرون على اقتناء "صدريات واقية من الرصاص"؟ وهل الملايين لهم من المال ما يكفي "لتأجير" حراس شخصيين؟... إن التدرج في "تعبئة" الصدور والسطو المستمر على المساحات والفضاءات العمومية من جهة، ومن جهة ثانية التقوقع الإيديولوجي البسيط والساذج في بعض الأحيان لدى "الأحزاب المدنية" جعلت من فزاعة الإرهاب السلفي الشجرة التي تحجب عن الشعب الذي أسقط نظاما ديكتاتوريا يرتد عن المطالب الأساسية التي ثار من اجلها، وتتحول وجهته بطريقة ميكانيكية نحو الجبال والمغاور وأحزمة الفقر، وصار الأمن خبزه اليومي... أن مناضلا مثل حمة الهمامي، الناطق باسم الجبهة الشعبية، لم يرتد طوال مسيرته النضالية ضد بورقيبة وضد بن علي، صدرية واقية من الرصاص، ولم يتحرك وسط حراس شخصيين، وهو الذي عاش لأكثر من عشرة سنين في "السرية"، ومع ذلك هاهو يجد نفسه اليوم بعد الثورة التي حلم بها وكان لشباب حزبه دورا في تأجيجها، ها هو يجد نفسه اليوم في فترة الانتقال الديمقراطي محاطا بحارسين شخصيين من رئاسة الجمهورية ويرتدي صدرية واقية من الرصاص... وها أن الأمين العام لأكبر منظمة شغيلة، الاتحاد العام التونسي للشغل، ولئن رفض ارتداء الصدرية الواقية من الرصاص، إلا أن حركاته صارت محل أنظار حارسين شخصيين من رئاسة الجمهورية أيضا... قد تكون فاجعة اغتيال المعارض السياسي شكري بالعيد، أمام بيته بطريقة هوليودية تذكرنا بما حصل في الجزائر وفي لبنان أيضا، قد تكون النقطة الفاصلة بين مرحلتين، مرحلة مهتزة أمنيا ولكن دون بصمات إرهابية واضحة وحاسمة، ومرحلة ثانية دخلت فيها البلاد في منعرج الاغتيالات ورسائل التهديد المباشرة وغير المباشرة للمعارضين السياسيين بدرجة أولى وللإعلاميين بدرجة ثانية... ومن ورائهما الشعب التونسي عموما. إن استهداف بعض الرموز المعارضة للفريق الحكومي المؤقت الذي تتزعمه حركة النهضة اليوم في تونس، بشكل مباشر وحاد سينسف حتما ابسط قواعد اللعبة الديمقراطية، وسيجعل الطريق نحوها مفخخا بالألغام والمطبات التي ستُعجل بانتكاسة مرحلة الانتقال الديمقراطي الموعودة، وتُمهد الطريق مرة ثالثة، بعد النظامين السابقين، إلى تكرار التجربة الفاشية من جديد، غير أن الفاشية الثالثة، تختلف في عمقها عن سابقتيها، فلئن أبد الحبيب بورقية حكمة طيلة ثلاثين سنة بسبب نرجسيته المفرطة، ولئن ظل نظام السابع من نوفمبر جاثما على الصدور طيلة 23 سنة كاملة تحت مسمى الإصلاح الديمقراطي التدريجي، فإن طبيعة النظام القادم تبحث لها الآن علة قدم وسط شرعية الكفر والإيمان لتتدحرج أيقونة الديمقراطية تحت شريعة القرون الغابرة...

2013/04/25

"ما تدوم كان بطحة محمد علي"

تماما مثلما تم الالتفاف على مطالب الثورة التونسية وتعويم مطالب المفقرين والمهمشين والمحرومين بفتاوي الجهل و"ضيوف" التشريفات الرسمية لتسميم العقول، تسعى اليوم نفس الأطراف إلى سحب البساط من تحت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل الوطنية التي جاءت خيمة واسعة لم تُقص أحدا، ولم يكن لمقترحيها نية سياسية أو رغبة في السلطة، بقدر ما كانت "الأرضية" المقترحة، متشبعة بروح الثورة ومطالب من قام بها واستشهد لأجلها ولأجلنا، وأيضا للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة الذي "دفعتنا" إليه "حكومة الأسلاك الشائكة". وحتى نذكر من قد ينسى أو يتناسى، فان من بين مقومات مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل نذكر: المطالبة بحكومة محدودة العدد لا يتحمل أعضاؤها مسؤوليات حزبية ولا يترشحون للانتخابات القادمة رئاسية كانت أم تشريعية، وان يكون لأعضائها الصلاحيات الكافية وقوة المبادرة. وأيضا الرجوع عن التعيينات الحزبية، وتشكيل لجنة عليا للتشاور حول التعيينات الجديدة وفق مقاييس موضوعية، وحل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات المنظمة التي تنشر ثقافة الكراهية والضغينة والعنف تجسيدا لمبدأ احتكار الدولة وحدها مسؤولية الأمن وحماية الحريات العامة والخاصة، وكذلك الإسراع بكشف حقيقة كل أحداث العنف وحقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وتقديم الجناة ومن يقف وراءهم إلى العدالة، إلى جانب تحييد المساجد والنأي بها عن الصراعات السياسية والحزبية ومحاسبة كل الداعين للتكفير والتحريض على العنف، والتعجيل بتركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات ومراجعة ضبابية المعايير المعتمدة في تعيين أعضائها وتعيين سقف زمني محدد للانتخابات، وتفعيل ما تم الاتفاق بشأنه في العقد الاجتماعي الممضى بين الأطراف الاجتماعية ومعالجة الوضع الاجتماعي المتردي. هذه النقاط الرئيسية التقت حولها الأطراف الحزبية والمدنية والنقابية، ووحدها ظلت الترويكا تغرد خارج السرب، بل كالت التهم للاتحاد واعتبرته يتدخل فيما لا يعنيه (هكذا) وطالبته "بالتزام حدوده"... ثم تتالت مداخلات "المسؤولين" الحكوميين في وسائل الإعلام لإدانة الإضرابات والتحركات المشروعة... بعد سنة وبضعة أشهر من إطلاق الاتحاد العام التونسي للشغل لمبادرته الوطنية، زادت البلاد انحدارا نحو الأسوأ، وتراكمت ذات المشاكل، وظلت "الترويكا" على نهجها سائرة تنثر الأخطاء أنى ولت وجهتها وحيث تكلم "مسؤول" من أحزابها الثلاثة... وبعد الجولات المكوكية ونصب المشانق للعلمانيين وطرد السفير السوري واستقبال رابطات حماية الثورة والاستماتة في الدفاع عن دويلة قطر وجمعيتها الخيرية... دعا رئيس الجمهورية المؤقت إلى "مؤتمر حوار وطني"، وبقدرة قادر تم "تطبيع العلاقات" بين حركة النهضة وحزب حركة نداء تونس، وبقدرة قادر أيضا صار الاتحاد العام التونسي للشغل طرفا في طاولة الحوار معني بالشأن السياسي... وتم تكليف شخصيات سياسية لإقناع قيادة الاتحاد بالالتحاق بمبادرة "الرئيس"... وكذلك الجبهة الشعبية... هكذا بعد أن رفضوا المبادرة الأصل هرعوا إلى نسخة فرعية... وكأن الزمن الذي خسره الشعب التونسي لا معنى له... المأزق الذي بلغته تونس اليوم لا يحتاج إلى قصور باذخة مرفوعة الأسوار والجدران بقدر ما يحتاج إلى مساحة حرة وفضاء مفتوح لا تعلوه المزاليج مثل بطحاء محمد علي الحامي... التي تظل قريبة من نبض كل الطيف السياسي دون تعال وفي نفس الوقت مستقلة عن الجميع.

2013/04/18

عيش نملة... تأكل سكر

لا أرى مثلا شعبيا أكثر دلالة ورمزية من المثل الذي تخيرته عنوانا لهذه البطاقة الأسبوعية، للتعبير عن العلاقة التي تنتهجها رئاسة الجمهورية وخلفها الفريق الحكومي مع "قطر"، خاصة بعد تهديد كل مواطن تونسي من قبل رئيس الجمهورية المؤقت بتحميل مسؤولية كل من "يتطاول" على "راعية ثورات الربيع العربي" وواهبة الصلاحيات الرئاسية... والمدرعات والدراجات والقنابل المسيلة للدموع... ومعهم فتاوي الجهل وعذاب القبر... الثابت أن أول ما يتبادر إلى الذهن في علاقة بالنمل هو الكد والجهد والعمل وهي الصفات المحمودة فيها، المفقودة في رئيس جمهوريتنا، أو ما تبقى من الجمهورية، والثابت أيضا أن النملة لم تختر حجمها الصغير أو المتناهي في الصغر، فالطبيعة أفرزتها على تلك الصورة، وجعلت منها الحيوان الأكثر عرضة للعفس والرفس بالأحذية... ولأن الإنسان وحده يتخير الموضع الذي يلائمه... فإن رئيس جمهوريتنا اختار موضعه أمام الشيخ حمد والشيخة موزة... وما حملت أياديهم من حفنة الدولارات... (وين تحط نفسك تصيبها)... أما السكر، فحلاوته لا تمنع سرعة ذوبانه وانحلاله داخل الفم، تماما مثلما سيحدث بين "منصفنا" والقائمين بشؤون مملكة قطر... عما قريب... ولكن هل يعلم "منصفنا" أن صلاحياته لا تمنحه حق تخير موضع النملة لكل تونسية وتونسي، وان صلاحياته لا تمنحه أيضا التعسف على أفواهنا لذر حبات السكر المسمومة... بمبلغ 28.8 مليون دينار يُخير "المنصف" الشعب التونسي بين أن يكون شعبا من النمل يعيش تحت أحذية قطر، أو أن يكون شعبا مهددا بالقانون والمحاسبة إن هو "تطاول" على قطر... ولن تكون أداة المحاسبة سوى سيارات ودراجات والقنابل المسيلة للدموع التي تهبها قطر إلى حكومة تونس... وبذات المصطلحات الممجوجة من قبيل "الشيطنة" و"تجفيف الينابيع" هرع راشد الغنوشي وحزب حركة النهضة لتوجيه التهم إلى الشعب التونسي بتشويه صورة قطر... أذكر هنا قولا لغسان كنفاني يقول فيه :"يسرقون رغيفك، ثم يعطونك منه كسرة، ثم يأمرونك بأن تشكرهم على كرمهم... يا لوقاحتهم"... إننا أمام حالة انفصام عميقة وحقيقية "للنخبة" الحاكمة اليوم في تونس، فمن جهة تدعي سعيها لتأسيس نظام تونسي ديمقراطي، ومن جهة ثانية تدافع بشراسة على النظام القطري الديكتاتوري والتيوقراطي... وكأنها تستبطن دورها الحقيقي باعتبارها تتولى إدارة "الايالة التونسية" التابعة لما يدعو إليه شيخ الليموزين "يوسف القرضاوي" "الجمهورية الديمقراطية الإسلامية" والتي ستكون عاصمتها "قطر"، جمهورية ديمقراطية إسلامية ستقوم على "نصب المشانق للعلمانيين" وعلى "تحميل المسؤولية الأخلاقية والقانونية" لكل من يتطاول على عاصمتها "قطر"... جمهورية ديموقراطية إسلامية تضخ مئات المليارات لتخريب سوريا والعراق ولبنان وليبيا والجزائر... إكراما للكيان الصهيوني... إنني انتمي إلى شعب عظيم اسمه الشعب التونسي، شعب كتب التاريخ بدم بناته وأبنائه، ولن أكون من عبيد قطر... هاته التي تريد دخول التاريخ بآبار النفط...

2013/04/11

الأخ محمد شعبان الكاتب العام للاتحاد الجهوي بصفاقس:الاتحاد لم يتحرك بعدُ والثورة الحقيقية قادمة

لهذه الأسباب أنا دكتاتور نقابي ممنوع على كل نقابي في الظرف الحالي أن يتجاوز منظمته أو يخرج عنها لا استغرب جهل وزير الصحة وجماعته بأخلاقيات ومبادئ النقابيين وبآليات العمل النقابي نحن لسنا ضد التعددية النقابية لكننا ضد التعددية النقابية الانتهازية لن ينفعنا صندوق النقد الدولي ولا قطر عندما تجوع حركة النهضة الشعب التونسي من العار على إذاعة صفاقس أن تتنكر لما قام به الاتحاد من اجل العاملين بها لهذه الأسباب سنعمل على تنحية والي صفاقس لأنه لا يخدم مصلحة أهالي الجهة أهالي صفاقس شيدوا المساجد بسواعدهم والنهضة تستغلها اليوم بورقيبة وبن علي والمرزوقي عابرون أما الاتحاد فباق الاتحاد سيكون الفيصل الحاسم في الانتخابات القادمة أجرى الحوار ناجي الخشناوي في الطريق إلى عاصمة الجنوب، صفاقس، لإجراء حوار صحفي مع الأخ محمد شعبان الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بالجهة، قدرت أن لا يتجاوز اللقاء نصف ساعة لمَا سمعته عن الرجل من كثرة مشاغله و"طباعه الحادة" غير أن هذا الحوار دام أكثر من ساعتين والنصف ساعة داخل مكتب الأخ محمد شعبان، ورغم الدقات المتواصلة على باب مكتبه ورنين الهاتف في كل مرة إلا أن الرجل استرسل في الحديث والإجابة عن الأسئلة دون أن يفتح الباب أو يرد على الهاتف... الحوار اختلفت مواضيعه من الشأن النقابي الجهوي إلى العمل النقابي الوطني مرورا بالوضع السياسي في البلاد واستحقاقات المرحلة، وضمنه كان الأخ محمد شعبان منسجما مع ذاته مثلما يعرفها كل نقابي احتك به. ـ لنبدأ هذا الحوار من آخر المستجدات لما بات يُعرف بإضراب عملة الإعاشة بالمستشفيين الجامعيين بصفاقس، نود أن تطلعنا على آخر التحركات خاصة بعد تعليق الإضراب؟ ـ هو أولا إضراب قانوني وشرعي، وحسب تقييمنا والوثائق الني بحوزتنا لا يمكن للإدارة أو لوزارة الإشراف أن ينفوا قانونية وشرعية إضراب عملة الإعاشة خاصة أن الاتفاق التاريخي الممضى بدار الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 21 أفريل 2011 بحضور وزارة الشؤون الاجتماعية الذي ينص على إلغاء المناولة في القطاع العام وخاصة في قطاع الوظيفة العمومية، ولذلك نحن ناضلنا في مستشفي الهادي شاكر ومستشفى بورقيبة من اجل إلغاء العمل بالمناولة إلى أن وقعت جلسة في شهر أكتوبر 2011 ورغم أن الجلسة كانت في جو مشحون نوعا ما إلا أننا توصلنا إلى اتفاق ينص على أن عمال المستشفيين ونظرا لاقدميتهم في العمل ولديهم أصناف معروفة فاتفقنا على جدولة التصنيف وعلى انتداب هؤلاء العملة بداية من غرة جانفي 2012 وطالبنا من وزير الصحة الإمضاء على هذا الاتفاق وأمضينا 11 محضرا لتأجيل الإضراب ووقعت جلسات تفاوض متعددة مع الإدارة الجهوية للصحة بصفاقس ووقع الاتفاق على تصنيف العملة بحكم الاختصاصات التي يمارسونها في مطعم المستشفيين إلا أن الحالة ظلت على ما هي عليه ونظرا لطول المدة ما ترتب عنه من توتر وحالة احتقان لدى العمال طالبنا مرة أخرى بالإسراع في تنفيذ الاتفاق، غير أن السلبية التي وجدناها من الطرف المقابل وعدم الاكتراث وعدم الالتزام بالاتفاقات وما أبدته الوزارة والإدارة من تحد صارخ للمنظومة الشغلية ولقوانين الشغل دفعتنا إلى إعلان الدخول في إضراب ب15 يوما رغم أننا طالبنا من والي صفاقس أن نتنقل إلى الوزارة غير أن نفس سياسة المماطلة كانت هي الإجابة المتكررة بل أن الوالي قال لي بالحرف الواحد "انسى الموضوع" وما يحز في النفس أن هذه الإجابة جاءت بعد تعليمات واضحة من وزير الصحة بعدم الجلوس معنا. ـ رغم دوركم الايجابي ودور الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد لتطويق أزمة المستشفيين إلا أن رفض سياسة الحوار والتفاوض لحقتها محاولات مستميتة لتشويه الهياكل النقابية وتحميلها مسؤولية ما يحدث في المستشفيين؟ ـ نحن نعرف الحملات الممنهجة والمنظمة وتعودنا بها وبتنا نعلم مصدرها والجهات التي تقف وراءها، ولكن في السابق لم تنجح مثل هذه الحملات في ضرب العمل النقابي بل زادتنا لحمة، أما فيما يتعلق الآن بالمستشفيين الجامعيين فالخطير في المسألة أن وزير الصحة في شخصه أدلى بتصريح غريب لأحد الإذاعات قال فيه انه سيعمل بقوة عن طريق ما يسميه المجتمع المدني والذي يختزله الوزير وحزبه في "رابطات حماية الثورة" قال أنه سيعمل على إفشال الإضراب مثلما تم استعمالهم سابقا في إضراب الهادي شاكر، وبالفعل مباشرة بعد التصريح الإذاعي قدمت مجموعة غريبة عن المستشفيين لتكسير الإضراب بتعلة أنهم سيقدون الأكل للمرضى، وكأن العملة المضربون يمنعون الأكل عن المرضى، وهنا لا استغرب جهل وزير الصحة وجماعته بأخلاقيات ومبادئ النقابيين وبآليات العمل النقابي وادعوه إلى أن يطلع على برقيات الإضراب وما تتضمنه من آليات لتقديم الخدمات الأساسية والضرورية. الجماعة التي حاولت إفشال الإضراب والتهجم على النقابيين وجدت السند والدعم من الوزير في البداية ثم في بعض أيمة مساجد صفاقس خاصة بعد خطبة الجمعة التي تزامنت مع اليوم الثالث للإضراب، حيث تحولت خطبة الجمعة إلى "تهريج" وتشويه لتاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل مثلما فعلوا نفس الشيء في أوت 2012 عندما اعتبروا الاضراب "حراما" وأصدروا البيانات المشوهة للعمل النقابي بل ودعوا آنذاك إلى تكوين نقابات إسلامية قالوا إنها "مستقلة". ـ وكيف تردون على رفع قضية عدلية وفتح تحقيق جزائي فيما يسمونه "جرائم القيام بإضراب غير شرعي والصد عن العمل"؟ ـ فعلا استغرب كيف يُقدم محام أو مجموعة من المحامين على تبني مثل هذه القضايا وهم يعلمون أن الإضراب قانوني وشرعي ومثل هذه القضايا لا تدخل إلا في باب التشويه وضرب العمل النقابي ومحاولة التضييق على العمال وضرب حقوقهم ولكن ليعلم الجميع ان ما بني على باطل فهو باطل. ـ هل فعلا تستمد جهة صفاقس إشعاعها النقابي من رموز الجهة وخاصة مؤسس الاتحاد فرحات حشاد والزعيم الحبيب عاشور، وهل بات العمل النقابي بالجهة "مُختزلا" في شخصكم؟ ـ أولا الزعيم فرحات حشاد وكذلك الزعيم الحبيب عاشور هما ابنا كامل هذا الوطن، واعتقد أن كل نقابي يحمل بداخله بذرة هذين الزعيمين التاريخين إلى جانب طبعا محمد علي الحامي أب الحركة النقابية في تونس وأحمد التليلي وبلقاسم القناوي وغيرهم من الرواد، ونقابيات ونقابيو صفاقس متشبعون بخصال ومبادئ وأخلاق الرواد والمؤسسين، ومن الصعب بل المستحيل أن يتنكر نقابي لدماء رواد الكفاحين الاجتماعي والوطني في تونس. الإخلاص والتضحية والالتزام هي المفاتيح الثلاثة التي تأسست في العمل النقابي على يد الرواد وهي أيضا نبراسنا اليومي، إلى جانب الشفافية ونظافة اليد... والمجابهة بالحجة والبراهين... وربما لأني متشبع بهذه القيم وأمارس بها قناعاتي هناك من يعتبرني دكتاتورا... فان كانت هذه الخصال عنوان دكتاتورية فليعلم الجميع أن محمد شعبان دكتاتور نقابي... العمل النقابي في صفاقس لا يُختزل في شخص محمد شعبان، ولكن محمد شعبان منذ أن انتمى للاتحاد العام التونسي للشغل وهو يتعامل مع النقابيين من دون أي خلفية انتخابية أو حسابات أصوات بل أتعامل مع كل النقابيين بمنطق التضامن النقابي لأني اعتقد انها القاعدة الأساسية منذ تأسس الاتحاد إلى اليوم الضامنة لوحدة وتماسك المنظمة. صحيح أن محمد شعبان يُحرك ويُؤطر ويدفع العمل النقابي بصفاقس ولكن لو لم تكن النيابات الأساسية والنقابات الأساسية والفروع الجامعية والاتحادات المحلية لما كان محمد شعبان، ومنذ أن تحملت مسؤولية الكتابة العامة منذ 82 لم يتخلف المكتب التنفيذي الجهوي عن الاجتماع كل يوم جمعة، وما نتميز به في جهة صفاقس أننا نفتح مقر الاتحاد مساء السبت ويوم الأحد وهو تقليد أرساه الرواد... وإن أختلف مع الأخوة النقابيين فدائما على قاعد المحاججة والإقناع لا عن طريق فرض الرأي. والظرف الحالي يحتم على كل نقابي أن لا يتجاوز أو يتحدى الاتحاد واعتقد انه لا مجال للخطأ أو التسرع والإفراط في التحمس خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها الاتحاد والبلاد. ـ هناك اتهامات توجه إلى جهة صفاقس وتصنفها الجهة التي "تتقن" الإضرابات بامتياز وأن "رأس الحربة" هو محمد شعبان الذي لا يسعى إلا لضرب الحكومة، فما مدى صحة هذه الاتهامات؟ ـ لا أرد على مثل هذه الاتهامات إلا بدعوة من يطلقها إلى أن يعود ويقرأ تاريخ صفاقس ويطلع على زخمها النضالي المستمد من روح فرحات حشاد والحبيب عاشور وكل النقابيين، وطيلة تاريخ الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس لن تعثر على إضراب غير شرعي وقانوني وكل الإضرابات القطاعية والجهوية لا ننفذها إلا بعد استنفاذ كل سبل الحوار والتفاوض. الآن هناك حلقة مفقودة في المسار التفاوضي وهي تفقدية الشغل التي تمثل وزارة الشؤون الاجتماعية، أين كنا نجلس إلى طاولة التفاوض والنقاش والحوار مع متفقد الشغل، وأصبح اليوم لزاما علينا إما أن نجلس إلى الطرف الإداري مباشرة أو نجلس إلى والي الجهة، وأتحدى أي إدارة في أي قطاع لم نجلس إليها ولم نطلب التفاوض معها، ولكن التعنت والصد وغياب الدور المهم لتفقدية الشغل في تقليص عدد الإضرابات هو الذي جعل من هذه الإضرابات تتضاعف، ومع ذلك عندما نقارن بين نسبة برقيات الإضراب وبين تطبيق الإضرابات فعلا سنكتشف حجم الافتراءات والاتهامات المجانية. ولو كانت لدينا نية لإسقاط الحكومة لما قمنا بإضرابات قطاعية بل كنا سنقوم بإضرابات مستهدفة للحكومة مباشرة، ولكن نحن أرقى من هذه التهم وأخلاقنا لا تسمح لنا "بالغدرة" وإذا كانت لدينا مطالب ضد الحكومة فإننا لن نتأخر في قولها صراحة ودون مواربة، ولكن أيضا عندما ندين صمت الحكومة في مسالة ما مثل إلقاء القمامة في بطحاء محمد علي الحامي فذلك حقنا المشروع، ولكن إذا قررنا القيام بإضرابات ضد الحكومة فسننفذها دون خوف أو تردد، وكل المؤشرات تدفع إلى ذلك منها غلاء المعيشة والتهاون في كتابة الدستور ومحاولات الالتفاف على مطالب الشعب التونسي. ـ احترفت بعض منابر المساجد بصفاقس وبعض الأصوات في إذاعة صفاقس تشويه العمل النقابي وإلصاق التهم بشخصكم فما مدى صحة هذه المعلومات؟ ـ الملاحظة الأولى التي أود أن أسوقها هنا هي أن الإعلام بصفة عامة نختلف في تقييم أدائه، ولكن غير المسموح به أن يعود الإعلام إلى مربع التوجيه والسيطرة الحزبية أو الحكومية، ولكن مع الأسف نلاحظ بداية العودة إلى هذا المربع من طرف بعض المنابر الإعلامية وبعض الأصوات والأقلام الصحفية. وللتاريخ أقول إن إذاعة صفاقس كانت من بين المنابر التي ناضل العاملون فيها من اجل استقلاليتهم وافتكاك حق التعبير وحرية الصحافة، ولا يمكن أن أنسى دور الأخ مختار اللواتي الكاتب العام لنقابة أعوان إذاعة صفاقس إبان أحداث 26 جانفي الذي كان مناضلا صلبا وشرسا في الدفاع عن إذاعته وعن العاملين فيها ولذلك لُفقت له التهم للزج به في السجن زمن محمد الصياح الذي يكن عداء مرضيا للعمل النقابي وللاتحاد العام التونسي للشغل وكان سببا مباشر في اندلاع أحداث 26 جانفي إلى جانب الهادي نويرة وعبد الله فرحات وغيرهم، وميليشيات الصياح في ذاك الزمن حاولت اختراق إذاعة صفاقس تماما مثلما تسعى الآن جاهدة ميليشيات حركة النهضة المسماة زورا وبهتانا "روابط حماية الثورة" وبصراحة أقول للعاملين في إذاعة صفاقس "ممنوع عليكم أخلاقيا أن تشوهوا الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابيي الجهة الذين وقفوا ومازالوا معكم ومع حقوقكم... وكلهم يعلمون أن الاتحاد الجهوي للشغل وقف معهم في وجه الوالي الحالي لصفاقس والذي لا يعمل إلا لصالح حركة النهضة ولا يأبه لمصالح أهالي صفاقس ولذلك أقولها دون تردد "سنعمل على إقالة والي صفاقس الحالي"، هذا الوالي الذي يستجير بميليشيات رابطة حماية الثورة؟ هل من المعقول أن والي يمثل الدولة التونسية لا يثق برجال الأمن ويطلب الحماية من أشخاص لا صفة لهم؟ هؤلاء الأشخاص هم الذين اعتدوا على العاملين بإذاعة صفاقس ووحده الاتحاد الجهوي للشغل دافع عنهم... سواء في السبعينات أو الآن... وسنظل ندافع عنهم مهما كان حجم التشويه الذي يطالنا. أما المساجد فمثلما قلت لك فقد تم تدنيسها بخطابات السياسة وتحديدا بالمدافعين عن حركة النهضة لا عن تونس ورغم ذلك فشلوا فشلا ذريعا في كل محاولاتهم لضرب الاتحاد والعمل النقابي، وحركة النهضة اليوم تستغل المساجد التي بناها أبناء صفاقس بعرقهم ومالهم محبة في الله... على هؤلاء أن يعوا جيدا أن الثورة قام بها الاتحاد العام التونسي للشغل وليست حركة النهضة، وما على هذه الحركة إلا أن تحترم مطالب الشباب التونسي... وتحترم الاتحاد العام التونسي للشغل، وأقولها على الملأ أن الاتحاد لم يتحرك إلى الآن. ـ ألا تخشى أن يُفهم كلامك الأخير على انه تهديد؟ ـ ليعلم الجميع أن الاتحاد العام التونسي للشغل لم ولن يلجأ إلى لغة التهديد، ولكن كيف سيُفهم هذا الكلام عندما يصدر المجلس الوطني التأسيسي دستورا اقل من طموحات الشعب التونسي؟ وكيف سيفهم هذا الكلام إذا ما تواصلت سياسة ضرب المطالب الحقيقية للثورة؟ وكيف سيفهم هذا الكلام عندما تُحاك الصفقات في السر والعلن لبيع البلاد إلى قطر والسعودية وتركيا؟ وكيف سيفهم كلامي عندما أوصلوا البلاد إلى مرحلة الاغتيال السياسي وإطلاق النار على الشهيد الوطني شكري بالعيد؟ إذا تواصلت هذه "المهازل" فاني أقول بأن الثورة الحقيقية قادمة وسيقودها الاتحاد من جديد، وأقول مهازل لأنه من غير المعقول أن نكتب دستورا يضرب الحق في العمل النقابي والحق في الإضراب، وأدعو نواب حركة النهضة إلى قراءة التاريخ وليتذكروا أن بن علي سنة 96 حاول تحوير مجلة الشغل وإدخال كلمة "إضراب مهني" في الفصل 376 فوقفنا له ومنعناه من ذلك... وليتذكر أيضا كل متطاول على الاتحاد إضراب يوم 12 جانفي في صفاقس. حق الإضراب افتكه النقابيون بالدم ولن يمر في الدستور الجديد أي فصل سيضرب هذا الحق ولو بدمائنا، وأقول لمن سيحرم الشعب من هذا الحق لا تعلقوا فشلكم على الاتحاد، ولا تختلقوا صراعا معه لأنه سيعود عليكم بالوبال مثلما عاد على من سبقكم، وأيضا من سيواصل في النهج الليبرالي ويضرب البعد الاجتماعي سنكون له بالمرصاد ولن ينفعنا صندوق النقد الدولي عندما يجوع الشعب التونسي ـ كيف ترون سعي بعض الأطراف الحزبية إلى تقزيم دور الاتحاد وحصره في مربع المطلبية الضيقة؟ ـ هذه من المفارقات عينها فالاتحاد الذي أوصل هؤلاء إلى سدة الحكم والذي كان له الفضل في إرجاعهم من منافيهم وإخراجهم عن صمتهم، يكيلون إليه اليوم بمكيالين متناسين أن الاتحاد ساهم في تحرير تونس من المستعمر وساهم في صياغة دستور 56 وساهم في بناء تونس الحديثة وكان في الصفوف الأمامية للثورة، وللتاريخ أيضا الاتحاد هو الذي ساند بورقيبة ولولا الاتحاد لما كان بورقيبة فكل مؤتمرات الحزب الدستوري كان بورقيبة يلتجأ إلى الاتحاد العام التونسي للشغل... (اعتبرها من بين أخطاء الاتحاد عندما انحاز إلى بورقيبة ضد صالح بن يوسف مثلما التقينا فيما بعد سنة 81 مع مزالي) وهذا للتاريخ حتى يعرف بعض "الدساترة" الذين يهاجمون الاتحاد اليوم، وحتى يعرف الشعب التونسي أننا نعترف بأخطائنا ولا نخجل منها... وادعوهم أن يسألوا المخابرات الفرنسية والأمريكية عن تاريخ الاتحاد ولماذا اغتالوا فرحات حشاد... والآن اختار الاتحاد أن يترك المجال واسعا للأحزاب السياسية في هذه الفترة الانتقالية، وهو اختيار عقلاني ومدروس قررناه بعد هيئتين إداريتين، ولكن ما راعنا إلا أن بعض الأطراف تسعى إلى حشرنا في المطلبية الضيقة وتريد إقصاءنا من المشاركة في الخيارات الوطنية، وبعد أن ساهمنا في إنجاح انتخابات 23 أكتوبر ها أننا نرى الفشل تلو الفشل لما يسمونه ترويكا حاكمة... وهي التي احترفت الخطابات المزدوجة وباتت الغطاء الأول للميليشيات والعصابات... وباتت تسوق للاستبداد تحت غطاء الشرعية، هذه الشرعية التي انتهت صلاحيتها... بل إنهم يتجرؤون على افتكاك الاتحاد والانقلاب عليه... كم هم واهمون... ـ أمام ظهور بعض الهياكل النقابية كيف يرى الأخ محمد شعبان مستقبل الاتحاد العام التونسي للشغل والعمل النقابي عموما في ظل تعددية نقابية؟ ـ أولا التعددية النقابية وُجدت منذ كان الاستعمار في تونس، وكان هناك أربع أو خمسة تنظيمات نقابية، ثم بعد ذلك حاول محمد الصياح ومحمد مزالي تكوين منظمة نقابية موازية إبان أحداث 26 جانفي ولكنهما فشلا، أما الهياكل النقابية الموجودة الآن فهي لم تنطلق من أرضية مبدئية بل انطلقت من مصالح وحسابات، واعتقد انها تدخل في باب المناورة، ولذلك انصح أخواتي وإخوتي في الاتحاد العام التونسي للشغل للتفطن لكل مناورة ولكل محاولة لضرب وحدة الاتحاد. ودعني أقول أيضا للجميع، نحن لسنا ضد التعددية النقابية الوطنية ولكننا ضد التعددية النقابية الانتهازية التي لا تدفع إلا لتفرقة العمال ومصالحهم، وأنصح أيضا المرزوقي وحركة النهضة بالابتعاد عن الاتحاد العام التونسي للشغل لأن النقابيين أحرار ولن يتمكن أحد من استعبادهم... وفي نفس الوقت أنصح كل نقابي ينتمي إلى حزب ما ويدافع عن حزبه أكثر من الاتحاد انصحه بالذهاب إلى حزبه... ـ كيف ترون المشهد السياسي في قادم الأيام؟ ـ المشهد من الناحية السياسية نرى ملامحه من خلال البالونات التي تدفعها الترويكا وحركة النهضة أساسا لإثارة الفتن والزج بالبلاد في أتون الفوضى والحرب الأهلية... المشهد السياسي تدفعه هذه الترويكا نحو تزييف الانتخابات القادمة ومحاولة الاستيلاء على أصوات الناس، ولكن هيهات فالشعب تفطن، وان كان تعاطف في انتخابات 23 أكتوبر مع حركة النهضة فلا أظن انه اليوم سيمنحها صوته وهي التي تلاعبت بمطالبه واستغلت طيبته وتعاطفه، وهي التي تحاول استثمار التعاطف من جديد ضد الاتحاد بتلفيق التهم والتشويه واختلاق الاعتصامات لتنسبها إلى الاتحاد... تزوير الانتخابات والالتفاف على مطالب الشعب وعلى المسار الديمقراطي مؤشرات واردة جدا في ظل عدم انتخاب هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات إلى الآن وغياب تاريخ محدد إلى الآن، وفي انتظار تشكيلتها أيضا يمكننا أن نحكم على مستقل تونس السياسي. ـ هل لنا أن نعرف مستقبلكم النقابي وهل ستترشحون لانتخابات المؤتمر الجهوي القادم؟ ـ ما قدمته طيلة مسيرتي النقابية أنا راض عنه واعتبره كاف، أما مسألة الترشح للمؤتمر القادم فستتحدد في وقتها، وأفضل ألا أعلن عن أي موقف بخصوص شخصي حتى لا ادخل في الحملات الانتخابية السابقة لأوانها...

حكومة الاسلاك الشائكة

يُولدون "أسوياء" مثلنا... غير أن أحلامهم تكبر في غفلة منا لنكتشف فيما بعد أنها كبُرت بفائض العرق النازف من سواعد آبائنا وأمهاتنا... فجأة نُطالع أسماءهم صباحا في الصحف والمجلات، وبعد أخبار الثامنة نشاهدهم على القنوات التلفزية يُسوون ربطات عنقهم ويعدلون ساعاتهم التي تزين معاصمهم ويديرونها إلى عدسة الكاميرا... وفي ظرف أسابيع أو بضعة أيام معدودة نطالع أسماءهم مرة أخرى وبشكل رسمي مرسومة في الرائد الرسمي بصفاتهم الجديدة... لتلمحهم في اليوم الموالي مع الحشود المتراصة داخل الحافلات والمترو، سائرون في ركب من السيارات الفارهة نحو مكاتبهم الوزارية... فجأة نراهم يرفعون الأسلاك الشائكة بين عطور مكاتبهم وعرق آبائنا وأمهاتنا... ونراهم يرصفون بنادق الجيش والبوليس بيننا وبينهم... غير أن الأسلاك الشائكة وبنادق العسس لم تكفهم ليبتعدوا عنا، فما كان منهم إلا إن امتثلوا لأوامر رئيسهم وضربوا على أفواههم كمامات كاتمة لكل حرف أو كلمة أو معلومة... هاهم وزراء الحكومة المؤقتة ورئيس حكومتهم، أصحاب الشرعية، يرفعون الحاجز تلو الحاجز بينهم وبين الشعب الذي منحهم صوته وأمله... هاهم يضربون جدارا عازلا حولهم ليدبروا في ليلهم ما تتفتق عنه قريحتهم وما يأتيهم من أوامر شيوخ الخليج وثعالب الصندوق الدولي للنقد... قد نتفهم تركيز الأسلاك الشائكة والحواجز والمتاريس أمام السفارات، وخاصة منها سفارات الأمر والنهي مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، أما وزارات الشعب التونسي ومؤسسات الشعب التونسي فهي ملك له وحده، هو الذي شيدها بسواعده وهو الوحيد الذي يتمتع بخدماتها... الأسلاك الشائكة المحيطة بالوزارات مثل وزارة الداخلية ووزارة العدل ووزارة التربية ووزارة التكوين المهني، وكذلك المحيطة بعدة ولايات وبعض البلديات والمعتمديات والمؤسسات الوطنية... كلها لا تدل إلا على سياسة اللامبالاة وعدم الاكتراث بمن هو خلف هذه الحواجز الاستعمارية بامتياز ولا تدل إلا على ضرب مفهوم "السيادة الشعبية" وبداية التمهيد للدكتاتورية والاستئثار بالسلطة والاستحواذ على دواليب الدولة... ولكنها تدل أيضا على سمات الضعف والخوف لدى أصحاب ربطات العنق الوردية وعدم قدرتهم على مواجهة الشعب وهمومه ومشاكله... فوحده الضعيف يختار الانزواء والابتعاد عن الأضواء ويلوذ بالصمت... ووحده العاجز يختلق كل الأعذار ليبرر عجزه وقلة خبرته، ومن هذه الأعذار الأسلاك الشائكة والحواجز الحديدية ورجال الحراسة... هكذا نرى رمزية الأسلاك الشائكة المضروبة بين دولتهم وشعبنا ولا نرى فيها أي مبرر آخر قد يوهموننا به مثل توفير الأمن والحماية، فالوزير الخائف من شعبه لا يستحق منصب الوزارة والمسؤول المتخفي خلف الأسوار لا حاجة للشعب به والوزيرة التي تتحرك وسط جحافل البوليس لا معنى لها أصلا... أما رئيس الحكومة الذي لا نرى حتى شبحه، فقد قوض كل إمكانات التواصل بين دولته المؤقتة وشعبنا الدائم بعد أن قرر "إسكات" فريقه الحكومي وقطع الصلة تماما بينهم وبين وسائل الإعلام، ولا نخاله قرارا متشبعا بالحديث القائل "وتعاونوا على قضاء حوائجكم بالسر والكتمان" بقدر ما نرى فيه هروبا من المواجهة وتملصا من المسؤولية وخوفا على "شعبية" موهومة قد تضيع قبل الانتخابات بزلة لسان لهذه القناة أو تلك الإذاعة... لوزراء الحكومة المؤقتة، ولمسؤولي التغلغل الحزبي نقول لهم لكم الأسلاك الشائكة ولنا المدى...

2013/04/04

العيش وسط المزابل

أعيد نشر هذه الأسطر التي كتبتها زمن بن علي، أعيدها مرة أخرى وأنا أشاهد ترسانة العمال البلديين بشاحناتهم وجراراتهم يهجمون على ساحة الشهداء يرفعون عنها أكوام الأوساخ في انتظار أن يحل ركب رئيس الجمهورية المؤقت أو من ينوبه لتحية العلم يوم 9 أفريل ليعود بعدها إلى قصر قرطاج ويتركنا سنة كاملة أخرى فريسة للروائح العطنة وجحافل الناموس الرابضة بالمزابل المحيطة بمتساكني الأحياء المجاورة لساحة الشهداء التي لا تبعد أكثر من كيلومترين عن قلب العاصمة... أعيد نشرها مرة ثانية لأصدق أن سنتين ونيف بعد إسقاط النظام السابق لم تكن سوى زمن ثابت في الممارسة والتنظير، وان المواطنة التي تبدأ من التفاصيل هي الكذبة الأكثر تصديقا لدى أصحاب الشرعية المؤبدة... أعيد نشر هذه الأسطر اليوم وأنا أطالع خبر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عندما غامر بالنزول إلى مستنقع أوحال لتبلغ المياه خصره من أجل إنقاذ نعجة من الغرق بريف اكسفورد شاير... أعيد نشر هذه الأسطر لأتأكد فعلا أن رئيسنا المؤقت يعيش مواطنته الشخصية داخل أسوار قصر قرطاج، مثلما يعيش "علمانيته" في الدول الأوروبية فقط، وأن الشعب التونسي يعيش وسط المزابل... مزابل الأشياء التالفة والأفكار المتعفنة... +++ حالفني الحظ فزرت عددا من الدول الأوروبية والأمريكية وتجولت في شوارعها وساحاتها العمومية فوقفت مشدوها أمام نظافة هذه المدن وجماليتها ولن أغالي إن وصفت بعضها بأنها خيالية كتلك التي نشاهدها في أفلام الصور المتحركة، ذلك أن المتجول فيها لا يكاد يعثر على عقب سيجارة ملقى على رصيف ما، أو يجد حجارة واحدة منزوعة من مكانها بهذا الرصيف أو ذاك الممرّ... فالحاويات الأنيقة تتلاصق في كل الشوارع وتنتصب أمام المحلات التجارية والمقاهي والملاهي والشركات، وحتى المناضد تجدها أمام كل باب باعتبار أن التدخين ممنوع في الأماكن المغلقة... واهم من توفر شروط النظافة من حاويات ومناضد وعمال هو الذهنية النظيفة، ذهنية العيش في فضاء جمالي تتوفر فيه جميع مقومات البهجة، وهذه الذهنية تتأكد لدى المواطن الغربي من خلال إيمانه العميق بمسؤوليته الفردية إزاء المجموعة قبل أن يُلقيها على عاتق الدولة باعتبارها مهمة من مهامها يدفع لأجلها معاليم محددة سلفا... هذا الإيمان بالمسؤولية والمعرفة بالحق والواجب هو عين الاختلاف بيننا وبينهم، فإيمان المواطن التونسي بالنظافة وهاجسه بالمساهمة في تجميل مدينته باهت وشاحب بل هو منعدم تماما، ولن أغالي إن قلت أننا نعيش اليوم وسط مزبلة كبيرة تمتد من شوارع العاصمة ومراكز الولايات وتصل إلى الحقول والضيعات المنتشرة داخل الجمهورية، فضلا عن المناطق الصناعية... فشوارع عاصمتنا ومثلها شوارع كل الولايات ترزح تحت وطأة قشور البيض المسلوق وعلب السجائر وأعقابها والأكياس البلاستيكية وقوارير المياه المعدنية والغازية وعُلب الجعة وبطاقات شحن الهواتف وحجارة الأرصفة وأكداس الرمال وإشارات المرور المنزوعة من أماكنها... وحتى الأثاث القديم تجده مركونا أمام المنازل، وكل هذه الأوساخ يلقي بها المواطن عن وعي وعن غير وعي على أمل أن يحملها العامل البلدي، غير أن هذا العامل يقوم بعمله بالتقسيط، فإلى يوم الناس هذا لم أصادف عاملا بلديا واحدا يقوم بعمله على وجه الإتقان بما يمليه عليه ضميره المهني بل إن الكثير من جرارات التنظيف ومن العربات المدفوعة تساهم في تلوث الأماكن التي تمر بها. وقد يُعذر العامل البلدي عن هذا التقصير لعدة أسباب لعل أهمها أجره المتدني وإرهاقه المتواصل وقلة الامتيازات التي يتمتع بها وخاصة الحماية من الأمراض وغيرها، لكن هناك ظاهرة خطيرة جدا تكاد تكون أبدية وتقليدا جاري به العمل تتمثل في النظافة الجزئية، تلك التي تخطط لها المجالس البلدية وتنجزها بإتقان مدهش ويمكن لأي مواطن أن يكتشف هذه الظاهرة إبان الاستعداد للاحتفالات والأعياد خاصة منها الوطنية، إذ نلاحظ كيف تتجنّد الدوائر البلدية بعمالها وأدواتها ومسيريها لتنظيف وتلميع وتزيين مدخل مدينة ما سيزورها مسؤول ما أو القيام بحملة نظافة بشارع رئيسي لان مسؤولا آخر سيمر بسيارته من هناك وبعد العيد تترك للإهمال والأوساخ. ومن المفارقات العجيبة أن الأوساخ التي تجمع من الشوارع المحظوظة تُلقى في قلب الشوارع غير المعنية بجولة المسؤولة وتترك هناك أكداس ونُثار أمام المنازل وفوق الأرصفة لكأنها هدية من بلدية المكان بمناسبة الاحتفال الوطني. إن مثل هذه الممارسات والأعمال لا يمكن أن تؤوّل إلا بتأويلين وحيدين، الأول أن النظافة هي حكر على المسؤولين وعلى أماكن إقامتهم وأعمالهم وزياراتهم، والثاني أن المواطن لا قيمة له ولا قيمة لحياته ولا ضرر أن يعيش أبدا وسط المزابل ومع جيوش الحشرات والأمراض البيئية لأجل ساعة من الزمن سيقضيها مسؤول واحد وهو يمر بشارع ما مرة واحدة في السنة. إن تبليط الأرصفة والعناية بالإنارة العمومية وتنظيف كل الشوارع دون استثناء وحماية المساحات الخضراء والحفاظ على جمالية المباني ومداخل المدن حق لكل مواطن دون استثناء مثلما هي واجب عليه، ونحن في الأخير نعيش في وطن واحد وليس في وطنين، واحد نظيف وثان ملوّث ومتسخ، وكل شوارع الجمهورية هي ملك لكل الأقدام التونسية، أقدام العامل والعاملة وأقدام المسؤول والمسؤولة...

2013/03/14

أربعون مرت والبلاد تضيق بنا

أربعون يوما بالتمام والكمال وأنت ترقد في قبرك العالي عند ربوة العظماء تنظر إلينا من شرفتك المزهرة بأكاليل الربيع المنحني على هامتك... أربعون ليلة وأنت تخيط كفن الليل الموحش بابتساماتك المضيئة عساك تُنير درب رفاقك وهم يترقبون أخبار الساعة الثامنة من السيدة التي توشحت بالألوان المزيفة... أربعون يوما وليلة تقضيها في انتظار قطار الدرجة الثانية الذي قد يقل شعبك من محطة حكومات الالتفاف على الثورة إلى محطة الربيع التونسي... بعدك هطل المطر غزيرا فوق الجبال وتحت أكواخ المفقرين ولم يظهر قاتلك... بعدك أيضا سطعت الشمس على شوارعنا وأزقتنا وثقبت أشعتها نوافذ المستكرشين... ولم نلمح خطى الغادر بعدُ... أزهر لوز الربيع فوق ارض المتعبين، وتتالت ألوان البساتين على الربوع التي حفظت خطاك... ولم يأت بعد الربيع الذي اشتهيته واشتهيناه... أربعون مرت وأنت في عيدك متسربل بالشموخ تنتظر رفاق لك عاهدوك على الموت وقوفا... أربعون مرت وهم في مجلسهم يتناوبون على قارعة اللغة ليتمرغوا في أوحال الهزائم المتكررة وبأس الكلام المجروح من الوريد إلى العنق... أربعون مرت بعدك والحرائق تسري من سيدي بوزيد إلى قلب المسرح البلدي... والفتيل هو هو... التهميش والتفقير... ومركز الحروق البليغة... أربعون مرت دونك وأروقة المحاكم تكتظ بصمت مطرقة العدالة، يفتحون الملفات على شاشات التلفزات ليركنوها في ذاكرة الدهاليز المظلمة... أربعون مرت دونك وشبح "الرئيس" يبحث عن خيال يليق به بين جنبات القصر العريض... ومع أنياب الأصدقاء المتخفين في جبة النفاق الوطني... أربعون مرت بعدك والرصاصات الغادرة تسافر من بلد إلى آخر، وتخرج من جحر لتدخل آخر وهي تتستر بخطب الدجل السياسي على أرصفة شوارع الدولار المغمس برائحة البترول... أربعون يوما طوتها الحناجر وهي تلقي سؤالها "شكون قتل شكري" على جدران وزارة الداخلية وما من مجيب خلف ستائر النوافذ العالية... أربعون مرت ونحن في "شرك" مبين من حكومة إلى أخرى لم تتحرك قيد أنملة عن مونبليزير وليلها الطويل... أربعون مرت والعد التنازلي في صعود مستمر لكل الأحلام التي كنا مدججين بها، بعد أن ضاقت "جبة القرضاوي" بما "منته على ثورتنا الكئيبة... وبعد إن تم القبض على "بوصلة" الحريات في إحدى استوديوهات الجزيرة القطرية... أربعون مرت والبلاد تضيق بشعب مهزوم في آماله وأحلامه... والبلاد تتضاءل تحت "شرعية" الحزب... وتسير مسرعة ليجعلوها خيمة بدوية بأوتاد وهابية... أربعون مرت وهم يرفعون الأسوار عالية أمام "ديقاج" الفقراء ويرتبون تفاصيل الليلة الأخيرة بفائض من التثعلب السمج... أربعون مرت وأنت "مسجى" في قلب الربيع... في قبرك المُزهر بنواقيس حرائر تونس وأحرارها... أربعون مرت ونحن كما نحن لم نختلف عن دربك الذي هو دربنا نراه قريبا منا... نرى ضوء الحياة والحرية يقترب منا... واليوم وغدا وكل أربعاء ستكون أخبارنا بين يديك أولا بأول... فلتنم في قبرك العالي عند ربوة العظماء وانتظرنا في شرفتك المزهرة بأكاليل الربيع المنحني على هامتك...

2013/03/07

لا رئيس لي سوى راسي

يتردد الكاتب الحر سليم دولة على أماكن بعينها، لا تتبدل ولا تتغير، ومن السهل العثور عليه بزيه الرسمي: النظارات السوداء والمحفظة السوداء وملابسه السوداء أيضا. إن وجدته بمقهى "الروتوندا" بشارع الحبيب بورقيبة فلن يكون صديق طاولته سوى كتاب فلسفة أو رواية حديثة، وان صعدت إلى نادي الصحفيين فستجده منهمكا بمداعبة أزرار حاسوبه، إن تعديلا لبعض المقاطع الشعرية من ديوانه الجديد أو رقنا لشذرات فكرية... يتذكر سليم دولة يوم مولده فيقول "ولدت يوم 13 آذار من سنة 1953، وهو يوم مولد محمود درويش صديقي الذي لا يزور تونس إلا ويبحث عني...". جاء سليم دولة من الجنوب التونسي ليدق عنق الفلسفة (وفق عبارة لويس ألتوسير) في كلية 9 أفريل بالعاصمة، ويطلق منها، وهو بعدُ طالب، كتابه الأكثر مبيعا "ما الفلسفة" سنة 1987 ثم يجترح بعده "ما الثقافة" و"الثقافة والجنسوية الثقافية" و"الجراحات والمدارات" (91 تونس/93 بيروت/2008 سوريا) حتى لقبته جريدة "لوموند" الدولية بفيلسوف الصحراء... رغم أن سليم دولة حُرم من انجاز الدكتوراه حول "المكبوت الفلسفي في الأندلس:ابن باجة وابن طفيل وابن رشد" بعد أن تاه بين أروقة الجامعة والمؤسسة العسكرية بحثا عن شهادة إعفاء من خدمة الجيش!!! كانت كتبه تلك، وهي تدور في فلك الفلسفات مغربا ومشرقا، تتوهج مصطلحاتها وحكمها بصور الكلام العالي ومفردات المجاز المفرط في شعريته لتقوده نحو "كتاب السلوان والمنجنيقات" و"ديلانو شقيق الورد" ليثبت أن فيلسوف الصحراء هو أيضا شاعر الوجع الأممي... بعد أن كسرته الدنيا مثلما يتكسر الطيران في بعض الأجنحة... مثل العطر، سال حبره من الفلسفة، "زهرة العصور ووردة المدن" إلى الشعر "زهرة الصحاري ووردة الرمل"... متأبطا بصيرة أبو العلاء المعري وطه حسين وابن خلدون وابن حزم... في دربه الفلسفي والشعري... فيلسوف الصحراء، شاعر الوجع الأممي هو الكاتب الحر سليم دولة الذي أعاد نشر "كتاب السلوان والمنجنيقات" إمعانا منه في "تكسير أجمل ما في الدنيا وفتح أختامها وتقبيل أصابعها عضا..."، وهو "مكتوب" مُرسل رأسا إلى سامي الأزهر دولة في ضريحه الوطني، والى "صدام حسين المجيد" في شرفة شهداء الحرية وهما يطلان على "المتوغلين في الاحتفال بسفك الدماء"... موقف سليم دولة السياسي نعثر عليه بكل وضوح في كتاب "السلوان والمنجنيقات" (2008) عندما يكتب: "هذا المكتوب المصمقُ/في حبالفقراء.../وكراهية الملوك والسلاطين والأمراء/ ومن في هذا السياق من أعداء الأمة..." غير أن هذا الموقف جعل من جسد الرجل وخطواته فريسةللبوليس والقوادين مثلما يصفهم هو، إذ أن سليم دولة كان دائما عرضة للضرب والملاحقة وافتكاك الحاسوب الشخصي حتى بلغ الأمر بالنظام السابق إلى إحراق منزله سنة 2008 وإتلاف جانب كبير من مكتبته، وهي التي سطا عليها "صحافي المحترم" في نظر التجمع المنحل... ولم يسلم المخطوط الشعري لسليم دولة (حين كنت حيا مررت قرب حياتي)... وكأن هذا النظام يؤكد قول سليم دولة أن "في المنتظمات الماقبل حضارية يزدهر التبذير المفرط للعنف... وتتنازع الشوارع صفتي" الكسموفاجية" (أكلة الكون) و"الأنتروبوفاجية" (أكلة الإنسان). ولأن احتياطي العداء المفرط لحرية المشي فوق الأرصفة الآهلة بالأرجل والأعين قد تضخم حتى تورم فصار ورما يوميا لا يترك سليما يتحرك في دولته... في شارعه... في مقهاه أو حانته...في مكتبته أو بيته... لم يجد بدا من تأبط شعارا مركزيا يرفعه دوما في وجه المعتدين:"أيها المحتفلون بسفك دمي، توغلوا في الاحتفال فأنا الباقي وأنتم إلى زوال."... وهو الشعار الذي أكده سليم دولة عندما قال "لقد خسروا كل ما نهبوا في العهد النوفمبري وربحت كل خسارتي فشكرا لعربة الخضار وصاحبها المتجول محمد البوعزيزي الذي غيّر بقدحة نار في جسده خارطة الخضراء". ومن هؤلاء المعتدين على سليم دولة، إلى جانب الأحذية العسكرية المتنكرة في الجلود المدنية، عدد من "مثقفي البلاط" المستبسلين في حرمان سليم دولة من أية دعوة للمشاركة في هذا الملتقى أو تلك الندوة، ومن بعض الصحفيين، كذاك الذي سرق مكتبة سليم دولة (6 آلاف كتاب باستثناء المجلات والدوريات الفرنسية)، وهي الحادثة التي لا يستطيع سليم دولة نسيانها إلى جانب تلك الحادثة الطريفة مع وزارة الثقافة في تسعينيات القرن الماضي، عندما منحته الوزارة جائزة قيمتها (500 دينار) ولم يتسلمها سليم دولة، واضطر لإرسال عدل تنفيذ للطعن في التصريح الوزاري بمنحه جائزة، وقد وقف آنذاك إلى جانبه السيد المهدي مبروك وزير الثقافة الحالي، وحتى وزارة التربية، لم يسلم سليم من اعتداءاتها عليه، وهي وزارته، فقد قطعت مصالحها راتبه الشهري طوال ثمانية أشهر... و"لأنه أندر من الكبريت الأحمر" ومن " أكثر الكائنات تمرسا بالألم " وفقا للمعجم النيتشوي فقد كان سليم دولة على جاهزية استثنائية لتحمل الخسارات الفادحة في نظر العامة وذوي القربى من أحفاد سقراط الموظف، ولأنه – مثلما كتب عنه صديقه الشاعر آدم فتحي- "الوحيد الذي يصاب في ماله وجسده فيفكر في تلاميذه لعلهم يتخلفون عن برنامجهم الدراسي...وفي كتابه الأحدث لعله لا يكون الأخير"... لان سليم دولة لا يهمه إلا الحبر، فقد كتب في نصه الشعري المطول بعنوان "كليمنسيا الجميلة التونسية، قادحة الصوان الكونية": "هن الجميلات التونسيات يُكسرن حبا من يريد كسرهن في المنعطفات" وله كتاب ثان يتهجى طريقه إلى احد المطابع بعنوان "الربيع الهش" وهو عبارة عن رسالة مطولة إلى محمود درويش تتضمن النصوص الفكرية والفلسفية التي كتبها سليم دولة في السنوات الأخيرة. ومثلما يصف نفسه، سليم دولة "متلاف للوثائق" لكثرة تنقله من منزل إلى آخر لأنه من فصيلة "دمراويين" (دون مقر رسمي) كانت منازله التي تنقل إليها مكرها في كل الأحيان، كانت متشابهة في اغلبها:غرفة واحدة ومطبخ صغير وبيت استحمام، أم أثاثه فلا تعثر فيه إلا على الضروريات من قبيل السرير والطاولة والكرسي وبعض أواني الطهي، وما عدا ذلك فالفضاء مدجج بالكتب والمجلات والصحف، وبمخطوطات الشعراء والروائيين وكتاب القصة الذين يتنافسون في الفوز بملاحظات سليم دولة على كتاباتهم، والمحظوظ منهم من يفتتح كتابه بمقدمة سليم دولة/ الكاتب الحر (هكذا يمضي كتاباته) مثل كتاب "تفاصيل" للشاعر محمد الصغير أولاد أحمد، وكتاب الشاعر الراحل جمال الدين حشاد والشاعر الراحل أيضا عبد الحفيظ المختومي وكذلك كتاب شكري الباصومي والمجموعة الشعرية الكاملة للشاعر السوري هادي دانيال وكتاب العراقي علي حبش، ورواية حكيم عبادة وكتاب أبو بكر العموري... وأسماء أخرى مازالت مخطوطاتها تنتظر توقيع سليم دولة/الكاتب الحر. هو ذا سليم دولة أتهم في عقله ودينه وديانته وسرقت كتبه ومكتبته ومع ذلك ظل شامخا في دولتك التي يسميها " لن "...

2013/02/28

"شرعية" الدكتاتورية تحتفي بحبر رجاء بن سلامة

لم تتوقف الدكتورة والباحثة رجاء بن سلامة عن تحريض التونسيين والتونسيات على الثورة من خلال كتاباتها، ولما تحققت الثورة في جانفي 2011 لم تنتظر سوى أياما معدودة لتعود من القاهرة إلى تونس على جناح الأمل في المساهمة في تحقيق أهداف الثورة بما ملكت من معرفة تسوقها لطلبتها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمنوبة أين عادت للتدريس، وبما ملكت من ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة تنشرها مع المدافعين عن مدنية تونس وحداثتها... عادت إلى تونس وهي تعرف أن "فتوى" إهدار دمها في انتظارها بساحة "الباساج" في قلب العاصمة، أين سيشنقها أوصياء الدين الجدد حتى تكون عبرة لمن شاطرها الرأي "وخطوة حميدة في استتباب دولة الخلافة النقية المجيدة"...عادت ولم تخشى أن تكون "شهيدة الحق الليبرالي" مثلما وصفها الدكتور شاكر النابلسي في مقال دافع فيه عن هذه "الدكتورة الزنديقة"... التقيتها مرتين في ذات الساحة، ساحة الباساج... كانت (حسب معجم الترويكا الحاكمة في تونس) "سافرة" كما عرفتها منذ 1997 لما درستني مادة الأدب القديم بكلية منوبة... وأذكر أنها لم تطردني من حصتها ذات مرة لما دخلت بقميص مفتوح الأزرار... وقفنا طويلا في ساحة الباساج. لم تكن خائفة بل معتدة بذاتها، متأنقة ودائمة الابتسام. تحدثنا عن الجامعة والثورة وما يتهددها من أسوار دوغمائية قد تنسف مبادئها التي اندلعت لأجلها وتطوق فائض الحرية الممكنة... وتواعدنا أن نلتقي في إحدى مسيرات الحريات، تلك التي باتت خبزنا اليومي في تونس. هي ذي الدكتورة والباحثة التونسية رجاء بن سلامة كما عرفتها مدججة بالعلم والمعرفة، لا تتحرك إلا في فلك فكر الاختلاف وفكر النقد والتحرر وهي المولودة في العقد الذي اهتز فيها النظام الديغولي بفضل فورة طلاب السربون الباريسية الذين قوضوا الهيبة الأبوية داخل العائلة وهيبة رأس المال داخل المصانع وهيبة الأستاذ داخل المدارس، ودكوا أركان البديهيات الثقافية والجنسية والنفسية... جاءت في الفترة التي بدأت تظهر فيها حركات تحرر المرأة في أوروبا وانهيار الأنظمة الشمولية... وولدت لما انفجر مرجل الكتابة بفكر الاختلاف مع بيار بورديو وجاك دريدا وميشال فوكو ورولان بارت وسيمون ديبوفوار... وغيرهم من الفلاسفة والكتاب الذين دكوا أسوار المدرسة البونابرتية... تقول رجاء "أنا ابنة فكر الاختلاف وامرأة حرة في عشقي وحبري"... بهذه الجملة تقنعك مؤلفة كتاب "نقد الثوابت" أن تاريخ الميلاد لا يهم، وإنما السياق الذي نولد فيه هو الذي ينحت طيننا ويرسم شكل خطواتنا... وإن كان للسياق التاريخي دور في رسم تفكير الدكتور رجاء، فلمكان ولادتها دور كذلك في نحت شخصيتها، فقد ولدت في مدينة القيروان بالوسط التونسي، مدينة عقبة ابن نافع وابن رشيق القيرواني والإمام سحنون والحصري وابن الجزار... ولدت في عائلة بن سلامة التي تذكر بعض كتب التاريخ أن جزء منها سافر مع عقبة ابن نافع في الفتوحات الإسلامية وسافر جزء ثان مع طارق ابن زياد إلى الجزائر والمغرب... مما جعل "فتوحات" رجاء بن سلامة في العلم والمعرفة لا تعترف بالحدود، فإلى جانب دكتورا الدولة (2001) حصلت سنة 2011 على الماجستير في التحليل النفسي من باريس... وهي التي ترجمت كتاب "الإسلام والتحليل النفسي" لشقيقها الدكتور فتحي بن سلامة منذ سنة 2008. هكذا تأتي هذه المرأة إلى الأرض وهي تدري ماذا تختار من ارثها الحضاري والثقافي، تختار أن تتدرب على التمرد لتشق أفقها التحرري بعد أن قتلت الموت، الذي غيب والدها، بين طيات منجزها النقدي "الموت وطقوسه من خلال صحيحي البخاري ومسلم" (1997) الكتاب الذي قاتلت فيه الموت وطقوسه الجنائزية بما ملكت من معاول انثروبولوجية ومعرفية بعيدا عن ثقافة الخوف والترهيب وعذاب القبر ... أليست الكتابة بطاقة حضور في وجه الموت؟ أليست طقسا من طقوس العبور إلى النص المفتوح؟ كالنص الذي تفتحه الدكتورة رجاء بن سلامة أمام طلبتها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمنوبة، وتعلمهم كيف يشيدون سماء أوسع من اللغة، ويرفعون أوتاد خيمتهم من الأدب والحضارة العربية والإنسانية، وكيف يتجرؤون على مداعبة أعواد الثقاب لإشعال الحرائق في بيادر المسلمات والبديهيات والحقائق الجامدة، غير أن هذا النص المفتوح وهذا المنهج المتحرر دفع ببعض الأصوليين والمتشددين إلى "تجنيد" بعض الطالبات، لكتابة شهادات ضد أستاذتهن لاتهامها بتهجمها على الإسلام والقرآن. تمرد الدكتورة رجاء بن سلامة لا يتوقف عند الحبر والورق، وهي التي ذهبت فيه شوطا متقدما من خلال مؤلفاتها التي تعد إضافة نوعية للمكتبة العربية الحديثة خاصة بكتبها "صمت البنيان" و"نقد الثوابت: آراء في العنف والتمييز والمصادرة" و"بنيان الفحولة" وبالمؤلفات التي قامت بترجمتها مثل كتاب "الشعرية" لتزفتان تودوروف ... في فلك الحب، الصيغة الممكنة للتأليف بين الدوافع الجنسية العمياء والقيم الإنسانية، تدور رجاء بن سلامة، وتغري كل من يقترب منها بالدوران في فلكها، بذات الحب... إن تكلمت أو كتبت، إن رددت جملة موسيقية أو رقصت في جلسة خاصة... حتى في غضبها تتأجج حبا لكأن غضبها هو حبرها أو كأنها تذكرنا دوما بأنها صاحبة "العشق والكتابة"، ذاك الكتاب الذي هتكت فيه أحجبة الحب الاخلاقوية وحفرت عميقا في أخاديد الخطاب العشقي المسور بالعذرية والصوفية والأبنية الأسطورية واللاهوتية... تمردها الحبري كان جسرا لعبورها نحو الممارسة الجمعياتية، فكانت من أوائل المنخرطات في الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، الجمعية التي أقضت مضجع النظام التونسي السابق، ثم كانت سنة 2007 من بين المؤسسات لرابطة العقلانيين العرب دعما للمشروع التنويري العربي وللفكر الحداثي والنقدي وأشرفت على مجلة "الأوان" الالكترونية، منبر الرابطة وفضائها الحر... وهي تنشط أيضا في جمعية "بيان الحريات بفرنسا" و"الجمعية الثقافية التونسية للدفاع عن اللائكية"... ونادرا ما تقع بين يديك عريضة تنديد أو عريضة مساندة لا تعثر فيها على توقيع رجاء بن سلامة كاتبة وباحثة (هكذا تُمضي) كما أن هتافاتها في المسيرات والتحركات الاحتجاجية المدافعة عن الحريات تنقر مسامعك من بعيد، فتغريك بأن تتوقف عند هذه الدكتورة التي تترك أريكتها الدافئة بمنزلها وتنزل للشارع مع البسطاء والفقراء لتواجه عصا البوليس وغازاته المسيلة للدموع... وهي التي تسيل الكثير من التعاليق "الفايسبوكية" بما تكتبه كل يوم على صفحتها المدججة بالأعداء قبل الأصدقاء... الدكتورة رجاء بن سلامة كائن افتراضي يعسر مجاراة نسق إبحاره على الشبكة العنكبوتية من خلال كتاباتها في موقع "الأوان" وخاصة على صفحتها بالموقع الاجتماعي الفايسبوك، حتى أنك تشك بأنها تقاسم "مارك جوكر بيرج" ملكية هذا الموقع الذي اخترعه سنة 2004، فرجاء موجودة في كل الأوقات كتابة وتعليقا ونقاشا ونشر مقاطع الفيديو والصور... ولكن هل تقاسم فعلا مخترع الفايسبوك شهرته وثروته أم أنها تواصل درب النقد والحرية والثورة الفكرية على ضفة أخرى؟ "نستعمل الفايسبوك كوسيلة اتصال ولا نتركه يستعملنا كوسيلة إعلام مشوهة ولا مسؤولة"، هكذا تتعامل رجاء مع هذا المارد الأزرق، ومن يدخل صفحتها على الفايسبوك سيعرف أن هذه المرأة جُبلت على المواجهات وولدت من رحم المعارك الفكرية، وخاصة تلك المعارك الذكورية والعقدية التي تتمركز حول ذاتها وتنفي من خالفها، وهي لذلك تكتب عن الجهل المقدس وعن رجال الدين المقنعين وعن الخطر السلفي وتدعو إلى مأسسة الثورة التونسية ومقاومة المسامير الصدئة وتذكر متصفحيها بأنه لا ثورة من دون فكر ثائر... وتكتب وتكتب... وتكتب رجاء بن سلامة كثيرا "عن كل القوى اللاديمقراطية، وعن كل من يهدد الحلم الديمقراطي"... وتحرض على مقاومة الخوف والتردد لدى الخائفين أو الراغبين في "فنتازم" السيناريو الجزائري... لان كل الكتابات عندها محترمة سوى تلك الكتابة الجاهلة، وأن كل كاتب محترم ما عدا ذاك الذي يريد أن يفتك مكان الله. من بين ما كتبته الدكتورة رجاء بن سلامة على جدارها الفايسبوكي:"حكومة تكره الحياة وتحبّ الموت والخراب... لا خير في حكومة تعتدي بالغاز والمتراك على شبّان يريدون الرّقص في الشّارع، وتترك المخرّبين والمرضى يعتدون على النّاس وعلى الممتلكات والمعالم الأثريّة. حكومة تانتوس لا يمكن أن توقف عجلة الحياة وحبّ الحياة. تحيّاتي للشباب المتمرّد على الجهل المقدّس بالفنّ والإبداع. تحيّاتي لراقصي "هرلام شارك". مساندتي التامة لكلّ التّلاميذ ضدّ السّلطات الغبيّة". لأن الدكتورة رجاء بن سلامة من هذه الطينة وأكثر، كان لابد لها في هذا الزمن الأعور أن تمر من أروقة المحاكم أين مثُلَت يوم الخميس 28 فيفري 2013 أمام قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بالعاصمة للاستماع إلى أقوالها في القضية التي رفعها ضدّها المقرر العام للدستور الحبيب خذر بعد أن عبرت عن رأيها بخصوص الفصل 26 من الدستور المتعلق بالحريات الذي أصبح قاتلا لها... وشبهت ما قام به النائب المذكور مجازا "خيانة مؤتمن" خاصة أن هذا الفصل كان محل توافق في اللجنة التأسيسية للحقوق والحريات في الصياغة الأولى للفصل... هي ذي الحريات التي سال من أجلها دم الشبان والشابات... ولم ننتظرها تنزل من درج الطائرات القادمة من لندن وباريس وجنيف والدوحة... هي ذي الحريات في مهب الالتفاف والقيود...

2013/02/21

من الخيار الشخصي إلى الحزبي قد يضيع الخيار الوطني

قدم السيد حمادي الجبالي رئيس الحكومة المؤقتة استقالته (خيار شخصي) إلى السيد محمد المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت، دون تقييم جدي وواضح لأسباب "فشل" أعمال حكومته طيلة فترة عملها، ولئن تم حصر أسباب الاستقالة في فشل (أو إفشال) مبادرة السيد حمادي الجبالي حول تكوين حكومة كفاءات وطنية غير متحزبة، فان الطبقة السياسية اليوم تحصر اهتمامها بالحكومة القادمة في أسماء المرشحين لرئاسة هذه الحكومة، وبدا جليا أن الأحزاب الموجودة خارج الحكم تقدم مواقفها من منصب رئاسة الحكومة استنادا إلى "تصريحات" رئيس حركة النهضة وبعض القياديين في هذا الحزب (خيار حزبي)، فبعد الإصرار على إجهاض مبادرة تشكيل حكومة كفاءات وطنية و"إقالة" السيد حمادي الجبالي، تردد اسمه لتولي ذات المنصب مجددا بشدة، وهو ما باركه اغلب الطيف السياسي ودافع عنه، غير أنه وبمجرد أن عدلت حركة النهضة عن أمين عام حزبها رئيسا للحكومة المؤقتة الجديدة، وبدأت تروج لقائمة اسمية محتملة لرئاسة الحكومة، عادت الطبقة السياسية من جديد إلى مناقشة أهلية المرشحين الجدد لينحصر النقاش مجددا في مربع الأسماء والمحاصصة وتهميش الآليات الكفيلة بإنجاح عمل الحكومة المؤقتة المرتقبة... وما قد يزيد الوضع تأزما ويدفع بالبلاد مجددا إلى حافة المجهول هو "خيار" الإقصاء الذي أعلنت عنه حركة النهضة بصريح العبارة لحركة نداء تونس (بعد الجلوس إليها في المفاوضات) إلى جانب ضبابية الموقف من وزارات السيادة (الداخلية والخارجية والعدل والمالية)... وهو ما جعل بعض الأحزاب السياسية "ذات الوزن" تفضل دعم الحكومة الجديدة دون أن تشارك فيها. أمام كل هذه المؤشرات السلبية وغيرها، نلمس وضوح وواقعية موقف الاتحاد العام التونسي للشغل وهو الذي عبر عنه رفقة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين بتونس في رسالة سابقة أرسلها إلى رئاسة الحكومة تضمنت مفاتيح موضوعية للخروج من الأزمة (حياد الإدارة، حل المليشيات والرابطات، تقليص عدد الوزراء، تحديد موعد الانتخابات، انتخاب الهيئات التعديلية، تحييد المساجد، دفع الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد ومعالجة الوضع الاجتماعي...) كما نتفهم موقف السيدة وداد بوشماوي رئيسة منظمة الأعراف، عندما تعبر عن "عجزها" توجيه رسالة طمأنة للمستثمرين سواء الوطنيين أو الأجانب. قد يكون الحل الأسلم أيضا للخروج من هذا المأزق الذي قد يطول، قد يكون بيد السيد محمد المنصف المرزوقي الرئيس المؤقت للجمهورية، فمن صلاحياته أن يقوم بتعيين الشخصية "الأقدر" على تحمل المسؤولية، وهذا التعيين مثلما اتفق على ذلك أساتذة القانون الدستوري، يمكن أن يكون شخصية وطنية لا تنتمي لا إلى الترويكا ولا إلى المجلس الوطني التأسيسي... وحتى لا نخرج من حلقة مفرغة لندخل في حلقة ثانية مفرغة أيضا ستكون نتائجها كارثية على البلاد، وحتى لا يتحول المأزق من السياسي إلى الشعبي والأمني، يتوجب على الفاعلين السياسيين، التوافق حول حكومة تلتزم بتسيير أعمال الشعب التونسي، لا حزب بعينه أو توجه مخصوص، ويتوجب عليهم أيضا الاقتناع التام بأن دور التشكيلة الحكومية المرتقبة هو تصريف الأعمال لا أكثر ولا أقل وتأمين فترة الانتهاء من صياغة الدستور الجديد والتوجه إلى صندوق الاقتراع مجددا، وساعتها فليتنافس المتنافسون.

الإقالة القسرية و"الكاستينغ" الوزاري

"الإقالة القسرية" التي اُجبر عليها السيد حمادي الجبالي رئيس الحكومة المؤقتة، من طرف حزبه بعد عملية ربح الوقت وإثارة بعض المسائل الهامشية في مرحلة أولى دامت أكثر من سبعة أشهر، ثم بعد عملية لي الذراع التي استمات فيها حزب الجبالي ذاته خاصة بعد اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد يوم 6 فيفري، هذه "الإقالة" كانت منتظرة، وكانت كل المؤشرات تدفع نحو هذا المأزق الذي دُفع إليه الشعب التونسي دفعا... واعتقد أن من أهم أسباب "توريط" الشعب التونسي في هذا المأزق، هو إصرار الترويكا على ضرب السلطة الأصلية ممثلة في المجلس الوطني التأسيسي من جهة، ومن جهة ثانية الإصرار المستميت على تقديم "جيش" الوزراء والمستشارين وكتاب الدولة... سلطة شرعية وحكومة دائمة ضاربين بذلك مفهوم "حكومة تصريف الأعمال" ولم يكن رئيس الحكومة المؤقتة بمنأى عن هذا الخلط المتعمد للأدوار... فهو المسؤول الأول عما تردت إليه تشكيلته الوزارية... قد يكون بصيص الأمل في وفاق محتمل، السبب المباشر في تأخير الإعلان عن هذه الإقالة القسرية، ولكن الثابت أن "هاجس" تقدير موازين القوى السياسية والحزبية بين من في الحكومة ومن خارجها هو السبب الحقيقي الذي حرك كل التفاصيل الحافة بعملية التحوير الوزاري...بدءا ثم تشكيل حكومة جديدة منتهى... ولعل الاستعراضات الشعبوية التي أتاها "سدنة" الشرعية في الشوارع وفي المنابر الإعلامية خير دليل على الاستهتار التام بمستقبل الدولة التونسية وعلى استبطان مفهوم الدولة/الحزب... ولعل خير دليل على استبطان الاستبداد إصرار الفريق الحكومي على نجاح دوره رغم الإقرار الواضح بالفشل من قبل رئيس الحكومة المؤقتة... حتى أن وزير الخارجية مازال يلوك "حكمته" القائلة "نحن أفضل حكومة في تاريخ تونس"؟ وفي انتظار تكوين حكومة مؤقتة جديدة والتي لن تخرج عن المحاصصة الحزبية وان تغلفت بغلاف تقني وإداري، فإن "الكاستينغ" الوزاري المرتقب سيكون على أشده خاصة بعد أن "توضحت" نوعا ما مسافات الابتعاد والاقتراب لدى الأحزاب المتهافتة أو المتوجسة من حزب "مونبليزير"... هذا الحزب الذي تمكن من دواليب الدولة وانتشر في مفاصلها بما يضمن له إعادة تكرير الحزب الواحد الأوحد... ولن يكون مدخله غير مدخل الحزب السابق... متراك البوليس ومصادح التطبيل والتهليل... وملامح الحكومة المرتقبة تظهر للعيان من خلال السرعة القصوى المُعلن عنه من "مونبليزير" مما يعني أنها جاهزة منذ مدة، وجهازيتها لن تمنع تأخرها عن العمل فالاقتراحات ستكون عديدة والنقاشات ستطول أما الطعونات فستكون محتدمة وعلى أشدها خاصة أن الأسماء المرشحة من مونبليزير تثير أكثر من نقطة استفهام، فعلي العريض شهدت فترته اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وانخراما امنيا لا مثيل له، أما محمد بن سالم فهو من الوزراء الذين لم يعلنوا عن ممتلكاتهم إلى حد الآن فضلا عن سمة التوتر الغالبة على سلوكاته ومواقفه، ولا ننسى موقفه الغريب المستهجن من الزيادة في أجور الشغالين لتغطية جزءا من تدهور قدرتهم الشرائية، في حين يبقى عبد اللطيف المكي "أخطر" المرشحين لمَ عرف عنه من تشبث حزبي شديد وهو ما يتنافى مع مقتضيات منصب رئيس حكومة ولا يمكن تجاهل وهو الذي كان يرفع شعار فصل الحزب عن الدولة زمن تعليمه الجامعي. المؤلم في كل السيناريوهات المرتقبة، والتي لن تختلف عن سابقاتها، هو تضاعف حجم "الإهانة" التي تلحق بالشعب التونسي وبالدماء التي لا نخالها زورقا آمنا لعبور زمن طويل من "الحقرة"... وللابتعاد عن الإفراط في التشاؤم، سنبحث عن بعض العزاء في "تفاؤل مؤقت" نُسند به "بقايا" حلم الانتقال الديمقراطي، حينما "نصدق" أن الفريق الحكومي القادم "سيلتزم" بمبدأ تصريف الأعمال الحكومية إلى حدود إجراء الانتخابات القادمة... وحينما "نُصدق" انصراف أعضاء المجلس الوطني التأسيسي إلى إنهاء صياغة الدستور، وحينما "نُصدق" السعي الجدي إلى تركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات ومراجعة ضبابية المعايير المعتمدة في تعيين أعضائها. وقد يتعزز منسوب التفاؤل حينما يتم الرجوع عن التعيينات الحزبية التي فاقت 1200 في كل الإدارات وبخاصة في سلك الولاة والمعتمدين والمديرين العامين للمؤسسات الوطنية، وعندما يتم الإعلان عن حل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات البربرية المنظمة للعنف. وقبل هذا وذاك كشف حقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد لأنه المفتاح الحقيقي لمعرفة اتجاه مستقبل تونس.

2013/02/14

من سياسة التعليمات الى الامن الجمهوري: المؤسسة الأمنية في مفترق الطرق

ناجي الخشناوي تقف اليوم المؤسسة الأمنية التونسية في مفترق طرق حاد، وما من خيار أمام أعوانها وموظفيها وهياكلها سوى المضي قدما نحو تأسيس أمن جمهوري يكون منسجما مع روح الثورة التونسية ويتخلص تدريجيا من إرث سياسي جعل هذه المؤسسة أداة قمع وردع دون سواهما، مما عمق هوة التجافي بين المواطن ورجل الأمن وجعل العلاقة بينهما علاقة تصادم لا تواصل، ورغم إصرار جزء كبير من منظوريها على تحييد مؤسستهم وجعل الأمن التونسي جمهوريا، فإن عديد المعوقات والعراقيل تحول دون هذا الهدف. يد القمع في المهد اتسمت العلاقة بين المؤسسة الأمنية والمواطنين في بدايات الحكم البورقيبي، منذ أن تم بعث قوات الأمن الداخلي يوم 18 أفريل 1956 بما يمكن تسميته "بالشراكة" باعتبار أن تلك الفترة كانت فترة بناء الدولة الحديثة، ولئن آمن بورقيبة بالديمقراطية فكرا، فإنه فشل في تطبيقها على أرض الواقع، فشرع في تطويع المؤسسة الأمنية وتحويلها تدريجيا إلى أداة للقمع والردع يستعملها ضد خصومه السياسيين والنقابيين والطلبة إلى أن طالت يد القمع كل فئات الشعب التونسي خاصة في بعض الأحداث المفصلية مثل 26 جانفي 78 وأحداث الخبز سنة 1984... تخمة القمع والجدار العازل مع انقلاب السابع من نوفمبر، لم تكن المؤسسة الأمنية بمنأى عن طبيعة المسار الانقلابي لبن علي، حيث كان لها الدور الرئيسي في الفترة الممتدة من 87 إلى 90، أو ما سمي آنذاك، فترة الوفاق الوطني، لتنغمس بعد ذلك المؤسسة في سياسة القمع الممنهج من خلال الملاحقات والمداهمات والاعتقالات والتنكيل بمختلف أطياف المعارضة من اليساريين والإسلاميين والنقابيين والطلبة، وكان بن علي يضرب بيد من حديد بواسطة وزارة الداخلية التي كانت قائمة على ما يسمى "منظومة التعليمات" فساهمت في إرساء ديكتاتورية مكّنت السّلطة الأمنيّة من التّسلّط عبر منح رجال الأمن حصانة تفلتهم من العقاب إن خالفوا القانون، ليرتفع بذلك جدار "عازل" بين رجل الأمن من جهة والمواطن من جهة ثانية، وتنحصر علاقتهما بين الإذلال والابتزاز والتسلط والترهيب من جهة رجل الأمن، والحقد والكره والخوف و"الاهانة" من جهة المواطن، ولم يشترك الأمن والمواطن سوى في الفقر والتهميش والحرمان، وربما لذلك كانت المواجهات على أشدها بينهما خاصة في انتفاضة الحوض المنجمي وما تلاها من انتفاضات جهوية ومحلية إلى أن بلغنا يوم 14 جانفي... الجسر الهش... رغم أن جزءا كبيرا من المؤسسة الأمنية لعب دورا رئيسيا لإجهاض وإفشال ثورة التونسيين تنفيذا للتعليمات أو حفاظا على وهم "هيبتهم التسلطية"، فان الجزء الأكبر والاهم انحاز إلى مطالب الشعب، وإن بنوع من التردد والخوف، وساهم من موقعه في إنجاح الثورة التونسية مما خلق جسرا جديدا بين رجل الأمن والمواطن، ولئن كان هذا الجسر هشا بسب "العداء" التاريخي المفرط بين "الشقين" فإن الخطوات الأولى التي تدفع نحو تصليب وتمتين العلاقة بين الأمن والمواطن، هي الأخرى لم تكن بمعزل عن محاولات الإفشال والإرباك والوأد قبل الولادة. الخطوات الأولى... مثلما منحت الثورة التونسية هامشا كبيرا للمواطن في التحرر خاصة على مستوى حرية التعبير وإبداء الرأي والتنظم، فقد منحت الثورة جزءا كبيرا من أعوان الأمن الجرأة والشجاعة لتمزيق جبة الاستبداد والقمع للنأي بمؤسستهم عن التجاذبات السياسية والحزبية وتحقيق ما حرموا منه طيلة عقود من الزمن خاصة على المستويين المادي والتشريعي، فتأسست النقابة الوطنية لقوٌات الأمن الداخلي يوم 3 جوان 2011 ثم تلاها تأسيس الاتحاد الوطني لنقابات الأمن التونسي ليتحدا في مرحلة لاحقة صلب هيكل نقابي واحد هو "نقابة الأمن الجمهوري" التي تأتي تركيزا لمفهوم الأمن الجمهوري وبناء مؤسسة أمنية تنأى بنفسها عن كل التجاذبات السياسية شعارها الولاء للعلم فقط. وكان يوم 19 نوفمبر 2012 يوما تاريخيا بالنسبة للأمنيين عندما كانت لهم جلسة استماع أمام نواب المجلس الوطني التأسيسي من أجل دسترة المؤسسة الأمنية والتنصيص على حيادية المؤسسة الأمنية في باب المبادئ العامة للدستور الجديد... غير أن الجلسة رُفعت والمسودة الأولى والثانية للدستور لم تتضمن هذا المطلب المصيري... ولذلك كان اجتماع الأمنيين نوعيا يوم 26 جانفي 2013 بقصر المؤتمرات بتونس العاصمة... من حيث العدد (أكثر من 5000 مشارك)، ومن حيث الرسائل الموجهة إلى سلطة الإشراف والى كافة مكونات المجتمع المدني والسياسي، وقد اعتبر الأمنيون أن اجتماعهم آنذاك اجتماع التحدي لكل من تسول له نفسه المس من العمل النقابي لقوات الأمن. وقد شبه الأمنيون أنفسهم بالماء لا لون ولا طعم ولا رائحة لهم ولكنهم ضرورة لهذه البلاد. رفض نقابة الأمن... عادة ما يكون العمل النقابي محل رفض قطعي من قبل "الأعراف"، باعتبار أن النقابة، في نظرهم، ستضر بمصالحهم وقد تضرب نفوذهم وسيطرتهم، وهو ما يحصل مع النقابات الناشئة بعد الثورة صلب المؤسسة الأمنية، حيث تم التشكيك في "نزاهة" هذه الهياكل النقابية باعتبارها وليدة فترة حكم الباجي قائد السبسي، وبعد اتهامها بتسييس المطالب المهنية، وحصر مطالبها في إقالة السيد علي العريض وزير الداخلية وهو ما صرح به عبد الفتاح مورو عن حركة النهضة، كما اعتبر لطفي زيتون أن النقابة انحراف عن العمل الأمني معتبرا انه ليس من حق الامنيين بعث نقابة خاصة بهم، غير أن وزير الإشراف السيد علي العريض، يفاجئ منظوريه والشعب التونسي برمته عندما خرج على الموقع الاجتماعي الفايسبوك وقال في شريط فيديو مسجل نشرته وزارة الداخلية على صفحتها الرسمية "خرجت مجموعة وبدأت توتر الوضع وتضرب مصداقية الأمن وتمس بسمعة الأمن وناموسه". وأضاف أن "بعض النقابات لها حسابات حزبية وسياسية وأقامت علاقات مع أحزاب سياسية وأطراف أجنبية" متهماً إياها بـ"خدمة أجندات ليس لها أي صلة بالأمن". وفي نفس السياق اتهم داعية سلفي محسوب على حزب "النهضة" نقابات الأمن بـاقتراف جريمة ما أسماه "الخيانة العظمى".، كما تمت قرصنة الموقع الرسمي للاتحاد الوطني لنقابات الأمن التونسي على الانترنت... إرباك الأمن من غياب الإرادة السياسية... عُرفت المؤسسة الأمنية منذ عقود بصرامتها في إماطة اللثام في جل القضايا والجرائم، ورغم حالات الانفلات التي عاشتها البلاد في أكثر من فترة إلا أن هذه المؤسسة حافظت على الأمن والاستقرار العامين للمواطنين وللمنشآت والمؤسسات في البلاد، وقد يعود هذا الجهد إلى قدرة هذه المؤسسة على استيعاب مهمتها الحقيقية، غير أن عديد الحوادث التي هزت البلاد خاصة في الفترة الأخيرة، والتي "فشلت" فيها أجهزة الأمن في لعب دورها المعتاد، يطرح أكثر من سؤال حول ما يمكن تسميته "الاختراق" السياسي للجهاز الأمني، ومحاولة إضعافه وتركيعه، ولعل حادثة الهجوم على السفارة الأمريكية خير دليل على حالة الارتباك في التصدي للمجموعات التي هاجمت مقر السفارة وهو ارتباك يعود أساسا إلى تداخل "التعليمات" والقرارات بشان الحسم في حماية السفارة، ويعود أيضا إلى ما أشار إليه عدة نواب في المجلس الوطني التأسيسي حول تعيين كوادر أمنية وفقا للولاءات الحزبية لا للكفاءات المهنية. ويتجلى "تسييس" المؤسسة الأمنية بشكل واضح في التعامل "السلس" مع السلفيين الجهاديين الذين استعملوا السلاح سواء في القصرين أو في جندوبة أو في بئر علي بن خليفة... كما أن دور رجال الأمن في حماية الاجتماعات الحزبية باتت تطرح أكثر من سؤال، فأغلب تحركات المعارضة تشهد أعمال عنف وشغب لمجموعات منحرفة ولم تسلم المقرات الأمنية وأجهزتهم من الاعتداءات الممنهجة في كل مرة، في حين لم تشهد تحركات أحزاب الترويكا الثلاثة أية حادثة تقريبا. كما أن تكرر الاعتداء على زوايا الأولياء الصالحين والتي فاقت الأربعين اعتداء لم يتم العثور إلى حد الآن على الجناة أو مقترفي هذه الفعلة الشنيعة... إلى جانب الاعتداءات المتكررة على الإعلاميين وهي كلها موثقة بالصورة والصوت... وطبعا الاعتداء الممنهج والهمجي على مقر الاتحاد العام التونسي للشغل يوم الاحتفال بذكرى الشهيد الوطني فرحات حشاد... وظلت وحدها مونبليزير المنطقة الآمنة من كل اعتداء... "الأمن الموازي"... نقلت عدة تقارير صحفية بالصورة والصوت، وجود مجموعات غير أمنية في أكثر من جهة من جهات البلاد تقوم مقام الأمنيين ولهم "قادة" يرجعون إليهم في "مهماتهم" التي تنازع وزارة الداخلية في صلاحياتها الأساسية وهي إحلال الأمن بين المواطنين وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وقد سبق أن شاهدنا في بعض القنوات التلفزية وجود عدد من "المليشيات" التي رافقت رجال الأمن خاصة في أحداث 9 أفريل وهي الأحداث التي مازالت قيد البحث... إلى جانب ما بات يُعرف بالشرطة الدينية، وهي التي تجد لها سندا ومرجعا في خطب الأيمة والدعاة المتشددين، إلى جانب الدور المشبوه لمَ يسمى رابطات حماية الثورة، والتي تجد كل الحماية من طرف الأحزاب الحاكمة ومن رئاسة الجمهورية... هذا فضلا عن المجموعات التي تتدرب على فنون القتال في الجبال وعلى الحدود، وكل هذه المظاهر لم تجد من وزارة الداخلية سوى بيانات التكذيب والتصريحات المتشابهة حول عدم وجود مثل هذه المجموعات وان وجدت فان تحقيقا سيُفتح في شانها، والى الآن لم نسمع بنتيجة تحقيق واحد في هذا السياق... كما أن بعض المصادر تشير إلى أن "أنصار الشريعة" لها 213 جمعية خيرية موزعة على كل ولايات الجمهورية تقدر نسبة تعاملاتها المالية 3مليارات و826 مليون دينار... وأن حركة النهضة لها189 جمعية خيرية واجتماعية تقدر معاملاتها المالية ب4.2 مليار من المليمات... ولحزب التحرير87 جمعية خيرية وطبية تقدر معاملاتها المالية ب1.9مليار من المليمات، وتنتشر هاته الجمعيات في الأماكن الأكثر فقرا والأكثر تهميشا وتستحوذ على الأسواق الأسبوعية بنسبة 69 في المائة وإعطاء مساعدات مالية للعديد من المفقرين لإقامة أماكن لبيع الخضر والغلال وغيرها. اغتيال شكري بالعيد المنعرج... قد يكون يوم 6 فيفري 2013 تاريخا فاصلا بين ما قبله وما بعده، باعتبار أن اغتيال المناضل الوطني شكري بالعيد أمين عام حركة الوطنيين الديمقراطيين هي حادثة سياسية بالأساس أكدت أن الانفراد بالحكم والتأسيس للدكتاتورية من جديد هي السمة الأكثر وضوحا منذ انتخابات 23 أكتوبر، وهي أيضا الحادثة التي قوضت ما تبقى من ثقة أغلبية التونسيين خاصة في وزارتي الداخلية والعدل، فالأولى أصابها الارتباك في أداء مهمتها والثانية جعلت من التساهل والتباطؤ سمة مهمتها، ويبدو أن تسارع الأحداث والمستجدات منذ اغتيال الشهيد شكري بالعيد تؤكد أن هاتين الوزارتين هما بصدد "الانحدار" لصالح الحزب الحاكم خاصة بعد الاستدعاء السريع للصحفي زياد الهاني اثر تصريحه التلفزي بتورط بعض كوادر وزارة الداخلية في تدبير عملية اغتيال الشهيد شكري بالعيد إلى جانب عدد آخر من الإعلاميين والسياسيين... غير أن اغتيال الشهيد شكري بالعيد فتح الباب على مصراعيه للضاربين عرض الحائط بمقومات الدولة المدنية التونسية ومنها أساسا الأمن الجمهوري، حيث تتالت رسائل التهديد بالقتل لتضم الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل وعددا من الصحافيين وعددا اكبر من السياسيين، وحلقة التهديد تبلغ مداها بسبب الإصرار على "تسييس" وزارة الداخلية ووزارة العدل وتحويلهما مجددا إلى أداة من حديد لضرب كل من يخالف الرأي للترويكا وتحديدا لحزب حركة النهضة. وربما دعوة أحد المسؤولين النقابيين بالاتحاد الوطني لنقابات الأمن التونسي، بالكف عما أسماه "المتاجرة" بدم الشهيد لطفي الزار، عون الأمن الذي مات أثناء الأحداث المتصلة باغتيال الشهيد شكري بالعيد، لعلها خير دليل على محاولات تسييس المؤسسة الأمنية، خاصة أن ما يلقاه الشهيد لطفي الزار اليوم لم يحظ به عدد من رجال الأمن الذين استشهدوا سابقا خاصة في مواجهاتهم مع السلفيين. رسالة الاغتيال... الرصاصات الغادرة والآثمة التي طالت جسد الشهيد شكري بالعيد، هي الرصاصات التي تم إطلاقها بشكل مكثف منذ الإعلان عن نتائج انتخابات 23 أكتوبر، وهي رصاصات إسكات كل الأصوات المنادية بالحرية وبالديمقراطية ومنها الصوت الأكثر ارتفاعا، صوت فقيد الحرية شكري بالعيد، وهذه السياسية هي استنساخ مشوه وقذر لمَ حصل في الجزائر سنوات الجمر عندما تم تخيير السياسيين والإعلاميين والمفكرين والمبدعين والحقوقيين بين الصمت أو الاغتيال، ولئن وجدت الأطراف الملتفة على أهداف الثورة إصرارا كبيرا من الطبقة السياسية ومن شق كبير من الإعلاميين ومن الحقوقيين والنقابيين، وعدد لا بأس به من المثقفين، رفضا للمشروع الاستبدادي الجديد، فان "الأمل" في تركيع كل مخالف للرأي وكل خارج عن السرب مازال قائما وساري المفعول حتى بعد إهدار دم شكري بالعيد، وهذا "الأمل" يستمد "قوته" من الشق الأمني الذي اختار مواصلة العمل بالتعليمات ولم يتنازل بعد عن جبة القمع والتسلط... ولعل في تصريح رئيس الحكومة السيد حمادي الجبالي لصحيفة "لوموند" الفرنسية الذي قال فيه:"هنالك جهاز كامل وراء عملية اغتيال شكري بالعيد وهذا الجهاز له استراتيجية. هذا حقا اغتيال سياسي، انتظروا حقائق خطيرة جداً" لعل في هذا التصريح الكثير من الدلالات والمعاني... مقومات الأمن الجمهوري • ضرورة التخلي عن القانون الأساسي الحالي الذي حكم به بن علي ودجن السلطة الأمنية من إطارات وقياديين وأعوان أمنيين. • على السلطة السياسية الحالية التفاعل إيجابيا مع مطالب الهياكل النقابية المنتخبة باعتبارها مكسبا "ثوريا" للأسرة الأمنية وضمانا للأمن الجمهوري وحماية لقوات الأمن التونسي. • العمل مع نقابات الأمن التونسي لضمان عملية إصلاح ناجعة وفعالة حماية لحقوق المواطنين والأمنيين على حد السواء. • الكف عن ممارسة الضغط وسياسة الترهيب الممنهجة عن طريق النقل التعسفية والإيقاف عن العمل لعدة شهور.... معوقات تأسيس امن جمهوري • وجود ما يُقارب 1200 نص قانوني غير معلن لأهل الاختصاص ثلاثة أرباع هذه النصوص تعنى بالجانب الردعي في حين أن 0,04 من هذه النصوص تعنى بالجانب الصحي والاجتماعي. • وقعت وزارة الدّاخليّة اتّفاقيّة تعاون مع مركز جنيف للمراقبة الدّيمقراطية للقوّات المسلّحة، تنصّ على مساعدة المركز لوزارة الدّاخليّة على إصلاح المنظومة الأمنيّة، غير أن هذه الاتفاقية لا تزال ، حسب عديد الملاحظين، مجرّد حبر على ورق. • الاحتفاظ بعدد هام من رموز النّظام الأمني السّابق ببعض مواقعهم في الدّاخلية، وعدم تغيّر العقليّة الأمنيّة، وهي المهمة الأكثر عسرا باعتبارها تتطلب مدة من الزمن طويلة. • استمرار "منظومة التّعليمات" رغم تعهّد وزير الدّاخليّة علي لعريض، في خطابه بمناسبة حفل اختتام السّنة التكوينيّة لمُختلف المدارس الأمنيّة لسنة 2011-2012، بالشروع في إصلاح المنظومة الأمنيّة. • استمرار العمل بالقانون عدد 70 لسنة 1982 المؤرخ في 6 أوت 1982 والذي يتعلق بضبط القانون الأساسي العام لقوات الأمن الداخلي الذي ينص على أن أعوان الأمن ملزمون بتطبيق تعليمات رئيس الجمهورية. • استمرار العمل بالقانون عدد 4 لسنة 1969 الذي ينصص على تحديد المسؤولية الجزائية لمن يستعمل الذخيرة الحية. • هشاشة القوانين التي تحمي رجل الأمن عند أداء مهامه ومنها منحة الخطر المرصودة لهم التي لا تتجاوز 20 دينارا في الشهر. • غياب قانون حول حوادث الشغل والسلامة المهنية خاص بالأمن بمختلف أسلاكه. • تدخل وزير الداخلية في العمل الميداني في حين أن دوره الرقابة ووضع البرامج السياسية. • تأخر المراجعة العميقة للقوانين التي تخص الانتداب والتكوين والترقيات والمنح ومراجعة نظام النقل باعتبار اغلبها "تعسفية" وتؤثر على استقرار ووحدة عائلة الأمني. • غياب قانون ينظم العقوبات للأمنيين على غرار مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية.

من ضيق الحكومة إلى أفق الحَوكَمَة

غلبت السمة الميكيافلية على المشهد السياسي منذ انتخابات 23 أكتوبر 2011، وانتفت كل القواعد الأخلاقية الممكنة بين الفرقاء السياسيين، مما جعل باب الصراع مفتوحا بشكل معلن بين الأطراف الحكومية من جهة والأطراف المعارضة من جهة ثانية، وبشكل خفي فيما بين أحزاب الترويكا نفسها، فتدحرجت استحقاقات الثورة التونسية من حرية وكرامة وعدالة اجتماعية إلى أسفل سلم الأولويات، وظلت الغايات السياسية طافحة على سطح المشهد، حتى كان اغتيال الشهيد المناضل شكري بالعيد صبيحة 6 فيفري 2013 المنعرج الحاسم ـ إلى حد ما ـ للقطع مع الميكيافيلية المقيتة والتوجه نحو رؤية سياسية تقترب أكثر من المطالب الشعبية وتنأى عن الطموحات الحزبية... وتنتقل من الحكومة الضيقة إلى الحكم الواسع...لاستعادة الثقة الشعبية... ولئن وجدت "مبادرة" رئيس الحكومة المؤقتة، السيد حمادي الجبالي بتشكيل حكومة تكنوقراط (وهو مفهوم يعود إلى المفكر الاشتراكي الفرنسي سان سيمون الذي تنبأ بقيام مجتمع يحكمه العلماء والمهندسون) لئن وجدت الصدى الطيب والحسن لدى اغلب مكونات المجتمعين السياسي والمدني إضافة إلى القاعدة الشعبية العريضة التي ساندت مبادرة تشكيل حكومة كفاءات وطنية، وبغض النظر عن الموقف المتردد لحزب رئيس الحكومة، فإن تأمين نجاح هذه الحكومة في مهمتها الأساسية المتمثلة في تصريف شؤون البلاد إلى حدود إجراء الانتخابات المقبلة، مرهون بالأساس بجملة من التوصيات التوافقية التي وردت في جواب كل من الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، على مراسلة السيد حمادي الجبالي رئيس الحكومة المؤقت حول تشكيل حكومة الكفاءات الوطنية، وهذه النقاط تتمثل في: ـ حكومة محدودة العدد لا يتحمل أعضاؤها مسؤوليات حزبية ولا يترشحون للانتخابات القادمة رئاسية كانت أم تشريعية، وان يكون لأعضائها الصلاحيات الكافية وقوة المبادرة. ـ الرجوع عن التعيينات الحزبية التي فاقت 1200 وتشكيل لجنة عليا للتشاور حول التعيينات الجديدة وفق مقاييس موضوعية. ـ حل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات المنظمة التي تنشر ثقافة الكراهية والضغينة والعنف تجسيدا لمبدأ احتكار الدولة وحدها مسؤولية الأمن وحماية الحريات العامة والخاصة. ـ الإسراع بكشف حقيقة كل أحداث العنف وحقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وتقديم الجناة ومن يقف وراءهم إلى العدالة. ـ تحييد المساجد والنأي بها عن الصراعات السياسية والحزبية ومحاسبة كل الداعين للتكفير والتحريض على العنف. ـ التعجيل بتركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات ومراجعة ضبابية المعايير المعتمدة في تعيين أعضائها وتعيين سقف زمني محدد للانتخابات. ـ تفعيل ما تم الاتفاق بشأنه في العقد الاجتماعي الممضى بين الأطراف الاجتماعية ومعالجة الوضع الاجتماعي المتردي. والى جانب هذه النقاط، يجب، من باب الوفاء لروح الشهيد الوطني شكري بالعيد، عقد مؤتمر وطني ضد العنف بكل أشكاله وخاصة منه العنف السياسي والاغتيالات. إن التوافق حول هذه النقاط من شأنه، أولا أن يحسم الجدل الدائر حول طبيعة الحكومة القادمة، أهي سياسية أم تقنية، وثانيا من شأنها أن تعيد الطمأنينة والثقة لنفوس التونسيين وتعزز وحدتهم ضد كل محاولات الزج بالبلاد في أتون المجهول، وثالثا من شأن هذه النقاط أن تضفي مزيدا من الوضوح لدى المواطن حول القوى السياسية الداعمة للدولة المدنية وللانتقال الديمقراطي السلس، وللقوى المصرة على إرباك هذا المسار. كل هذه النقاط وغيرها يمكن أن يتوافق حولها جميع الفرقاء السياسيين والفاعلين المدنيين في إطار مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل ليستكمل مهامه عبر اللجان التي تمّ انتخابها ،والباب مفتوح للذين تخلفوا... ناجي الخشناوي

حيّاك بابا حيّاك... ألف رحمه على بيّاك

ناجي الخشناوي ‎"اقتل شكري، اقتل جابر، عذب جندي، اسحل صابر، املا الأرض كلاب وعساكر، كل ما تدبح هي بتطرح، بدل الثائر مليون ثائر" (أحمد فؤاد نجم) "أيها المحتفلون بسفك دمي توغلوا في الاحتفال فأنا الباقي وانتم إلى زوال" (سليم دولة) كيف ألف لحم الكلام بقطن الحروف دون أن أجرح المعنى؟ وكيف أصير أزيز القلم على الورقة موسيقى أعلى من صوت الرصاص في الجسد؟ وكيف أثق بعطر الورد فوق قبرك حارسا أمينا على هدايا لم توصلها إلى نيروز وندى؟ وقُبلات نسيت أن ترسمها على خد بسمة... بسمة الرفيقة والحبيبة... وأنت تنام الآن داخل حلمهم المشتهى، وتقض مضجعنا بكابوس ابتساماتك تنثرها حيث وليت وجهك لتذكرنا بأن الموت لا شيء يهينه سوى الغدر، فتلك هي الاستعارة الأكثر إيقاعا من كل الأصوات الأخرى، وتلك هي اللوحة التي تمنيت أن ترسمها وتتوسدها شاهدة قبر... أيها العيد المتسربل بالفرح والأمل والعشق، المتوغل في داخلنا بكل وثوق... وأنت تقرع الأجراس من تحت الاسمنت وتدق نواقيس الوطن من قبرك الواسع... الواسع جدا... تجعل من خطى قاتلك مرتبكة... لغته متلعثمة... و"حياته" ميتة... جاءتك الحياة برمتها وبالمثل جاءتك الموت، على طبق من فضة وذهب وزمرد، وتركت لهم الفتات ممرغا بالأحذية المتعفرة بالدم... غمرتك المدائح والقصائد والمجازات والاستعارات... وتركت لهم كل اللغة الميتة من الشرعية إلى الترويكا... وتركتهم يتخبطون تحت جبة قطر وخلف شاشة الجزيرة... حملت معك شعبا بأكمله، وتركت لهم المصادح وخشب الاستوديوهات والمراسم الباهتة والقاعات الشرفية وأروقة المؤامرات والحراسة المشددة... واللوز الكاذب... وأكياسا من الحسد والحقد... ابتعدت عنهم واقتربت منا أكثر، وتركت لهم كل تأويلات اللغة فلم يمسكوا بناصيتها واختلفوا في شهادتك، وأربَكتَ لسانهم وحبرهم فعدوك "معصوم الدم"... وكعادتهم وقعوا في فخاخ اللغة... وكما الحياة تأتي دفعة واحدة بمباهجها، أتتك الموت دفعة واحدة، ولم تقبلها، كعادتك، مجزئة، فسحبت فوق قبرك بساطا ملكيا من النجوم لتؤنس نومتك الأبدية، ومن ضوئها تسمع نشيدنا العالي... هل تسمع نشيدنا العالي يا شكري... نشيدك... خطنا المرسوم بين النهاية والبداية... ودربتنا اليومية على الضوء... الحفر في الرخام... ومعرفة كيف نموت... ولا نموت... أيها النائم تحت بستان أندلسي... أيها المحروس بحبات المطر... أيها الرائي الذي لا نراه، حملت معك كل ما ملكت: زغاريد النساء اللواتي عرفتَ وما عرفتَ... هتاف الرفاق وعزم الأصدقاء... تحية العلم الوطني والصمت الصاخب للجيش الوطني... والموت العابر في مقبرة آهلة بالأوفياء... من اشتقاقات اللون، ومن رائحة المطر، ومن زغاريد شقيقات الريح... صنعت جنازة باذخة، تليق بهامتك وأنت تودع وطنا وتهبنا آخر... في بلاد أضيق من الحب، أطلقت لغتك وسرحت خطواتك وسكبت أحلامك، وكنت صاخبا مثل الثورات... والثورات لا تنتصر إلا في حضرة ثائر صاخب... أراك يا شكري في نومتك شامخا وأرى خطواتهم متسربلة بالذل والمهانة... أراك تدعك الحروف والنقاط لتنضج المعنى على أفواهنا وأراهم يتهجون تشقق المرآة في مناظرهم.... أيها الكائن الذي صافحني أسبوعا واحدا قبل أن يرحل وأجج الأمل في قلمي وحبري... ها أنا اليوم أقف على "جنتك" وأركضُ كفرس شاردة في لغتك وابتسامتك وتحديك... وأعرف أننا نحن نحن... وهم هم... مثلما أنت أنت... لأن كلماتك كانت أقوى من الرصاصة، ظلت الأيادي المرتعشة تنتظر الإشارة لتضغط على الزناد وتطلق رصاصات حية على رأسك الذي به تفكر وقلبك الذي به تحب... لأن طينتك من طينة المناضلين الأشاوس، لم تهرب على متن طائرة ملكية، وظللت هنا بين الرفاق والمفقرين شوكة في حلق النظام... نظام المخلوع... ونظام الشيخ... لأن اسمك كان شكري بالعيد المناضل ولأن اسمك ظل شكري بالعيد المناضل والشهيد ستظل رفيقا للفقر والفرعنة وسيظل لأعدائك دين الردة والظلام... مثلما كتبت لرفيقك حسين مروة ذات قصيد:"لأعدائنا دينهم... ولنا الفقر والفرعنة"... فحياك بابا حياك... ألف رحمة على بياك...

2013/02/03

سخاء صندوق النقد الدولي والهرولة نحو التداين المفرط

غادر تونس منذ يومين وفد رفيع المستوى عن صندوق النقد الدولي الذي دامت زيارته أسبوعين بعد أن كانت له جلسات تفاوضية مع الحكومة أفضت إلى منح تونس قرضا مغريا يتجاوز حصتنا من هذا الصندوق تبلغ 500 مليون دولار، وهو أيضا المبلغ الذي قال عنه وزير المالية أن ميزانية 2013 مازالت بحاجة له. القرض يندرج فيما تسميه الحكومة مسايرة نسق الشغل والاستثمار والانتقال إلى مستوى أعلى من نسبة النمو الذي يتطلب إصلاحات هيكلية على المدى المتوسط والبعيد حتى يرتقي جهاز الإنتاج إلى معدلات نمو أرقى لاستقطاب اليد العاملة، وتفرضه ـ حسب الحكومة ـ ميزانية الدولة المرهقة بالأجور والتحويلات الاجتماعية والدعم. وككل القروض، يفرض هذا القرض الجديد شروطه التي ستضمن سداده، ومنها الترفيع في أسعار المحروقات، وتسهيل جلب الاستثمارات وتخفيف الضغوطات على رجال الأعمال وإعادة هيكلة بعض القطاعات ومراجعة المنظومة التربوية وربما الضغط على أجور العمال والموظفين... يأتي هذا القرض في الوقت الذي بلغت فيه نسبة الغلاء العامة في المواد الغذائية والاستهلاكية سنة 2012 ما يناهز 6.7 بالمائة وهي التي لم تتجاوز 2.3 بالمائة سنة 2011. ومعلوم أن سياسة التداين الخارجي في تونس أصبحت تدريجيا المصدر الأساسي لتمويل الميزانية خاصة منذ السبعينات مما قاد البلاد إلى حافة الإفلاس سنة 1985 . ولئن لم يتجاوز حجم القروض الخارجية 5700 مليون دولار على امتداد الحقبة البورقيبية حتى سنة 1987 فقد تضاعف بحوالي خمس مرات في عهد بن علي ليصل إلى 25 ألف مليون دولا بنسب فائدة عالية تصل إلى حد 8 بالمائة مع شروط مجحفة مست من استقلالية القرار الوطني والسيطرة المطلقة على الاقتصاد التونسي، لتكون تونس، بهذا التمشي، خير مثال على مقولة "الجوع والمديونية سلاحان يستعملهما أسياد العالم لإخضاع شعوب العالم واستغلال ثرواتها"، و"تساهم" تونس في إنقاذ البنوك المفلسة وتحويل أزمتها إلى أزمة الشعوب. ورغم أن الشعب التونسي ثار أساسا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، واسقط نظاما خنق حياته بالديون، وكان أمله في حكومة ما بعد الثورة كبيرا لتغيير نظام التجويع والارتهان الخارجي، ها هو يجد نفسه مكبلا بنفس النظام ومحاصرا بذات الديون التي تفاقمت، حسب الخبراء والمهتمين بالشأن الاقتصادي، وتجاوزت نسبة 100% . يبدو أن سياسة الدوائر المالية العالمية لم تتغير إذ لم تستمع لاستحقاقات الثورات وخاصة في بعدها الاجتماعي ، كما لم تتعلم حكومتنا ضرورة كبح سياسة التداين وخاصة منها التي تتوجه إلى الاستهلاك لا إلى الاستثمار. كما أن ما يحير فعلا، أمام "هرولة" الحكومة الحالية نحو التداين المفرط ورهن الأجيال القادمة من الشعب التونسي بتسديد هذه الديون وفوائضها المجحفة، هو التباطؤ في تدقيق الديون التي أرغمت تونس على الحصول عليها في العهد السابق، والصمت عن استرجاع الأموال غير المشروعة التي تم تحويلها إلى البنوك الأجنبية، والسكوت على الكشف عن الحسابات المرقمة وحسابات الشركات الواجهة التي تخفيها طبقا لقانون مكافحة تبييض الأموال، وعدم الضغط على البنوك السويسرية والبريطانية والفرنسية والخليجية خاصة، والتلكؤ في إرساء الحوكمة الرشيدة المشروطة بالشفافية وباستقلالية المؤسسات المالية والبنك المركزي ومعهد الإحصاء، مع غياب محاسبة الفاسدين من رجال الأعمال قضائيا بعيدا عن الولاءات السياسية، في حين يتواصل طلب الديون في شكل سيولة مالية بدل مشاريع تنموية... إن الحكومة المؤقتة، التي من مهامها تصريف الأعمال بما توفر من إمكانيات ذاتية داخلية، والتي ستكون آليا خارج دائرة المحاسبة، لا يحق لها أن تحدد لوحدها الخيارات التنموية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ولابد من البحث عن التوافق الوطني بين كافة مكونات المجتمع السياسي والمدني لاتخاذ قرارات حاسمة من هذا القبيل أو تأجيل البت فيها إلى ما بعد الانتهاء من كتابة الدستور والانتخابات المقبلة.