بحث هذه المدونة الإلكترونية

2009/04/23

حفل توقيع

ساقيم حفل توقيع مساء الأحد 26 أفريل بداية من الساعة الثالثة بمعرض الكرم بدار ورقة للنشر
يسعدني أن أخص كل واحد من أحبتي بتوقيع على صفحة كتابي الأول "خطوة القط الأسود"الصادر حديثا

2009/04/17

رواية الأوفياء عن قافلة الوفاء

معهم نسبر تلك الرحلة التي كانت محفوفة بالأمل كما الألم أيضا، رحلة الأوفياء الذين تحملوا مشاق الطريق حبا لفلسطين وإيمانا بعدالة قضيتها وتعبيرا صادقا من النقابيين التونسيين لأشقاهم في غزة، غزة العزة والصمود الأبي في وجه آلة الدمار الصهيونية التي دكت الأخضر واليابس طيلة شهر تقريبا...

ضد التخريب والقتل وإراقة الدماء ولأجل صحة أبناء غزة شُحنت أدوية الجهاز التنفسي وأدوية خاصة بأمراض القلب وأمراض المعدة ودواء تخثر الدم ومضادات حيوية وآلتي كشف بالصدى متطورتين وكراسي متحركة وعكازات ومعدات جراحية عامة وآلات لقيس السكري وأخرى لقيس ضغط الدم....وكميات هائلة من الحليب... شحنت كلها بعد ان تم تجميعها من قبل النقابيين في كل القطاعات وسهر على تنظيمها وترتيبها وتصنيفها طاقم من النقابيين المختصين...

"قافلة الوفاء" تلك التي حملت ما بقي مما جاد به النقابيون من مختلف القطاعات من أدوية ومعدات صحية... 72 طنا كانت حمولة الشاحنات العملاقة التي طوت الأرض طيا نحو معبر رفح، كانت أيضا مشحونة بأضعاف تلك الأطنان من مشاعر الحب والأخوة والاعتزاز ببسالة من أراقوا بدمائهم تراب غزة...

"قافلة الوفاء" تلك التي ودعها الأخ عبد السلام جراد الأمين العام لاتحاد الشغل وعدد من أعضاء المكتب التنفيذي الوطني وحشد كبير من النقابيات والنقابيين بميناء رادس يوم الاثنين 23 مارس الفارط، أين رفرفت أعلام تونس وفلسطين واتحاد الشغل إيذانا بتحرك الشاحنات، بعد الحركة الرمزية للأخ عبد السلام جراد وهو يلوح بالزنار الفلسطيني أمام كل شاحنة...

وبعد أن تابعنا رحلتهم عبر الهواتف، ها نحن نستقبلهم في مكاتبنا ليرووا لنا بدقة تفاصيل الرحلة وما حف بها...

الأخوة محمد الهادي قديش رئيس الوفد والحبيب الطريفي (الغزال) ولطفي الأحول ومستوري القمودي وكمال البوزيدي وفتحي الهيشري وجمال البحريني، ومحسن السلطاني هم الذين حفظوا الأمانة التي كانت بعهدتهم وشقوا الصحاري والجبال وقطعوا آلاف الكيلومترات ودخلوا المعابر حتى بلغوا المعبر الأشهر، معبر رفح، أين أشرفوا على تفريغ أطنان الأدوية والمعدات الطبية والصحية التي كانت مشحونة بعناية داخل الشاحنات الخمس التي قادها السادة نور الدين الشمك وبشير الظاهري وعلي القاسمي ورضا الإينوبلي وكمال الجلاصي.

هكذا حدثنا الأوفياء عن قافلة الوفاء...

* في بغداد

من ميناء رادس تحركت المحركات ودارت العجلات لتمر قافلة الوفاء بشاحناتها الخمس والسيارة المرافقة لهم عبر مدينة مساكن وتصل إلى ولاية صفاقس أين اعترضهم نقابيو الجهة بكل الحب والود ويحولوا وجهتهم إلى مطعم بغداد للعشاء احتفالا بهم، ليواصلوا بعدها المسيرة نحو ولاية قابس حيث قضوا ليلتهم نياما داخل الشاحنات ومع أول خيوط الفجر انطلقوا نحو ولاية مدنين ومنها إلى بنقردان التي "أفحمت" وفد القافلة باستقبالها الجماهيري الرائع مثلما قال الأخ لطفي الأحول.

* في القلب

انتهى التراب التونسي عند بوابة رأس الجدير الليبية، ولم يعد يفصل القافلة عن معبر رفح سوى التراب الليبي، والذي كان عامرا بالحب والاحترام والتبجيل وبكل أنواع التسهيلات والحماية، ذلك أن الأمن الليبي أبلى البلاء الحسن وهو يرافق قافلة الوفاء ويرشد الوفد التونسي وهو يعبر الزاوية وزلطن وزوارة وصولا إلى طرابلس، وبالمثل عامل الأشقاء الليبيين النقابيين في كل نقطة استراحة توقفوا بها...

بل إن احترام الليبيين للقافلة جعلهم يقتحمون بها قلب العاصمة الليبية، طرابلس، رغم أنها وككل العواصم، لا تجيز جولان الشاحنات الكبيرة وسط طرقاتها، ومع ذلك شقت الشاحنات التونسية العاصمة بحماية من سيارة الأمن الليبي... بعد أن قضوا ليلتهم نياما في المعرض الدولي بطرابلس...

"خروج القافلة من طرابلس كان سهلا ومريحا والفضل في ذلك يعود إلى توصية رجال الأمن الليبيين الذين اقترحوا علينا مغادرة العاصمة قبل تحرك دوليبها واكتظاظ طرقاتها" هكذا قال الأخ الحبيب الطريفي قبل أن يصل بي إلى أول استراحة بمدينة تاجورا.

* استراحة إدارية

"كنا نقتني أساسا الخبز والجبن والحليب والتفاح في كل مرة" قال الأخ محسن السلطاني وهو يتذكر التعب والإرهاق الذي نالهم وهم يشقون الصحراء الليبية لمدة 72 ساعة دون توقف حتى بدت لهم معالم مدينة "إجدابيا" الليبية فحطوا بها الرحال وأخمدوا محركات الشاحنات وعلقوا معاطف التعب والإرهاق بليل المدينة في أحد فنادقها الصغيرة...

"بلغنا مدينة طبرق يوم 28 مارس ومنها اتجهنا نحو مدينة "مساعدة" الحدودية التي حظينا فيها باستقبال حار ومتميز من قبل أعوان الأمن والديوانة الليبية" تدخل الأخ مستوري القمودي وهو يتذكر حفاوة الأخوة الليبين وما أبدوه من كرم الضيافة ذلك أنهم قاموا بإيواء الشاحنات والسيارة في مأوى تابع للأمن وتمت استضافة كافة الوفد من قبل المدير الأمني إلى استراحة إدارية اين تقاسموا معه أطراف الحديث حول طول الطريق والاحتياطات اللازمة وعن آخر تطورات الوضع في غزة وصمود المقاومة...

* إلى الوراء در

لاحت البوابة المصرية على الحدود الليبية في الميناء البري بالسلوم فجهزنا أوراقنا وجوازاتنا لننهي جميع الإجراءات اللازمة من الإثباتات الشخصية ودفع الرسومات وختم الجوازات وأوراق الشاحنات والسيارة الخفيفة المرافقة لنا، ولم نكن نتصور أن مدة تلك الإجراءات ستطول من الصباح صباحا إلى ما بعد الرابعة بعد الزوال... ولكن من أجل عيون غزة لم نتذمر ولم نتململ في ساعات الكسل الإداري...

ضرب الأخ كمال البوزيدي كفا بكف وقال "كانت المفاجأة اكبر مما توقعنا" اذ وبعد الساعات الطوال قدم لنا وفد أمني رفيع المستوى ليطلب منا الجوازات قصد تسهيل مرورنا ففعلنا وحرك السواق الشاحنات ودارت العجلات في اتجاه كنا نعتقده التراب المصري غير أننا وفي أول مفترق أمر الضباط الكبار سواق الشاحنات بالاستدارة والاتجاه نحو البوابة الليبية والعودة على أعقابنا!!!

كيف نعود؟؟؟ والأدوية ودموع أطفال غزة وجراح المقاومين وآلاف الأميال التي قطعناها وتلك الجماهير التي ودعتنا وهذه الأمانة ماذا نفعل بها؟؟؟

أوقفنا المحركات ونزلنا نستفسر عن السبب ونذكر الأخوة المصريين بالتأشيرات المرسومة على الجوازات من طرف سفارة بلدهم ببلادنا، فأخبرونا بأنها "تعليمات عليا" وختموا على جوازاتنا، التي ما تزال عندهم، كلمة "إلغاء" بسرعة وبكل بساطة، ثم أمروا سواقا مصريين بنقل شاحناتنا إلى البوابة الليبية غير أنهم رفضوا ذلك بل منهم من أجهش بالبكاء أمامنا... فاضطررنا أن نعود ليلا إلى الأرض الليبية.

* يوم الأرض

قضينا أربعة أيام كاملة في ليبيا نترقب نتائج الاتصالات الحثيثة التي كانت تجريها القيادة النقابية مع السلطات التونسية والسلطات المصرية لتسهيل عملية مرورنا وعبورنا بوابة السلوم لتواصل القافلة مسيرتها نحو معبر رفح...

هنا حدثني الأخ فتحي الهيشري عن المعنويات المرتفعة التي تحلى بها كافة أعضاء الوفد وسواق الشاحنات، ووصف لي بالتفصيل الاحتفال الذي أقاموه بمناسبة يوم الأرض الذي يوافق 30 مارس من كل سنة، حيث كتبوا اللافتات واليافطات وغنوا للأرض والحرية وانضم لهم عدد من الأشقاء الليبيين... وكان الدخول للأرض المصرية يوم 31 مارس...

قطعت قافلة الوفاء 1200 كيلومتر دفعة واحدة بمرافقة سيارة أمن، ولم يكن لأعضاء الوفد إلا أن يتوقفوا في محطة بنزين لمدة ساعتين فقط بعد تلك المسافة الطويلة، وبعد أن اخذ منهم التعب والإرهاق مأخذه.

"في العريش قضينا أربعة أيام حيث كنا نقيم بجانب مركب رياضي أين تكدست المواد الغذائية المرسلة إلى غزة وسط الملاعب الرياضية"، قال الأخ جمال البحريني وهو يشير إلى انتظارهم المقيت لإتمام الإجراءات التي يقوم بها كل من أعضاء الهلال الأحمر الفلسطيني والهلال الأحمر المصري للتسريح للقافلة بالاتجاه نحو معبر رفح الذي تفصلنا عنه 45 كلم فقط.

بعد بوابة رفح مشينا قرابة 300 متر ليستقبلنا الأشقاء الفلسطينيون بمعداتهم ومحركاتهم ورافعاتهم وعلى مدى ست ساعات عمل تم تفريغ أطنان الأدوية من الشاحنات التونسية الخمس وشحنها على متن سبع شاحنات فلسطينية ولم تسع الأرض فرحتنا ساعتها بعد أن انزاح عنا ثقل الأمانة التي كانت بعهدتنا ولم يفزعنا هدير الطائرات التي لم نرها والذي كان يصلنا من بعيد.

خلف حواجز رفح وعلى إيقاع شعار "غزة رمز العزة" التقى الوفد التونسي بوفد من الأطباء وكان الأخ كمال البوزيدي يشرح للطبيب الفلسطيني ممثل الهلال الأحمر السيد إياد حسن نصر تفاصيل الملف الخاص بالأدوية وكل المعطيات المتضمنة به بخصوص نوعية الأدوية وصلوحيتها وكمياتها...

· مرسى مطروح

انتهت المهمة وزال كل التعب والضغط... فرغنا شحنات الأدوية وتضاعفت شحناتنا المعنوية ونحن نطوي طريق العودة مظفرين... في مدينة مرسى مطروح تعطل محرك السيارة الخفيفة فاضطررنا لشحنها على متن إحدى الشاحنات بمعاونة بعض من العمال المصريين الذين كانوا يقومون بأشغال على حافة الطريق، ورفضوا مجازاتهم عن تعاونهم معنا قائلين لنا بالحرف الواحد "أنتم كسبتم الكثير من الحسنات بحركتكم النبيلة تلك فاتركوا لنا فرصة الفوز بحسنة واحدة من إعانتكم"...

كل أعضاء الوفد أكدوا أن على طول طريق العودة من معبر رفح إلى بطحاء محمد علي بتونس العاصمة لم تخبو مظاهر الاستقبالات الحارة والحميمية من قبل المواطنين والمواطنات في كل نقطة نعبر بها...

· الرصيد الرمزي

تتوارى مشاق السفر وعذابات الطريق خلف الشحنات المعنوية والرمزية التي تدفقت لدى كل واحد من الأخوة النقابيين الذين أمنوا رحلة الوفاء على متن قافلة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى الأشقاء الغزاويين، كما أن هذه الرحلة التي دامت في الزمن الفعلي أكثر من عشرين يوما فانه ستنضاف إلى الرصيد الرمزي الذي يراكمه الاتحاد العام التونسي للشغل منذ أن تأسس تجاه الفلسطيين وعدالة الأرض المغتصبة...

2009/04/16

جنود الليل


نتدثر بالحرير صيفا وشتاء نختبئ في قلب الدفء وهم يجوبون ليلا ساحات المعاهد والمدارس وأقسام الكليات والجامعات والمستشفيات والوزارات والمصانع وكل المؤسسات والبنايات...

نقضي الليالي الطوال مقرفصين أمام شاشات التلفزات أو صحبة الانترنت، وننظم السهرات الصاخبة والحميمة والمجالس الملاح وهم يقتسمون وحشة الليالي مع نباح الكلاب ومواء القطط السائبة وصفير الرياح أو سيول الأمطار الجارفة...

نفترش نحن الموسيقى ونتغطى بالأحلام في ليالينا، ويقضون هم لياليهم متوثبين مستنفرين حتى لدبيب النملة إن حركت خطواتها أمام باب المدرسة التي سيتجه لها أبناؤنا صباحا، أو باب المستشفى، أو باب المصنع أو الإدارة التي ستقضي شؤون المواطنين

يقضون لياليهم في بيوت تقارب مساحتها زنازين السجون، تنتصب عادة وفي الغالب الأعم بجانب المداخل الرئيسية للمؤسسات التعليمية أو الصحية أو الإدارية...

ننام ليلا ونتحرك نهارا، وهم عكسنا يتحركون ليلا وينامون نهارا...

فئة كبيرة من المواطنين العاملين في هذا الوطن لا نعرفهم لطبيعة العمل الذي يؤدونه لصالحنا ولصالح هذا الوطن بمؤسساته وبناياته، هم الحراس الليليون الذين ينتشرون مع غروب كل يوم في مواقع شغلهم وينسحبون منها مع تباشير كل فجر جديد بعد أن يقضون ليلة كاملة يحرسون الجدران والمعدات والأرشيف والمخزون... وحتى النائمين فإنهم يحرسون طمأنينتهم...يحرسون أحلامهم ...

ولكن هؤلاء الحراس يفتقدون لأبسط مستلزمات الراحة إذ تمر عليهم ليالي الشتاء الطويلة في تلك البيوت/الزنزانات بدون أي وسيلة للتدفئة بدون رفيق يقاسمهم الوحدة بدون شاشة لتقطيع الليل إلى أجزاء... وأقصى ترفهم جهاز راديو سيئ الصوت والأخطر من كل ذلك أنهم يحمون مؤسساتنا مجردين هم ذاتهم من كل وسائل الحماية مفتقدين إلى ما من شأنه أن يحفظ سلامتهم وسلامة المؤسسة التي بعهدتهم...

الحراس الليليون لا يتمتعون بمنح خصوصية كافية وأجورهم لا تساوي أبدا حرمانهم من حياة طبيعية يخيطون فيها مثل كل الناس نهارهم بليلهم... والترقيات التي ينالونها مضحكة... ومنهم من يقضي ليله حارسا ثم يواصل صباحه منظفا بذات المؤسسة بأمر من مديرها بتعلة نقص اليد العاملة والأخطر من كل ذلك أننا لا ننتبه لهذه الفئة إلا يوم تُسرق مؤسسة ما، حيث تنصب كل السهام نحو ذاك الجسد النحيل الذي نخره سهد الليالي الطوال وأرق من حرم من نعمة النوم ليلا، هذا فضلا عن نظرة الاحتقار والدونية التي يحسونها من قبل مرؤوسيهم ومن يشتغلون بمؤسساتهم...

الحراس الليليون، هم فعلا الجنود الحقيقيون الذين يحمون هذا الوطن بكل أمانة حتى إن لم تتوفر لهم الحماية الشخصية...

اذكر هنا مقطعا شعريا للوركا يقول فيه:

"عيونها في الأرض الظليلة

تتعتم بليل هائل

وبين منعطفات الريح

يسمع صرير الفجر المالح"

أفلا يستحقون فجرا أقل ملوحة... لتنبت بعض الأزهار في حدائق لياليهم وليالي أبنائهم وبناتهم ككل الناس...

2009/04/14

أقصوصات الأزمنة الأخيرة..بلغة افتراضية جديدة..وتبرجات لا محدودة

بدر السلام الطرابلسي يكتب عن خطوة القط الأسود

صدر مؤخرا عن دار ورقة للنشر باكورة الأعمال الأدبية للكاتب الصحفي ناجي الخشناوي تحت عنوان "خطوة القط الأسود" وهي عبارة عن مجموعة قصصية تتكون من خمسة عشر قصة قصيرة ألفها الكاتب على فترات زمانية متباعدة(2008،2007،2006..) ولم ترى النور إلا في مارس من سنة 2009.

ويعتبر صاحب هذه المجموعة من جيل الكتاب الشبان حيث نشرت له عديد البحوث والمقالات الأكاديمية والفكرية في عديد الصحف والدوريات الورقية والالكترونية المحلية الدولية..كما شارك بأقصوصاته في عدد من المنتديات والدورات الأدبية الإقليمية..حيث لاقت قبولا محترما من قبل النقاد..

ونجده اليوم يلملم شتات قصصه القصيرة في كتاب واحد لينقل لنا فيه عمق تجربته الإنسانية القصيرة بمفهوم الوقت الآلي والطويلة بتنوعها وثرائها الوجودي ممتزجة في شكل رموز ودلالات تتماها وتتقاطع مع فانتازيا افتراضية تبحث لها عن منفذ في جدار الأفق الأفعواني حيث تغمره الثقوب السوداء بلا رجعة..!

المرأة فالمرأة فالمرأة..ثم الجنس والخمر ولفافات التبغ..قواسم مشتركة لمعيش شخوصه المتهالكات على عتبات المدينة الراكدة..والافتراضية أحيانا..أنساق وأنساق تمر بالتدريج وعلى مراحل لترابض في مستنقعات المحجرين المخضبة بالدماء المنهمرة في كل مكان ..افتراضي..(دم غزير يندفع باتجاه المحجرين بلا هوادة حيث ما نقل بصره)..

المرأة فالمرأة فالمرأة..ثم الجنس والخمرة ولفافات التبغ..تلاطمات مترسبة بعضها من بعضها الآخر..تكتمل في قصة صراع من أجل عشق عذري يتصدر صفحات جرائد القرن الوحيد في أعينهم..تزدهر في رحلة ملأ الذات على الملأ دون مواربة أو أغطية زائفة ومصطنعة..حيث

المرأة فيها سيدة الجلسات والاحتفاليات بالنبؤات الجديدة..حيث المرأة بلده الأصيل تعاشره ببذخ وكرامة ودلال...ويجد فيها موسما آخر مغاير..لأجل رحلة العمر صوب جنته المعلقة على أهداب الكاهنة البربرية..مرة أخرى.. والكثير من المرات..

هكذا أراد لنا أن ناجي الخشناوي أن نفهم معه الأشياء..وبتلك الطريقة أرادنا أن نعشقها ونعيشها مع/ و بلا ضوضاء المدينة..هربا من أنياب الجياع و"أقدام الجنود" التي لا يمكن لها أن تكون واقعا افتراضيا..محترزا بشدة على أصحاب البزات الأنيقة جدا..مفضلا المنفى داخل عزلته الحميمية وحانات آخر الطريق..مستمعا إلى "صوت فيروز" ثاني اثني واقعيته الأبدية أين يستقر ملجؤه ورغد المقام..

وهكذا تلمسنا أقصوصاته..بتأثر الغريب لأدب طليعة فنية جديدة ثائرة على طليعيات أخرى لم ترحمها الأزمنة الجديدة ذات الذواق الأممية الرحبة والرؤى المشتركة لعوالم الأنا والآخر و الأخروي القريب لنفق الأفق المتفحم تحت سطوة الماضي السحيق والمقولات المترسبة عبر أزمنة الظلام..والنور الأصولي..

تشكلات جديدة ومتقدمة على سرياليات ما بعد الدمار الكوني الثاني..جاءات في لوحات فنية "تشكيلية" بالأساس..قصصية شكلا ومضمونا وبعدا ورؤيا "افتراضية" ما كان لها أن تتشكل لولا عبق كاتبها الذهني حيث عمليات الجمع والقسمة لم ولن تخضع أبد لمنطق الحسابيات الاقليديسية أو الهندسات...أو حتى العقلانيات الابيكيرية..بل كانت دائما زخما ابنرومي معربد على غير العادة في ثنايا الحانات الإلاهية الممتدة بعيدا بعيدا..على جغرافية الروح المسفرة في العهود القديمة..حيث بابل هي المضجع والمضاجعة مرتين وألف مرة وكل مرة ومرات التاريخ المتقدمة بتكرار هزيل الإخراج والنية..

"خطوة القط الأسود"..مراكمات قصصية صغيرة تبحث عن مكان لصاحبها بين ثنايا ديناصورات الأقصوصات المعاصرة حيث الرتيب هو المعيار والتجريب يبقى كما كان دائما منزعا للهامشيين من أمثال رامبو وبودلار واليار وابن العربي و، صدقوني، عمر بن ربيعة والمهلهل..حيث انتعاشة الكلمة و رجرجة المعنى وصدمة الأفق البالي..

هنا وهناك..يترك القط السود آثار خطاه المزعجة لبعض فحول الأقصوصة الحديثة..هنا وهناك يترك ناجي الخشناوي ارتسامات جديدة للحب ..للجنس..للمعنى..للفكرة المتبرجة..ولكل المكبوتات المترسبة عبر سمك طبقات الفطاحلة القدماء..عندما يتنادمون في أمسياتهم الصيفية البذخة..حيث النرجيلة والفاكهة..والخمرة المعتقة.. وذوات الأرداف العالية..

كان وكنا وكانت الأماكن والأزمان والشخوص والتعقيدات العقدية..كان وكنا وكانت أحداثه الافتراضية تنزع الغمام عن بصائرنا المرتخية بفعل غبار الزمان المتكلس على جفوننا الفقيرة للمساحيق المترفهة..وتفتح نوافذ جديدة نحو ممكنه المستعصي على الولادة الطبيعية..

كنا بحق، وفي الكثير من أنساقه القصصية، قابلات عصاميات لمواليده الغريبة على عرفنا..والهامشية لصفحات أدبياتنا الكلاسيكية..لكننا في النهاية اهتدينا، في خضم النفق القاتم، إلى خطى قطه الأسود.. ******

ناقد وصحفي من تونس

2009/04/11

«خطوة القط الأسود»:من «عراء الأسئلة» إلى تعرية الوجوه الصفيقة والافتراضية



خطوة القط :

ناجي الخشناوي من «عراء الأسئلة» إلى تعرية الوجوه الصفيقة والافتراضية!



Bas du formulaire

أراد تعرية الوجوه والبنيان والأزقة والخطاطيف...

جاء من عراء الأسئلة بعد نصف شهر من سابع نوفمبر 1975 بسبيبة قال إنه ما زال يقيم في العراء... لكن مجموعته القصصية البكر «خطوة القط الأسود» جاءت لتكشف قدرته على تجاوز هذا العراء لتأثيث عوامل جعلت عراءه عمارة ووحشته أنسا وعزلته التصاقا.
ناجي الخشناوي أبحر عبر 15 ميناء وفي كل المرافئ التي أرسى بها أنار لنا عالما من العزلة والسخرية والتوحد والوحشة والغربة وأيضا من الاتحاد والتصاق الأجساد والقلوب المرهفة والحب الذي يكتمل والعرض الموسيقي المجهض وبائع الكتب والحالم بالسفر دون اقتطاع تذكرة سفر على خطى جون جونيه الذي وصفه أحد أبطال أقاصيصه «باللص الأصلع» ويتمنى السير على خطاه وهو الذي سافر من «مو» الى باريس دون دفع ثمن تذكرة القطار!

هذه الأقصوصة اعتقد أنها قريبة جدا من ناجي الخشناوي الذي تحمس لها كثيرا حتى فضحته الأسطر وكأنه يروي حكايات نعرفها ويعرفها هو جيدا لأبطال مازالوا بيننا صدرها بأبيات لـ»علي بن محمد الخولاني» :

بعت الدفاتر

وهي آخر ما يباع من المتاع

فأجبتها ويدي على كبدي

وهمت بانصداع

لا تعجبي مما رأيت

فنحن في زمن الضياع

والحالم السفر الى طنجة والمهووس بجان جونيه راى : «ان الأموال ضرورية سأحتاج الى بعض الأموال لأبعد عن نفسي رائحة التسول... الأموال ضرورية قبل أن أكسب بعض الصداقات التي فشلت في اقامتها مع هؤلاء البشر القذرين الذين يحيطون به كالقطط»!

ما عدا...

الآخرون هم الجحيم ولا بد من فك الحصار والعزلة وفرض علاقات متوازنة مع الآخرين غير الآخرين!

وهذه الأقصوصة شغلت حيزا مهما تماما مثل المقالة الافتراضية التي كانت رغم صبغتها «المباشراتية» تحفل بالتحدي وإعمال معول الهدم في سياسة نشر كاملة وصفت بـ»الافتراضية» لكن أجمل ما في هذه ««القفلة» : «كل شيء يمكننا أن نصيّره واقعا افتراضيا ما عدا صوت فيروز ووقع اقدام الجنود» وضمن الأقاصيص «المعمقة» نجد «معاريج السجود».

و»خطوة القط الأسود» التي أعادت للمجموعة عنوانها و»تراتيل بحرية» وهي من أجمل أقاصيص هذه المجموعة وأكثرها شاعرية وأيضا «موعد النرجس» وغير بعيد عن تلك «التوطئة» لا الوقت لنا والكتابة أيضا وهي في اعتقادي مقدمة أرادناجي الخشناوي من خلالها وضعنا في صورة معاناته الكتابة والكلمة التي لا تخرج إلا بعملية قيصرية يكابد صاحبها على الورق في زحمة الشواغل اليومية.

غير بعيد عن ذلك تطالعنا مجموعة من الأقاصيص الموجزة أو المكثفة أو لنقل انها «أقاصيص الفلاش» التي ما تكاد تطالعنا سطورها الأولى حتى نتورط في اقتراف الختام!
من ذلك «غرق حبرى» وخاصة «حكمة السمكة» التي صيغت بحبكة استثنائية أو «زوجا حذاء» أو درجة أولى و»رجل الكلمات المتقاطعة» وزيارة وGame over وفايسبوك Face book التي لم يكن ترتيبها مواليا للمقالة الافتراضية مجرد صدفة!
ناجي الخشناوي الذي جاء من العراء عراء الأسئلة لم يكف عنها بل تلذذ غواياتها ليؤثث عالما من الأسئلة حتى وان بدا واثقا ممسكا بتلابيب الحقيقة... وكأن الريح تحته أراد «الاقامة في العراء» فتورط حىن التقط الالاف أسئلته وهم الذين رأوا الطمأنينة رغم دفئها الظاهري تدفع بهم الى العراء والخواء.

كان أمة

ناجي الخشناوي كان في مجموعته «أمة» قائمة الذات وهو يجمع حول مظفر النواب ومحمود درويش وأنور براهم وفيرزو وجون جونيه وابن عربي ومحمد شكري وحنا مينه وابراهيم ناجي وغيرهم... تدثر بهم وكان محاطا بآلاف المريدين الذين هتفوا باسمه بوركت يا شيخنا فنحن ظلك في العشق والحيرة والتمرد على الصداقات الزائفة والمظاهر التي هزمتها «حكمة سمكة» هزئت من السكين! وقشور الحضارة والـ»فايسبوك» والعالم الافتراضي بعد إخراس صوت محطتين اذاعيتين تبثان بلغة الخشب!! تماما مثل تلك الجريدة الافتراضية الخشبية التي قامت على الحرية واتخذت لنفسها شعارا دنيئا يرويه أصحابه «سنتركه ينشر مقالته الافتراضية تلك في أكثر من جريدة لنبرهن على اننا فعلا نؤمن بحرية الصحافة وندافع عن القيم الأساسية لمجتمع المعلومات...»

جاء في اهداء هذه المجموعة إلى يسرى فراوس «ستعثر الانثى على الذكر في جنوح الشعر نحو النثر»

ناجي الخشناوي شاعر جنح إلى النثر وقاص يكتب بجنوح شعري شديد هل قال كل شيء؟
هل سكت وغنى مع فيروز الماثلة في أكثر من أقصوصة «خايف أقول اللي في قبلي»؟!
«
خطوة القط الأسود» كان لا بد أن تظهر وكان لا بد لنا في الخشناوي أن يبدأ في اليوم حتى يعري «الغربان والعربان والبنيان حتى يصهل الخيل وتطير الحمام طيران واثق بعيدا عن العوالم الافتراضية.


* شكري الباصومي (صحيفة الشروق)