2013/07/11
"التونسية"، "الحوار التونسي" وجمرة الإعلام الحر
رغم كل العراقيل والصعوبات التي مرت بها قناة "التونسية" أثبت الفريق العامل بها عن جدارة أن "الفشل" ليس تونسيا وأن الطموح الجامح يظل البوصلة الحقيقية لإفتكاك موقع متقدم في مجال متحرك اسمه "الإعلام"...
فقناة "التونسية"، وبغض النظر عن الغموض الذي يكتنف مالكيها، وهو غموض ضاعفته ممارسات الحكومة المؤقتة المترددة بين الحسم مع "بقايا النظام السابق" من جهة، أو اقتناص ما يمكنها من تنازلات لصالح استمرارها في الحكم من جهة ثانية، قناة التونسية هي بالأخير مؤسسة إعلامية تشغل عشرات بل مئات التقنيين والصحفيين والإداريين وتؤمن لعائلاتهم مورد رزقهم، إلى جانب أنها قناة افتكت المراتب الأولى عن جدارة، وما جدارتها إلا من ارتفاع منسوب النقد المطلوب من الإعلام التونسي، وربما - أو هو كذلك - تعود كل محاولات "الهيمنة" ووضع اليد على هذه القناة بل ومحاولة تدميرها ونسفها، بدءا من قرار غلق استوديوهات شركة "كاكتوس" في أفريل 2011 مرورا بمداهمة أعوان الديوانة لمقر الشركة في منتصف رمضان الفارط، ومحاولات إثناء المستشهرين عن التعامل مع القناة، حتى بلغ الأمر بصاحب شركة "كاكتوس"، المنتج سامي الفهري، إلى تقديم نفسه للعدالة والتضحية بحياته الشخصية في سبيل إنجاح مشروعه الإعلامي... ومنذ نهاية شهر رمضان الفارط يقبع سامي الفهري وراء القضبان دون أن نفهم إلى الآن الوضع القانوني، ولا حتى الأخلاقي، لهذا "الإعلامي السجين" (في الوقت الذي تم فيه الإفراج عن عبد العزيز بن ضياء وعبد الله القلال ومحمد الغرياني)...
أمام كل هذه العراقيل وغيرها، كالدعوات المتكررة، خاصة من طرف قيادات حركة النهضة لمقاطعة برامج القناة وتهجمهم على المنشطين، رغم كل ذلك صمدت التونسية واستبسل العاملون بها في الدفاع عن مؤسستهم وعن خطهم التحريري، بل إن الإصرار كان يتضاعف كلما زاد الضغط وكلما تكررت محاولات تقزيم القناة...
وهاهم بنات وأبناء قناة التونسية يستفيقون مجددا على وقع "تجن" جديد يسعى إلى طعنهم وتنكيد فرحتهم بتضاعف حب المشاهدين لهم من خلال برمجتهم الرمضانية، بعد أن أقدم سليم الرياحي (صاحب نظرية "اللي ماعندوش ما يلزموش") على قطع البث نهائيا على قناة التونسية بحجة امتلاكه لترددات البث...
وبغض النظر عن الجانب القانوني أو المالي، أعتقد أن السيد سليم الرياحي وكل الأطراف الساعية لعرقلة قناة التونسية، وغيرها من المنابر الإعلامية الحرة والمتحررة، اعتقد أنهم لم يستوعبوا بعدُ أن شراء حب الناس، سواء بالأموال أو عنوة وغصبا، هي وسيلة لا تدل إما عن غباء مفرط أو عن عقلية استبدادية...
إن قناة التونسية لم تكن الوحيدة المستهدفة بشكل واضح وجلي، بل إن القطاع الإعلامي التونسي برمته من صحافة مكتوبة وقنوات تلفزية ومحطات إذاعية ومواقع الكترونية، كانت، ولا تزال، عرضة للانتهاكات اليومية من طرف الائتلاف الحاكم والبعض من أصحاب المال الباحثين عن مواقع جديدة، ولم ينجُ من براثن الاستبداد الجديد إلا "المنابر" التي استمرأت التهليل والتطبيل... "بفضل" تلكؤ الائتلاف الحاكم في تشكيل الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري وعدم جدية مختلف الأطراف في فتح ملف الإعلام بشكل جدي ومراجعة منظومة القوانين المنظمة للقطاع... وقبل هذا وذاك تعطيل كامل للعدالة الانتقالية واطارها التشريعي...
قناة التونسية وجدت في محنتها الجديدة يد العون ووقفة شجاعة من الإعلامي الطاهر بن حسين صاحب قناة "الحوار التونسي"، حيث سخر ترددات قناته لبرامج قناة التونسية خدمة لحرية الإعلام، وهي حركة قد لا نجد لها إلا تعبيرا واحدا مختزلا في ذاك المثل الشعبي القائل "ما يحس بالجمرة كان اللي عافس عليها" ذلك أن قناة الحوار التونسي تعاني هي الأخرى من شتى صنوف التضييق والمحاصرة من قيادات الائتلاف الحاكم الذين لم يجدوا ملاذا أيام الجمر سوى استوديوهات الطاهر بن حسين... وأولهم المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت...
من "تمرد" إلى "خنقتونا": جموح الشباب بين احتقار الترويكا وقبضة المعارضات؟
صارت "صكوك الغفران" و"مفاتيح الجنة"
بديلا عن عقود الانتداب وإدماج الشباب المعطل عن العمل
"التوافق والشراكة" التي تتحدث عنهما أحزاب الائتلاف الحاكم
ليست إلا "واجهة هشة" لصراعات عميقة مخفية
منابر إعلامية "موالية" تبعث رسائل "تحذير" و"تهديد"
للشباب التونسي من مغبة تكرار السيناريو المصري
أي مصير للشباب المتمرد بين السقف المرتفع لبعض الأحزاب السياسية من جهة، والسقف المنخفض لأحزاب وتشكيلات سياسية أخرى، وبين الاستخفاف المهين من طرف الائتلاف الحاكم؟
ناجي الخشناوي
أكد علم الاجتماع السياسي أن ما حدث في تونس هو ثورة للشباب في "السنة الدولية للشباب" ولكن، وبعد أن كانت الوقود المحرك لإسقاط النظام السابق والتسريع بهروب رؤوسه يوم 14 جانفي 2010، وبعد أن "انتظمت" الفئات الشبابية في مجالس حماية الثورة لتأمين استمرارية الحياة والذود عن الممتلكات العامة والخاصة، وبعد أن كانوا قوة انتخابية هامة يوم 23 أكتوبر 2011، ظل الشباب التونسي ينتظر ثمار "المسار الثوري" بعد أن "انتصب" المجلس الوطني التأسيسي لكتابة الدستور الجديد، وبعد أن تم تشكيل أكثر من حكومة مؤقتة لتصريف أعمال الدولة...
انتظر الشباب التونسي وصبر طيلة سنتين على تعثر الحكومة وتلكؤ المجلس الوطني التأسيسي وتشتت القوى الديمقراطية وانغماس منظمات المجتمع المدني ولامبالاة المستثمرين... وبعد أن استفحلت "أزمة الثقة" بين الشباب الثوري والائتلاف الحاكم المنقض على الحكم... بعد سنتين يجد الجزء الأكبر من الشباب التونسي نفسه في مواجهة مصيره من جديد بأشكال نضالية جديدة مستلهما في جانب منها ما "خطط" له الشباب المصري...
من عقود الانتداب إلى "صكوك الغفران":
الفئة الشبابية لم تخلو، على غرار الطبقة السياسية، من الانقسام والتشتت، فبعد أن كانت القوى الشبابية متحدة طيلة المخاض الثوري تحت شعار "ديقاج" لإسقاط الحكومة، أصيبت هذه القوة بفيروس التقسيم، فخرجت علينا فئة لا بأس بها من الشباب تعتبر أن ما حصل في تونس صحوة إسلامية لا بد أن يتم تتويجها بإرساء دولة الخلافة، وتابعنا "جحافل" الشباب التونسي يتجه نحو "الجهاد" في سوريا وفئة منهم مكثت في تونس لتجاهد "العلمانيين الكفار" بعد أن انحصرت مهمة السياسيين في البحث عن "الهوية التونسية" وتنادت الأصوات من تحت قبة المجلس تطلب اعتماد الشريعة بدلا عن دستور يضمن حق كل مواطنة ومواطن تونسي في الشغل والحياة الكريمة والحرية (شعارات الثورة الحقيقية) ولتصير "صكوك الغفران" و"مفاتيح الجنة" بديلا عن عقود الانتداب وإدماج الشباب المعطل عن العمل... لتظل الفئة الأوسع من الشباب التونسي تعاني البطالة والتهميش والتغييب عن المشاركة في اخذ القرار... وحتى بعث "صندوق التأمين على فقدان مواطن الشغل" أو ما يعرف بصندوق البطالة ظل مجرد وعد وهمي وورقة انتخابية، ووحده ظل الاتحاد العام التونسي للشغل الطرف الوحيد المتمسك بضرورة بعث هذا الصندوق.
لغة الأرقام أبلغ...
أظهر استطلاع ميداني للرأي أنجزه المرصد الوطني للشباب بالشراكة مع منتدى العلوم الاجتماعية التطبيقية شمل 2438 شابة وشاب تراوحت أعمارهم بين 18 و35 سنة وتم اختيارهم حسب متغيرات الوسط والجنس والفئة العمرية والمستوى التعليمي، أظهر أن 65.1 بالمائة من المستجوبين يعتبرون أن أهداف الثورة لا تتحقق في أي ميدان مقابل 1.2 فقط ممن يعتبرون أن أهداف الثورة تحققت... وهذا الاستطلاع الميداني يعصف حتما بكل الشطحات الإيديولوجية والخطابات السياسوية التي باتت منذ يوم 15 جانفي 2010 الخبز اليومي لمحترفي السياسة...
وبلغة الأرقام أيضا كشفت عدة إحصائيات أن أكثر من 2000 من شباب تونس "يجاهدون" في سوريا وأن 40 ألف شاب "هاجروا سرا" بعد الثورة إلى وجهات مختلفة، كما أن 53 % من حالات الانتحار حرقا ضحاياها من الشباب...
من تمرد المصرية إلى تمرد التونسية:
أحداث كثيرة تتالت في السنتين الماضيتين من "الرش" في سليانة إلى اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد، وما بينهما لعلع رصاص الارهابيين على صدور العسكريين ولم يسلم منه حتى الخرفان... أحداث أججت الشعور بالقهر و"الحقرة" والاستهانة بالشعب التونسي وخاصة بالشباب الذي تعاظم شعوره بأن ثورته قد سُرقت منه وغدر بهم السياسيون...
أحداث وطنية تشابهت إلى حد كبير مع المسار المتعثر في مصر ومحاولات الالتفاف على الثورة المصرية من طرف "الإخوان المسلمين" مما دفع بجموع الشباب المصري إلى التنظم في حركة مدنية سلمية أطلقوا عليها اسم "تمرد" وفاق عدد الموقعين على وثيقة التمرد 20 مليون شخص نجحت في عزل الرئيس السابق محمد مرسي رغم تدخل الجيش بعد مهلة زمنية...
هذه الحركة كان لها انعكاس ايجابي لدى فئة من الشباب التونسي التي حاولت "محاكاة" المصريين في حراكهم الثوري علهم يعيدون أهداف ثورتهم إلى طريقها الأسلم، فبعد الإعلان الرسمي لحركة تمرد التونسية يوم 3 جويلية الجاري عن جمع مئات الآلاف من التوقيعات المساندة للحركة، وفي تصريح إذاعي، أكد الناطق الرسمي باسم حركة "تمرد" هيثم العوني منذ يومين، أن عدد الموقعين سيفوق المليون توقيع خاصة بعد الإقبال الكبير للمواطنين على التوقيع على وثيقة سحب الثقة من المجلس الوطني التأسيسي.
وحركة تمرد التونسية، مثلما يعرفها مؤسسوها، هي "الحركة مدنية شعبية وسلمية ومستقلة عن كل الأحزاب السياسية وهي مستوحاة من تمرد المصرية، والهدف منها تصحيح وتطهير الثورة التي سرقتها الأحزاب المتواطئة وأحزاب الائتلاف الحاكم وسحب الثقة من المجلس التأسيسي والسلط المنبثقة عنه".
وتوازيا مع مواصلة جمع التوقيعات يجري الإعداد لحراك شعبي على الميدان سينطلق من المناطق الفقيرة والمهمشة باتجاه المدن المركزية، في إطار ما أسمته الحركة "خارطة طريق للتحرك الشعبي والميداني".
كما تم الإعلان مؤخرا عن إطلاق حملة ثانية تحت اسم "خنقتونا"، وهي حملة تتبناها مجموعة من الشباب بمختلف انتماءاتهم السياسية إلى جانب عدد من المنظمات والجمعيات على غرار اتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل والاتحاد العام لطلبة تونس إضافة إلى فنانين ومسرحيين ومثقفين إلى جانب مجموعتي "عصيان" و"زواولة"... وحركة "خنقتونا" تهدف إلى تجميع كل القوى الثورية والشبابية للعمل على تصحيح المسار الثوري، ولا تختلف في جوهرها عن مطالب حركة تمرد التونسية، خاصة مطلب سحب الثقة من المجلس التأسيسي والسلط المنبثقة عنه...
بوادر التمرد وسياسة الاحتواء
الرد السياسي لحركة تمرد التونسية جاء سريعا، فبعد يومين فقط من عقد الشباب لندوتهم الصحفية كان لراشد الغنوشي زعيم حركة النهضة تصريح مباشر حيث قال "ان ما يحدث في مصر لا يمكن أن يتكرر في تونس بمفعول اختلاف الزمان والمكان، وان الاعتقاد في حركة تمرد تونسية وهم، وجزء من أحلام اليقظة" وهذا تصريح كاف لمعرفة مدى استهتار الائتلاف الحاكم بأحلام الشباب التونسي ونيته في احتوائها وتطويقها بدلا من فهمها والإسراع بوضع "خطة ثورية حقيقية" تنسجم مع طموح الشباب وتحقق له مطالبه... وفي نفس السياق استبعد رئيس الحكومة المؤقتة علي العريض انتقال "العدوى الثورية" من مصر إلى تونس باعتبار أن "الوضع في تونس يتسم بالتوافق والشراكة"، واعتبر المستشار السياسي للحكومة المؤقتة نور الدين البحيري أن الدعوات إلى حل المجلس التأسيسي تفتح الباب أمام "الفوضى والفراغ السياسي في البلاد" وأن شرعية المجلس "لا تنتهي إلا بانتخابات قادمة" (انتخابات في علم الغيب)...
وربما في هذا السياق تتنزل مبادرة مستشار وزير الخارجية السابق منار الاسكندراني الذي ينوي إطلاق مبادرة وطنية تجمع اكبر عدد من الفرقاء السياسيين بعد شهر أوت، غير أنها مبادرة لا تخلو من الانفراد بالرأي وإقصاء جزء كبير من الشعب التونسي، ففي تصريح صحفي للعضو السابق بحركة النهضة منار الاسكندراني، استعمل نون الجماعة حيث قال "التزامنا بالتوافق الوطني وتجميع التونسيين على مبدإ خدمة تونس شعبا ودولة والتفافنا حول شرعيتنا المنجزة على أساسي التوافق والانتخاب يقتضي اجتماع أبناء تونس كلهم من اجل حاضر يعد لمستقبل نريده كلنا أفضل"
كما أن "التوافق والشراكة" التي يتحدث عنهما رئيس الحكومة المؤقتة ما تزال إلى اليوم "واجهة هشة" لصراعات عميقة مخفية بين القوى الاجتماعية والمدنية من جهة، والائتلاف الحاكم من جهة أخرى وفي مقدمته حركة النهضة... خاصة أن مسألة استئناف الحوار الوطني التي اقترحها الاتحاد العام التونسي للشغل ضمن مبادرة وطنية، أصبحت غير واضحة المعالم بعد أكثر من ثلاثة أشهر من التعطيل والمماطلة وتباين المواقف حول النقاط المطروحة على طاولة الحوار لعل أهمها حل رابطات حماية الثورة وأيضا الموقف مما حصل في مصر هل هو انقلاب عسكري أم ثورة ثانية؟، رغم أن الاتحاد العام التونسي للشغل عبر في بيانه حول التطورات المصرية عن تمسكه بالحوار وضرورة التوافق الوطني لتأمين الانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة لتونسية في الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية والشغل... كما أن "سحب" لجنة التوافقات بالمجلس الوطني التأسيسي البساط عن مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل لاستئناف الحوار الوطني لا تؤكد إلا عن "الواجهة الهشة" والمكابرة المفرطة من الأغلبية النيابية والائتلاف الحاكم لتعطيل الحوار ربحا للوقت...
ومثلما اعتبر "الإخوان المسلمون" في مصر حركة تمرد "لعب شوية عيال"، اعتبر رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر أن حركة تمرد التونسية لا تعدو أن تكون "أعمالا صبيانية" و"ظواهر إعلامية" وهو يشعر "بالاستياء" من الدعوات الرامية إلى ضرب "الشرعية"، وبشكل مغرق في الإسفاف والعنجهية المفرطة قالت سهام بادي "الوزيرة" اليتيمة في الحكومة المؤقتة، قالت عن حركة تمرد "انشاء الله يتمرمدوا"...
هذه المواقف وغيرها تطرح أكثر من سؤال حقيقي حول مدى استيعاب الائتلاف الحاكم لطبيعة وجوده في السلطة من جهة وأيضا لمدى تشابهه مع أساليب النظام السابق في قمعها للشباب المنتفض والتضييق عليه وعلى أحلامه حد الاختناق الذي بلغ الانفجار يوم 14 جانفي...
"الإعلام الرسمي" والموالي: تجاهل حد الاستخفاف
اكتفى الإعلام الرسمي بتقديم "خبر عابر" حول الندوة الصحفية التي عقدها شباب حركة تمرد التونسية، ولم تطرح القنوات التلفزية والمحطات الإذاعية متابعة إعلامية تشرح فيها أسباب هذه الحركة وحظوظ نجاحها من عدمه، بل إن عددا من المنابر الإعلامية ذات الخلفية الدينية مازالت إلى اليوم تبث صورا من ميدان "رابعة العدوية" فقط وتصف ما حصل في مصر بالانقلاب العسكري مرسلة بذلك رسائل "تحذير" و"تهديد" للشباب التونسي من مغبة تكرار السيناريو المصري... وبالمثل ما زالت تنشر عديد الصحف الموالية لأحزاب الائتلاف الحاكم "المقالات" الحاطة من قيمة شباب حركة تمرد التونسية باعتبارهم يفتقدون إلى الحنكة السياسية ومحدودي التكوين الفكري وتعوزهم الخبرة والتجربة وهم عرضة إلى "انتهازية السياسيين" للاستحواذ على أحلامهم... (وكأن هذه الصحف وهذه القنوات تناست أن من أسقط النظام السابق هو نفس الشباب المتمرد اليوم)...
"معارضات" تفتح أحضانها للمتمردين
الفورة الشبابية التي لم تكن وليدة ما حدث في مصر فقط بل للمعطيات التي ذكرناها ولغيرها من المؤشرات السلبية، يبدو أنها وجدت صدى ايجابيا لدى جزء واسع من الأحزاب السياسية والتكتلات الحزبية، بل إن هناك تقاطعات جوهرية بن أهم مطالب حركة تمرد الشبابية ومكونات الجبهة الشعبية مثلا، فمطلب تشكيل حكومة إنقاذ وطني وحل المجلس التأسيسي طرحته الجبهة الشعبية بُعيد اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد بأيام قليلة، كما أن حركة نداء تونس نظمت وقفات احتجاجية يوم 23 أكتوبر الفارطة للمطالبة بإنهاء الشرعية، وهو أيضا من بين المطالب التي تطرحها حركة تمرد التونسية ومعها حركة "خنقتونا" وحركة "فدينا" وكذلك حركة "حقرونا"...
وما يُحسب للتنظيمات المدنية والسياسية التي فاقت العشرين، والمجتمعة يوم الثلاثاء 9 جويلية، أنها لم تتجاهل مطالب الشباب ولم تحتقر أحلامهم (مثلما فعل الائتلاف الحاكم) بل إن الاجتماع الأخير حضره مشاركون عن حركة تمرد التونسية وحركة حقرونا، واعتبر المشاركون في الاجتماع الذي ترأسه حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، اعتبر المشاركون أن المجلس التأسيسي أصبح مشكلا ولم يعد هو الحل، واتفقت مجمل الأطراف على عقد مؤتمر إنقاذ وطني وضرورة إنهاء الفترة الحالية، وكان الشعار المركزي لكل الأطراف الحاضرة، الطابع السلمي والمدني للتحركات النضالية...
جموح الشباب وقبضة السياسيين...
بين السقف المرتفع لمطالب بعض الأحزاب السياسية من جهة، والسقف المنخفض لأحزاب وتشكيلات سياسية أخرى، وبين الاستخفاف المهين من طرف الائتلاف الحاكم لأحلام الشباب التونسي، أو الجزء الأكبر منه على الأقل، يبدو أن حركة التمرد التونسية، بمختلف تمظهراتها من تمرد إلى خنقتونا وفدينا وحقرونا وعصيان وزواولة، يبدو أن مصيرها يتوقف على مدى انسجام القوى الشبابية فيما بينها من جهة وعلى مدى قدرتهم على التعبئة والتنظم والتنظيم المحكم لإنجاح تحركاتهم الميدانية، ويتوقف أيضا على مدى انخراط المواطن التونسي في الدفاع عن مطالب ثورته الحقيقية (شغل - حرية - كرامة وطنية)، كما يتوقف على مدى جدية النخب السياسية والمدنية في التفكير في تقارب جدي وواضح حول "الشباب المتمرد" بعيدا عن محاولات استثمارها وتوظيفها فيما بعد وقودا للانتخابات القادمة... هذا "الموعد الهلامي"...
2013/07/04
"العيال كبرت"... يا مصر
لم تهدأ القنوات الاخوانية المصرية والسعودية والقطرية بالخصوص، منذ اعتصام حركة تمرد بالميادين المصرية، وإلى أن أعلن عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة المصرية عن انتهاء حكم مرسي، لم تهدأ هذه القنوات عن شن هجومات كلامية مضادة للحركة التحررية، وانبرت اغلب المنابر الاخوانية تراوح خطابها الهزيل بين "شرعية مرسي" وضرورة "الجهاد" ضد كل المتظاهرين على اعتبار أنه في نظر الإخوان "لعب شوية عيال"، وضد مؤسستي الجيش والداخلية المصريتين (باعتبارهما من فلول النظام السابق حسب الإخوان)... وربما لذلك لا نستغرب أن يكون أول قرار بعد بيان إنهاء الشرعية الاخوانية هو قطع البث وغلق القنوات التحريضية (مصر 25 والحافظ والناس والرحمة والشباب) وهو إجراء استثنائي اتخذته وزارة الداخلية تجنبا لتأجيج الفتن بين المصريين وتحريضهم على الاقتتال من خلال وابل الفتاوي اللادينية الموجهة عبر هذه القنوات التي لا تمت بصلة للإعلام ولا تؤمن به سلطة رابعة شعارها إنارة الرأي العام لا الانحياز لفئة على حساب أخرى... كما أن هذه القنوات، وحسب الجيش المصري والداخلية المصرية، قد جهزت جملة من الأشرطة المصورة (فيديوهات) لأفراد من الإخوان وأتباعهم مرتدين ملابس عسكرية ليعلنوا انشقاقهم عن الجيش لصالح مرسي وجماعته لإيهام الناس أن الجيش منشق... ويدخلون بالتالي في حرب أهلية...
وهذا القرار، أعتبره شخصيا قرارا ثوريا ولا يضرب حرية الإعلام مثلما يتم الترويج إلى ذلك من المنابر الاخوانية الأخرى التي تتناسى خطاب التهديد الذي أرسلته وزارة الاستثمار الاخوانية أسبوعا واحدا قبل انطلاق حملة تمرد إلى ما تسميه القنوات التلفزية العلمانية، حيث هددتها إن هي تعرضت إلى نقد الرئيس المخلوع مرسي أو جماعة الإخوان المسلمين، وهو نفس خطاب التهديد الذي وجهه مرسي للإعلاميين...
وعلى عكس السلمية التي حرصت عليها حركة تمرد والانفجار الجماهيري الشعبي المحتفل بنجاح إرادته في تقرير مصيره، وفي الوقت الذي ترفرف فيه الإعلام المصرية بين أيادي المنادين برحيل مرسي، شاهدنا صدى خطاب الاخوانيين التلفزي في "مغارة الدم" تلك التي كانت مخفية خلف جدران المقر العام لمرشد الإخوان حيث تراصت قوارير المولوتوف والهراوات والخراطيش التي قتلت عددا من المتظاهرين وأصابت المئات منهم... وله الصدى أيضا في الأسلحة و"الصواريخ" المتحركة على الحدود المصرية... وفي المجموعات المسلحة التي تتحرك مثل الفيالق العسكرية ضاربة عرض الحائط قوانين البلد وأجهزته الأمنية... في الوقت الذي تتوالى فيه الأخبار عن هروب القيادات الاخوانية نحو وجهات خارج مصر...
إن المشهد المصري المنفجر لا يختلف كثيرا عن المشهد التونسي، فكل المؤشرات تؤكد أن الانفجار وارد وقائم الذات، خاصة أمام تعثر الحوار في كل مرة وتعنت أصحاب "الأغلبية" وإصرارهم على كسر عنق المسار الديمقراطي المفترض، ونفس الأدوات التي شاهدناها في مصر نشاهدها في تونس من القنوات التحريضية والمساجد المحتلة والعنف المنظم في تشكيلات جمعوية إلى جانب طبعا تعثر كتابة الدستور ومحاولات تمرير نص فئوي حزبي لا يؤسس لدولة مدنية ذات أفق ديمقراطي، ويظل في الضفة المقابلة الفقر والتهميش والفساد ينخر الأغلبية المسحوقة و"يجثم" على صدور من اسقط نظام الديكتاتور السابق...
ولعل التصريحات التي نتابعها من طرف بعض قياديي حركة النهضة اليوم، والملوحة بضرورة الحوار وبأن الوضع مختلف في مصر لا يمكن قراءتها إلا على أنها تصريحات استباقية وليست مبدئية، ومحاولة منها لاحتواء المتمردين التونسيين الذين أمهلوا نواب المجلس التأسيسي الكثير من الوقت وصبروا كثيرا على شطحات الحكومات المؤقتة المتعاقبة على الوجع التونسي... ذاك الوجع الذي تضاعف يوم اغتيل الشهيد الوطني شكري بالعيد...
لكن الثابت والمؤكد أن ما نعيشه اليوم في تونس بين خطابات التسويف من جهة والتهديد من جهة ثانية، والممارسة الحكومية المغرقة في الليبرالية من جهة والثيوقراطية من جهة ثانية، لا يدل إلا عن تشابك خفي بين القوى الحاكمة وعدد من القوى "المعارضة" بتوجيه محكمة من الدوائر الخارجية لقبر المسار الثوري ووأد أحلام الشباب التونسي...
إن ما حصل في مصر هو "ثورة الثورة" كتلك التي حدثت في فرنسا وفي روسيا وفي عدة بلدان من أمريكا اللاتينية، وليست "ثورة على الثورة" و"انقلاب على الشرعية" مثلما روج له إخوان مصر ويروج له اليوم إخوان تونس... وما حصل في مصر وسيحصل حتما في تونس هو استكمال الثورة حتى يتحقق المبدأ الحقيقي لها وهو حكم الثوريين لأنفسهم، لا أن يسطو عليها القادمون على أجنحة الطائرات من لندن وباريس وبروكسال والدوحة...
ومثلما لا تصنع زهرة واحدة الربيع، فأن ثورة مصر الجديدة لا بد لها من ثورات متتالية لتتأكد فعلا كلمة الربيع العربي...
ومثلما اخترع التونسيون كلمة "ديقاج" في وجه النظام المخلوع سيتجرؤون على الحلم وسيخترعون حتما شكلا نضاليا جديدا لتصحيح مسار ثورتهم...
2013/06/27
عندما يتحول محمد مرسي رئيس الجمهورية إلى محلل سياسي
في الوقت الذي تكلمت فيه المسدسات وبنادق الخرطوش والأسلحة البيضاء والعصي، وفي الوقت الذي قُتل فيه شخصان وأصيب أكثر من 200 بجروح، في بعض المدن المصرية أياما قبل تجمع حركة تمرد يوم 30 جوان الحالي الداعية أساسا إلى إجراء انتخابات في اقرب وقت وسحب الثقة من الرئيس مرسي، في ذات الوقت اعتلى محمد مرسي رئيس الجمهورية المصرية منصة مركز المؤتمرات بمدينة نصر في القاهرة ليخطب أمام حشد من الحاضرين (أغلبهم من مناصريه) بعد أن رفع المجلس العسكري حالة الطوارئ، وبعد أن وجه مرسي تعليماته (حسب الصحف المصرية) لأمناء المحافظات لحشد الأعضاء بالقاهرة لتأييده عقب إلقاء خطابه، وذلك في مواجهة الدعوات للتظاهر بميدان التحرير وأمام وزارة الدفاع للقوى الثورية والمعارضة، وتكلم مرسي لأكثر من ساعتين ونصف لم يختلف كثيرا خطاب مرسي عن تعليماته بقمع المتظاهرين، حيث جاءت كلماته محملة بالوعيد والتهديد لكل من تسول له نفسه "الانقلاب على نظام الحكم"...
خطاب مرسي الذي ألقاه يوم الأربعاء يأتي يوما واحدا بعد أن أصدرت حملة "تمرد" بياناً وصفته بـ"الرسالة الأولى والأخيرة" للرئيس طالبته فيها بالرحيل قبل فوات الأوان.
ومما جاء في الرسالة: "باسم أكثر من 15 مليون مصري وقّعوا على استمارات حملة تمرد، وأعلنوا رفضهم لاستمرارك في قصر الرئاسة، وحتمية إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وباسم كل من خاب أملهم فيك واستشعروا خطورة استمرارك فيما تفعله بالوطن والمواطنين.. نطالبك بالرحيل طوعاً".
ولئن كانت رسالة القوى الثورية الحية في مصر واضحة ولا لبس حول مطالبها وأهداف تحركها، فأن خطاب مرسي لا يعدو أن يكون شبيها بخطاب محلل سياسي يحاول وصف الواقع وتشريح تفاصيله كما هو، وإذا كان المحلل السياسي يلتزم بأكبر قدر من الموضوعية في خطابه، فأن رئيس كل المصريين لم يكن موضوعيا مع كل المصريين في خطابه الأخير، إذ أطلق سهامه على مختلف القوى المعارضة واسترسل في ذكر الأسماء وتوجيه التهم لهم وأعتبرهم " مجرمون لا مكان لهم أبدا" (ويدعو في نفس الوقت لاستقلالية القضاء)، كما خصص جزءا كبيرا من كلامه لاستمالة مؤسستي الجيش والشرطة ووزارة الداخلية... رغم التجهم البادي على مسؤولي المؤسسات الأمنية الجالسين في الصفوف الأمامية من قاعة المؤتمرات...
وبعد أن قسم المعارضة تقسيما سطحيا، وجه دعوته إلى ما أسماه المعارضة الوطنية للالتحاق بمبادرته حول تعديل الدستور والمشاركة في لجنة المصالحة الوطنية، غير أن دعوته أطلقها بلهجة فيه الكثير من التحدي يبدو أنها لن تؤدي إلا إلى مزيد الاحتقان والرفض والتمرد، خاصة أن حديث مرسي عن الاستقطاب الثنائي وخطورته على الاستقرار العام بالبلاد كان في صميم الاستقطاب الثنائي ذاته، ذلك أن مرسي لم يوجه خطابه إلى كل المصريين بل كان موجه إلى أنصاره من الإخوان المسلمين... ولذلك صنف بعض مؤسسي حركة تمرد هذا الخطاب بخطاب "الغدر" في انتظار "خطاب التراجع" ثم أخيرا "خطاب الهزيمة"...
هكذا بدا خطاب مرسي خطابا تعبويا لأنصاره ومراوغا في تفاصيله، ضاربا عرض الحائط سخط أكثر من 15 مليون مصري، وهو خطاب نجد له صدى في خطاباتنا التونسية اليوم خاصة حول الجدل المحتدم بخصوص ما يسمى "قانون تحصين الثورة" وبعض الخطابات "الغوغائية" التي نسمعها هنا وهناك حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلم الاجتماعي والتطور الاقتصادي...
اذكر هنا رد الزعيم القومي جمال عبد الناصر في احد خطبه عندما صفق له الحاضرون وقالوا له "عدها يا ريس" فأجابهم بكل ثقة في النفس "أنا مش أم كلثوم علشان أعيد الكلام، الريس يقول كلمة واحدة وبس"...
الرئيس يقرر ويأمر بالتنفيذ ولا يسرف لغته في التسويف وفي تعريجات اللغة وثناياها ولا يتورط في التحاليل والاستنتاجات...
انسحاب الجنرال رشيد عمار: البيان رقم واحد أم الشجرة التي لن تحجب الغابة؟
انسحاب الجنرال رشيد عمار:
البيان رقم واحد أم الشجرة التي لن تحجب الغابة؟
استحضرت رواية "الجنرال في متاهته" للكاتب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز التي توثق الشهور السبعة الأخيرة من حياة الجنرال سيمون بوليبار، أحد الزعماء الذين شاركوا في حركة الاستقلال السياسي لدول أمريكا الجنوبية في الربع الأول من القرن التاسع عشر، استحضرت تلك الرواية المحرضة على تغليب الحب والصحة والحياة على اليأس والمرض والموت... استحضرتها وأنا أتابع ككل التونسيات والتونسيين المهتمين بالشأن الوطني، الإطلالة التلفزية على قناة "التونسية" والتي دامت قرابة ثلاثة ساعات والنصف لرئيس أركان الجيوش الثلاثة، الجنرال رشيد عمار، الذي لم يفلح في جعل "شجرة" تجاوز السن القانونية تُخفي الغابة الشاسعة من التأويلات والقراءات المختلفة لأكثر من معلومة ساقها في حواره... لندخل معه في متاهة جديدة... ونلمح الظلال السياسية تقترب من المؤسسة العسكرية بسرعة... خاصة أن طلب الإعفاء يأتي بعد استقالة وزير الدفاع السابق عبد الكريم الزبيدي في مارس الفارط... وهي استقالة وُصفت بالاحتجاجية بسبب ما يتهدد المؤسسة العسكرية من محاولات إنهاك قواها واستنزافها من الداخل واستضعافها...
طلب رشيد عمار إعفاءه من مواصلة قيادة المؤسسة العسكرية قد يكون مرتبطا فعلا بنهاية السن القانونية له (متقاعد منذ 2006)، ولكن الأكيد أن من بين دوافعها عديد الضغوط من بعض الأطراف السياسية، وبعد الحملات المشككة في قدرته وقدرة المؤسسة التي يديرها على إدارة الشأن العسكري في تونس خاصة مع اندلاع أحداث الشعانبي... ولعل مطالبة محمد عبو رئيس حزب التيار الديمقراطي باستقالة الجنرال وكذلك الجلسة "السرية" لراشد الغنوشي التي اعتبر فيها أن "الجيش غير مضمون" (اعتبر السفير التونسي السابق في منظمة اليونسكو، المازري حداد أنّ الجنرال رشيد عمار اضطر إلى الاستقالة نتيجة تصريح سابق لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الذي خاطب السلفيين في شريط مسرب بقوله إنّ الجيش غير مضمون) وكذلك اتهام أيوب المسعودي المستشار الإعلامي السابق لرئيس الجمهورية لرشيد عمار بالخيانة... كما أن المدعو عماد دغيج نشر فيديو على الانترنات يطالب فيه بنصب المشانق لرشيد عمار... قد تكون من بين الأسباب المباشرة... أو من بين المؤشرات والرسائل الموجهة لرشيد عمار لتدفعه إلى إعلان طلب الإعفاء من المهام قبل أن تتم إقالته... خاصة أنها مثلت رسائل تشويش على المؤسسة العسكرية ومحاولات للتدخل في سير عملها وفي اخذ القرارات الهامة بدلا عن قيادييها.
لكن يبقى السؤال المفتوح ذاك المتعلق بما لم يعلنه الجنرال رشيد عمار عن نواياه السياسية بعد أن يخلع الزي العسكري... وهو ما سيفعله بداية من غرة جويلية 2013 بعد أن وافق رئيس الجمهورية المؤقت محمد المنصف المرزوقي بسرعة على طلب تفعيل الإحالة على التقاعد، وبعد أن تم تقليد رشيد عمار الصنف الأكبر من وسام الجمهورية بمناسبة الاحتفال بالذكرى 57 لانبعاث الجيش الوطني...
رسائل واضحة، وأخرى مشفرة صرح بها الجنرال، منها اعتبار أن اغتيال شكري بالعيد يمثل شهادة وفاة لحكومة حمادي الجبالي، وهو ما يعني أيضا اتهامها سياسيا بعملية الاغتيال. أيضا اقتراحه على حمادي الجبالي بتشكيل حكومة كفاءات وطنية إقرار واضح على فشل الائتلاف الحكومي القائم على المحاصصة الحزبية، وهو المقترح الذي رفضته الترويكا وفي مقدمتها حزب حركة النهضة، حتى أن راشد الغنوشي وصف المقترح بأنه انقلاب على الشرعية...
ومن الرسائل الواضحة أيضا، الحديث عن الأولياء الصالحين، في إشارة إلى ما تعرضت له الأضرحة والزوايا من تخريب وتدمير ومحاولة "وهبنة" تونس وإدخال التيار الوهابي التكفيري عنوة من دول الخليج... وفي علاقة بهذا المنحى كانت رسالة الجنرال واضحة ولا لبس عليها حيث اعتبر أن كميات السلاح التي تخترق حدودنا هي تمهيد لانقلاب مسلح على الحكم في تونس... خاصة أمام محاولات "صوملة" تونس من قبل تنظيم القاعدة وفروعها وخلاياها المنتشرة، مذكرا في ذات السياق بأحداث سليمان سنة 2006... ولئن تم القضاء على مجموعة سليمان فان مجموعات "ما بعد الثورة" قد يستحيل القضاء عليها، باعتبار أنها "مسنودة" من "قوى مدنية" تدافع عنها وتوفر لها كل شروط "التخريب" من "دعم معنوي" وأموال مشبوهة تدفعها لها عبر "الجمعيات والمنظمات المدنية"، لذلك نتفهم اقتراح رشيد عمار بعث "وكالة وطنية للاستعلامات" تكون ناجعة ومستقلة عن أي طرف سياسي...
الجنرال كرر أكثر من مرة أنه لن يتكلم في الشأن السياسي إلا عندما يخلع زيه العسكري، وهذا يدل عن رغبة رشيد عمار في ممارسة السياسة كمواطن لا كعسكري، خاصة بعد أن تهيأت له الأرضية بشكل مناسب، فعلاقاته الكبيرة والمتينة في الداخل والخارج ستكون خير سند له، كما أن "شعبيته" لدى التونسيين غير مشكوك فيها، إلى جانب طبعا التحالفات الممكنة مع الدوائر المالية والسياسية والجهوية لأبناء الساحل...
وربما لا ينسى المتابع للشأن الوطني ذاك التصريح المدوي على شبكة التواصل الاجتماعي "الفايسبوك" لفرحات الراجحي عندما قال أن رشيد عمار "سيقود انقلابا عسكريا في حال فوز حركة النهضة الإسلامية بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي"، ولئن لم يقم رشيد عمار بانقلاب عسكري طيلة السنتين المنقضيتين، فإن ما أبان عنه من حنكة سياسية ورؤية إستراتيجية قد تدفعنا إلى القول بأن الرجل اختار طريق "التكتيك الاستراتيجي" مع حليفين بارزين هما حمادي الجبالي من جهة والمنصف المرزوقي من جهة ثانية، فرصيد الجبالي الشعبي ارتفع بشكل ملحوظ إبان الإعلان عن حكومة كفاءات وطنية، رغم أن رشيد عمار هو الذي اقترحها ولم نكتشف ذلك إلا مؤخرا، كما أن سحب بعض نواب المجلس التأسيسي إمضاءاتهم من لائحة سحب الثقة من رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي تزامنت مع إطلالة رشيد عمار في قناة "التونسية"، ولا ننسى أن ما يُسمى "قانون تحصين الثورة" إن تم تمريره في المجلس التأسيسي سيحرم عددا من القيادات البارزة من الترشح في الانتخابات القادمة... ثم لا ننسى أن رشيد عمار كان واحدا من ضمن أعضاء لجنة الحكماء التي اقترحها حمادي الجبالي...
في نفس السياق يأتي أيضا تصريح حمادي الجبالي مباشرة بعد يوم من ظهور رشيد عمار في التلفزة، حيث تمسك الجبالي في حوار له مع وكالة الأنباء الألمانية، تمسك بحكومة كفاءات وطنية موسعة تكون محل توافق من الجميع وتعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب، ومقاومة العنف بكل أشكاله وخاصة العنف المسلح... وهذا "البرنامج الانتخابي" لن يرضي حتما حركة النهضة، التي يشغل الجبالي أمانتها العامة، وهو ما قد يدفعه للانسحاب من موقعه والالتحاق برشيد عمار والمرزوقي... وربما أيضا هنا نفهم تواتر تصريحات بعض السياسيين بفشل مرشحي حركة النهضة في الانتخابات القادمة (السبسي وأحمد نجيب الشابي خاصة)...
إن السؤال الذي يطرح بحدة بعد تصريحات رشيد عمار، هو إذا كان الجنرال يشغل خطته منذ 2006 في إطار التمديد الذي تمنحه إياه الدولة، لماذا يصر اليوم على طلبه خاصة أن البلاد ستعيش انتخابات قادمة، ومن مهام المؤسسة العسكرية المساهمة بالقسط الأوفر لتأمين نجاح العملية الانتخابية، كما أن الفترة التي سيظل فيها منصب القائد الأعلى للجيوش التونسية (برا وبحرا وجوا) شاغرا، باعتبار أن التنظيم المؤقت للسلط يخول لرئيس الجمهورية المؤقت مهمة التعيينات والإعفاءات في الوظائف العسكرية العليا باقتراح من رئيس الحكومة، وهذا التعيين سيتطلب فترة من الزمن للتشاور والدراسة الدقيقة لخليفة رشيد عمار، فان السؤال المحير هو كيف سنؤمن هذه الفترة في غياب قيادة عليا للجيش؟...
لئن اختار الجنرال رشيد عمار هذه المتاهة، فإنه دفع إليها الشعب التونسي دفعا من حيث لا يعلم أو يعلم، فهذا الشعب يجد نفسه اليوم أعزل أمام خطر "الوهبنة" و"الصوملة" و"الأسلمة"، كما باتت "ثورته" يتيمة ولا أفق لمطالبها الحقيقية إذا ما ظلت الحسابات السياسية تطغى على المصلحة العليا للوطن... وقد تكون مصيبة الشعب أكبر إذا ما كان حديث رشيد عمار بمثابة البيان رقم واحد والذي سيمهد لحكم عسكري متخفي في بدلة مدنية...
2013/06/14
الحجم الحقيقي لحركة النهضة
"لست منزعجاً لأنك كذبت علي اليوم،
لكنني منزعج لأنني لن أصدقك من الآن فصاعداً." (نيتشة)
يمثل الشعور بالاضطهاد والاغتراب أهم عاملين في تضخم "الأنا النهضوية"، وهو تضخم بدأ في دفع الحركة إلى تقمص دور "الجلاد" بعد أن كانت "ضحيته" من خلال استماتتها اليوم في بسط نفوذها بكل الأشكال والطرق، حيث تبني حركة النهضة خطاباتها، الدعوية والسياسية، على مبدإ صيغة التفضيل، وتقدمها قياداتها وقواعدها على حد السواء، على أنها الأفضل والأكبر والأقوى والأجدر عما دونها من باقي الأحزاب السياسية الوطنية، وهي تجتهد في تضخيم "أناها" لا فقط من خلال خطابها الملفوظ، بل أيضا من خلال الصورة التي تروجها عن نفسها بدءا من ضخامة مقرها المركزي بمونبليزير وحراسه (تذكرنا بدار التجمع الدستوري سابقا، المرتفعة بشارع محمد الخامس)، ومرورا بالمقرات الجهوية والمحلية، وصولا إلى الاجتماعات العامة التي تنظمها وتحرص على تقديمها بشكل "أركسترالي" مبني على الاستعراضات اللغوية والمشهدية، والتي تحشد لها الحافلات والسيارات لتحشد أكبر عدد ممكن من الناس فيما تسميه "المليونيات"... (مثل التجمع سابقا أيضا)...
كما أن "زعيمها" يُصبغ على نفسه هالة مصطنعة انطلقت منذ أن أنشده مريدوه في مطار تونس قرطاج الدولي "أقبل البدر" ومنذ أن شبه الغنوشي انطلاقة حركته من جامع سيدي يوسف بانطلاقة الإسلام من غار حراء، وكذلك منذ أن قرر عدم الجلوس إلى منافسيه السياسيين في الحصص التلفزية والإذاعية (وهو ما قد يدل على قصور سياسي وافتقاد القدرة على الإقناع)... وأيضا بعد أن صار قبلة أصحاب المال والأعمال في مكتبه... وعودة بعض السياسيين له كلما "تناحروا" فيما بينهم (وما أكثر ذلك)...
الصورة "الناصعة" لحزب حركة النهضة أيضا، يتم الترويج لها بطريقة متقنة من خلال الكتلة النيابية بالمجلس الوطني التأسيسي، وانسجامها الحديدي، في الدفاع المستميت عن الأخطاء الوزارية والمنزلقات الدستورية والقانونية، وهو "انسجام" ظاهري في الحقيقة، لأنه مبني على مبدإ "الموافقة دون اقتناع"، ومبني على التعليمات الفوقية القادمة من مجلس الشورى للحركة، لا على الاقتناع الذاتي لنائبات ونواب الحركة، وربما مقررة لجنة السلطة التشريعية والتنفيذية والعلاقة بينهما، صالحة بن عايشة عن حركة النهضة، قد تصدح ذات يوما بما خفي من تعليمات فوقية دونتها في الدفتر المتعلق بأعمال اللجنة والذي حاولت افتكاكه عنوة من النائب عمر الشتوي...
أما الجانب المادي فهو الركن الأساسي في إبراز "ضخامة" حركة النهضة، فالإنفاق الباذخ يثير أكثر من نقطة استفهام حول مصادر تمويل الحركة، ولعل ما قدمته صحيفة "الاندبندنت" البريطانية، وما قامت به مجموعة "أنونيموس"، عندما اخترقت البريد الالكتروني لرئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي، كاف لمعرفة بعض مصادر أموال الحركة، مثل قطر والسعودية وتركيا وواشنطن، خاصة إبان الحملة الانتخابية وأيضا أثناء الإعداد لمؤتمرها السنة الماضية، وهو ما كشف عنه أيضا ويليام تايلور، المبعوث الأمريكي لـ"التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط" عن قيام واشنطن بتقديم أموال لحركة النهضة، ولا يخفى على أحد أن الجماعات الإسلامية في عمومها تعتمد أيضا على شبكات التهريب وخلق بؤر الاستثمار لضمان تمويلها المالي...
ومن المهم أيضا التذكير بما أكده الصحفي الفرنسي "آلان جول" حول حادثة اعتقال السلطات الفرنسية لمستشار وزير العدل والقيادي في الحركة السيد بلقاسم الفرشيشي في مطار "أورلي" الدولي بتهمة تبييض الأموال بعدما تمّ القبض عليه صحبة تونسيين آخرين قادمين من السعودية بحقائب مليئة بالأموال...
ولكن الثابت أيضا من ناحية أخرى أن الحركة تستمد "تعملقها" من تشتت القوى الديمقراطية وارتباك مواقفها من جهة، وأيضا من خلال سياسة الصمت والإفراط في "الانبطاحية" من طرفي الترويكا، حزب التكتل والمؤتمر...
الأكيد أن مثل هذه المقومات وغيرها تساهم، بل ساهمت فعلا في إظهار حزب حركة النهضة كحزب "عملاق" لا يضاهيه أي تنظيم آخر، ولكن هل فعلا هذه هي الصورة الحقيقية لحزب عاش أكتر من ثلاثين سنة مشتتا بين السجون والمنافي ولاذ أكثر من ثلثيه بالصمت طيلة حكم النظام السابق وانحدر عدد كبير منها في مستنقع بن علي؟
أعتقد أن "تهديد" راشد الغنوشي في كل مرة "بأن محاولة إقصاء النهضة من الحكم سيدخل البلاد في منعرج التناحر والعنف" يؤكد، في لا وعيه ولا وعي الجماعة، أن حجم الحركة الحقيقي عكس الصورة المقدمة عنه، كما أن التلويح المستمر بأن حركة النهضة ستنتصر في الانتخابات المقبلة لا يدل إلا عن وعي "الجماعة" بحجمهم الحقيقي مما يدفعهم إلى توخي سياسة الهروب إلى الأمام من خلال الإيهام "بامتلاك ولاء الشعب" مثلما قال ذلك الغنوشي في اجتماعه بصفاقس بمناسبة الذكرى 32 لتأسيس "الاتجاه الإسلامي"...
أما أهم المؤشرات الدالة على زيف الصورة المضخمة لحركة النهضة، فهي سياستها في حد ذاتها مع طرفين على الأقل بشكل مباشر، الأول هم السلفيون ومن لف لفهم من أحزاب كالتحرير وجبهة الإصلاح وحزب العدالة والتنمية وحزب الفضيلة وحزب الأمانة وأنصار الشريعة وحزب الأمة التونسي واللقاء الإصلاحي الديمقراطي، إلى جانب الجمعيات الدعوية... فجميعها تُظهر "العداء" لحركة النهضة وعدم الاتفاق مع سياستها، في حين أنها تمثل قاعدتها الانتخابية، ولنا في انتخابات 23 أكتوبر خير دليل على "الهبة الإسلامية" للسلفيين الرافضين آنذاك الانتخابات... وتصويتهم الجماعي لفائدة مرشحي الحركة...
أما الطرف الثاني، فهو ما يحلو لحركة النهضة تسميتهم "التجمعيين النظاف" مثل حامد القروي الذي كتب عنه خالد شوكات في صحيفة المغرب، بأن الفترة التي كان فيها وزيرا أول (1991/1999) فاقت فيها ملفات التعذيب الأربعين ألف ملف، ومثلت عشريته الأكثر "عفونة وسوادا في زمن التحول العتيد"، وما حامد القروي إلا واحد من المئات... فسياسة الانتقاء التي تنتهجها النهضة مع أبناء النظام السابق، ومنحها بعض المتنفذين سلطة جديدة، مالية أو سياسية، تؤكد أن الحركة تنفخ في صورتها بشكل هستيري يبلغ حد "أكل لحم أبنائها المضطهدين" بكل جحود ونكران لذواتهم، وكل ذلك في سبيل الاستئثار بالسلطة وتحقيق حلم الحكم، ولعل رفع كلمة "ديقاج" في وجه أهم مؤسسي الحركة، المحامي عبد الفتاح مورو، خير دليل على مدى جحود ونكران أهل مونبليزير لآبائهم المؤسسين، (إلى الآن لم نرَ موقفا شاجبا أو رافضا للاعتداء على مورو)... كما أن قانون "تحصين الثورة" هو بالأساس مدخل منهجي وتكتيك سياسي لتحصين بقاء الحركة في الحكم بشروطها هي... ولذلك نتابع اليوم اللقاءات الماراطونية، العلنية والخفية، بين حركة النهضة والمعنيين بهذه "البدعة"، وهي لقاءات تبحث بالأساس شروط الرضى والموافقة...
الجانب المهم أيضا والأساسي في التضخيم المفتعل لحركة النهضة، هو العودة بكل قوة إلى الخطاب الديني، باحتكار النطق باسم الله من جهة، واعتبار منافسي الحركة أعداء الله والدين، وهذا ما نجده في قول الغنوشي ذاته عندما قال "سيسجل التاريخ أنه في سنة 2012 تخلى البعض عن آخر التسميات أو الأفكار التي تظهر العداء للدين" في إشارة واضحة لحزب العمال الشيوعي سابقا...(الحزب الذي دافع بشراسة عن حركة النهضة أيام بن علي) ومثل هذا التصريح لا يدل على سذاجة فكرية، بل هو يدل على افتقاد حركة النهضة إلى أدنى شروط الديمقراطية في العمل السياسي، ويدل أيضا، ومرة أخرى، على وهم الصورة المضخمة للحركة... فمقارعة المنافسين السياسيين، حسب حركة النهضة، لا يتم وفق البرامج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل تستبيح فيه الحركة "المقدس الديني" وتنزل به من عليائه إلى الحضيض... وتُشهر فيه كل أشكال التشويه والادعاء بالباطل، وهذا ما يؤكد أن الحركة لا تمت بصلة للعمل السياسي المدني، وأن حجمها الحقيقي لا يخرج من مساحات المساجد والفضاءات الدعوية... وكأن الحركة لا تهتم بالمواطن التونسي بقدر ما تهتم بالمتدين... وربما لذلك نفهم إصرارها المستميت على الترويج الدائم لمقولة "الشعب التونسي مسلم"...
إن الأحزاب التي لا "تصنع" لنفسها صورة مضخمة لا يمكنها أن تستأثر بالحكم وتسيير دواليب الدولة، مهما كانت الدولة، ولكن التضخيم المبالغ فيه والمبني على قاعدة هشة ومفتقد لأرضية واقعية وأفق واقعي سيعجل حتما بانهيارها واندثارها، وهو ما لا نتمناه لحركة النهضة باعتبارها جزء من المشهد السياسي اليوم، وهو ما نتمنى أيضا أن تستوعبه قياداتها وقواعدها، وتفهم أنها لا تمثل كل المشهد وليست أيضا الجزء "الأهم" و "الأصعب" فيه...
2013/05/28
السلفية، ذاك المارد الذي لن يعود إلى قمقمه
تلتقي أغلب المؤشرات الموضوعية والذاتية، حول حقيقة، باتت اليوم بمنأى عن أي تفنيد، حقيقة مفادها أن مارد السلفية قد كَسَرَ كل القيود المضروبة عليه، وانفلت من القمقم الذي حُشر فيه حشرا طيلة عقود من الزمن، وحقيقة أن عودته، إن طوعا أو غصبا، إلى قمقمه باتت صعبة، أن لم نقل مستحيلة، على الأقل على المدى القريب... بعد أن "حُوصرت" تونس بين أضلاع مثلث برمودا (حركة النهضة، حزب التحرير وأنصار الشريعة).
فالسلفية، التي لا تمثل ظاهرة عامة في المجتمع التونسي، هي بصدد افتكاك تمظهرها الحقيقي والطبيعي الموؤود في الفترتين "الدستوريتين" السابقتين، مستندة في ذلك على المعطيين المكاني والزماني، فجغرافيا، تحولت تونس إلى معبر حقيقي للأسلحة الخفيفة والثقيلة، بعد أن "تأثثت" مكتباتها ومعارضها بالكتب المحرضة على الجهاد والعنف، وبعد أن صارت قبلة "شرعية" للدعاة المتشددين ولأصحاب الفكر الأصولي، وتحديدا الوهابي منه، الذي يضخ كميات هائلة من الأموال لتثبيت قدم محمد بن عبد الوهاب من جديد، ومذهبه الوهابي القائم على قاعدة "أسلم تسلم"، بعد أن "قطع دابرها" العلامة التونسي عمر المحجوب بطلب من حمودة باشا، باي تونس في القرن الثامن عشر...
أما المعطى الزماني، فقد مثل ما سمي "الربيع العربي" مناخا مناسبا لاستفاقة التيار السلفي وظهوره إلى العلن، لممارسة السياسة والتشكل في الأحزاب والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، ("أنصار الشريعة" لها 213 جمعية خيرية تقدر نسبة تعاملاتها المالية 3 مليارات و826 مليون دينار... وحركة النهضة لها189 جمعية خيرية واجتماعية تقدر معاملاتها المالية ب4.2 مليار... ولحزب التحرير87 جمعية خيرية وطبية تقدر معاملاتها المالية ب1.9مليار من المليمات)، معتبرين أن الزمن هو زمن الصحوة الإسلامية التي انطلقت منذ سقوط نظام صدام حسين في العراق سنة 2003، وأن الأوان حان لإقامة دولة "الخلافة الراشدة السادسة"، تلك التي أعلن عنها السيد حمادي الجبالي في إحدى الاجتماعات العامة لحزب حركة النهضة (الاتجاه الإسلامي سابقا)، وهو التصريح الذي فتح المجال واسعا أمام الصنفيين الثانيين (حزب التحرير وأنصار الشريعة) إلى المضي قدما في تحويل وجهة الدولة التونسية من دولة جمهورية مدنية إلى إمارة إسلامية (عاصمتها القيروان) تحكمها الشريعة.
بين حركة النهضة، صاحبة الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي، وحزب التحرير المحظور في عدة بلدان عربية وأوروبية، والسلفية الجهادية ممثلة في أنصار الشريعة من جهة ثالثة، يتحرك المارد بسرعات مختلفة، وبأشكال متنوعة، ولكن في اتجاه غاية واحدة، ولأجل تحقيق هذه الغاية بالذات، فإن كل الوسائل متاحة ومُباحة، وهي شرعية بالتالي لا نقاش فيها ولا اختلاف... ومن ثمة تم تقسيم الأدوار بين الأطراف الثلاثة، كل حسب موقعه، وحسب ارتباطاته الداخلية والخارجية، حيث اضطلعت حركة النهضة بتعطيل مداولات المجلس الوطني التأسيسي من خلال أصوات ممثليها، وتكفلت وزارة الشؤون الدينية بترك باب المساجد مفتوحا أمام الأيمة المتشددين والمختصين في تفرقة الشعب التونسي بين المؤمنين والكفار، كما جعلت المؤسسة الأمنية مرتبكة في أدائها (أحداث السفارة الأمريكية وأحداث بئر علي بن خليفة والروحية...الاعتداء على زوايا الأولياء الصالحين...) ووقفت حركة النهضة ضد مشروع دسترة المؤسسة الأمنية وضد النقابات المنبثقة من هذا الجهاز، ولم تتوانى وزارة الخارجية التونسية في جعل دولتا قطر والسعودية، دولتا تدخل بامتياز في الشؤون الداخلية لتونس...
أما حزب التحرير، وبعد الإيهام بمقاطعته لانتخابات 23 أكتوبر، فقد تكفل بإعلان ما لا يمكن أن تعلنه حركة النهضة بشكل مباشر، وهو إقامة دولة الخلافة، و"رجوع الإسلام"، خاصة بعد أن وزع "دستور الخلافة" الذي ينص على أن الديمقراطية كفر وشرك بالله، كما أن حزب التحرير تكفل بمهمة "تشويه" الخصوم السياسيين لحركة النهضة، ومنهما خاصة "العلمانيين والملحدين"، مثل الجبهة الشعبية اليسارية، و"أزلام النظام البائد" مثل حركة نداء تونس، ولم يتأخر أنصاره في كل مرة، في ضرب العمل النقابي وتشويه الاتحاد العام التونسي للشغل...
أما السرعة القصوى لمارد السلفية والتشدد الديني، فيتجلى في المجموعات السلفية الجهادية، والمعروفة بأنصار الشريعة، فبعد الأعمال الخيرية والدعوية التي انتظمت في المناطق الأكثر فقرا وتهميشا في تونس، وبعد إجراء التدريبات في المعسكرات الجهادية خاصة في ليبيا للتنقل إلى سوريا وإسقاط نظام بشار الأسد وإقامة دولة الخلافة، خاصة أن أنصار الشريعة يقاسمون "تنظيم القاعدة المنهج الفكري والعقائدي"، ورغم أن أنصار الشريعة لا يعتبرون تونس "أرض جهاد"، إلا أنهم مثلوا "ورقة رابحة" لدى حركة النهضة لكسر عنق الانتقال الديمقراطي وتحويل وجهة نظر الرأي العام الوطني عن مشاكل التنمية والتشغيل في تونس، وإلهائه عن الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة، فالعلاقة "الأخوية" بين قياديين من حركة النهضة و "أمير" أنصار الشريعة، سيف الله بن حسين المكنى "أبو عياض"، علاقة لم تعد خافية عن أحد، خاصة بعد التحول الكامل في نظرة راشد الغنوشي "لأبنائه" السلفيين، واعتبارهم "جماعة تكفيرية"، وأيضا تصنيف علي العريض رئيس الحكومة المؤقتة أنصار الشريعة "بالجماعات الإرهابية"، ليصير بذلك "أمن التونسي" الأولوية القصوى بدلا من التشغيل والتنمية وإنهاء كتابة الدستور والمرور إلى الانتخابات، وقد نجحت الحركة ومن ورائها حزب التحرير وأنصار الشريعة، في "تأليف قلوب" الشعب والنخبة التونسية لتجاوز هذا "الخطر" و"التضحية" من جديد بالفقر والتهميش وحالة الضبابية السياسية...
أن توزيع الأدوار بين الأطراف الثلاثة، ولئن كان مكشوفا لدى الطبقة السياسية والفكرية، فإنه مازال يفعل فعله لدى الأوساط الشعبية المستبطنة في لا وعيها لمقولة "التونسي مسالم بطبعه"، والأوساط الشعبية، تمثل الطرف الأهم بالنسبة لحركة النهضة في المعادلة الانتخابية القادمة، باعتباره يمثل ثقلا معتبرا من ناحية الأصوات التي سيمنحها للحكومة التي "تمكنت" من "كبح جماح الإرهاب والتطرف الديني" في الفترة الحالية... رغم أنها أطلقت سراح الناطق الرسمي باسم أنصار الشريعة؟
ولكن هل ستتمكن فعلا حركة النهضة من "كبح جماح أنصار الشريعة"؟ وهل ستتوقف دوامة العنف باسم الدين في حدود مواجهات "غير رسمية" بين رجال الأمن و"أشباح" الجهاديين في جبال الشعانبي وبوقرنين، وفي باحة المساجد وفي الأحياء المفقرة والمهمشة؟ أم أن "انفلاتات" مرتقبة من الشباب السلفي قد تنقلنا إلى مرحلة التفجيرات الانتحارية والأحزمة الناسفة والذبح والسحل وما شابهها من طرق تطبيق "شرع الله" في تونس؟
بين تفادي الحلقة الأخيرة من مسار تدمير الانتقال الديمقراطي، و"إحلال" نظام ديكتاتوري جديد، وبين "تأمين" هذا المسار الذي طال أمده، يظل "مقود البلاد" (مثلما قال راشد الغنوشي) بيد حركة النهضة، ويظل الخط المستقبلي لتونس رهين صندوق النقد الدولي ومدى تطبيق شروطه وضمان سياسته.
2013/05/16
جولة ثانية من الحوار الوطني: هل تنزع النوايا الحسنة فتيل المواجهات المحتملة؟
بعد جولة أولى من الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل مختلف الإطراف السياسية والحقوقية والمدنية، يوم 16 أكتوبر 2012، وحضرها الرؤساء الثلاثة و43 حزبا و76 منظمة وجمعية، ورغم سعي الأطراف، التي تخلفت عن الجولة الأولى، إلى سحب البساط من تحت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل الوطنية بتعلة أن قبة المجلس الوطني التأسيسي هي الفضاء الوحيد والجهة المخول لها إدارة الحوارات الوطنية في خطوة أولى، ثم بتنظيم مؤتمر للحوار الوطني بإشراف رئاسة الجمهورية في مرحلة ثانية، وفي خضم ما تعيشه البلاد من أحداث التفجيرات الإرهابية في جبال الشعانبي، وإصرار "أنصار الشريعة" على عقد مؤتمرهم السادس "رغم أنف لطفي بن جدو" وزير الداخلية، وكذلك بعد قرار المحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ السلم التقييمي لاختيار المرشحين للهيئة العليا للانتخابات... وأمام الانزلاق الخطير لسعر الدينار... وفتح بورصة تونس للأوراق المالية حصتها باللون الأحمر...
في خضم هذا الوضع، وفي نفس المكان (قصر المؤتمرات)، انطلقت جولة ثانية من الحوار الوطني، يوم 16 ماي 2013، حيث ارتكزت نقاشات الجولة الثانية بالخصوص على خمس نقاط أساسية تتمثل في إنهاء تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتحديد تاريخ إنهاء وإصدار دستور يجسد مدنية الدولة ويؤسس للحقوق والحريات، وتحديد تاريخ إصدار قانون انتخابي، وتحديد أجل نهائي لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأخيرا تنقية المناخ العام ونبذ العنف والإرهاب ومجابهته... وهي نقاط، حسب المشاركين، ستوفر الأرضية والظروف الملائمة لانجاز انتخابات ديمقراطية وتعددية ونزيهة وشفافة.
نقاط جديدة تنضاف إلى جملة النقاط المطروحة في الجولة الأولى والتي من أهمها المطالبة بحكومة محدودة العدد لا يتحمل أعضاؤها مسؤوليات حزبية ولا يرشحون للانتخابات القادمة رئاسية كانت أم تشريعية، والرجوع عن التعيينات الحزبية، وتشكيل لجنة عليا للتشاور حول التعيينات الجديدة وفق مقاييس موضوعية، وحل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات المنظمة، وكذلك الإسراع بكشف حقيقة كل أحداث العنف وحقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وتقديم، إلى جانب تحييد المساجد والنأي بها عن الصراعات السياسية والحزبية ومحاسبة كل الداعين للتكفير والتحريض على العنف، والتعجيل بتركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتفعيل ما تم الاتفاق بشأنه في العقد الاجتماعي الممضى بين الأطراف الاجتماعية ومعالجة الوضع الاجتماعي المتردي...
وتأتي الجولة الثانية للحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد جملة من "التوافقات والاتفاقات" التي أثمرتها جلسات الحوار بقصر الضيافة بقرطاج والتي دامت قرابة الشهرين، وهي توافقات ستأخذ الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة بالمجلس الوطني التأسيسي بعين الاعتبار لها لتضمينها في مسودة الدستور الجديد... وشملت هذه الاتفاقات، النظام السياسي الذي سيكون مختلطا تتوازن فيه السلطات الثلاث وتراقب بعضها البعض إلى جانب منح رئيس الجمهورية صلاحيات رسم السياسات العامة والدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية والقيام بتعيينات في الخطط السامية، كما نصت الاتفاقات على تضمين الدستور الجديد الحق النقابي والحق في الإضراب دون قيد أو شرط، وآخر التوافقات كانت حول الفصل 136 من الدستور الذي ينص على "أنه لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من الإسلام باعتباره دين دولة" وتم اختصار مضمونه على ألا يمس ذلك مضمون الفصلين الأول والثاني من الدستور.
غير أن الاختلاف ما يزال قائما فيما يتعلق بشأن تركيبة المجلس الأعلى للقضاء وخاصة نسبة تمثيلية القضاة صلبه... غير أن الخلاف الحقيقي، هو الحاصل بين مختلف الأطراف من جهة وحركة النهضة من جهة ثانية بخصوص حل رابطات حماية الثورة، وهي ربما النقطة التي سوف تكون عثرة الطريق في الحوار الوطني تحت خيمة الاتحاد العام التونسي للشغل خاصة أن التقرير الختامي للاتحاد أثبت بالصورة والصورة تورط أعضاء رابطات حماية الثورة في الاعتداء على النقابيين وعلى بطحاء محمد علي يوم 4 ديسمبر 2012 يوم الاحتفال بستينية الاتحاد.
وقد سبق لزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، الإعلان يوم الأربعاء، 15 ماي 2013، أي يوما قبل انطلاق الجولة الثانية للحوار الوطني، أعلن راشد الغنوشي انه لا سبيل لحل رابطات حماية الثورة إلا عبر القضاء، وهو إعلان لا يُمكن أن يُفهم إلا في سياق تأزيم الحوار الوطني... رغم أن راشد الغنوشي سبق أن "صافح" زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي ضمن الحوار الوطني الاقتصادي الذي دعا إليه اتحاد الصناعة والتجارة، وهي المصافحة التي أثارت الكثير من الحبر والتعاليق الصحفية والسياسية وذهبت بعيدا في التأويلات والقراءات، ولكن الثابت أن هذه المصافحة "التاريخية" كانت نتيجة حتمية للدور الريادي الذي اضطلع به قياديو الحزب الجمهوري في تقريب وجهات النظر بين الحركتين (النهضة ونداء تونس)...
ولكن إن كان حوار دار الضيافة سياسي ـ سياسي، وتحركه أجندات انتخابية بالأساس، فان الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل يتشابك فيه البعد السياسي بالبعد الاجتماعي، وهو ما يجعل الهوة أكثر عمقا بين الفرقاء السياسيين والأطراف الاجتماعية، وقد يجعل "المصافحة" بعيدة المنال خاصة بين زعيم الجبهة الشعبية حمة الهمامي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أو زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي، باعتبار أن الجبهة لا ترى في الحركتين إلا وجهان لعملة واحدة، وهي السياسة الليبرالية المجحفة والضاربة لدولة العدالة الاجتماعية...
إن التوافقات الحاصلة بين مختلف الأطراف في الحوارات السابقة، هي توافقات هشة و"تكتيكية" بالأساس، ينتهي افقها مع بداية الانتخابات القادمة (إن حصلت) مع تركيز حكومة ذات شرعية انتخابية، ذلك أن "المقود" في يد حركة النهضة مثلما صرح بذلك راشد الغنوشي في إحدى خطبه الحزبية، كما أن "الانغراس" الوظيفي للمنتسبين لحركة النهضة في مفاصل الدولة ومؤسساتها سيكون حاسما في صندوق الاقتراع، إلى جانب دور رابطات حماية الثورة والجماعات السلفية التي ستتجند مثلما فعلت في انتخابات 23 أكتوبر لتدفع الناس إلى منح أصواتهم للحركة الإسلامية.
أما حركة نداء تونس والأحزاب المتحالفة معها، فان التوافقات التي بلغتها مع حركة النهضة، هي الأخرى توافقات تكتيكية، ستنتهي بمجرد "الفوز"في الانتخابات، باعتبار أن "دولة البوليس"ستكون الحل الأمثل للتعامل مع الجماعات السلفية من جهة ومع الإضرابات العمالية من جهة ثانية...
وفي الحالتين، فإن "الصراع" التاريخي بين المنظمة الشغيلة من جهة، والحزب الحاكم في الدولة، من جهة ثانية، سيظل قائما، أمام غياب المؤشرات الحقيقية الضامنة لدولة الرفاه الاجتماعي التي طالب بها الشعب المنتفض عن النظام السابق... ولعل في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت أكثر من دلالة على تباين المواقف بين الشقين، ففي خطابه ذكر بضرورة "خفض الاحتقان السياسي والاجتماعي"، معتبرا بذلك أن هذا الاحتقان سببا وليس نتيجة، وهي ذات النقطة التي اختلف فيها معه الاتحاد العام التونسي للشغل عندما طلب المرزوقي السنة الفارطة "هدنة اجتماعية"، كما أن مبدأ حرية التعبير والصحافة وردت في خطاب الرئيس المؤقت في إطار "اتهام صريح" إذ "أدان" ما أسماه "الاحتقان الإعلامي الذي لم يسلم منه إلى حد الآن أي طرف" معتبرا أن "الباب مفتوح على أخطر المغامرات"...
رئيس الجمهورية المؤقت، وإن طالب برص الصفوف أمام تنامي ظاهرة التشدد الديني، فإنه قال حرفيا في خطابه "لا أفهم ولا أقبل أن تمنع فتاة منقبة من اجتياز الامتحانات الجامعية"، (وهي الجملة التي لاقت ردة فعل سلبية لدى الحضور) وهي أيضا نظرة لا تنم عن الخلفية الحقوقية للرجل، بل هي بالأساس تضرب في العمق القانون المنظم للمؤسسات التربوية، وتفتح المجال مجددا لانتهاك الفضاء التعليمي...
إن تباين الرؤى والمواقف من القضايا الوطنية المعرقلة للانتقال الديمقراطي تجلت بشكل واضح من خلال "الإنشائية المفرطة" لأحزاب الترويكا بالأساس، في الوقت الذي أبانت فيه منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للتجارة والصناعات التقليدية وبقية الأحزاب التي لم تشارك في حوار قصر الضيافة بقرطاج، أبانوا عن تصورات عملية وممكنة، على الأقل في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي، لعل أهمها إيقاف برنامج الإصلاح الهيكلي الجديد، وعدم عقد اتفاقات دولية ذات تأثير في المستقبل، وإيقاف كل الاتفاقيات والصفقات التي تم بمقتضاها البيع أو التفويت في الشركات والمؤسسات والأراضي، والدعوة إلى عدم خصخصة أي شركة أو مؤسسة عمومية، وتعليق تسديد الديون وتكوين لجنة تدقيق في شأنها، إلى جانب تجميد الأسعار ووضع آليات لمقاومة الفساد المالي والتهرب الجبائي... وغيرها من المقترحات العملية، كتلك التي طرحها السيد مصطفى الفيلالي في كلمته الشرفية في الجولة الثانية من مؤتمر الحوار الوطني، والمتعلقة بإنشاء وزير دولة خاص بمنطقة الجنوب لمنحها صلاحيات القرار الجهوي.
بالأخير يظل الحوار الوطني، مهما اختلفت فضاءاته ومنظميه والداعين إليه والمشاركين فيه، يظل حوارا ممكنا وبناء إذا كانت أرضيته الأساسية تؤمن بشعار "إن كنا غير شركاء في الحكم فنحن شركاء في الوطن"، وهو الشعار القادر على سد الطريق على كل ما من شأنه أن يهدد سلامة الوطن وكرامة شعبه.
جولة ثانية من الحوار الوطني: هل تنزع النوايا الحسنة فتيل المواجهات المحتملة؟
بعد جولة أولى من الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل مختلف الإطراف السياسية والحقوقية والمدنية، يوم 16 أكتوبر 2012، وحضرها الرؤساء الثلاثة و43 حزبا و76 منظمة وجمعية، ورغم سعي الأطراف، التي تخلفت عن الجولة الأولى، إلى سحب البساط من تحت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل الوطنية بتعلة أن قبة المجلس الوطني التأسيسي هي الفضاء الوحيد والجهة المخول لها إدارة الحوارات الوطنية في خطوة أولى، ثم بتنظيم مؤتمر للحوار الوطني بإشراف رئاسة الجمهورية في مرحلة ثانية، وفي خضم ما تعيشه البلاد من أحداث التفجيرات الإرهابية في جبال الشعانبي، وإصرار "أنصار الشريعة" على عقد مؤتمرهم السادس "رغم أنف لطفي بن جدو" وزير الداخلية، وكذلك بعد قرار المحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ السلم التقييمي لاختيار المرشحين للهيئة العليا للانتخابات... وأمام الانزلاق الخطير لسعر الدينار... وفتح بورصة تونس للأوراق المالية حصتها باللون الأحمر...
في خضم هذا الوضع، وفي نفس المكان (قصر المؤتمرات)، انطلقت جولة ثانية من الحوار الوطني، يوم 16 ماي 2013، حيث ارتكزت نقاشات الجولة الثانية بالخصوص على خمس نقاط أساسية تتمثل في إنهاء تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتحديد تاريخ إنهاء وإصدار دستور يجسد مدنية الدولة ويؤسس للحقوق والحريات، وتحديد تاريخ إصدار قانون انتخابي، وتحديد أجل نهائي لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأخيرا تنقية المناخ العام ونبذ العنف والإرهاب ومجابهته... وهي نقاط، حسب المشاركين، ستوفر الأرضية والظروف الملائمة لانجاز انتخابات ديمقراطية وتعددية ونزيهة وشفافة.
نقاط جديدة تنضاف إلى جملة النقاط المطروحة في الجولة الأولى والتي من أهمها المطالبة بحكومة محدودة العدد لا يتحمل أعضاؤها مسؤوليات حزبية ولا يرشحون للانتخابات القادمة رئاسية كانت أم تشريعية، والرجوع عن التعيينات الحزبية، وتشكيل لجنة عليا للتشاور حول التعيينات الجديدة وفق مقاييس موضوعية، وحل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات المنظمة، وكذلك الإسراع بكشف حقيقة كل أحداث العنف وحقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وتقديم، إلى جانب تحييد المساجد والنأي بها عن الصراعات السياسية والحزبية ومحاسبة كل الداعين للتكفير والتحريض على العنف، والتعجيل بتركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتفعيل ما تم الاتفاق بشأنه في العقد الاجتماعي الممضى بين الأطراف الاجتماعية ومعالجة الوضع الاجتماعي المتردي...
وتأتي الجولة الثانية للحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد جملة من "التوافقات والاتفاقات" التي أثمرتها جلسات الحوار بقصر الضيافة بقرطاج والتي دامت قرابة الشهرين، وهي توافقات ستأخذ الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة بالمجلس الوطني التأسيسي بعين الاعتبار لها لتضمينها في مسودة الدستور الجديد... وشملت هذه الاتفاقات، النظام السياسي الذي سيكون مختلطا تتوازن فيه السلطات الثلاث وتراقب بعضها البعض إلى جانب منح رئيس الجمهورية صلاحيات رسم السياسات العامة والدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية والقيام بتعيينات في الخطط السامية، كما نصت الاتفاقات على تضمين الدستور الجديد الحق النقابي والحق في الإضراب دون قيد أو شرط، وآخر التوافقات كانت حول الفصل 136 من الدستور الذي ينص على "أنه لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من الإسلام باعتباره دين دولة" وتم اختصار مضمونه على ألا يمس ذلك مضمون الفصلين الأول والثاني من الدستور.
غير أن الاختلاف ما يزال قائما فيما يتعلق بشأن تركيبة المجلس الأعلى للقضاء وخاصة نسبة تمثيلية القضاة صلبه... غير أن الخلاف الحقيقي، هو الحاصل بين مختلف الأطراف من جهة وحركة النهضة من جهة ثانية بخصوص حل رابطات حماية الثورة، وهي ربما النقطة التي سوف تكون عثرة الطريق في الحوار الوطني تحت خيمة الاتحاد العام التونسي للشغل خاصة أن التقرير الختامي للاتحاد أثبت بالصورة والصورة تورط أعضاء رابطات حماية الثورة في الاعتداء على النقابيين وعلى بطحاء محمد علي يوم 4 ديسمبر 2012 يوم الاحتفال بستينية الاتحاد.
وقد سبق لزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، الإعلان يوم الأربعاء، 15 ماي 2013، أي يوما قبل انطلاق الجولة الثانية للحوار الوطني، أعلن راشد الغنوشي انه لا سبيل لحل رابطات حماية الثورة إلا عبر القضاء، وهو إعلان لا يُمكن أن يُفهم إلا في سياق تأزيم الحوار الوطني... رغم أن راشد الغنوشي سبق أن "صافح" زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي ضمن الحوار الوطني الاقتصادي الذي دعا إليه اتحاد الصناعة والتجارة، وهي المصافحة التي أثارت الكثير من الحبر والتعاليق الصحفية والسياسية وذهبت بعيدا في التأويلات والقراءات، ولكن الثابت أن هذه المصافحة "التاريخية" كانت نتيجة حتمية للدور الريادي الذي اضطلع به قياديو الحزب الجمهوري في تقريب وجهات النظر بين الحركتين (النهضة ونداء تونس)...
ولكن إن كان حوار دار الضيافة سياسي ـ سياسي، وتحركه أجندات انتخابية بالأساس، فان الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل يتشابك فيه البعد السياسي بالبعد الاجتماعي، وهو ما يجعل الهوة أكثر عمقا بين الفرقاء السياسيين والأطراف الاجتماعية، وقد يجعل "المصافحة" بعيدة المنال خاصة بين زعيم الجبهة الشعبية حمة الهمامي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أو زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي، باعتبار أن الجبهة لا ترى في الحركتين إلا وجهان لعملة واحدة، وهي السياسة الليبرالية المجحفة والضاربة لدولة العدالة الاجتماعية...
إن التوافقات الحاصلة بين مختلف الأطراف في الحوارات السابقة، هي توافقات هشة و"تكتيكية" بالأساس، ينتهي افقها مع بداية الانتخابات القادمة (إن حصلت) مع تركيز حكومة ذات شرعية انتخابية، ذلك أن "المقود" في يد حركة النهضة مثلما صرح بذلك راشد الغنوشي في إحدى خطبه الحزبية، كما أن "الانغراس" الوظيفي للمنتسبين لحركة النهضة في مفاصل الدولة ومؤسساتها سيكون حاسما في صندوق الاقتراع، إلى جانب دور رابطات حماية الثورة والجماعات السلفية التي ستتجند مثلما فعلت في انتخابات 23 أكتوبر لتدفع الناس إلى منح أصواتهم للحركة الإسلامية.
أما حركة نداء تونس والأحزاب المتحالفة معها، فان التوافقات التي بلغتها مع حركة النهضة، هي الأخرى توافقات تكتيكية، ستنتهي بمجرد "الفوز"في الانتخابات، باعتبار أن "دولة البوليس"ستكون الحل الأمثل للتعامل مع الجماعات السلفية من جهة ومع الإضرابات العمالية من جهة ثانية...
وفي الحالتين، فإن "الصراع" التاريخي بين المنظمة الشغيلة من جهة، والحزب الحاكم في الدولة، من جهة ثانية، سيظل قائما، أمام غياب المؤشرات الحقيقية الضامنة لدولة الرفاه الاجتماعي التي طالب بها الشعب المنتفض عن النظام السابق... ولعل في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت أكثر من دلالة على تباين المواقف بين الشقين، ففي خطابه ذكر بضرورة "خفض الاحتقان السياسي والاجتماعي"، معتبرا بذلك أن هذا الاحتقان سببا وليس نتيجة، وهي ذات النقطة التي اختلف فيها معه الاتحاد العام التونسي للشغل عندما طلب المرزوقي السنة الفارطة "هدنة اجتماعية"، كما أن مبدأ حرية التعبير والصحافة وردت في خطاب الرئيس المؤقت في إطار "اتهام صريح" إذ "أدان" ما أسماه "الاحتقان الإعلامي الذي لم يسلم منه إلى حد الآن أي طرف" معتبرا أن "الباب مفتوح على أخطر المغامرات"...
رئيس الجمهورية المؤقت، وإن طالب برص الصفوف أمام تنامي ظاهرة التشدد الديني، فإنه قال حرفيا في خطابه "لا أفهم ولا أقبل أن تمنع فتاة منقبة من اجتياز الامتحانات الجامعية"، (وهي الجملة التي لاقت ردة فعل سلبية لدى الحضور) وهي أيضا نظرة لا تنم عن الخلفية الحقوقية للرجل، بل هي بالأساس تضرب في العمق القانون المنظم للمؤسسات التربوية، وتفتح المجال مجددا لانتهاك الفضاء التعليمي...
إن تباين الرؤى والمواقف من القضايا الوطنية المعرقلة للانتقال الديمقراطي تجلت بشكل واضح من خلال "الإنشائية المفرطة" لأحزاب الترويكا بالأساس، في الوقت الذي أبانت فيه منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للتجارة والصناعات التقليدية وبقية الأحزاب التي لم تشارك في حوار قصر الضيافة بقرطاج، أبانوا عن تصورات عملية وممكنة، على الأقل في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي، لعل أهمها إيقاف برنامج الإصلاح الهيكلي الجديد، وعدم عقد اتفاقات دولية ذات تأثير في المستقبل، وإيقاف كل الاتفاقيات والصفقات التي تم بمقتضاها البيع أو التفويت في الشركات والمؤسسات والأراضي، والدعوة إلى عدم خصخصة أي شركة أو مؤسسة عمومية، وتعليق تسديد الديون وتكوين لجنة تدقيق في شأنها، إلى جانب تجميد الأسعار ووضع آليات لمقاومة الفساد المالي والتهرب الجبائي... وغيرها من المقترحات العملية، كتلك التي طرحها السيد مصطفى الفيلالي في كلمته الشرفية في الجولة الثانية من مؤتمر الحوار الوطني، والمتعلقة بإنشاء وزير دولة خاص بمنطقة الجنوب لمنحها صلاحيات القرار الجهوي.
بالأخير يظل الحوار الوطني، مهما اختلفت فضاءاته ومنظميه والداعين إليه والمشاركين فيه، يظل حوارا ممكنا وبناء إذا كانت أرضيته الأساسية تؤمن بشعار "إن كنا غير شركاء في الحكم فنحن شركاء في الوطن"، وهو الشعار القادر على سد الطريق على كل ما من شأنه أن يهدد سلامة الوطن وكرامة شعبه.
2013/05/15
gilet pare-balles والفاشية الثالثة
إذا كان "الشيطان يسكن بين التفاصيل" فإن "القتل" يسكن هو الآخر ذات التفاصيل، تلك التي لا نعيرها اهتماما في الغالب الأعم. فهذا "القتل الأزرق" الذي تزكمنا رائحته من مغاور مرتفعات الشعانبي أو على الحدود التونسية الليبية أو من أدغال وغابات الشمال الغربي على الحدود الجزائرية... ولم تخلو منه أحزمة الفقر المتاخمة لتونس العاصمة... يزفنا كل يوم أخبار الرصاص والألغام وأدوات نشر ثقافة الموت...
وعودا إلى التفاصيل، فإن بعض الإشارات البسيطة، وبعض التفاصيل العابرة نلتقطها هنا وهناك، حذو خطواتنا، وأمام أعيننا لنقف على حقيقة باتت تترسخ اليوم في تونس مفادها أننا بصدد الانحدار نحو نظام ديكتاتوري في ظل حكم فاشي...
ومن هذه الإشارات، تحرك بعض الزعماء والناشطون السياسيون، وحتى بعض المثقفين والمبدعين وهم يرتدون "الصدريات الواقية من الرصاص" أو المتعارف عليها باللغة الفرنسية (gilet pare-balles)، والى جانب استخدام هاته الصدريات الواقية فان البعض منهم وجد نفسه "مجبورا" على التحرك بين حارسين أو أكثر يلازمونهم أينما تحركوا...
حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، الباجي قائد السبسي مؤسس حزب حركة نداء تونس... ثلاثتهم محاطون بحراس رئاسيين يسهرون على سلامتهم وأمنهم وكأنهم يتحركون فوق حقل ألغام مكتنز بالفخاخ، وليسوا في وطن حسبوا أن آخر طلقاته الغادرة أُطلقت يوم "الخميس الأسود"...
"الطاغوت" المتوجب قتله واغتياله وتصفيته من "أرض الإسلام" سيتعدى الملايين من التونسيات والتونسيين، ولئن كانت القائمات مدججة بالسياسيين والإعلاميين والحقوقيين فما هي إلا "فاتحة شرعية" كتلك التي كانت في أرض مالك حداد وجميلة بوحيرد... ولكن هل الملايين قادرون على اقتناء "صدريات واقية من الرصاص"؟ وهل الملايين لهم من المال ما يكفي "لتأجير" حراس شخصيين؟...
إن التدرج في "تعبئة" الصدور والسطو المستمر على المساحات والفضاءات العمومية من جهة، ومن جهة ثانية التقوقع الإيديولوجي البسيط والساذج في بعض الأحيان لدى "الأحزاب المدنية" جعلت من فزاعة الإرهاب السلفي الشجرة التي تحجب عن الشعب الذي أسقط نظاما ديكتاتوريا يرتد عن المطالب الأساسية التي ثار من اجلها، وتتحول وجهته بطريقة ميكانيكية نحو الجبال والمغاور وأحزمة الفقر، وصار الأمن خبزه اليومي...
أن مناضلا مثل حمة الهمامي، الناطق باسم الجبهة الشعبية، لم يرتد طوال مسيرته النضالية ضد بورقيبة وضد بن علي، صدرية واقية من الرصاص، ولم يتحرك وسط حراس شخصيين، وهو الذي عاش لأكثر من عشرة سنين في "السرية"، ومع ذلك هاهو يجد نفسه اليوم بعد الثورة التي حلم بها وكان لشباب حزبه دورا في تأجيجها، ها هو يجد نفسه اليوم في فترة الانتقال الديمقراطي محاطا بحارسين شخصيين من رئاسة الجمهورية ويرتدي صدرية واقية من الرصاص...
وها أن الأمين العام لأكبر منظمة شغيلة، الاتحاد العام التونسي للشغل، ولئن رفض ارتداء الصدرية الواقية من الرصاص، إلا أن حركاته صارت محل أنظار حارسين شخصيين من رئاسة الجمهورية أيضا...
قد تكون فاجعة اغتيال المعارض السياسي شكري بالعيد، أمام بيته بطريقة هوليودية تذكرنا بما حصل في الجزائر وفي لبنان أيضا، قد تكون النقطة الفاصلة بين مرحلتين، مرحلة مهتزة أمنيا ولكن دون بصمات إرهابية واضحة وحاسمة، ومرحلة ثانية دخلت فيها البلاد في منعرج الاغتيالات ورسائل التهديد المباشرة وغير المباشرة للمعارضين السياسيين بدرجة أولى وللإعلاميين بدرجة ثانية... ومن ورائهما الشعب التونسي عموما.
إن استهداف بعض الرموز المعارضة للفريق الحكومي المؤقت الذي تتزعمه حركة النهضة اليوم في تونس، بشكل مباشر وحاد سينسف حتما ابسط قواعد اللعبة الديمقراطية، وسيجعل الطريق نحوها مفخخا بالألغام والمطبات التي ستُعجل بانتكاسة مرحلة الانتقال الديمقراطي الموعودة، وتُمهد الطريق مرة ثالثة، بعد النظامين السابقين، إلى تكرار التجربة الفاشية من جديد، غير أن الفاشية الثالثة، تختلف في عمقها عن سابقتيها، فلئن أبد الحبيب بورقية حكمة طيلة ثلاثين سنة بسبب نرجسيته المفرطة، ولئن ظل نظام السابع من نوفمبر جاثما على الصدور طيلة 23 سنة كاملة تحت مسمى الإصلاح الديمقراطي التدريجي، فإن طبيعة النظام القادم تبحث لها الآن علة قدم وسط شرعية الكفر والإيمان لتتدحرج أيقونة الديمقراطية تحت شريعة القرون الغابرة...
2013/04/25
"ما تدوم كان بطحة محمد علي"
تماما مثلما تم الالتفاف على مطالب الثورة التونسية وتعويم مطالب المفقرين والمهمشين والمحرومين بفتاوي الجهل و"ضيوف" التشريفات الرسمية لتسميم العقول، تسعى اليوم نفس الأطراف إلى سحب البساط من تحت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل الوطنية التي جاءت خيمة واسعة لم تُقص أحدا، ولم يكن لمقترحيها نية سياسية أو رغبة في السلطة، بقدر ما كانت "الأرضية" المقترحة، متشبعة بروح الثورة ومطالب من قام بها واستشهد لأجلها ولأجلنا، وأيضا للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة الذي "دفعتنا" إليه "حكومة الأسلاك الشائكة".
وحتى نذكر من قد ينسى أو يتناسى، فان من بين مقومات مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل نذكر: المطالبة بحكومة محدودة العدد لا يتحمل أعضاؤها مسؤوليات حزبية ولا يترشحون للانتخابات القادمة رئاسية كانت أم تشريعية، وان يكون لأعضائها الصلاحيات الكافية وقوة المبادرة. وأيضا الرجوع عن التعيينات الحزبية، وتشكيل لجنة عليا للتشاور حول التعيينات الجديدة وفق مقاييس موضوعية، وحل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات المنظمة التي تنشر ثقافة الكراهية والضغينة والعنف تجسيدا لمبدأ احتكار الدولة وحدها مسؤولية الأمن وحماية الحريات العامة والخاصة، وكذلك الإسراع بكشف حقيقة كل أحداث العنف وحقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وتقديم الجناة ومن يقف وراءهم إلى العدالة، إلى جانب تحييد المساجد والنأي بها عن الصراعات السياسية والحزبية ومحاسبة كل الداعين للتكفير والتحريض على العنف، والتعجيل بتركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات ومراجعة ضبابية المعايير المعتمدة في تعيين أعضائها وتعيين سقف زمني محدد للانتخابات، وتفعيل ما تم الاتفاق بشأنه في العقد الاجتماعي الممضى بين الأطراف الاجتماعية ومعالجة الوضع الاجتماعي المتردي.
هذه النقاط الرئيسية التقت حولها الأطراف الحزبية والمدنية والنقابية، ووحدها ظلت الترويكا تغرد خارج السرب، بل كالت التهم للاتحاد واعتبرته يتدخل فيما لا يعنيه (هكذا) وطالبته "بالتزام حدوده"... ثم تتالت مداخلات "المسؤولين" الحكوميين في وسائل الإعلام لإدانة الإضرابات والتحركات المشروعة...
بعد سنة وبضعة أشهر من إطلاق الاتحاد العام التونسي للشغل لمبادرته الوطنية، زادت البلاد انحدارا نحو الأسوأ، وتراكمت ذات المشاكل، وظلت "الترويكا" على نهجها سائرة تنثر الأخطاء أنى ولت وجهتها وحيث تكلم "مسؤول" من أحزابها الثلاثة...
وبعد الجولات المكوكية ونصب المشانق للعلمانيين وطرد السفير السوري واستقبال رابطات حماية الثورة والاستماتة في الدفاع عن دويلة قطر وجمعيتها الخيرية... دعا رئيس الجمهورية المؤقت إلى "مؤتمر حوار وطني"، وبقدرة قادر تم "تطبيع العلاقات" بين حركة النهضة وحزب حركة نداء تونس، وبقدرة قادر أيضا صار الاتحاد العام التونسي للشغل طرفا في طاولة الحوار معني بالشأن السياسي... وتم تكليف شخصيات سياسية لإقناع قيادة الاتحاد بالالتحاق بمبادرة "الرئيس"... وكذلك الجبهة الشعبية... هكذا بعد أن رفضوا المبادرة الأصل هرعوا إلى نسخة فرعية... وكأن الزمن الذي خسره الشعب التونسي لا معنى له...
المأزق الذي بلغته تونس اليوم لا يحتاج إلى قصور باذخة مرفوعة الأسوار والجدران بقدر ما يحتاج إلى مساحة حرة وفضاء مفتوح لا تعلوه المزاليج مثل بطحاء محمد علي الحامي... التي تظل قريبة من نبض كل الطيف السياسي دون تعال وفي نفس الوقت مستقلة عن الجميع.
2013/04/18
عيش نملة... تأكل سكر
لا أرى مثلا شعبيا أكثر دلالة ورمزية من المثل الذي تخيرته عنوانا لهذه البطاقة الأسبوعية، للتعبير عن العلاقة التي تنتهجها رئاسة الجمهورية وخلفها الفريق الحكومي مع "قطر"، خاصة بعد تهديد كل مواطن تونسي من قبل رئيس الجمهورية المؤقت بتحميل مسؤولية كل من "يتطاول" على "راعية ثورات الربيع العربي" وواهبة الصلاحيات الرئاسية... والمدرعات والدراجات والقنابل المسيلة للدموع... ومعهم فتاوي الجهل وعذاب القبر...
الثابت أن أول ما يتبادر إلى الذهن في علاقة بالنمل هو الكد والجهد والعمل وهي الصفات المحمودة فيها، المفقودة في رئيس جمهوريتنا، أو ما تبقى من الجمهورية، والثابت أيضا أن النملة لم تختر حجمها الصغير أو المتناهي في الصغر، فالطبيعة أفرزتها على تلك الصورة، وجعلت منها الحيوان الأكثر عرضة للعفس والرفس بالأحذية... ولأن الإنسان وحده يتخير الموضع الذي يلائمه... فإن رئيس جمهوريتنا اختار موضعه أمام الشيخ حمد والشيخة موزة... وما حملت أياديهم من حفنة الدولارات... (وين تحط نفسك تصيبها)...
أما السكر، فحلاوته لا تمنع سرعة ذوبانه وانحلاله داخل الفم، تماما مثلما سيحدث بين "منصفنا" والقائمين بشؤون مملكة قطر... عما قريب... ولكن هل يعلم "منصفنا" أن صلاحياته لا تمنحه حق تخير موضع النملة لكل تونسية وتونسي، وان صلاحياته لا تمنحه أيضا التعسف على أفواهنا لذر حبات السكر المسمومة...
بمبلغ 28.8 مليون دينار يُخير "المنصف" الشعب التونسي بين أن يكون شعبا من النمل يعيش تحت أحذية قطر، أو أن يكون شعبا مهددا بالقانون والمحاسبة إن هو "تطاول" على قطر... ولن تكون أداة المحاسبة سوى سيارات ودراجات والقنابل المسيلة للدموع التي تهبها قطر إلى حكومة تونس...
وبذات المصطلحات الممجوجة من قبيل "الشيطنة" و"تجفيف الينابيع" هرع راشد الغنوشي وحزب حركة النهضة لتوجيه التهم إلى الشعب التونسي بتشويه صورة قطر...
أذكر هنا قولا لغسان كنفاني يقول فيه :"يسرقون رغيفك، ثم يعطونك منه كسرة، ثم يأمرونك بأن تشكرهم على كرمهم... يا لوقاحتهم"...
إننا أمام حالة انفصام عميقة وحقيقية "للنخبة" الحاكمة اليوم في تونس، فمن جهة تدعي سعيها لتأسيس نظام تونسي ديمقراطي، ومن جهة ثانية تدافع بشراسة على النظام القطري الديكتاتوري والتيوقراطي... وكأنها تستبطن دورها الحقيقي باعتبارها تتولى إدارة "الايالة التونسية" التابعة لما يدعو إليه شيخ الليموزين "يوسف القرضاوي" "الجمهورية الديمقراطية الإسلامية" والتي ستكون عاصمتها "قطر"، جمهورية ديمقراطية إسلامية ستقوم على "نصب المشانق للعلمانيين" وعلى "تحميل المسؤولية الأخلاقية والقانونية" لكل من يتطاول على عاصمتها "قطر"... جمهورية ديموقراطية إسلامية تضخ مئات المليارات لتخريب سوريا والعراق ولبنان وليبيا والجزائر... إكراما للكيان الصهيوني...
إنني انتمي إلى شعب عظيم اسمه الشعب التونسي، شعب كتب التاريخ بدم بناته وأبنائه، ولن أكون من عبيد قطر... هاته التي تريد دخول التاريخ بآبار النفط...
2013/04/11
الأخ محمد شعبان الكاتب العام للاتحاد الجهوي بصفاقس:الاتحاد لم يتحرك بعدُ والثورة الحقيقية قادمة
لهذه الأسباب أنا دكتاتور نقابي
ممنوع على كل نقابي في الظرف الحالي أن يتجاوز منظمته أو يخرج عنها
لا استغرب جهل وزير الصحة وجماعته بأخلاقيات
ومبادئ النقابيين وبآليات العمل النقابي
نحن لسنا ضد التعددية النقابية لكننا ضد التعددية النقابية الانتهازية
لن ينفعنا صندوق النقد الدولي ولا قطر
عندما تجوع حركة النهضة الشعب التونسي
من العار على إذاعة صفاقس أن تتنكر لما قام به الاتحاد من اجل العاملين بها
لهذه الأسباب سنعمل على تنحية والي صفاقس لأنه لا يخدم مصلحة أهالي الجهة
أهالي صفاقس شيدوا المساجد بسواعدهم والنهضة تستغلها اليوم
بورقيبة وبن علي والمرزوقي عابرون أما الاتحاد فباق
الاتحاد سيكون الفيصل الحاسم في الانتخابات القادمة
أجرى الحوار ناجي الخشناوي
في الطريق إلى عاصمة الجنوب، صفاقس، لإجراء حوار صحفي مع الأخ محمد شعبان الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بالجهة، قدرت أن لا يتجاوز اللقاء نصف ساعة لمَا سمعته عن الرجل من كثرة مشاغله و"طباعه الحادة" غير أن هذا الحوار دام أكثر من ساعتين والنصف ساعة داخل مكتب الأخ محمد شعبان، ورغم الدقات المتواصلة على باب مكتبه ورنين الهاتف في كل مرة إلا أن الرجل استرسل في الحديث والإجابة عن الأسئلة دون أن يفتح الباب أو يرد على الهاتف...
الحوار اختلفت مواضيعه من الشأن النقابي الجهوي إلى العمل النقابي الوطني مرورا بالوضع السياسي في البلاد واستحقاقات المرحلة، وضمنه كان الأخ محمد شعبان منسجما مع ذاته مثلما يعرفها كل نقابي احتك به.
ـ لنبدأ هذا الحوار من آخر المستجدات لما بات يُعرف بإضراب عملة الإعاشة بالمستشفيين الجامعيين بصفاقس، نود أن تطلعنا على آخر التحركات خاصة بعد تعليق الإضراب؟
ـ هو أولا إضراب قانوني وشرعي، وحسب تقييمنا والوثائق الني بحوزتنا لا يمكن للإدارة أو لوزارة الإشراف أن ينفوا قانونية وشرعية إضراب عملة الإعاشة خاصة أن الاتفاق التاريخي الممضى بدار الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 21 أفريل 2011 بحضور وزارة الشؤون الاجتماعية الذي ينص على إلغاء المناولة في القطاع العام وخاصة في قطاع الوظيفة العمومية، ولذلك نحن ناضلنا في مستشفي الهادي شاكر ومستشفى بورقيبة من اجل إلغاء العمل بالمناولة إلى أن وقعت جلسة في شهر أكتوبر 2011 ورغم أن الجلسة كانت في جو مشحون نوعا ما إلا أننا توصلنا إلى اتفاق ينص على أن عمال المستشفيين ونظرا لاقدميتهم في العمل ولديهم أصناف معروفة فاتفقنا على جدولة التصنيف وعلى انتداب هؤلاء العملة بداية من غرة جانفي 2012 وطالبنا من وزير الصحة الإمضاء على هذا الاتفاق وأمضينا 11 محضرا لتأجيل الإضراب ووقعت جلسات تفاوض متعددة مع الإدارة الجهوية للصحة بصفاقس ووقع الاتفاق على تصنيف العملة بحكم الاختصاصات التي يمارسونها في مطعم المستشفيين إلا أن الحالة ظلت على ما هي عليه ونظرا لطول المدة ما ترتب عنه من توتر وحالة احتقان لدى العمال طالبنا مرة أخرى بالإسراع في تنفيذ الاتفاق، غير أن السلبية التي وجدناها من الطرف المقابل وعدم الاكتراث وعدم الالتزام بالاتفاقات وما أبدته الوزارة والإدارة من تحد صارخ للمنظومة الشغلية ولقوانين الشغل دفعتنا إلى إعلان الدخول في إضراب ب15 يوما رغم أننا طالبنا من والي صفاقس أن نتنقل إلى الوزارة غير أن نفس سياسة المماطلة كانت هي الإجابة المتكررة بل أن الوالي قال لي بالحرف الواحد "انسى الموضوع" وما يحز في النفس أن هذه الإجابة جاءت بعد تعليمات واضحة من وزير الصحة بعدم الجلوس معنا.
ـ رغم دوركم الايجابي ودور الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد لتطويق أزمة المستشفيين إلا أن رفض سياسة الحوار والتفاوض لحقتها محاولات مستميتة لتشويه الهياكل النقابية وتحميلها مسؤولية ما يحدث في المستشفيين؟
ـ نحن نعرف الحملات الممنهجة والمنظمة وتعودنا بها وبتنا نعلم مصدرها والجهات التي تقف وراءها، ولكن في السابق لم تنجح مثل هذه الحملات في ضرب العمل النقابي بل زادتنا لحمة، أما فيما يتعلق الآن بالمستشفيين الجامعيين فالخطير في المسألة أن وزير الصحة في شخصه أدلى بتصريح غريب لأحد الإذاعات قال فيه انه سيعمل بقوة عن طريق ما يسميه المجتمع المدني والذي يختزله الوزير وحزبه في "رابطات حماية الثورة" قال أنه سيعمل على إفشال الإضراب مثلما تم استعمالهم سابقا في إضراب الهادي شاكر، وبالفعل مباشرة بعد التصريح الإذاعي قدمت مجموعة غريبة عن المستشفيين لتكسير الإضراب بتعلة أنهم سيقدون الأكل للمرضى، وكأن العملة المضربون يمنعون الأكل عن المرضى، وهنا لا استغرب جهل وزير الصحة وجماعته بأخلاقيات ومبادئ النقابيين وبآليات العمل النقابي وادعوه إلى أن يطلع على برقيات الإضراب وما تتضمنه من آليات لتقديم الخدمات الأساسية والضرورية.
الجماعة التي حاولت إفشال الإضراب والتهجم على النقابيين وجدت السند والدعم من الوزير في البداية ثم في بعض أيمة مساجد صفاقس خاصة بعد خطبة الجمعة التي تزامنت مع اليوم الثالث للإضراب، حيث تحولت خطبة الجمعة إلى "تهريج" وتشويه لتاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل مثلما فعلوا نفس الشيء في أوت 2012 عندما اعتبروا الاضراب "حراما" وأصدروا البيانات المشوهة للعمل النقابي بل ودعوا آنذاك إلى تكوين نقابات إسلامية قالوا إنها "مستقلة".
ـ وكيف تردون على رفع قضية عدلية وفتح تحقيق جزائي فيما يسمونه "جرائم القيام بإضراب غير شرعي والصد عن العمل"؟
ـ فعلا استغرب كيف يُقدم محام أو مجموعة من المحامين على تبني مثل هذه القضايا وهم يعلمون أن الإضراب قانوني وشرعي ومثل هذه القضايا لا تدخل إلا في باب التشويه وضرب العمل النقابي ومحاولة التضييق على العمال وضرب حقوقهم ولكن ليعلم الجميع ان ما بني على باطل فهو باطل.
ـ هل فعلا تستمد جهة صفاقس إشعاعها النقابي من رموز الجهة وخاصة مؤسس الاتحاد فرحات حشاد والزعيم الحبيب عاشور، وهل بات العمل النقابي بالجهة "مُختزلا" في شخصكم؟
ـ أولا الزعيم فرحات حشاد وكذلك الزعيم الحبيب عاشور هما ابنا كامل هذا الوطن، واعتقد أن كل نقابي يحمل بداخله بذرة هذين الزعيمين التاريخين إلى جانب طبعا محمد علي الحامي أب الحركة النقابية في تونس وأحمد التليلي وبلقاسم القناوي وغيرهم من الرواد، ونقابيات ونقابيو صفاقس متشبعون بخصال ومبادئ وأخلاق الرواد والمؤسسين، ومن الصعب بل المستحيل أن يتنكر نقابي لدماء رواد الكفاحين الاجتماعي والوطني في تونس.
الإخلاص والتضحية والالتزام هي المفاتيح الثلاثة التي تأسست في العمل النقابي على يد الرواد وهي أيضا نبراسنا اليومي، إلى جانب الشفافية ونظافة اليد... والمجابهة بالحجة والبراهين... وربما لأني متشبع بهذه القيم وأمارس بها قناعاتي هناك من يعتبرني دكتاتورا... فان كانت هذه الخصال عنوان دكتاتورية فليعلم الجميع أن محمد شعبان دكتاتور نقابي...
العمل النقابي في صفاقس لا يُختزل في شخص محمد شعبان، ولكن محمد شعبان منذ أن انتمى للاتحاد العام التونسي للشغل وهو يتعامل مع النقابيين من دون أي خلفية انتخابية أو حسابات أصوات بل أتعامل مع كل النقابيين بمنطق التضامن النقابي لأني اعتقد انها القاعدة الأساسية منذ تأسس الاتحاد إلى اليوم الضامنة لوحدة وتماسك المنظمة.
صحيح أن محمد شعبان يُحرك ويُؤطر ويدفع العمل النقابي بصفاقس ولكن لو لم تكن النيابات الأساسية والنقابات الأساسية والفروع الجامعية والاتحادات المحلية لما كان محمد شعبان، ومنذ أن تحملت مسؤولية الكتابة العامة منذ 82 لم يتخلف المكتب التنفيذي الجهوي عن الاجتماع كل يوم جمعة، وما نتميز به في جهة صفاقس أننا نفتح مقر الاتحاد مساء السبت ويوم الأحد وهو تقليد أرساه الرواد... وإن أختلف مع الأخوة النقابيين فدائما على قاعد المحاججة والإقناع لا عن طريق فرض الرأي.
والظرف الحالي يحتم على كل نقابي أن لا يتجاوز أو يتحدى الاتحاد واعتقد انه لا مجال للخطأ أو التسرع والإفراط في التحمس خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها الاتحاد والبلاد.
ـ هناك اتهامات توجه إلى جهة صفاقس وتصنفها الجهة التي "تتقن" الإضرابات بامتياز وأن "رأس الحربة" هو محمد شعبان الذي لا يسعى إلا لضرب الحكومة، فما مدى صحة هذه الاتهامات؟
ـ لا أرد على مثل هذه الاتهامات إلا بدعوة من يطلقها إلى أن يعود ويقرأ تاريخ صفاقس ويطلع على زخمها النضالي المستمد من روح فرحات حشاد والحبيب عاشور وكل النقابيين، وطيلة تاريخ الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس لن تعثر على إضراب غير شرعي وقانوني وكل الإضرابات القطاعية والجهوية لا ننفذها إلا بعد استنفاذ كل سبل الحوار والتفاوض.
الآن هناك حلقة مفقودة في المسار التفاوضي وهي تفقدية الشغل التي تمثل وزارة الشؤون الاجتماعية، أين كنا نجلس إلى طاولة التفاوض والنقاش والحوار مع متفقد الشغل، وأصبح اليوم لزاما علينا إما أن نجلس إلى الطرف الإداري مباشرة أو نجلس إلى والي الجهة، وأتحدى أي إدارة في أي قطاع لم نجلس إليها ولم نطلب التفاوض معها، ولكن التعنت والصد وغياب الدور المهم لتفقدية الشغل في تقليص عدد الإضرابات هو الذي جعل من هذه الإضرابات تتضاعف، ومع ذلك عندما نقارن بين نسبة برقيات الإضراب وبين تطبيق الإضرابات فعلا سنكتشف حجم الافتراءات والاتهامات المجانية.
ولو كانت لدينا نية لإسقاط الحكومة لما قمنا بإضرابات قطاعية بل كنا سنقوم بإضرابات مستهدفة للحكومة مباشرة، ولكن نحن أرقى من هذه التهم وأخلاقنا لا تسمح لنا "بالغدرة" وإذا كانت لدينا مطالب ضد الحكومة فإننا لن نتأخر في قولها صراحة ودون مواربة، ولكن أيضا عندما ندين صمت الحكومة في مسالة ما مثل إلقاء القمامة في بطحاء محمد علي الحامي فذلك حقنا المشروع، ولكن إذا قررنا القيام بإضرابات ضد الحكومة فسننفذها دون خوف أو تردد، وكل المؤشرات تدفع إلى ذلك منها غلاء المعيشة والتهاون في كتابة الدستور ومحاولات الالتفاف على مطالب الشعب التونسي.
ـ احترفت بعض منابر المساجد بصفاقس وبعض الأصوات في إذاعة صفاقس تشويه العمل النقابي وإلصاق التهم بشخصكم فما مدى صحة هذه المعلومات؟
ـ الملاحظة الأولى التي أود أن أسوقها هنا هي أن الإعلام بصفة عامة نختلف في تقييم أدائه، ولكن غير المسموح به أن يعود الإعلام إلى مربع التوجيه والسيطرة الحزبية أو الحكومية، ولكن مع الأسف نلاحظ بداية العودة إلى هذا المربع من طرف بعض المنابر الإعلامية وبعض الأصوات والأقلام الصحفية.
وللتاريخ أقول إن إذاعة صفاقس كانت من بين المنابر التي ناضل العاملون فيها من اجل استقلاليتهم وافتكاك حق التعبير وحرية الصحافة، ولا يمكن أن أنسى دور الأخ مختار اللواتي الكاتب العام لنقابة أعوان إذاعة صفاقس إبان أحداث 26 جانفي الذي كان مناضلا صلبا وشرسا في الدفاع عن إذاعته وعن العاملين فيها ولذلك لُفقت له التهم للزج به في السجن زمن محمد الصياح الذي يكن عداء مرضيا للعمل النقابي وللاتحاد العام التونسي للشغل وكان سببا مباشر في اندلاع أحداث 26 جانفي إلى جانب الهادي نويرة وعبد الله فرحات وغيرهم، وميليشيات الصياح في ذاك الزمن حاولت اختراق إذاعة صفاقس تماما مثلما تسعى الآن جاهدة ميليشيات حركة النهضة المسماة زورا وبهتانا "روابط حماية الثورة" وبصراحة أقول للعاملين في إذاعة صفاقس "ممنوع عليكم أخلاقيا أن تشوهوا الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابيي الجهة الذين وقفوا ومازالوا معكم ومع حقوقكم... وكلهم يعلمون أن الاتحاد الجهوي للشغل وقف معهم في وجه الوالي الحالي لصفاقس والذي لا يعمل إلا لصالح حركة النهضة ولا يأبه لمصالح أهالي صفاقس ولذلك أقولها دون تردد "سنعمل على إقالة والي صفاقس الحالي"، هذا الوالي الذي يستجير بميليشيات رابطة حماية الثورة؟ هل من المعقول أن والي يمثل الدولة التونسية لا يثق برجال الأمن ويطلب الحماية من أشخاص لا صفة لهم؟ هؤلاء الأشخاص هم الذين اعتدوا على العاملين بإذاعة صفاقس ووحده الاتحاد الجهوي للشغل دافع عنهم... سواء في السبعينات أو الآن... وسنظل ندافع عنهم مهما كان حجم التشويه الذي يطالنا.
أما المساجد فمثلما قلت لك فقد تم تدنيسها بخطابات السياسة وتحديدا بالمدافعين عن حركة النهضة لا عن تونس ورغم ذلك فشلوا فشلا ذريعا في كل محاولاتهم لضرب الاتحاد والعمل النقابي، وحركة النهضة اليوم تستغل المساجد التي بناها أبناء صفاقس بعرقهم ومالهم محبة في الله... على هؤلاء أن يعوا جيدا أن الثورة قام بها الاتحاد العام التونسي للشغل وليست حركة النهضة، وما على هذه الحركة إلا أن تحترم مطالب الشباب التونسي... وتحترم الاتحاد العام التونسي للشغل، وأقولها على الملأ أن الاتحاد لم يتحرك إلى الآن.
ـ ألا تخشى أن يُفهم كلامك الأخير على انه تهديد؟
ـ ليعلم الجميع أن الاتحاد العام التونسي للشغل لم ولن يلجأ إلى لغة التهديد، ولكن كيف سيُفهم هذا الكلام عندما يصدر المجلس الوطني التأسيسي دستورا اقل من طموحات الشعب التونسي؟ وكيف سيفهم هذا الكلام إذا ما تواصلت سياسة ضرب المطالب الحقيقية للثورة؟ وكيف سيفهم هذا الكلام عندما تُحاك الصفقات في السر والعلن لبيع البلاد إلى قطر والسعودية وتركيا؟ وكيف سيفهم كلامي عندما أوصلوا البلاد إلى مرحلة الاغتيال السياسي وإطلاق النار على الشهيد الوطني شكري بالعيد؟
إذا تواصلت هذه "المهازل" فاني أقول بأن الثورة الحقيقية قادمة وسيقودها الاتحاد من جديد، وأقول مهازل لأنه من غير المعقول أن نكتب دستورا يضرب الحق في العمل النقابي والحق في الإضراب، وأدعو نواب حركة النهضة إلى قراءة التاريخ وليتذكروا أن بن علي سنة 96 حاول تحوير مجلة الشغل وإدخال كلمة "إضراب مهني" في الفصل 376 فوقفنا له ومنعناه من ذلك... وليتذكر أيضا كل متطاول على الاتحاد إضراب يوم 12 جانفي في صفاقس.
حق الإضراب افتكه النقابيون بالدم ولن يمر في الدستور الجديد أي فصل سيضرب هذا الحق ولو بدمائنا، وأقول لمن سيحرم الشعب من هذا الحق لا تعلقوا فشلكم على الاتحاد، ولا تختلقوا صراعا معه لأنه سيعود عليكم بالوبال مثلما عاد على من سبقكم، وأيضا من سيواصل في النهج الليبرالي ويضرب البعد الاجتماعي سنكون له بالمرصاد ولن ينفعنا صندوق النقد الدولي عندما يجوع الشعب التونسي
ـ كيف ترون سعي بعض الأطراف الحزبية إلى تقزيم دور الاتحاد وحصره في مربع المطلبية الضيقة؟
ـ هذه من المفارقات عينها فالاتحاد الذي أوصل هؤلاء إلى سدة الحكم والذي كان له الفضل في إرجاعهم من منافيهم وإخراجهم عن صمتهم، يكيلون إليه اليوم بمكيالين متناسين أن الاتحاد ساهم في تحرير تونس من المستعمر وساهم في صياغة دستور 56 وساهم في بناء تونس الحديثة وكان في الصفوف الأمامية للثورة، وللتاريخ أيضا الاتحاد هو الذي ساند بورقيبة ولولا الاتحاد لما كان بورقيبة فكل مؤتمرات الحزب الدستوري كان بورقيبة يلتجأ إلى الاتحاد العام التونسي للشغل... (اعتبرها من بين أخطاء الاتحاد عندما انحاز إلى بورقيبة ضد صالح بن يوسف مثلما التقينا فيما بعد سنة 81 مع مزالي) وهذا للتاريخ حتى يعرف بعض "الدساترة" الذين يهاجمون الاتحاد اليوم، وحتى يعرف الشعب التونسي أننا نعترف بأخطائنا ولا نخجل منها... وادعوهم أن يسألوا المخابرات الفرنسية والأمريكية عن تاريخ الاتحاد ولماذا اغتالوا فرحات حشاد...
والآن اختار الاتحاد أن يترك المجال واسعا للأحزاب السياسية في هذه الفترة الانتقالية، وهو اختيار عقلاني ومدروس قررناه بعد هيئتين إداريتين، ولكن ما راعنا إلا أن بعض الأطراف تسعى إلى حشرنا في المطلبية الضيقة وتريد إقصاءنا من المشاركة في الخيارات الوطنية، وبعد أن ساهمنا في إنجاح انتخابات 23 أكتوبر ها أننا نرى الفشل تلو الفشل لما يسمونه ترويكا حاكمة... وهي التي احترفت الخطابات المزدوجة وباتت الغطاء الأول للميليشيات والعصابات... وباتت تسوق للاستبداد تحت غطاء الشرعية، هذه الشرعية التي انتهت صلاحيتها... بل إنهم يتجرؤون على افتكاك الاتحاد والانقلاب عليه... كم هم واهمون...
ـ أمام ظهور بعض الهياكل النقابية كيف يرى الأخ محمد شعبان مستقبل الاتحاد العام التونسي للشغل والعمل النقابي عموما في ظل تعددية نقابية؟
ـ أولا التعددية النقابية وُجدت منذ كان الاستعمار في تونس، وكان هناك أربع أو خمسة تنظيمات نقابية، ثم بعد ذلك حاول محمد الصياح ومحمد مزالي تكوين منظمة نقابية موازية إبان أحداث 26 جانفي ولكنهما فشلا، أما الهياكل النقابية الموجودة الآن فهي لم تنطلق من أرضية مبدئية بل انطلقت من مصالح وحسابات، واعتقد انها تدخل في باب المناورة، ولذلك انصح أخواتي وإخوتي في الاتحاد العام التونسي للشغل للتفطن لكل مناورة ولكل محاولة لضرب وحدة الاتحاد.
ودعني أقول أيضا للجميع، نحن لسنا ضد التعددية النقابية الوطنية ولكننا ضد التعددية النقابية الانتهازية التي لا تدفع إلا لتفرقة العمال ومصالحهم، وأنصح أيضا المرزوقي وحركة النهضة بالابتعاد عن الاتحاد العام التونسي للشغل لأن النقابيين أحرار ولن يتمكن أحد من استعبادهم... وفي نفس الوقت أنصح كل نقابي ينتمي إلى حزب ما ويدافع عن حزبه أكثر من الاتحاد انصحه بالذهاب إلى حزبه...
ـ كيف ترون المشهد السياسي في قادم الأيام؟
ـ المشهد من الناحية السياسية نرى ملامحه من خلال البالونات التي تدفعها الترويكا وحركة النهضة أساسا لإثارة الفتن والزج بالبلاد في أتون الفوضى والحرب الأهلية... المشهد السياسي تدفعه هذه الترويكا نحو تزييف الانتخابات القادمة ومحاولة الاستيلاء على أصوات الناس، ولكن هيهات فالشعب تفطن، وان كان تعاطف في انتخابات 23 أكتوبر مع حركة النهضة فلا أظن انه اليوم سيمنحها صوته وهي التي تلاعبت بمطالبه واستغلت طيبته وتعاطفه، وهي التي تحاول استثمار التعاطف من جديد ضد الاتحاد بتلفيق التهم والتشويه واختلاق الاعتصامات لتنسبها إلى الاتحاد... تزوير الانتخابات والالتفاف على مطالب الشعب وعلى المسار الديمقراطي مؤشرات واردة جدا في ظل عدم انتخاب هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات إلى الآن وغياب تاريخ محدد إلى الآن، وفي انتظار تشكيلتها أيضا يمكننا أن نحكم على مستقل تونس السياسي.
ـ هل لنا أن نعرف مستقبلكم النقابي وهل ستترشحون لانتخابات المؤتمر الجهوي القادم؟
ـ ما قدمته طيلة مسيرتي النقابية أنا راض عنه واعتبره كاف، أما مسألة الترشح للمؤتمر القادم فستتحدد في وقتها، وأفضل ألا أعلن عن أي موقف بخصوص شخصي حتى لا ادخل في الحملات الانتخابية السابقة لأوانها...
أهالي صفاقس شيدوا المساجد بسواعدهم والنهضة تستغلها اليوم
بورقيبة وبن علي والمرزوقي عابرون أما الاتحاد فباق
الاتحاد سيكون الفيصل الحاسم في الانتخابات القادمة
أجرى الحوار ناجي الخشناوي
في الطريق إلى عاصمة الجنوب، صفاقس، لإجراء حوار صحفي مع الأخ محمد شعبان الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بالجهة، قدرت أن لا يتجاوز اللقاء نصف ساعة لمَا سمعته عن الرجل من كثرة مشاغله و"طباعه الحادة" غير أن هذا الحوار دام أكثر من ساعتين والنصف ساعة داخل مكتب الأخ محمد شعبان، ورغم الدقات المتواصلة على باب مكتبه ورنين الهاتف في كل مرة إلا أن الرجل استرسل في الحديث والإجابة عن الأسئلة دون أن يفتح الباب أو يرد على الهاتف...
الحوار اختلفت مواضيعه من الشأن النقابي الجهوي إلى العمل النقابي الوطني مرورا بالوضع السياسي في البلاد واستحقاقات المرحلة، وضمنه كان الأخ محمد شعبان منسجما مع ذاته مثلما يعرفها كل نقابي احتك به.
ـ لنبدأ هذا الحوار من آخر المستجدات لما بات يُعرف بإضراب عملة الإعاشة بالمستشفيين الجامعيين بصفاقس، نود أن تطلعنا على آخر التحركات خاصة بعد تعليق الإضراب؟
ـ هو أولا إضراب قانوني وشرعي، وحسب تقييمنا والوثائق الني بحوزتنا لا يمكن للإدارة أو لوزارة الإشراف أن ينفوا قانونية وشرعية إضراب عملة الإعاشة خاصة أن الاتفاق التاريخي الممضى بدار الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 21 أفريل 2011 بحضور وزارة الشؤون الاجتماعية الذي ينص على إلغاء المناولة في القطاع العام وخاصة في قطاع الوظيفة العمومية، ولذلك نحن ناضلنا في مستشفي الهادي شاكر ومستشفى بورقيبة من اجل إلغاء العمل بالمناولة إلى أن وقعت جلسة في شهر أكتوبر 2011 ورغم أن الجلسة كانت في جو مشحون نوعا ما إلا أننا توصلنا إلى اتفاق ينص على أن عمال المستشفيين ونظرا لاقدميتهم في العمل ولديهم أصناف معروفة فاتفقنا على جدولة التصنيف وعلى انتداب هؤلاء العملة بداية من غرة جانفي 2012 وطالبنا من وزير الصحة الإمضاء على هذا الاتفاق وأمضينا 11 محضرا لتأجيل الإضراب ووقعت جلسات تفاوض متعددة مع الإدارة الجهوية للصحة بصفاقس ووقع الاتفاق على تصنيف العملة بحكم الاختصاصات التي يمارسونها في مطعم المستشفيين إلا أن الحالة ظلت على ما هي عليه ونظرا لطول المدة ما ترتب عنه من توتر وحالة احتقان لدى العمال طالبنا مرة أخرى بالإسراع في تنفيذ الاتفاق، غير أن السلبية التي وجدناها من الطرف المقابل وعدم الاكتراث وعدم الالتزام بالاتفاقات وما أبدته الوزارة والإدارة من تحد صارخ للمنظومة الشغلية ولقوانين الشغل دفعتنا إلى إعلان الدخول في إضراب ب15 يوما رغم أننا طالبنا من والي صفاقس أن نتنقل إلى الوزارة غير أن نفس سياسة المماطلة كانت هي الإجابة المتكررة بل أن الوالي قال لي بالحرف الواحد "انسى الموضوع" وما يحز في النفس أن هذه الإجابة جاءت بعد تعليمات واضحة من وزير الصحة بعدم الجلوس معنا.
ـ رغم دوركم الايجابي ودور الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد لتطويق أزمة المستشفيين إلا أن رفض سياسة الحوار والتفاوض لحقتها محاولات مستميتة لتشويه الهياكل النقابية وتحميلها مسؤولية ما يحدث في المستشفيين؟
ـ نحن نعرف الحملات الممنهجة والمنظمة وتعودنا بها وبتنا نعلم مصدرها والجهات التي تقف وراءها، ولكن في السابق لم تنجح مثل هذه الحملات في ضرب العمل النقابي بل زادتنا لحمة، أما فيما يتعلق الآن بالمستشفيين الجامعيين فالخطير في المسألة أن وزير الصحة في شخصه أدلى بتصريح غريب لأحد الإذاعات قال فيه انه سيعمل بقوة عن طريق ما يسميه المجتمع المدني والذي يختزله الوزير وحزبه في "رابطات حماية الثورة" قال أنه سيعمل على إفشال الإضراب مثلما تم استعمالهم سابقا في إضراب الهادي شاكر، وبالفعل مباشرة بعد التصريح الإذاعي قدمت مجموعة غريبة عن المستشفيين لتكسير الإضراب بتعلة أنهم سيقدون الأكل للمرضى، وكأن العملة المضربون يمنعون الأكل عن المرضى، وهنا لا استغرب جهل وزير الصحة وجماعته بأخلاقيات ومبادئ النقابيين وبآليات العمل النقابي وادعوه إلى أن يطلع على برقيات الإضراب وما تتضمنه من آليات لتقديم الخدمات الأساسية والضرورية.
الجماعة التي حاولت إفشال الإضراب والتهجم على النقابيين وجدت السند والدعم من الوزير في البداية ثم في بعض أيمة مساجد صفاقس خاصة بعد خطبة الجمعة التي تزامنت مع اليوم الثالث للإضراب، حيث تحولت خطبة الجمعة إلى "تهريج" وتشويه لتاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل مثلما فعلوا نفس الشيء في أوت 2012 عندما اعتبروا الاضراب "حراما" وأصدروا البيانات المشوهة للعمل النقابي بل ودعوا آنذاك إلى تكوين نقابات إسلامية قالوا إنها "مستقلة".
ـ وكيف تردون على رفع قضية عدلية وفتح تحقيق جزائي فيما يسمونه "جرائم القيام بإضراب غير شرعي والصد عن العمل"؟
ـ فعلا استغرب كيف يُقدم محام أو مجموعة من المحامين على تبني مثل هذه القضايا وهم يعلمون أن الإضراب قانوني وشرعي ومثل هذه القضايا لا تدخل إلا في باب التشويه وضرب العمل النقابي ومحاولة التضييق على العمال وضرب حقوقهم ولكن ليعلم الجميع ان ما بني على باطل فهو باطل.
ـ هل فعلا تستمد جهة صفاقس إشعاعها النقابي من رموز الجهة وخاصة مؤسس الاتحاد فرحات حشاد والزعيم الحبيب عاشور، وهل بات العمل النقابي بالجهة "مُختزلا" في شخصكم؟
ـ أولا الزعيم فرحات حشاد وكذلك الزعيم الحبيب عاشور هما ابنا كامل هذا الوطن، واعتقد أن كل نقابي يحمل بداخله بذرة هذين الزعيمين التاريخين إلى جانب طبعا محمد علي الحامي أب الحركة النقابية في تونس وأحمد التليلي وبلقاسم القناوي وغيرهم من الرواد، ونقابيات ونقابيو صفاقس متشبعون بخصال ومبادئ وأخلاق الرواد والمؤسسين، ومن الصعب بل المستحيل أن يتنكر نقابي لدماء رواد الكفاحين الاجتماعي والوطني في تونس.
الإخلاص والتضحية والالتزام هي المفاتيح الثلاثة التي تأسست في العمل النقابي على يد الرواد وهي أيضا نبراسنا اليومي، إلى جانب الشفافية ونظافة اليد... والمجابهة بالحجة والبراهين... وربما لأني متشبع بهذه القيم وأمارس بها قناعاتي هناك من يعتبرني دكتاتورا... فان كانت هذه الخصال عنوان دكتاتورية فليعلم الجميع أن محمد شعبان دكتاتور نقابي...
العمل النقابي في صفاقس لا يُختزل في شخص محمد شعبان، ولكن محمد شعبان منذ أن انتمى للاتحاد العام التونسي للشغل وهو يتعامل مع النقابيين من دون أي خلفية انتخابية أو حسابات أصوات بل أتعامل مع كل النقابيين بمنطق التضامن النقابي لأني اعتقد انها القاعدة الأساسية منذ تأسس الاتحاد إلى اليوم الضامنة لوحدة وتماسك المنظمة.
صحيح أن محمد شعبان يُحرك ويُؤطر ويدفع العمل النقابي بصفاقس ولكن لو لم تكن النيابات الأساسية والنقابات الأساسية والفروع الجامعية والاتحادات المحلية لما كان محمد شعبان، ومنذ أن تحملت مسؤولية الكتابة العامة منذ 82 لم يتخلف المكتب التنفيذي الجهوي عن الاجتماع كل يوم جمعة، وما نتميز به في جهة صفاقس أننا نفتح مقر الاتحاد مساء السبت ويوم الأحد وهو تقليد أرساه الرواد... وإن أختلف مع الأخوة النقابيين فدائما على قاعد المحاججة والإقناع لا عن طريق فرض الرأي.
والظرف الحالي يحتم على كل نقابي أن لا يتجاوز أو يتحدى الاتحاد واعتقد انه لا مجال للخطأ أو التسرع والإفراط في التحمس خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها الاتحاد والبلاد.
ـ هناك اتهامات توجه إلى جهة صفاقس وتصنفها الجهة التي "تتقن" الإضرابات بامتياز وأن "رأس الحربة" هو محمد شعبان الذي لا يسعى إلا لضرب الحكومة، فما مدى صحة هذه الاتهامات؟
ـ لا أرد على مثل هذه الاتهامات إلا بدعوة من يطلقها إلى أن يعود ويقرأ تاريخ صفاقس ويطلع على زخمها النضالي المستمد من روح فرحات حشاد والحبيب عاشور وكل النقابيين، وطيلة تاريخ الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس لن تعثر على إضراب غير شرعي وقانوني وكل الإضرابات القطاعية والجهوية لا ننفذها إلا بعد استنفاذ كل سبل الحوار والتفاوض.
الآن هناك حلقة مفقودة في المسار التفاوضي وهي تفقدية الشغل التي تمثل وزارة الشؤون الاجتماعية، أين كنا نجلس إلى طاولة التفاوض والنقاش والحوار مع متفقد الشغل، وأصبح اليوم لزاما علينا إما أن نجلس إلى الطرف الإداري مباشرة أو نجلس إلى والي الجهة، وأتحدى أي إدارة في أي قطاع لم نجلس إليها ولم نطلب التفاوض معها، ولكن التعنت والصد وغياب الدور المهم لتفقدية الشغل في تقليص عدد الإضرابات هو الذي جعل من هذه الإضرابات تتضاعف، ومع ذلك عندما نقارن بين نسبة برقيات الإضراب وبين تطبيق الإضرابات فعلا سنكتشف حجم الافتراءات والاتهامات المجانية.
ولو كانت لدينا نية لإسقاط الحكومة لما قمنا بإضرابات قطاعية بل كنا سنقوم بإضرابات مستهدفة للحكومة مباشرة، ولكن نحن أرقى من هذه التهم وأخلاقنا لا تسمح لنا "بالغدرة" وإذا كانت لدينا مطالب ضد الحكومة فإننا لن نتأخر في قولها صراحة ودون مواربة، ولكن أيضا عندما ندين صمت الحكومة في مسالة ما مثل إلقاء القمامة في بطحاء محمد علي الحامي فذلك حقنا المشروع، ولكن إذا قررنا القيام بإضرابات ضد الحكومة فسننفذها دون خوف أو تردد، وكل المؤشرات تدفع إلى ذلك منها غلاء المعيشة والتهاون في كتابة الدستور ومحاولات الالتفاف على مطالب الشعب التونسي.
ـ احترفت بعض منابر المساجد بصفاقس وبعض الأصوات في إذاعة صفاقس تشويه العمل النقابي وإلصاق التهم بشخصكم فما مدى صحة هذه المعلومات؟
ـ الملاحظة الأولى التي أود أن أسوقها هنا هي أن الإعلام بصفة عامة نختلف في تقييم أدائه، ولكن غير المسموح به أن يعود الإعلام إلى مربع التوجيه والسيطرة الحزبية أو الحكومية، ولكن مع الأسف نلاحظ بداية العودة إلى هذا المربع من طرف بعض المنابر الإعلامية وبعض الأصوات والأقلام الصحفية.
وللتاريخ أقول إن إذاعة صفاقس كانت من بين المنابر التي ناضل العاملون فيها من اجل استقلاليتهم وافتكاك حق التعبير وحرية الصحافة، ولا يمكن أن أنسى دور الأخ مختار اللواتي الكاتب العام لنقابة أعوان إذاعة صفاقس إبان أحداث 26 جانفي الذي كان مناضلا صلبا وشرسا في الدفاع عن إذاعته وعن العاملين فيها ولذلك لُفقت له التهم للزج به في السجن زمن محمد الصياح الذي يكن عداء مرضيا للعمل النقابي وللاتحاد العام التونسي للشغل وكان سببا مباشر في اندلاع أحداث 26 جانفي إلى جانب الهادي نويرة وعبد الله فرحات وغيرهم، وميليشيات الصياح في ذاك الزمن حاولت اختراق إذاعة صفاقس تماما مثلما تسعى الآن جاهدة ميليشيات حركة النهضة المسماة زورا وبهتانا "روابط حماية الثورة" وبصراحة أقول للعاملين في إذاعة صفاقس "ممنوع عليكم أخلاقيا أن تشوهوا الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابيي الجهة الذين وقفوا ومازالوا معكم ومع حقوقكم... وكلهم يعلمون أن الاتحاد الجهوي للشغل وقف معهم في وجه الوالي الحالي لصفاقس والذي لا يعمل إلا لصالح حركة النهضة ولا يأبه لمصالح أهالي صفاقس ولذلك أقولها دون تردد "سنعمل على إقالة والي صفاقس الحالي"، هذا الوالي الذي يستجير بميليشيات رابطة حماية الثورة؟ هل من المعقول أن والي يمثل الدولة التونسية لا يثق برجال الأمن ويطلب الحماية من أشخاص لا صفة لهم؟ هؤلاء الأشخاص هم الذين اعتدوا على العاملين بإذاعة صفاقس ووحده الاتحاد الجهوي للشغل دافع عنهم... سواء في السبعينات أو الآن... وسنظل ندافع عنهم مهما كان حجم التشويه الذي يطالنا.
أما المساجد فمثلما قلت لك فقد تم تدنيسها بخطابات السياسة وتحديدا بالمدافعين عن حركة النهضة لا عن تونس ورغم ذلك فشلوا فشلا ذريعا في كل محاولاتهم لضرب الاتحاد والعمل النقابي، وحركة النهضة اليوم تستغل المساجد التي بناها أبناء صفاقس بعرقهم ومالهم محبة في الله... على هؤلاء أن يعوا جيدا أن الثورة قام بها الاتحاد العام التونسي للشغل وليست حركة النهضة، وما على هذه الحركة إلا أن تحترم مطالب الشباب التونسي... وتحترم الاتحاد العام التونسي للشغل، وأقولها على الملأ أن الاتحاد لم يتحرك إلى الآن.
ـ ألا تخشى أن يُفهم كلامك الأخير على انه تهديد؟
ـ ليعلم الجميع أن الاتحاد العام التونسي للشغل لم ولن يلجأ إلى لغة التهديد، ولكن كيف سيُفهم هذا الكلام عندما يصدر المجلس الوطني التأسيسي دستورا اقل من طموحات الشعب التونسي؟ وكيف سيفهم هذا الكلام إذا ما تواصلت سياسة ضرب المطالب الحقيقية للثورة؟ وكيف سيفهم هذا الكلام عندما تُحاك الصفقات في السر والعلن لبيع البلاد إلى قطر والسعودية وتركيا؟ وكيف سيفهم كلامي عندما أوصلوا البلاد إلى مرحلة الاغتيال السياسي وإطلاق النار على الشهيد الوطني شكري بالعيد؟
إذا تواصلت هذه "المهازل" فاني أقول بأن الثورة الحقيقية قادمة وسيقودها الاتحاد من جديد، وأقول مهازل لأنه من غير المعقول أن نكتب دستورا يضرب الحق في العمل النقابي والحق في الإضراب، وأدعو نواب حركة النهضة إلى قراءة التاريخ وليتذكروا أن بن علي سنة 96 حاول تحوير مجلة الشغل وإدخال كلمة "إضراب مهني" في الفصل 376 فوقفنا له ومنعناه من ذلك... وليتذكر أيضا كل متطاول على الاتحاد إضراب يوم 12 جانفي في صفاقس.
حق الإضراب افتكه النقابيون بالدم ولن يمر في الدستور الجديد أي فصل سيضرب هذا الحق ولو بدمائنا، وأقول لمن سيحرم الشعب من هذا الحق لا تعلقوا فشلكم على الاتحاد، ولا تختلقوا صراعا معه لأنه سيعود عليكم بالوبال مثلما عاد على من سبقكم، وأيضا من سيواصل في النهج الليبرالي ويضرب البعد الاجتماعي سنكون له بالمرصاد ولن ينفعنا صندوق النقد الدولي عندما يجوع الشعب التونسي
ـ كيف ترون سعي بعض الأطراف الحزبية إلى تقزيم دور الاتحاد وحصره في مربع المطلبية الضيقة؟
ـ هذه من المفارقات عينها فالاتحاد الذي أوصل هؤلاء إلى سدة الحكم والذي كان له الفضل في إرجاعهم من منافيهم وإخراجهم عن صمتهم، يكيلون إليه اليوم بمكيالين متناسين أن الاتحاد ساهم في تحرير تونس من المستعمر وساهم في صياغة دستور 56 وساهم في بناء تونس الحديثة وكان في الصفوف الأمامية للثورة، وللتاريخ أيضا الاتحاد هو الذي ساند بورقيبة ولولا الاتحاد لما كان بورقيبة فكل مؤتمرات الحزب الدستوري كان بورقيبة يلتجأ إلى الاتحاد العام التونسي للشغل... (اعتبرها من بين أخطاء الاتحاد عندما انحاز إلى بورقيبة ضد صالح بن يوسف مثلما التقينا فيما بعد سنة 81 مع مزالي) وهذا للتاريخ حتى يعرف بعض "الدساترة" الذين يهاجمون الاتحاد اليوم، وحتى يعرف الشعب التونسي أننا نعترف بأخطائنا ولا نخجل منها... وادعوهم أن يسألوا المخابرات الفرنسية والأمريكية عن تاريخ الاتحاد ولماذا اغتالوا فرحات حشاد...
والآن اختار الاتحاد أن يترك المجال واسعا للأحزاب السياسية في هذه الفترة الانتقالية، وهو اختيار عقلاني ومدروس قررناه بعد هيئتين إداريتين، ولكن ما راعنا إلا أن بعض الأطراف تسعى إلى حشرنا في المطلبية الضيقة وتريد إقصاءنا من المشاركة في الخيارات الوطنية، وبعد أن ساهمنا في إنجاح انتخابات 23 أكتوبر ها أننا نرى الفشل تلو الفشل لما يسمونه ترويكا حاكمة... وهي التي احترفت الخطابات المزدوجة وباتت الغطاء الأول للميليشيات والعصابات... وباتت تسوق للاستبداد تحت غطاء الشرعية، هذه الشرعية التي انتهت صلاحيتها... بل إنهم يتجرؤون على افتكاك الاتحاد والانقلاب عليه... كم هم واهمون...
ـ أمام ظهور بعض الهياكل النقابية كيف يرى الأخ محمد شعبان مستقبل الاتحاد العام التونسي للشغل والعمل النقابي عموما في ظل تعددية نقابية؟
ـ أولا التعددية النقابية وُجدت منذ كان الاستعمار في تونس، وكان هناك أربع أو خمسة تنظيمات نقابية، ثم بعد ذلك حاول محمد الصياح ومحمد مزالي تكوين منظمة نقابية موازية إبان أحداث 26 جانفي ولكنهما فشلا، أما الهياكل النقابية الموجودة الآن فهي لم تنطلق من أرضية مبدئية بل انطلقت من مصالح وحسابات، واعتقد انها تدخل في باب المناورة، ولذلك انصح أخواتي وإخوتي في الاتحاد العام التونسي للشغل للتفطن لكل مناورة ولكل محاولة لضرب وحدة الاتحاد.
ودعني أقول أيضا للجميع، نحن لسنا ضد التعددية النقابية الوطنية ولكننا ضد التعددية النقابية الانتهازية التي لا تدفع إلا لتفرقة العمال ومصالحهم، وأنصح أيضا المرزوقي وحركة النهضة بالابتعاد عن الاتحاد العام التونسي للشغل لأن النقابيين أحرار ولن يتمكن أحد من استعبادهم... وفي نفس الوقت أنصح كل نقابي ينتمي إلى حزب ما ويدافع عن حزبه أكثر من الاتحاد انصحه بالذهاب إلى حزبه...
ـ كيف ترون المشهد السياسي في قادم الأيام؟
ـ المشهد من الناحية السياسية نرى ملامحه من خلال البالونات التي تدفعها الترويكا وحركة النهضة أساسا لإثارة الفتن والزج بالبلاد في أتون الفوضى والحرب الأهلية... المشهد السياسي تدفعه هذه الترويكا نحو تزييف الانتخابات القادمة ومحاولة الاستيلاء على أصوات الناس، ولكن هيهات فالشعب تفطن، وان كان تعاطف في انتخابات 23 أكتوبر مع حركة النهضة فلا أظن انه اليوم سيمنحها صوته وهي التي تلاعبت بمطالبه واستغلت طيبته وتعاطفه، وهي التي تحاول استثمار التعاطف من جديد ضد الاتحاد بتلفيق التهم والتشويه واختلاق الاعتصامات لتنسبها إلى الاتحاد... تزوير الانتخابات والالتفاف على مطالب الشعب وعلى المسار الديمقراطي مؤشرات واردة جدا في ظل عدم انتخاب هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات إلى الآن وغياب تاريخ محدد إلى الآن، وفي انتظار تشكيلتها أيضا يمكننا أن نحكم على مستقل تونس السياسي.
ـ هل لنا أن نعرف مستقبلكم النقابي وهل ستترشحون لانتخابات المؤتمر الجهوي القادم؟
ـ ما قدمته طيلة مسيرتي النقابية أنا راض عنه واعتبره كاف، أما مسألة الترشح للمؤتمر القادم فستتحدد في وقتها، وأفضل ألا أعلن عن أي موقف بخصوص شخصي حتى لا ادخل في الحملات الانتخابية السابقة لأوانها...
حكومة الاسلاك الشائكة
يُولدون "أسوياء" مثلنا... غير أن أحلامهم تكبر في غفلة منا لنكتشف فيما بعد أنها كبُرت بفائض العرق النازف من سواعد آبائنا وأمهاتنا...
فجأة نُطالع أسماءهم صباحا في الصحف والمجلات، وبعد أخبار الثامنة نشاهدهم على القنوات التلفزية يُسوون ربطات عنقهم ويعدلون ساعاتهم التي تزين معاصمهم ويديرونها إلى عدسة الكاميرا...
وفي ظرف أسابيع أو بضعة أيام معدودة نطالع أسماءهم مرة أخرى وبشكل رسمي مرسومة في الرائد الرسمي بصفاتهم الجديدة... لتلمحهم في اليوم الموالي مع الحشود المتراصة داخل الحافلات والمترو، سائرون في ركب من السيارات الفارهة نحو مكاتبهم الوزارية...
فجأة نراهم يرفعون الأسلاك الشائكة بين عطور مكاتبهم وعرق آبائنا وأمهاتنا... ونراهم يرصفون بنادق الجيش والبوليس بيننا وبينهم...
غير أن الأسلاك الشائكة وبنادق العسس لم تكفهم ليبتعدوا عنا، فما كان منهم إلا إن امتثلوا لأوامر رئيسهم وضربوا على أفواههم كمامات كاتمة لكل حرف أو كلمة أو معلومة...
هاهم وزراء الحكومة المؤقتة ورئيس حكومتهم، أصحاب الشرعية، يرفعون الحاجز تلو الحاجز بينهم وبين الشعب الذي منحهم صوته وأمله... هاهم يضربون جدارا عازلا حولهم ليدبروا في ليلهم ما تتفتق عنه قريحتهم وما يأتيهم من أوامر شيوخ الخليج وثعالب الصندوق الدولي للنقد...
قد نتفهم تركيز الأسلاك الشائكة والحواجز والمتاريس أمام السفارات، وخاصة منها سفارات الأمر والنهي مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، أما وزارات الشعب التونسي ومؤسسات الشعب التونسي فهي ملك له وحده، هو الذي شيدها بسواعده وهو الوحيد الذي يتمتع بخدماتها...
الأسلاك الشائكة المحيطة بالوزارات مثل وزارة الداخلية ووزارة العدل ووزارة التربية ووزارة التكوين المهني، وكذلك المحيطة بعدة ولايات وبعض البلديات والمعتمديات والمؤسسات الوطنية... كلها لا تدل إلا على سياسة اللامبالاة وعدم الاكتراث بمن هو خلف هذه الحواجز الاستعمارية بامتياز ولا تدل إلا على ضرب مفهوم "السيادة الشعبية" وبداية التمهيد للدكتاتورية والاستئثار بالسلطة والاستحواذ على دواليب الدولة... ولكنها تدل أيضا على سمات الضعف والخوف لدى أصحاب ربطات العنق الوردية وعدم قدرتهم على مواجهة الشعب وهمومه ومشاكله... فوحده الضعيف يختار الانزواء والابتعاد عن الأضواء ويلوذ بالصمت... ووحده العاجز يختلق كل الأعذار ليبرر عجزه وقلة خبرته، ومن هذه الأعذار الأسلاك الشائكة والحواجز الحديدية ورجال الحراسة...
هكذا نرى رمزية الأسلاك الشائكة المضروبة بين دولتهم وشعبنا ولا نرى فيها أي مبرر آخر قد يوهموننا به مثل توفير الأمن والحماية، فالوزير الخائف من شعبه لا يستحق منصب الوزارة والمسؤول المتخفي خلف الأسوار لا حاجة للشعب به والوزيرة التي تتحرك وسط جحافل البوليس لا معنى لها أصلا...
أما رئيس الحكومة الذي لا نرى حتى شبحه، فقد قوض كل إمكانات التواصل بين دولته المؤقتة وشعبنا الدائم بعد أن قرر "إسكات" فريقه الحكومي وقطع الصلة تماما بينهم وبين وسائل الإعلام، ولا نخاله قرارا متشبعا بالحديث القائل "وتعاونوا على قضاء حوائجكم بالسر والكتمان" بقدر ما نرى فيه هروبا من المواجهة وتملصا من المسؤولية وخوفا على "شعبية" موهومة قد تضيع قبل الانتخابات بزلة لسان لهذه القناة أو تلك الإذاعة...
لوزراء الحكومة المؤقتة، ولمسؤولي التغلغل الحزبي نقول لهم لكم الأسلاك الشائكة ولنا المدى...
2013/04/04
العيش وسط المزابل
أعيد نشر هذه الأسطر التي كتبتها زمن بن علي، أعيدها مرة أخرى وأنا أشاهد ترسانة العمال البلديين بشاحناتهم وجراراتهم يهجمون على ساحة الشهداء يرفعون عنها أكوام الأوساخ في انتظار أن يحل ركب رئيس الجمهورية المؤقت أو من ينوبه لتحية العلم يوم 9 أفريل ليعود بعدها إلى قصر قرطاج ويتركنا سنة كاملة أخرى فريسة للروائح العطنة وجحافل الناموس الرابضة بالمزابل المحيطة بمتساكني الأحياء المجاورة لساحة الشهداء التي لا تبعد أكثر من كيلومترين عن قلب العاصمة...
أعيد نشرها مرة ثانية لأصدق أن سنتين ونيف بعد إسقاط النظام السابق لم تكن سوى زمن ثابت في الممارسة والتنظير، وان المواطنة التي تبدأ من التفاصيل هي الكذبة الأكثر تصديقا لدى أصحاب الشرعية المؤبدة...
أعيد نشر هذه الأسطر اليوم وأنا أطالع خبر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عندما غامر بالنزول إلى مستنقع أوحال لتبلغ المياه خصره من أجل إنقاذ نعجة من الغرق بريف اكسفورد شاير...
أعيد نشر هذه الأسطر لأتأكد فعلا أن رئيسنا المؤقت يعيش مواطنته الشخصية داخل أسوار قصر قرطاج، مثلما يعيش "علمانيته" في الدول الأوروبية فقط، وأن الشعب التونسي يعيش وسط المزابل... مزابل الأشياء التالفة والأفكار المتعفنة...
+++
حالفني الحظ فزرت عددا من الدول الأوروبية والأمريكية وتجولت في شوارعها وساحاتها العمومية فوقفت مشدوها أمام نظافة هذه المدن وجماليتها ولن أغالي إن وصفت بعضها بأنها خيالية كتلك التي نشاهدها في أفلام الصور المتحركة، ذلك أن المتجول فيها لا يكاد يعثر على عقب سيجارة ملقى على رصيف ما، أو يجد حجارة واحدة منزوعة من مكانها بهذا الرصيف أو ذاك الممرّ... فالحاويات الأنيقة تتلاصق في كل الشوارع وتنتصب أمام المحلات التجارية والمقاهي والملاهي والشركات، وحتى المناضد تجدها أمام كل باب باعتبار أن التدخين ممنوع في الأماكن المغلقة...
واهم من توفر شروط النظافة من حاويات ومناضد وعمال هو الذهنية النظيفة، ذهنية العيش في فضاء جمالي تتوفر فيه جميع مقومات البهجة، وهذه الذهنية تتأكد لدى المواطن الغربي من خلال إيمانه العميق بمسؤوليته الفردية إزاء المجموعة قبل أن يُلقيها على عاتق الدولة باعتبارها مهمة من مهامها يدفع لأجلها معاليم محددة سلفا...
هذا الإيمان بالمسؤولية والمعرفة بالحق والواجب هو عين الاختلاف بيننا وبينهم، فإيمان المواطن التونسي بالنظافة وهاجسه بالمساهمة في تجميل مدينته باهت وشاحب بل هو منعدم تماما، ولن أغالي إن قلت أننا نعيش اليوم وسط مزبلة كبيرة تمتد من شوارع العاصمة ومراكز الولايات وتصل إلى الحقول والضيعات المنتشرة داخل الجمهورية، فضلا عن المناطق الصناعية...
فشوارع عاصمتنا ومثلها شوارع كل الولايات ترزح تحت وطأة قشور البيض المسلوق وعلب السجائر وأعقابها والأكياس البلاستيكية وقوارير المياه المعدنية والغازية وعُلب الجعة وبطاقات شحن الهواتف وحجارة الأرصفة وأكداس الرمال وإشارات المرور المنزوعة من أماكنها...
وحتى الأثاث القديم تجده مركونا أمام المنازل، وكل هذه الأوساخ يلقي بها المواطن عن وعي وعن غير وعي على أمل أن يحملها العامل البلدي، غير أن هذا العامل يقوم بعمله بالتقسيط، فإلى يوم الناس هذا لم أصادف عاملا بلديا واحدا يقوم بعمله على وجه الإتقان بما يمليه عليه ضميره المهني بل إن الكثير من جرارات التنظيف ومن العربات المدفوعة تساهم في تلوث الأماكن التي تمر بها.
وقد يُعذر العامل البلدي عن هذا التقصير لعدة أسباب لعل أهمها أجره المتدني وإرهاقه المتواصل وقلة الامتيازات التي يتمتع بها وخاصة الحماية من الأمراض وغيرها، لكن هناك ظاهرة خطيرة جدا تكاد تكون أبدية وتقليدا جاري به العمل تتمثل في النظافة الجزئية، تلك التي تخطط لها المجالس البلدية وتنجزها بإتقان مدهش ويمكن لأي مواطن أن يكتشف هذه الظاهرة إبان الاستعداد للاحتفالات والأعياد خاصة منها الوطنية، إذ نلاحظ كيف تتجنّد الدوائر البلدية بعمالها وأدواتها ومسيريها لتنظيف وتلميع وتزيين مدخل مدينة ما سيزورها مسؤول ما أو القيام بحملة نظافة بشارع رئيسي لان مسؤولا آخر سيمر بسيارته من هناك وبعد العيد تترك للإهمال والأوساخ.
ومن المفارقات العجيبة أن الأوساخ التي تجمع من الشوارع المحظوظة تُلقى في قلب الشوارع غير المعنية بجولة المسؤولة وتترك هناك أكداس ونُثار أمام المنازل وفوق الأرصفة لكأنها هدية من بلدية المكان بمناسبة الاحتفال الوطني.
إن مثل هذه الممارسات والأعمال لا يمكن أن تؤوّل إلا بتأويلين وحيدين، الأول أن النظافة هي حكر على المسؤولين وعلى أماكن إقامتهم وأعمالهم وزياراتهم، والثاني أن المواطن لا قيمة له ولا قيمة لحياته ولا ضرر أن يعيش أبدا وسط المزابل ومع جيوش الحشرات والأمراض البيئية لأجل ساعة من الزمن سيقضيها مسؤول واحد وهو يمر بشارع ما مرة واحدة في السنة.
إن تبليط الأرصفة والعناية بالإنارة العمومية وتنظيف كل الشوارع دون استثناء وحماية المساحات الخضراء والحفاظ على جمالية المباني ومداخل المدن حق لكل مواطن دون استثناء مثلما هي واجب عليه، ونحن في الأخير نعيش في وطن واحد وليس في وطنين، واحد نظيف وثان ملوّث ومتسخ، وكل شوارع الجمهورية هي ملك لكل الأقدام التونسية، أقدام العامل والعاملة وأقدام المسؤول والمسؤولة...
2013/03/14
أربعون مرت والبلاد تضيق بنا
أربعون يوما بالتمام والكمال وأنت ترقد في قبرك العالي عند ربوة العظماء تنظر إلينا من شرفتك المزهرة بأكاليل الربيع المنحني على هامتك...
أربعون ليلة وأنت تخيط كفن الليل الموحش بابتساماتك المضيئة عساك تُنير درب رفاقك وهم يترقبون أخبار الساعة الثامنة من السيدة التي توشحت بالألوان المزيفة...
أربعون يوما وليلة تقضيها في انتظار قطار الدرجة الثانية الذي قد يقل شعبك من محطة حكومات الالتفاف على الثورة إلى محطة الربيع التونسي...
بعدك هطل المطر غزيرا فوق الجبال وتحت أكواخ المفقرين ولم يظهر قاتلك...
بعدك أيضا سطعت الشمس على شوارعنا وأزقتنا وثقبت أشعتها نوافذ المستكرشين...
ولم نلمح خطى الغادر بعدُ...
أزهر لوز الربيع فوق ارض المتعبين، وتتالت ألوان البساتين على الربوع التي حفظت خطاك... ولم يأت بعد الربيع الذي اشتهيته واشتهيناه...
أربعون مرت وأنت في عيدك متسربل بالشموخ تنتظر رفاق لك عاهدوك على الموت وقوفا...
أربعون مرت وهم في مجلسهم يتناوبون على قارعة اللغة ليتمرغوا في أوحال الهزائم المتكررة وبأس الكلام المجروح من الوريد إلى العنق...
أربعون مرت بعدك والحرائق تسري من سيدي بوزيد إلى قلب المسرح البلدي... والفتيل هو هو... التهميش والتفقير... ومركز الحروق البليغة...
أربعون مرت دونك وأروقة المحاكم تكتظ بصمت مطرقة العدالة، يفتحون الملفات على شاشات التلفزات ليركنوها في ذاكرة الدهاليز المظلمة...
أربعون مرت دونك وشبح "الرئيس" يبحث عن خيال يليق به بين جنبات القصر العريض... ومع أنياب الأصدقاء المتخفين في جبة النفاق الوطني...
أربعون مرت بعدك والرصاصات الغادرة تسافر من بلد إلى آخر، وتخرج من جحر لتدخل آخر وهي تتستر بخطب الدجل السياسي على أرصفة شوارع الدولار المغمس برائحة البترول...
أربعون يوما طوتها الحناجر وهي تلقي سؤالها "شكون قتل شكري" على جدران وزارة الداخلية وما من مجيب خلف ستائر النوافذ العالية...
أربعون مرت ونحن في "شرك" مبين من حكومة إلى أخرى لم تتحرك قيد أنملة عن مونبليزير وليلها الطويل...
أربعون مرت والعد التنازلي في صعود مستمر لكل الأحلام التي كنا مدججين بها، بعد أن ضاقت "جبة القرضاوي" بما "منته على ثورتنا الكئيبة... وبعد إن تم القبض على "بوصلة" الحريات في إحدى استوديوهات الجزيرة القطرية...
أربعون مرت والبلاد تضيق بشعب مهزوم في آماله وأحلامه... والبلاد تتضاءل تحت "شرعية" الحزب... وتسير مسرعة ليجعلوها خيمة بدوية بأوتاد وهابية...
أربعون مرت وهم يرفعون الأسوار عالية أمام "ديقاج" الفقراء ويرتبون تفاصيل الليلة الأخيرة بفائض من التثعلب السمج...
أربعون مرت وأنت "مسجى" في قلب الربيع... في قبرك المُزهر بنواقيس حرائر تونس وأحرارها...
أربعون مرت ونحن كما نحن لم نختلف عن دربك الذي هو دربنا نراه قريبا منا... نرى ضوء الحياة والحرية يقترب منا... واليوم وغدا وكل أربعاء ستكون أخبارنا بين يديك أولا بأول...
فلتنم في قبرك العالي عند ربوة العظماء وانتظرنا في شرفتك المزهرة بأكاليل الربيع المنحني على هامتك...
2013/03/07
لا رئيس لي سوى راسي
يتردد الكاتب الحر سليم دولة على أماكن بعينها، لا تتبدل ولا تتغير، ومن السهل العثور عليه بزيه الرسمي: النظارات السوداء والمحفظة السوداء وملابسه السوداء أيضا. إن وجدته بمقهى "الروتوندا" بشارع الحبيب بورقيبة فلن يكون صديق طاولته سوى كتاب فلسفة أو رواية حديثة، وان صعدت إلى نادي الصحفيين فستجده منهمكا بمداعبة أزرار حاسوبه، إن تعديلا لبعض المقاطع الشعرية من ديوانه الجديد أو رقنا لشذرات فكرية...
يتذكر سليم دولة يوم مولده فيقول "ولدت يوم 13 آذار من سنة 1953، وهو يوم مولد محمود درويش صديقي الذي لا يزور تونس إلا ويبحث عني...".
جاء سليم دولة من الجنوب التونسي ليدق عنق الفلسفة (وفق عبارة لويس ألتوسير) في كلية 9 أفريل بالعاصمة، ويطلق منها، وهو بعدُ طالب، كتابه الأكثر مبيعا "ما الفلسفة" سنة 1987 ثم يجترح بعده "ما الثقافة" و"الثقافة والجنسوية الثقافية" و"الجراحات والمدارات" (91 تونس/93 بيروت/2008 سوريا) حتى لقبته جريدة "لوموند" الدولية بفيلسوف الصحراء... رغم أن سليم دولة حُرم من انجاز الدكتوراه حول "المكبوت الفلسفي في الأندلس:ابن باجة وابن طفيل وابن رشد" بعد أن تاه بين أروقة الجامعة والمؤسسة العسكرية بحثا عن شهادة إعفاء من خدمة الجيش!!!
كانت كتبه تلك، وهي تدور في فلك الفلسفات مغربا ومشرقا، تتوهج مصطلحاتها وحكمها بصور الكلام العالي ومفردات المجاز المفرط في شعريته لتقوده نحو "كتاب السلوان والمنجنيقات" و"ديلانو شقيق الورد" ليثبت أن فيلسوف الصحراء هو أيضا شاعر الوجع الأممي... بعد أن كسرته الدنيا مثلما يتكسر الطيران في بعض الأجنحة...
مثل العطر، سال حبره من الفلسفة، "زهرة العصور ووردة المدن" إلى الشعر "زهرة الصحاري ووردة الرمل"... متأبطا بصيرة أبو العلاء المعري وطه حسين وابن خلدون وابن حزم... في دربه الفلسفي والشعري...
فيلسوف الصحراء، شاعر الوجع الأممي هو الكاتب الحر سليم دولة الذي أعاد نشر "كتاب السلوان والمنجنيقات" إمعانا منه في "تكسير أجمل ما في الدنيا وفتح أختامها وتقبيل أصابعها عضا..."، وهو "مكتوب" مُرسل رأسا إلى سامي الأزهر دولة في ضريحه الوطني، والى "صدام حسين المجيد" في شرفة شهداء الحرية وهما يطلان على "المتوغلين في الاحتفال بسفك الدماء"...
موقف سليم دولة السياسي نعثر عليه بكل وضوح في كتاب "السلوان والمنجنيقات" (2008) عندما يكتب: "هذا المكتوب المصمقُ/في حبالفقراء.../وكراهية الملوك والسلاطين والأمراء/ ومن في هذا السياق من أعداء الأمة..." غير أن هذا الموقف جعل من جسد الرجل وخطواته فريسةللبوليس والقوادين مثلما يصفهم هو، إذ أن سليم دولة كان دائما عرضة للضرب والملاحقة وافتكاك الحاسوب الشخصي حتى بلغ الأمر بالنظام السابق إلى إحراق منزله سنة 2008 وإتلاف جانب كبير من مكتبته، وهي التي سطا عليها "صحافي المحترم" في نظر التجمع المنحل... ولم يسلم المخطوط الشعري لسليم دولة (حين كنت حيا مررت قرب حياتي)... وكأن هذا النظام يؤكد قول سليم دولة أن "في المنتظمات الماقبل حضارية يزدهر التبذير المفرط للعنف... وتتنازع الشوارع صفتي" الكسموفاجية" (أكلة الكون) و"الأنتروبوفاجية" (أكلة الإنسان).
ولأن احتياطي العداء المفرط لحرية المشي فوق الأرصفة الآهلة بالأرجل والأعين قد تضخم حتى تورم فصار ورما يوميا لا يترك سليما يتحرك في دولته... في شارعه... في مقهاه أو حانته...في مكتبته أو بيته... لم يجد بدا من تأبط شعارا مركزيا يرفعه دوما في وجه المعتدين:"أيها المحتفلون بسفك دمي، توغلوا في الاحتفال فأنا الباقي وأنتم إلى زوال."... وهو الشعار الذي أكده سليم دولة عندما قال "لقد خسروا كل ما نهبوا في العهد النوفمبري وربحت كل خسارتي فشكرا لعربة الخضار وصاحبها المتجول محمد البوعزيزي الذي غيّر بقدحة نار في جسده خارطة الخضراء".
ومن هؤلاء المعتدين على سليم دولة، إلى جانب الأحذية العسكرية المتنكرة في الجلود المدنية، عدد من "مثقفي البلاط" المستبسلين في حرمان سليم دولة من أية دعوة للمشاركة في هذا الملتقى أو تلك الندوة، ومن بعض الصحفيين، كذاك الذي سرق مكتبة سليم دولة (6 آلاف كتاب باستثناء المجلات والدوريات الفرنسية)، وهي الحادثة التي لا يستطيع سليم دولة نسيانها إلى جانب تلك الحادثة الطريفة مع وزارة الثقافة في تسعينيات القرن الماضي، عندما منحته الوزارة جائزة قيمتها (500 دينار) ولم يتسلمها سليم دولة، واضطر لإرسال عدل تنفيذ للطعن في التصريح الوزاري بمنحه جائزة، وقد وقف آنذاك إلى جانبه السيد المهدي مبروك وزير الثقافة الحالي، وحتى وزارة التربية، لم يسلم سليم من اعتداءاتها عليه، وهي وزارته، فقد قطعت مصالحها راتبه الشهري طوال ثمانية أشهر...
و"لأنه أندر من الكبريت الأحمر" ومن " أكثر الكائنات تمرسا بالألم " وفقا للمعجم النيتشوي فقد كان سليم دولة على جاهزية استثنائية لتحمل الخسارات الفادحة في نظر العامة وذوي القربى من أحفاد سقراط الموظف، ولأنه – مثلما كتب عنه صديقه الشاعر آدم فتحي- "الوحيد الذي يصاب في ماله وجسده فيفكر في تلاميذه لعلهم يتخلفون عن برنامجهم الدراسي...وفي كتابه الأحدث لعله لا يكون الأخير"...
لان سليم دولة لا يهمه إلا الحبر، فقد كتب في نصه الشعري المطول بعنوان "كليمنسيا الجميلة التونسية، قادحة الصوان الكونية":
"هن الجميلات
التونسيات
يُكسرن حبا
من يريد
كسرهن
في المنعطفات"
وله كتاب ثان يتهجى طريقه إلى احد المطابع بعنوان "الربيع الهش" وهو عبارة عن رسالة مطولة إلى محمود درويش تتضمن النصوص الفكرية والفلسفية التي كتبها سليم دولة في السنوات الأخيرة.
ومثلما يصف نفسه، سليم دولة "متلاف للوثائق" لكثرة تنقله من منزل إلى آخر لأنه من فصيلة "دمراويين" (دون مقر رسمي) كانت منازله التي تنقل إليها مكرها في كل الأحيان، كانت متشابهة في اغلبها:غرفة واحدة ومطبخ صغير وبيت استحمام، أم أثاثه فلا تعثر فيه إلا على الضروريات من قبيل السرير والطاولة والكرسي وبعض أواني الطهي، وما عدا ذلك فالفضاء مدجج بالكتب والمجلات والصحف، وبمخطوطات الشعراء والروائيين وكتاب القصة الذين يتنافسون في الفوز بملاحظات سليم دولة على كتاباتهم، والمحظوظ منهم من يفتتح كتابه بمقدمة سليم دولة/ الكاتب الحر (هكذا يمضي كتاباته) مثل كتاب "تفاصيل" للشاعر محمد الصغير أولاد أحمد، وكتاب الشاعر الراحل جمال الدين حشاد والشاعر الراحل أيضا عبد الحفيظ المختومي وكذلك كتاب شكري الباصومي والمجموعة الشعرية الكاملة للشاعر السوري هادي دانيال وكتاب العراقي علي حبش، ورواية حكيم عبادة وكتاب أبو بكر العموري... وأسماء أخرى مازالت مخطوطاتها تنتظر توقيع سليم دولة/الكاتب الحر.
هو ذا سليم دولة أتهم في عقله ودينه وديانته وسرقت كتبه ومكتبته ومع ذلك ظل شامخا في دولتك التي يسميها " لن "...
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)

