بحث هذه المدونة الإلكترونية

2009/02/12

تحالفات

معذرة لكل قارئ سيصاب بخيبة توقع بعد ان ينكسر أفق انتظاره وهو يُنهي هذه البطاقة الاسبوعية ليكتشف ان وجهة العنوان غير وجهة المتن الذي سيطالعه.
فمصطلح تحالفات عادة ما يحيلنا ـ ميكانيكيا ـ إلى القاموس السياسي وتحديدا الى التنظيمات الحزبية التي تختار ـ أو تجبر ـ على التحالف مع بعضها البعض في مرحلة ما، وقد تكون تلك التحالفات تكتيكية او استراتيجية، وهي تستند في أغلبها الى أرضية عمل مشترك تنبني على جملة من التوافقات المبدئية المتوفرة او المرغوب في توفيرها... وعادة ما تكون نسبة نجاح تحالف ما أقل بكثير من نسبة الفشل وهذا ما أثبته التاريخ السياسي في اغلب الحقب التي مرت...
هذه التحالفات السياسية ليست هي التي أقصدها وان كانت لا تبتعد كثيرا عن الحقل الذي أعنيه، ذلك ان كل حدث مهما كان ضئيلا ينتهي بالضرورة الى الحقل السياسي بالمفهوم الانثروبولوجي للسياسة...الحدث الضئيل الذي أعيشه تقريبا يوميا يعيشه كل مواطن تونسي يستعمل وسائل النقل، هو حدث عابر وعادي بل هو يبدو بديهيا ومنطقيا ولا يمكن ان يثير انتباه كل مواطن رغم انه يعايشه بصورة دائمة...هناك تحالف عابر بين حافلات النقل الخاصة واحدى الاذاعات الخاصة وكذلك احد المطابع الخاصة التي تزوّد شركات النقل الخاصة بالتذاكر... وهذا التحالف الثلاثي بين الخواص يبدو في ظاهره تحالفا ايجابيا يسعى إلى توفير مستلزمات الراحة للمواطن، او لنقل للحريف الذي يستعمل الحافلات، وكلمة حريف هي التي يصنّف بها السائق ومقتطعة التذاكر والمراقب المواطن التونسي...وبالمقابل هناك تحالف اخر ايضا يعيشه المواطن الذي يستعمل الحافلات الصفراء... تحالف عمومي بين الموظّف العمومي والثروة الوطنية والمواطن التونسي، تحالف يتجسد من خلال استهتار السائق والقابض والمراقب في السياقة واللياقة... تحالف يتجسد من خلال اهمال اسطول الحافلات والامعان في تخريبها وانهاء صلوحيتها من خلال حالة الطرقات ومن خلال ممارسات اغلب المواطنين داخل الوسائل التي هي ملك لهم وليست للدولة...
تحالف من خلال ظاهرة «الترسكية» لدى المواطنين من خلال اعمال التخريب التي يحلو للبعض ممارستها كالكتابة والتمزيق وتهشيم البلور...
كلها تحالفات من اجل جعل المواطن ينفر من رزقه بدل ان يحميه ويحسن استغلاله... تحالفات تعمل من اجل الاسراع بالتفريط في عمومية قطاع النقل ليستحوذ عليه الخواص ويستحوذوا على أموالنا...ان هذه التحالفات هي في احد وجوهها تحالفات سياسية، سياسة العيش... سياسة المحافظة على الرزق العام... سياسة المواطن او الغريب... سياسة سحب البساط... سياسة قتل الدولة لصالح الرأسمالي...

2009/02/11

زيادة الحاكم!!!


يحتشد ذهننا نحن التونسيّين، عمّالا أو موظفين، طلبة أو تلاميذ، متعلمين أو أميين، مدنيين أو ريفيين، تقدميين أو رجعيين.... تحتشد أذهاننا جميعا بجملة من المعتقدات التي لا تكرّس إلاّ تأخّر إيماننا بفعل المواطنة الحقيقية، ومن بين تلك المعتقدات التي تجري على ألسننا جريان الدّم في الشرايين تلك المركبات اللغوية المعلومة لنا جميعا وكأنها حقائق ثابتة وليست أوهاما مثل قولنا «عشرة الحاكم» و »زيت الحاكم» و »ضو الحاكم» و »طريق الحاكم» وكذلك «زيادة الحاكم» وهي التي تعنيني ضمن هذه الأسطر العابرة...

تعنيني «زيادة الحاكم» لأننا نعيش هذه الأيام جولة جديدة ومهمة من المفاوضات الاجتماعية حيث تجلس يوميّا إلى طاولة التفاوض، الأطراف الثلاثة بنفس النديّة والحجم وهم الاتحاد العام التونسي للشغل ممثل العمّال والعاملات بالفكر والساعد واتحاد الصناعة والتجارة منظمة الاعراف والطرف الثالث الحكومة ممثلة في مختلف وزاراتها ومؤسساتها العمومية، ومعلوم أن المفاوضات الاجتماعية التي تُجرى مرّة كل ثلاث سنوات تنظر في مستوى عيش «المواطن التونسي» وفي سبيل تحقيق الموازنة بين مستوى الدخل ومستوى العيش وغالبا ما تنتهي تلك الجلسات التفاوضية بإقرار زيادة في الاجور لعموم العمّال والعاملات، غير ان كل المنتفعين بملاليم الزيادة تراهم في كل شبر من البلاد يتحدثون عن زيادة الحاكم!!! والحال أن الاتحاد العام التونسي للشغل هو الذي يطالب بضرورة تلك الزيادة ولأجلها يكوّن المفاوضين ويدربهم وتناضل كل طاقاته من اجل تحسين الحد الأدنى المعيشي... والحال أيضا أن الحكومة والاعراف غالبا ما يتعللون بالظرف الاقتصادي العالمي او بطبيعة تغير المناخ والطقس الذي أثرّ في موارد البلاد الطبيعيّة..

تصوّروا طبيبا أو مهندسا أو أستاذا جامعيّا يتحدّث عن زيادة الحاكم وبالمثل تلاميذ معاهدنا وطلاّب جامعاتنا تسمعهم أيام الامتحانات يتحدثون عن تحصيل «عشرة الحاكم» على الاقل.. وكأن الحاكم هو الذي يدرس ويسهر الليالي!! و جدّتي تقول لي إنّها تكرهُ «عظم الحاكم» وأنها تحب «العظم العربي»... وكل المركبات اللغوية الاخرى التي لا تؤكد الا استفحال ذهنية فقدان صيغة المواطنة تلك القيمة المكتسبة عبر جملة من الممارسات وعبر جملة من المبادئ التي يؤمن بها الانسان ولا يمكن للمواطنة أن تُهدى أو تُعطى هكذا مثلما يتوهم التونسيون أن الحاكم يمنحهم الزيادة... ويعبّد لهم الطريق...



2009/02/09

دار الثقافة ابن رشيق بالعاصمة: الاسم العالي و....

منذ عشرة سنوات خلت، زارت جارتنا العجوز تونس العاصمة آخر مرة قبل أن تلفظ أنفاسها في الأيام الماضية. في الواقع كانت موتتها غريبة وغير منتظرة بالمرة. صحيح أنها شارفت على سن الثمانين ولكنها لا تزال تتمتع بصحة جيدة تكفيها لمتابعة المسلسلات التلفزيونية وتهجي بعض المقالات السيارة، ولذلك كانت موتتها مفاجئة وغريبة، ولكن الأغرب في موتتها أنني أنا هو قاتلها.

أنا قاتل جارتنا العجوز. أي نعم، أنا من قتلها بعد أن توقف قلبها عن النبض لما سمعت إجابتي عن سؤاليها اللذين طرحتهما علي.

إجابتي كانت عن حسن نيتي وسلامة طويتي، انسابت على لساني من دون تزييف، ولم اضمر بداخلي أي نية لقتل جارتنا العجوز، مثلما أنا الآن لا اضمر أية نية لقتل أي قارئ سيسوقه حظه العاثر ليطلع على مقالتي هذه والتي سأحملها الآن نفس الإجابة التي قتلت جارتنا منذ أيام معدودات.

سألتني جارتنا قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة _ وقلبها ينط بين ضلوعها مثلما تنط عنزة جبلية وسط مرج ربيعي – أمازال الناس في «باب عليوة» يهيمون كالجراد الأرعن ويدبون كالنمل الأسود في غير اتجاه ؟. فأجبتها أن نعم. هم على وضعهم ذاك باقون، بل إنهم صاروا عجينة غريبة من الجراد والنمل ينتشرون في «باب عليوة» وفي كل أبواب العاصمة، ونوافذها.

زمت شفتيها علامة استغراب واستنكار، ثم صفعتني بسؤالها الثاني الذي كان سببا في التعجيل بموتها.

قالت لي وهي تسحب ضفيرة شعرها الشمعية إلى الخلف: قل لي بني، هناك دار للثقافة يقال لها «دار الثقافة ابن رشيق» كائنة في قلب شارع باريس الممتد شريانا متقاطعا مع شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، قريبة جدا لمقر اتحاد الكتاب التونسيين ، وجدرانها لصيقة بالمعهد الوطني للموسيقى، ويمر أمام بابها المغلق كل يوم الآلاف من المثقفين والمتعلمين والمبدعين والفنانين والشباب... كانت فسحة للمثقفين والمبدعين ومنبتا ثريا لأجيال عديدة مرت بها، اذكر أني آخر مرة مررت بها، منذ سنوات غير قليلة، قرأت لافتة معلقة على جدارها الأمامي كتب عليها أن الدار مغلقة للأشغال. هل انتهت تلك الأشغال وعادت الدار لسالف نشاطها الثقافي أم مازالت على حالها؟.

لم أكن أتصور أن صدقي في الإجابة عن سؤالها سيأخذ جارتنا المسكينة إلى قبرها البارد هناك في مقبرتنا المنسية بين الذئاب والكلاب.

أجبتها بكل صدق ومن دون مبالغة، أن دار الثقافة ابن رشيق مغلقة منذ أن دخلت أنا العاصمة والى الآن، قرأت بالجامعة، تخرجت من الجامعة، أنتدبت للعمل ولا أزال فيه إلى الآن، وهي على حالها لا باب مفتوح ولا أمل قائم في بنيانها المرصوص...ارتفعت حولها مبان بلورية شاهقة، وامتدت حولها طرقات سريعة في كل الاتجاهات، وتوسعت ملاعب كرة القدم بمليارات الدينارات في أشهر معدودة... أفتتحت مركبات وبنايات وارتفعت جسور وطرقات وبنيت جامعات وكليات ومطارات ومحطات وجلبت وزارة الثقافة بالمليارات من المليمات أحمرة تنهق فوق ركح قرطاج وكلاب مسعورة تدور على ذيلها فوق ركح المسرح البلدي...

أقيمت الندوات «الثقافية» وصرف عليها ملايين الملاليم، وودعنا المنتخب «الوطني» لكرة القدم بملايين الدينارات وسنستقبل عما أيام أشباه الأسماء في مهرجاناتنا بملايين أخرى... وفتحت دار الثقافة ابن رشيق بالعاصمة وكأنها لم تفتح فلا برامجها تطورت ولا فعلها تقدم على مثيلاتها في اصقاع البلاد من دور لا تفعل سوى تكرير الثقافة المكرسة!!!

عندما كنت أسرد على مسامع جارتنا العجوز، ما قرأتموه الآن، كانت باهتة صامتة، لم تنبس ببنت شفة، وعندما أنهيت كلامي لفظت جملة واحدة ومعها روحها الباقية. قالت لي: المسألة ليست مسألة ملايين ولا مليارات، المسألة مسألة رغبة وحسابات أخرى، تعلمها وأعلمها أنا ويعلمها جميع من يعرف تاريخ دار الثقافة ابن رشيق.

2009/02/08

بين الانتداب والخبرة: شرط العازب

من المفارقات العجيبة الغريبة تلك التي تمرّ أمام أعيننا كلّما تصفّحنا صحيفة ما أو كلّما اشرأبّت أعناق الجيش العرمرم من المعطلين عن العمل إلى شاشة التلفاز تلاحق عروض الشغل والِــجَة من اليمين هاربة من اليسار أسفل صندوق العجب. فأغلب عروض الشغل والانتداب المعروضة والمتوفّرة في مختلف الأطر كالصحف والتلفزة والإذاعات والدوريات وفي مكاتب التشغيل... كلّها تنصُّ على شرط أساسيّ لا رجعة فيه، إنّها الخبرة المطلوبة والتي تنصّ على وجوب أن تضاهي خبرة طالب الشغل ما لا يقلّ عن السنوات الخمس!!!

من هذه المفارقة السريالية فعلاً يمكن لأيّ واحدٍ عاقل أن يستشفّ ما به يقضي على تلك الخطوات التي تفصله عن الجنون حدّ الخَبَلِ.. أقول جنونًا لأنّه من المفترض أن تكون هذه الحقائق المُعلنة حافزًا للمزيد من النضال والاستبسال حدّ الموت من أجل حقّ يحقُّ لنا أن يتمتّع به ويحتفل به كل من نذَرَ عمره لبطاقة خلاص شهريّة بعد أن أحرقت منابة الابتسامة على شفاه أولئك المعطوبين الذين تهْرُسهم طواحين السوق الحرّة والعولمة كل لحظة على الأرصفة الباردة...

إنّ التنصيص على وجوب توفّر شرط الخبرة بما لا يقلّ عن السنوات الخمس لا يمكن أن يدلّ إلاّ على الرغبة الدفينة لدى عارضي الشغل وبما لا يدع للشكّ والريبة وحسن النيّة ـ في أنّ باب الشغل موصدٌ دائما وأبدا أمام مستحقيه، فببساطة إلى حدّ السّذاجة من يتوفّر لديه هذا الشرط المجحف هو لا محالة يشتغل في مكانٍ ثانٍ، ثمّ إن من لديه خبرة خمسة سنوات ويطلب شغلا جديدًا هو بالضرورة قد أُطرد من عمل سابق وهو بالتالي ضحيّة لنفس نظام الانتداب...

أتذكّر قياسًا لهذه الوضعيّة الشرسة مثلا سيّارًا على كلّ الألسن ذاك الذي يقول «شرط العازب على الهجالة» أتذكّره ولا أدري متى تنتهي مواسمُ استبلاه العقول ومواسم كنس الحقوق التي يتدحرج فيها آلاف المتخرّجين وآلاف المؤهلين لتأمين جيل آخر من عمر البناء...



2009/02/01

التدمير والنعمير


لن يختلف عاقلان على أن السمتان الرئيسيتان لطبيعة الكيان الصهيوني تتمثلان أساسا في أنه كيان مصطنع صنعته الصهيونية العالمية بالتآمر مع الاستعمار البريطاني وبتغذية وحماية من الامبريالية الأمريكية، وأنه كيان عدواني قام بالقوة ولن يستطيع أن يستغني عنها لحفظ وجوده، وهذه السمة الثانية ثابتة منذ أن صرح القائد الصهيوني "أشكول" سنة 1969 بأنهم، أي الصهاينة، "توسعوا وسيتوسعون"، وقد بان بالكاشف مدى إصرار هذا الكيان على مبدأ وجوده وفقا لإستراتيجيته العسكرية ولسياسته القائمة على القوة والاكتساح والتدمير والنسف وكل متواليات الخراب الطوفاني...

فالنَفَسُ العدواني الذي يحتد يوما بعد يوم، وبات يتغذى اليوم لا من قبل الدوائر المساندة لهمجيته والمبررة لعدوانيته، وإنما أيضا من القبل الهيئات الأممية والمنظمات الدولية التي من المُفترض أنها محايدة وإنسانية بالأساس، يجعل أي عاقل فوق هذه الأرض أن يتريث في التصديق بان العدوان على قطاع غزة قد انتهى وأن الحرب الغاشمة قد رفعت أوزارها، فالحرب لن تهدأ والعدوان لم يتوقف ولن يتوقف إلا ببناء ما يسمى "دولة إسرائيل"، هذا إن ظل مطمح الصهاينة بناء دولة فقط، ولذلك فإن العدوان الأخير الذي خلف أكثر من ثلاثة آلاف ضحية وقرابة الخمسة آلاف متضرر ودمرت آلته الحربية أكثر من عشرة آلاف منزل ومنشأة مدنية ليست إلا جولة جديدة/قديمة من جولات وصولات الكيان الصهيوني في فلسطين، وما وقف إطلاق النار من طرف واحد، والتصدي لتهريب السلاح إلا مهلة معدودة لمعاودة التخطيط بشأن أنجع السبل للاجتياح الكامل للأرض الفلسطينية ونزع سلاح المقاومة بكل فصائلها وكسر شوكتها تنفيذا للمشروع الامبريالي في المنطقة (سوريا وإيران ولبنان واصطناع منطقة الشرق الأوسط الجديد) وقد بدأت طلائع قوات احتلال أطلسية تصل إلى سيناء، بوصول البعثة الأمريكية، وهي تتولى حاليا مسح الأنفاق بين رفح المصرية وغزة تمهيدا لتدميرها، وتكتمل تبعا لذلك عملية خنق غزة وفلسطين التاريخية، ومن المقرر أن يتكثف الحضور العسكري الأطلسي في البحر الأحمر وخليج عدن، وصولا إلى الخليج ومضيق هرمز على الشاطئ الإيراني للسيطرة على المسارات والممرات المفترضة لمرور السلاح والمعدات والمؤن إلى سيناء وغزة.

إن هذه الطبيعة التوسعية الاستيطانية، وهذا النفس العدواني هما اللذان يشرعان لأي عاقل بأن يسأل عن جدوى إعادة اعمار غزة وبناء ما دكته الآلة الحربية، فمادام المشروع التوسعي لا يزال قائما في الذهنية الصهيونية ولا يزال قائما ميدانيا في عدم انسحابه كليا من القطاع فلماذا تُهدر إذن الأموال لبناء الجدران والأسقف التي ستُدك مرة أخرى بذات الآلة الحربية؟

ولماذا يتجه كل التفكير وكل التخطيط العربيين والدولي أيضا لإعادة بناء ما دُمر في حين يواصل الكيان الصهيوني تسلحه وتقوية ترسانته العسكرية؟ ما الجدوى من صرف ألف يورو لكل أسرة "شهيد" وخمسمائة يورو لكل من جرحى الحرب، وأربعة آلاف يورو لكل أسرة تهدم منزلها بالكامل وألفي يورو لمن تضرر منزلها جزئيا؟ ما الجدوى من صرف ما يناهز الملياران و215 مليون دولار؟

الثابت أن المقاومة بمختلف فصائلها هي التي مازالت تفكر في تقوية شروط استمرارها (التسلح الدائم والمشروع) لتعزز ما حققته في الجولة الأولى من انتصار معنوي نسبيا، والثابت أيضا أن ما سيُعاد تعميره سيتكرر تدميره وتخريبه، والثابت أيضا أننا نحن العرب نؤكد كل يوم للعالم أننا شعوب عاطفية بامتياز فنحن البارحة نساند المقاومة، واليوم نسارع إلى مراكز التبرع بالدم والبنوك لنساهم في إعادة اعمار غزة وغدا سنتصايح في الملاعب الرياضية وبعد غد سنتدافع أمام المساجد لنضمن صكوك التوبة والغفران وبعد بعد غد سنتكالب على اقتناء أجود أنواع الخمور وأروع باقات الزهور لنستقبل السنة الجديدة و...و...و...

إن القرار السياسي العربي والوعي الشعبي العربي هما اللذان يحتاجان لإعادة الاعمار الحقيقية قبل أي اعمار إسمنتي زائل...

2009/01/28

Représentant commercial

الممثلون والممثلات الذين أعنيهم لا صلة لهم تماما بأولئك الذين تُطالعنا صورهم على صفحات المجلات والصحف، ولا علاقة لهم البتة بأولئك الذين نشاهدهم على شاشات التلفزة أو فوق ركح المسرح أو نسمع أصواتهم في الإذاعات...
الممثلون والممثلات الذين عرفتهم لا يحتاجون إلى المساحيق وأدوات التجميل ولا إلى شعر مستعار، ولا هم يُتقنون عقد ربطة العنق أو يُلمّعون أحذيتهم.. إنهم لا يستقلون السيّارات ولا يُحسنون الأكل بالشوكة والسكين ولم تطأ أقدامهم المراقص والملاهي الليليّة...
الممثلون والممثلات الذين أتابعهم كل يوم لا تطاردهم أعين المعجبين والمعجبات ولا يأخذ معهم الصحفيون مواعيد لإجراء حوارات ولا يتجوّلون بحرّاس شخصيين.. وليست لديهم أجور بالملايين ولا دفاتر تغطية اجتماعية أو تأمين صحّي...
الممثلون والممثلات الذين عرفتهم، لا وقت لهم لتصفّح الجرائد والمجلات، ولا وقت لهم لمتابعة المسلسلات والأفلام السينمائية والمسرحيات ولا حتى للاستماع للإذاعات...
الممثلون والممثلات الذين ترصّدت ملامحهم وخطواتهم بشراتهم جامدة لا يعرفون أحمر الشفاه ولا يقلّمون أظافرهم، لا شرائط ورديّة تزيّن جدائل شعورهنّ ولا عطور تفوح من رقابهن.. يتراصّون صباحًا في الحافلات الصفراء ويمضغون الكلام طول النهار...
الممثلون والممثلات الذين ألتقيهم كلّما جلست بمقهى وسط العاصمة، كلّهم شبّان وشابات، منهم المتخرّج في الجامعات ومنهم من انقطع عن التعليم ومنهم من تكوّن في مدارس التكوين المهني... كلّهم يمثلون من الصباح إلى المساء...
كل شاب وشابة يتأبّط محفظة مملوءة بقوارير العطر المُقلّد وببعض أقلام أحمر الشفاه وبعض علب التجميل من النوع المقلّد أيضا، يتنقلون كالخذاريف من مقهى لآخر ومن مطعم لثانٍ يعرضون سلعة أعرافهم القابعين في مكاتبهم...
هؤلاء الممثلون والممثلات التجاريون الذين يجوبون شوارع وأزقة وينفذون من جميع الاتجاهات تراهم يكرّرون أمام كل واحد نفس اللازمة التي تدرّبوا عليها: «نحن نمثل شركة الأمل للعطورات نقدّم لك آخر منتوجاتنا في إطار فرصة بأقل الأثمان ومع كل قارورة عطر لديك هديّة ثانية، القارورة التي تباع في المحلات تساوي خمسين دينارًا ونحن نبيعك إيّاها بعشرة دنانير فقط ومعها هديّة.. يقلب الواحد منّا البضاعة المقلّدة ويبخّ قليلا من مائها على عنقه ثمّ يتأسّف للممثلة أو الممثّل لعدم اقتناء ما عُرض عليه.. وهكذا يتواصل التمثيل...
هؤلاء الممثلون والممثلات لا يشتغلون بأجر يومي أو شهري، إنّما بنسبة متفق عليها تتحدّد وفقا لقيمة المبيعات التي ينجحون في ترويجها.. لنقل مثلا أنّها عشرون بالمائة عن كل عملية بيع.. أي أنّها ديناران بالتمام والكمال.. وبما أنّ التونسيّين والتونسيات كلٌّ يدّعي معرفته بالمقلّد من الأصلي وكلّهم جهابذة في اكتشاف البضاعة «المضروبة» من البضاعة «السينيي» فإنّ مبيعات الممثل التجاري في اليوم مثلا قد تصل إلى ستّة دنانير كاملة!!!
أحد الممثلين قرّر أن يرفع سعر تمثيله في الحلقة الواحدة من المسلسل الرمضاني إلى ستين ألف دينار... واحدة من الممثلات التجاريّة ضربت حريفا بقارورة عطر رخيص لأنّه تحرّش بها جنسيا ووعدها باقتناء كل محتويات حقيبتها إن هي رافقته إلى الحانة المجاورة ثمّ إلى بيته.
ممثلّة أخرى أيضا قرّرت مقاطعة الصحف والصحافيين لأنّهم أحرجوها كثيرا بمقالات الإطراء والتمجيد وبالحوارات المطوّلة بالألوان في المجلات والصحف.. ومع ذلك مازالت الصحفيات يطلبنها على هاتفها الجوّال والصحافيون يترصّدون خروجها من أستوديو التصوير.. وعلى الرصيف التونسي مازال الممثلون التجاريون يتناسلون ويولدون... ويولدون... Mis

2009/01/27

facebook

على نفس وتيرة الأيام الثلاث السابقة بدأت يومها الرابع. الساعة السادسة والنصف صباحا أخمدت رنين المنبه الحاد. مدة الثلاثين دقيقة الفاصلة عن الساعة السابعة ­ موعد الأخبار ­ عاودت كل حركات الأمس واليومين السابقين. حمام منعش يستغرق عشرين دقيقة تقريبا. عشر دقائق تُمضيها بين غرفة النوم والمطبخ. ترتدي بنطلونها الأسود في الغرفة، وفي المطبخ تضع ملعقتين من البن الأسود في الفنجان. تُلقي قميصها الأبيض فوق ظهرها وتُزَررَهُ وهي تُضيف السكر إلى البن وتَمزجهما معا بالماء الدافئ.

رشفة أولى ثم ثانية وينتشر دخان السيجارة في أرجاء الغرفة. تتخلل تموجات الدخان ثُقُوبَ المذياع الأسود القديم ليصل نحو حنجرة المذيع القابع داخله التي لا تَعرفُ منه إلا هذا الصوت الواثق كل صباح من طاعة المواطنين لأمره بعدم مغادرة منازلهم اليوم كذلك لئلا يعرضوا حياتهم وسلامتهم للتهلكة لأن حضر التجول وحالة الطوارئ لا تزال سارية في مدينتهم. مدينة الخش خش.

سَحَبَت نَفَسًا عميقا من السيجارة واقتربت من علبة الأوامر اللعينة نافثة داخل ثقوبها ملءَ صدرها وملءَ حنقها وغضبها سحابة الدخان التي حبستها داخل فمها عَل هذا المذيع الناعق كل صباح يختنق بالدخان فيخمد صوته إلى الأبد.

نفثت الدخان وكادت تصفع المذياع على خده الأسود لو لم تستنشق رائحة والدها الذي لم يبق لها منه سوى هذا المذياع الأسود القديم.

غيرت المحطة الإذاعية إلى الناطقة باللغة الفرنسية فاندفع الصوت نحو أدنيها بفرنسية طلقة ولهجة حازمة

:le couvre-feu continue aujourd’hui le 11 juillet 2010.

فَضت رباط الحذاء. أزرار القميص. حزام البنطلون واندست تحت الغطاء، ثم فتحت النات ودخلت آليا الى "الفايس بوك" أين التحقت بمظاهرة افتراضية، بعد أن أخرست المذيع القابع داخل العلبة السوداء.