بحث هذه المدونة الإلكترونية

2007/08/20

أفكار متقاطعة 27

قليبية والسينما الهاوية

عندما كانت قاعات السينما تواصل تقهقرها الى الوراء بإصرار وعزم أسطوريين، كانت مدينة قليبية تسابق الريح وتُجنّح عاليا وهي تعرض الافلام والاشرطة السينمائية على بياض الجدران والحيطان...وعندما كانت قاعات السينما بالعاصمة وبمختلف ولايات البلاد تتنافس فيما بينها للفوز بأولوية اعادة الافلام التي تعرض كل ليلة في الفضائيات... كانت مئات السيارات تقل الناس وتتجه الى مدينة قليبية لمتابعة افلام عالمية تعرض لأول مرة بتونس...وعندما كان بريق السينما المحترفة / التجارية يخفت ويتوارى في ظلمة الدهاليز الموحشة، كانت السينما الهاوية تزداد تألقا... تتوهّج وتشعل الحرائق فتغذي العقول وتشحن القلوب لتكون النقاشات البنّاءة والافكار الخلاقة متاريس ضوئية ضد التسطيح السينمائي والتعليب المشهدي...
لقد تحولت مدينة قليبية الى قاعة شاسعة لعرض الافلام ومناقشتها... لقد صارت قلعة شامخة بما تقدمه كل سنة ـ طيلة ربع قرن تقريبا (23 سنة) ـ من نجاح وتميز ان على مستوى اختيار المادة السينمائية، وان على مستوى صدقية منح الجوائز والحوافز، وان على مستوى حسن التنطيم... حيث تتضافر هذه العوامل الثلاثة في كل دورة من مهرجانها السنوي لفيلم الهواة لتؤمن في كل مرة دورة ناجحة لا تصنف على انها تدخل في باب التراكم الكمّي بقدر ما تؤكد انها دورة نوعية ودورة مؤسسة...وها هي الدورة 23 لهذا المهرجان الدولي (رغم موت أحمد بهاء عطية أحد مؤسسي هذا المهرجان) تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن أفق هذا الفعل الثقافي لا تسوّره أسوار وبأنه أفق اللامنتظر... اذ تناثرت في هذه المدينة المكتنزة بشهوة الصورة، الافلام صدفا ومرجانا فطوّقت عُريشات قلوب المهوسين بالسينما الخلاقة، بالسينما التي تغير وتطور وتتقدم بمريديها ومشاهديها... سينما صمبان عصمان التي شرحت التفاوت الطبقي في داكار... سينما باولينهو كادوزو التي وقفت على عمق المشكلات الاجتماعية بالبرازيل... سينما وسام شرف وهو يدربنا على الانضباط لجيش النمل والذكريات القديمة... سينما وائل نور الدين وهو يقفز كالمعتوه بين قنابل القصف الوحشي للطيران الصهيوني على القرى والمدن اللبنانية... سينما شادي سرور وهي تعلمنا ان حيفا هي الأنا والأنا هي فلسطين وفلسطين والأنا معا هما الحرية والعالم الحرّ... سينما وليد مطار وهو يرجمنا بحب البلاد ويحرّضنا على الهجرة السرية في دواخلنا العاطفية والايديولوجية والثقافية لنعرف كيف نهاجر من تونس في العلن ولا نهرب منها... سينما شريف البنداري تفتح على مشاهديها خزانة الاحزان فتعلمهم كيف يكون الحزن بطعم الورد ورائحة الصباحات الندية...سينما... سينما... قليبية... قليبية... تجريب خلاّق وتثوير مدروس... أفق ممتد في المدى وأديم من الاصرار والثبات والمغايرة والاختلاف... إضمامة من التحايا والتصفيق... قبلات وعناق... وعود صغيرة وأكياس من احلام الشباب ـ شباب الفكر لا العمر ـ تترقرق في عيون هواة السينما ومريديها... شباب يحج كل سنة الى قليبية، زادهم دقائق معدودة هي عمر الفيلم وطموح بأن يظلوا أبد الدهر هواة ومريدين لئلا تصيبهم لعنة الاحتراق وظلمة القاعات النائمة في الشوارع الباهتة...

2007/08/14

أفكار متقاطعة 26

عن الكرة العراقية

منذ أن سجّل المنتخب الوطني العراقي لكرة القدم هدفه في شباك المنتخب الوطني السعودي الذي حاز به ـ عن جدارة ـ كأس الأمم الاسيوية في نسختها الأخيرة ووسائل الاعلام تتورّط يوما بعد آخر في تمجيد هذا المنتخب وأسْطرة هدف يونس محمود، فقد تجنّدت الفضائيات العربيّة والاذاعات الدولية والصحف والمجلات والمواقع الالكترونية في الحديث عن هذا الحدث الكروي العراقي وعن مسيرة منتخب الشتات الذي جمّعه المدرب البرازيلي وأوصله الى منصّة التتويج أمام منتخبات عريقة لها تاريخ وأمجاد كرويّة..
وللتاريخ، يُعتبر انتصار المنتخب العراقي وفوزه بكأس قاريّة معجزة وخارقة تاريخيّة بالنظر لطبيعة هذا المنتخب وحال بلاده وشروط تماسكه ولُحمته... ولا أحد يمكنه أن ينكر روح الانتصار والثأر ربّما التي غذّت لاعبي فريق الرافدين وارتفعت بهم الى أعلى درجات التتويج.. ولكن هل بلغ فوز منتخب العراق مبلغا صار معه الحديث عن فوز العراق شعبّا وحضارة أمرا مشروعا؟!أعتقد أنّ انسياق وسائل الاعلام في تمجيد مبالغ فيه أمر يجب الوقوف عنده بالنظر والتدقيق، فجل وسائل الاعلام وخاصة منها القنوات الفضائية التي تواصل الى الآن اعادة بث مقابلة السعودية والعراق وأهازيج النصر هي نفسها الفضائيات التي توارت في الانظار وتناست أخيار الموتى والشهداء الذين يسقطون يوميًّا بآلة الحرب الأمريكية...ثمّ انّ انتصار المنتخب العراقي هو انتصار فئوي ـ لا يهمّ الشعب المنكوب بقدر ما يهمّ فئة قليلة من العراقيين حتى لو أوهمتنا التلفزات بعكس ذلك... فالرياضة عموما وكرة القدم خصوصا، مثلما تؤكّد الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجيّة، هي المشجب المثالي الذي تعلّق عليه الشعوب المتخلفة خساراتها وسياساتها الرجعيّة اذ أنّها تجتهد في تحويل وجهة شعوبها المفقرة عن قضايا التنمية والتقدّم وقضايا الحريات وحقوق الانسان الى الملاعب والمنافسات الوهميّة وهذا لعمري ـ ما يعيش فيه العراق اليوم بأسطرته لنصر لن يضيق لتاريخ الحضارة العراقية والشعب العراقي ـ شيئا...ولو تنبهنا مثلا الى كرة القدم الأمريكية أو الاسرائيلية لوقفنا على عمق المفارقة بين الدول ذات الاستراتيجيات المرسومة بدقة والدول التي تتهاوى في صحراء الزمن كالإبل التائهة...إنّ الحدث الكروي هو حدث آنيّ زائل وهو أيضا حدث فئوي لا يعبّر عن طموح شعب ما أو أمّة ما بقدر ما يحجب عنها واقعها الأليم ومستقبلها الضبابيّ... والمتابع الحصيف لما يجري ويحدث على أرض العراق من انتهاك متواصل وتخطيط يومي تدبره آلة الخراب الأمريكيّة وتُعزّز ها العقول الصهيونية المتخفيّة في جلباب مؤسسات اعادة إعمار ما دُمّر واعادة بناء ما هُدّم... سيتأكّد من أنّ التورّط في الفرح هو عينه التورط في الوهم... وسيعلم الجميع بعد زمن أنّ النصر الحقيقي ليس نصر الكرة إنّما هو نصر التاريخ العراقي ـ والشعب العراقي... فالكرة تظلّ بالأخير جزءًا ـ ليس مهمًا ـ في حضارة الشعوب، ولا يمكن المراهنة عليها الاّ زمن القوّة والاستقرار مثلما يحصل الآن في الدول الأوروبية وفي بعض دول شرق آسيا
...

2007/08/07

حوار مع امين عام اتحاد الوفاء اللبناني

الشعب تلتقي أمين عام اتحاد الوفاء للعمّال والمستخدمين بلبنان الأخ الحاج هاشم سلهب
مواقف الاتحاد العام التونسي للشغل ساهمت في صناعة النصر التاريخي والاستراتيجي للبنان


تقوم الحركة النقابية العربية على تمتين العلاقات وتوطيدها بين مختلف الهياكل النقابية والعمّالية في مختلف الأقطار العربية، حيث تتوالى زيارات الوفود وتتنوّع الندوات المشتركة لتتوحّد صفوف النقابيين والنقابيات في الوطن العربي من أجل عزّة وكرامة العاملة والعامل في المصانع والمؤسسات وفي مختلف مواقع الانتاج...
وتتميّز علاقات الاتحاد العام التونسي للشغل بكل الهياكل النقابية والعمّالية في الوطن العربي بديناميكية وحركيّة متواصلة وخاصة مع نقابات وعمّال سوريا وفلسطين والعراق ولبنان، حيث يبرهن الاتحاد العام التونسي للشغل قيادة وقواعد في كل مرّة عن انشغاله العميق بخصوصية الوضع في هذه الدول العربية الأربعة التي تعاني ويلات الإستيطان الصهيوني والاحتلال الأمريكي والتفكك الطائفي.. ويسعى الاتحاد العام التونسي للشغل في كل مرّة لمؤازرة هذه الاتحادات والوقوف الى جانبها في محنها ولعل زيارة الأخ الحاج هاشم سلهب الأمين العام لاتحاد الوفاء للعمال والمستخدمين بلبنان والأخ ناصر نزال رئيس نقابة عمّال النقل البحري بلبنان، بدعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل دليل قاطع على الايمان العميق بتكثيف التشاور والتعاون والتنسيق والافادة بما اكتسبه الاتحاد العام التونسي للشغل من خبرة نقابية صارت مضربًا للمثل في المحافل الدولية واللقاءات العمّالية العالميّة.«الشعب» انتهزت وجود الأمين العام لاتحاد الوفاء للعمّال والمستخدمين بلبنان الأخ الحاج هاشم سلهب بيننا وأجرت معه هذا الحوار ليقف من خلاله القرّاء على حيثيات هذه الزيارة.
الأخ الأمين العام تأتي زيارتكم هذه لتونس في إطار دعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل، فهل هي دعوة صداقة أم دعوة عمل؟
ـ هذه الزيارة ترجمة لعدّة أهداف أهمّها التأكيد على الصداقة بين نقابيي لبنان ونقابيي تونس، وهذه الصداقة هي التي تنتج بطبيعة الأمور أنشطة مشتركة وعمل ثنائي بين الاتحادين ولذلك فهذه الزيارة هي أيضا زيارة عمل حيث أثمرت عددا من الاتفاقات من شأنها أن تترجم صدق العلاقة بين عمال تونس وعمّال لبنان وبالتالي بين شعبي البلدين في العديد من القضايا الوطنية والقومية، ثمّ انّ هناك هدفا أساسيا آخر من الزيارة فللشعب التونسي ولعمّال هذا الوطن وللاتحاد العام التونسي للشغل حق وواجب علينا نحن اللبنانيون.يتمثّل في شكرهم على المواقف الداعمة للبنان ومقاومته التي عبّروا عنها أرقى تعبير وأجمل تعبير ابّان العدوان الصهيوني على لبنان في السنة الماضية حيث كان لمواقف نقابيي تونس بالغ الأثر في نفوس اللبنانيين وكان لها عظيم الوقع والتأثير من حيث أنّها ساهمت في صناعة النصر الإلهي والتاريخي والاستراتيجي الذي نحتفل في هذه الأيّام بذكراه السنوية الأولى. وأودّ من منبر «الشعب» الصوت الهادر والصادق والمعبّر عن هموم الشغالين وقضاياهم وإرادتهم الوطنية والقومية أن أتوجّه الى عمّال تونس والى الشعب التونسي بأسمى آيات التقدير والاعتزاز والفخر والشكر بإسمي وبإسم العمّال اللبنانيين وبإسم المقاومة اللبنانية.ورسالتي لهم أن يكونوا دائما في مستوى الآمال والطموحات التي تجمعنا في مواجهة التحديات التي تحيط بالأمّة العربية ولنكن جميعا كلمة واحدة متراصة حتى نحقّق الانجازات الكبرى وهي الحرية والتحرّر وابراز المجد العظيم الذي تتمتّع به أمتنا العربية التي كانت وستبقى عظيمية أبية في قوّتها ومقاومتها... فتلك هي ثقافتها وذلك هو وجدانها النابض بحب الحياة الكريمة.
الأخ الأمين العام وقعتم يوم 31 جويلية 2007 بلاغا مشتركا مع الاتحاد العام التونسي للشغل، فماهو فحواه؟
ـ الزيارة التي قمنا بها الى تونس سمحت لنا بالتشرف بلقاءات عديدة مع النقابيين التونسيين في مختلف القطاعات والهياكل وعدّة اتحادات جهوية مثل تونس ونابل وتوّجت بلقاء مثمر ومفيد جدّا مع المناضل النقابي الأخ عبد السلام جراد الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل، صاحب النظرة الاستراتيجية الثاقبة في العمل النقابي ليس على المستوى الوطني فحسب وإنّما على المستوى العربي والدولي وشعرنا في حديثه أنّه يحمل قلبا ينبض بالحركة والنشاط ويحمل آمال وآلام عمّال العالم العربي أجمع وحركتهم النقابية من المحيط الى الخليج. والاتحاد العام التونسي للشغل الذي يقود نضالا رائدًا في حركته المطلبية وفي دفاعه عن حقوق العمّال والذود عن كرامتهم يمثّل محطّة ومنهلاً لكل النقابيين ومن هنا تأتي زيارتنا للنهل من هذا المنهل الفياض والاستفادة من التجارب المتراكمة بهذا الصرح والمعقل النقابي العريق في ميادين نضاله الواسعة وتجاربه الناجحة في الدفاع عن حقوق العمّال ومكتسباتهم وأيضا في علاقاته العربية والدولية التي ما فتأت تسجّل انجازا تلو الإنجاز وتثبت جدارتها وفاعليتها في نصرة قضايا العمّال في جميع المحافل الاقليمية والدولية.أمّا فيما يخصّ البلاغ المشترك الذي وقعناه يوم 31 جويلية 2007 بمكتب الأخ محمد الطرابلسي الأمين العام المساعد المكلّف بالعلاقات الخارجية فقد جاء نتيجة طبيعية لتطابق وجهات النظر بين الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الوفاء لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان فيما يتعلق بدور الحركات النقابية العربية لنصرة قضايا الأمة العربية وحماية مقدّراتها واثبات قدرتها على ادارة شؤونها الاقتصادية والاجتماعية بكل جدارة من دون تدخل أجنبي أو فرض المشاريع التي لا علاقة لها بالمصالح الوطنية والقومية لأمتنا بقدر ماهي تعمل على تحقيق مصالح الإمبريالية العالمية الأمريكية خاصة والأوروبية.وأهم ما في هذا البلاغ المشترك هو التعبير العملي عن احتفاء عمّال تونس ولبنان بالنصر الذي تحقق على الكيان الصهيوني الغاصب من خلال مشروع حديقة التضامن التونسي ـ اللبناني في بيروت تعبيرا عن وحدة الشعبين ووحدة عمّال تونس وعمّال لبنان في مواجهة أي شكل من أشكال العدوان وتمسكهما بحق لبنان بتحرير كامل التراب اللبناني وأن يبقى دائما قويا قادرا على نصرة الشعبين الفلسطيني والعراقي والشعب السوري وهذه الحديقة سيفتتحها الأخ عبد السلام جراد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل أثناء الاحتفالات التي تقام في الذكرى الأولى للإنتصار في شهر أوت.
الأخ الأمين العام التقيتم عدّة وجوه نقابية وزرتم عدّة اتحادات جهوية وقطاعات فماهو انطباعكم على طبيعة النشاط النقابي في تونس؟
ـ الحركة النقابية التونسية حركة ناشطة وحيوية وفاعلية ويظهر ذلك في نشاطها المؤسساتي وترابط جهاتها وقطاعاتها وهذا النسق العالي في التنظيم اضافة الى الوعي والحكمة في التعاطي مع قضايا العمّال وشؤونهم والدراسات الاستشرافية والمخططات الاستراتيجية والاحصائيات الميدانية التي تقوم بها دليل على جدية المتابعة والحرص على النجاح في الدفاع عن حقوق العمّال وحماية مكتسباتهم في شتى الميادين الاجتماعية والاقتصادية وأكثر ما شد انتباهي الحرص اللامتناهي على ممارسة الديمقراطية في صناعة القرار وهذا الإلتزام الصادق من قبل نقابيي تونس بوحدة كلمتهم والتفافهم حول قيادتهم المركزية والشرعية هو مصدر القوة الحقيقية التي يعوّل عليها في دربه النضالي ورسالتي الى نقابيي تونس أن لا يشعر أحدنا بقيمة وحدة الحركة النقابية ونعمة هذه الوحدة إلاّ إذا افتقدها لا سمح اللّه أو تعرّضت لأي خلل.

2007/07/14

الشيخ امام عيسى

حيّ يغنّـــي في بنعروس

تحول مقر الاتحاد الجهوي للشغل بجهة بنعروس بتونس العاصمة يوم الجمعة 6 جويلية 2007 الى محضنة لتربية الأمل على شفاه صغار الجهة وكبارها على حد السواء بمناسبة الاحتفال بذكرى مرور 12 سنة على وفاة رائد الأغنية المناضلة الفنان الشيخ إمام عيسى حيث إنداحت كل الحناجر طلقة على سجيّتها تردد ما قطفته من بستان الكلام المتسربل بأيامنا الشعبية وايقاعات خطواتنا الرافلة في حرير التعب والاصرار ... كلمة أحمد فؤاد نجم وألحان الشيخ إمام عيسى ...
بجهة بنعروس إلتحمت كل الأجيال بأوتار العازف محسن بن أحمد لتنشد سمفونية الدرب الأخضر ... ووقفت مشدوهة أمام كلمات عم خميس المولدي زليلة صاحب بابور زمّر ...
سرب حمام أبيض
بعد كلمتي الترحيب التي جاءت على لسان الأخت وسيلة العياشي عضوة المكتب التنفيذي الجهوي والأخ محمد المسلمي الكاتب العام للاتحاد الجهوي ببنعروس وبعد عرض مقتطفات من حفلات متعلقة بذكرى الشيخ إمام عيسى استمتع الحضور بعرض موسيقي لأغاني الشيخ إمام تشابكت فيه حناجر الأطفال بالشباب والكهول لتأمنه في تواصل موسيقي وجينيا لوجي... حيث غنى كل من مراد جاد «دوريا كلام» و»أتوب إزاي» وغنت هيفاءالهمامي وفوزية الهمامي أغاني «يمة مويل الهوى» و «رجعوا التلامذة» و «إيدوشمعة» في حين غنت نداء الهاني أغنيتي «يا حبايبنا» و «كل عين تعشق حليوة» وغنّت الطفلة رؤى أغنة «البحر بيضحك ليه» وغنّت يا سمين الطرابلسي أغنيتي «حاحا» و «الأولى بلدي».الحفل الذي أمن إيقاعاته محسن بن احمد من مجموعة العودة وعازف الناي عمار القاسمي من مجموعة الحمائم البيض أوقع الجميع في الغناء والإنشاد.
البابور لم يزمر
«عم خميس»، المولدي زليلة صحاب كلمات أغنية بابور زمر التي أداها الفنان الهادي قلة أكد في جهة بنعروس أن سنواته التسعين لا تضاهي شيئا أمام تلك الحناجر الندية التي جعلته يقفز الى الركح ليغني مع الاعلامي الحبيب بالعيد والمناضل الهاشمي بن فرج والأخت وسيلة العياري والأخ محمد المسلمي وكل الحضور أغنية الشيخ إمام عيسى «مر الكلام» ... غنّى عمّ خميس بدار الاتحاد وعمره فاق التسعين بأشهر ليكرّم أبناء الاتحاد وهم الذين أغرقوه بالورد ... لحظات حميمية عاشها أبناء الاتحاد الجهوي ببنعروس لا أخال أن كاميرا الأخ رضا بن حليمة ستزوغ عن التقاطها والإحتفاظ بها شاهدة على فورة هذه الجهة بما تقدمه كل مرة من برهان ساطع على أن مبادئ الاتحاد نضالا وثقافة هما نبراس الاستمرار وجمرات الإتقاد...

أفكار متقاطعة 24

غسّان كنفاني ونشيد الكلام العـالي


قياسًا على ذلك التَّركيب الذي أورَدَه غَسّان كنفاني ضمن تقديم كتَابه «في الأدَب الصُّهيوني» والذي يقول فيه «إن الصُّهيونيَّة الأدبيَّة سبقَت الصهيونيَّة السياسيَّة.» يُمكننَا أن نَتَجَوَّزَ ونكتُب أن فلسطَين الأدَب والشّعر سبقت فلسطين المفَاوضَات والاتّفَاقَات... فوحدهُ المقلاعُ الفلسطينيُّ والحجرُ الفلسطيني يظلُّ كالزَّغَب يَتَنَاسَل ويطولُ على جَسَد كل فلسطيني وفلسطينيَّة من أتُون شعر محمود درويش وسَميح القَاسم وعزّالدين المناصرة ومن رُسُومات ناجي العلي ومن نثر غَسّان كنَفَاني وهشَام شَرَابي وإدوارد سَعيد وإميل حَبيبي وإليَاس خُوري (بعد أن انخرط في الجبهة الشعبية)...
وإذا مَا كَان الأدَب الصهيوني أقرَب إلى «سَمْفُونية دَعَاويَّة وإعلامية» فإن الحبر الفلَسطيني لا يَزال يَرسم على الجدار اللُّغوي شَذَرَات الخَلق والإبداع ... فكلّمَا انفَتح قَبرٌ على قلمٍ استمر النَّشيد الملْحَمي بمدَاد الإصْرَار في دَربه نَحو سَاحَة البُرتقَال من دون أسْيجَة شَائكة ولا غَمَامَات سَودَاء... وكأنَّ كل قلم فلسطيني هو ألْفُ عام من اللَّحظة العَربيَّة...
غسّان كنفَاني، صاحب «أم سعد» وزارع «أرض البرتقال الحزين» و"وَاحد من الرّجَال" الذين قَاتَلوا «في الشَّمس»، غَسّان كَنَفاني «العَاشقُ»، «العَائدُ إلى حَيْفَا» ... قَبل أسبوع واحد مَرت علَى استشهَاده 35 سَنة كَاملة...
وغَسَّان كنفاني من مَواليد مَدينة عَكا الفلَسطينيَّة في سَنة 1936 عَاش في يَافَا ثم نَزَح إلى جَنوبي لبنَان بَعد نَكبَة 1948 ثم انتَقَل مَع عَائلته ليعيشَ في دمَشق.
عَمل كنفَاني معلمًا للتَّربية الفنيَّة في مدارس وكَالة غَوث اللاجئين الفلسطينيّين (الأونروا) في دمشق ثم انتقل إلى الكويت عَام 1956 حيث عمل مدرسا للرَّسم والرّيَاضة وعملَ في الأثناء في الصّحَافة وبَدأ في نفس الفترة يكتب قصصه ورواياته ومسرَحيَّاته ودرَاسَاته النَّقدية.
في بيروت عملَ محررا أدبيَّا لجَريدَة الحُرية ثم صَار رَئيسًا لتَحرير جَريدة المحرّر عام 1963 وعملَ في صَحيفَتي الأنوار والحَوَادث حَتى عَام 1969 . أسَّس صَحيفة الهَدف وظلّ رئيسًا لتَحريرهَا حتَّى استشهَاده يَوم 8 جويلية .1972
غسّان كنفَاني عَاش يبْني عَلَى الرَّمْل مَا تَحْملُهُ الرّياح ... عَاش يُرَبِّي الأمَلَ ... ويكتب للنموذج الفلسطيني ولطريق استرداد الأرض...
لَقَد كَتَب غَسان كنَفاني أغنيَة شَعبه النّضَاليَّة... وَرَفَع أوتَاد خَيمته اللّغوية لتجْمع ما شتَّتَهُ «رجَال السّيَاسة»... لأنه ظل يَدْرسُ ويُدَرّسُ في مَدرسة الشَّعب... فلسطين... ويَكفي أن يقرأ واحدٌ منّا، نَحن أشباح القلَم والجُرح، هذا المَقطع الذي بَدأ به غَسان كَنفَاني روايتَه الأشهَر»أم سَعد» لنَكتشف وَهَنَ وُجودنا وكذبَة مشيَتنَا...
يَقول غسان عن أم سعد : «أم سَعد امرأة حَقيقيَّة، أعرفُها جيَّدا، ومَازلتُ أرَاها دائمًا، وأحَادثُها، وأتعلَّم منهَا، وتَربطُني بها قَرابة مَا، ومَع ذلك فَلم يَكن هذا بالضَّبط، مَا جعلهَا مَدرسَة يوميَّة، فالقَرابة التي تَربطني بهَا واهيَة إذا ما هي قيسَتْ بالقَرابة التي تَربطها إلى تلكَ الطَّبَقة البَاسلَة، المسْحُوقَة والفَقيرة والمَرميَّة في مُخَيَّمات البُؤس ، والتي عشْتُ فيهَا ومَعها ، ولَستُ أدري كَم عشْتُ لهَا».
هل يعلمُ الفلسطينيُّ كم عاشَ لوطنه؟ وهل يعلمُ الصُّهيونيُّ كم من سَعْدٍ سيُولَد من السَّنابل المتسَامقَة فَوق الأرض الفلسطينيَّة والمتَهَاطلة من وَجَع الوَلاَّداتِ... ؟...
سَيظلّ الرَّصاص الشَّعبي سَائرا جَنبًا إلى جَنب مَع النَّزيف الحبري، شعرا ونثرا وإيقاعًا ليَصلاَ الشّريان بالشّريان ويَضُمَّا حَبات التُّراب الفلسطيني خارجين عن النَّص الرَّسمي وعن مَآدب التَّقسيم وإعَادة التَّوزيع ... فالنَّص الشَّعبي والحبر الفلسطيني لا يُهدران وقتهما وسَيلهما خَيالاً واستشرافًا واهيَا بعيدًا عن اللَّحم الممَزق وعن جُغرافيا الشَّتات...
وحده نَشيد الكَلام العَالي يَرتفع كصَارية خَضراء ليترك انْشقَاق الشَّقَائق وانقسَام الوَاحد واختلاف اللَّون وانشطَار الطَّيف...
تَمَّحي الصُّور المشوَّشَة لأعْلاَم لفَرط تَعدُّدها غَاب عنّا نَصها الخَطابي السّياسويّ لتَظل في عُرَيشَات القَلب والذَّاكرة مَرساةُ المجَاز الشّعري والسَّرد المُتَسَرْبل بخطوات أم سعد وضَفَائر جَفْرا تَحْبِكُ أسْطورةً لشعب مُتَوَحّد في المُقَاومة نَصًا ودَمًا... ودُونَهُمَا عَدَمٌ ونَدَمٌ...

2007/07/04

في قلب الكنغرس

من الحمق التصديق بحسن النوايا

لَمْ يَكن بوسْع خَيَالي، رَغْمَ جُموحه، أن يَصل به النَّسج والتوليفُ يوما مَا الى تَخيّل واستيعَاب مَا كُنْتُ بصدد فعله ومُعايشته مُنذ شهر وبضْع أسَابيع خَلَت... انسقتُ وراء خطاي التي بَدَت تَرفُس بتُؤدة وثبَات رُخَام الأروقَة الفسيحَة لمقَر الكُنْغرس الأمريكي في قَلْب العَاصمَة السِّيَاسية للولاَيَات المتحدَة الأمريكيَّة واشنطن، بَعْد أن تمَ تفْتيشي من أعْلَى رَأْسي الى أخمَص قَدمَي بالألات الالكترُونيَّة وبالأيَادي الخشنَة لرجَال الامْن المتوثبينَ كالنُّمُور في المدْخَل الرَّئيسي لهَذا المبْنَي الشَّاهق والمُطَوَّق بركْض السَّنَاجب وشَذَى آلاف الزُّهُور...
رَهْبَتي وخَوْفي من عَظَمة المَكَان رَغْمَ دَنَاءة العُقُول المدَبٍّرَة غَاديَة رَائحَة بَين أرْوقَته والمَاضيَة بالبَشَريَّة نحْو خَاتمَة الخَاتمَة، كَانَت تَتَسَاوى مَع شُحْنَة الشَّجَاعَة والتَّمَاسك اللذَيْن أحْسَسْتُ بهما يَسْريَان في كَامل جَسَدي مثلَ التَّيَار الكَهرُبَائي ويَحُثَّانني عَلَى انتهَاز هَذه الفُرْصَة التَّاريخيَّة ولو بالكَلاَم... ألَيْسَ الكَلاَم هو السٍّلاَح الانْجَعُ والابْقَى والاكثَر مَعْقُولية...يَوم الارْبعَاء 18 أفريل 2007 عَلَى السَّاعَة السَّادسَة مسَاء، وبَعْدَ جَولة مُنَظمَة زُرْنَا خلاَلهَا البَيْتَ الأبيضَ ووزَارَتي التٍّجَارة والخَارجيٍّة، أين إلتقينا مع نائب ديك تشيني، ومَتْحَف الذَّاكرة الأمْريكيَّة، وفي أفْسَح قَاعَات الكُنْغَرسْ بالطَّابق الرَّابع حَيثُ تَنْتَصبُ مَجْمُوعَة من أعْلاَم الولاَيَات المتَّحدَة الأمريكيٍّة الى جَانب صُوَر ضَخْمَة لحُكَّامهَا الأَوائل وَواضعي دُسْتُورهَا وقَوَانينَهَا المُؤَسٍّسَة، وَجَدت نَفْسي وَسَطَ جَمْع غَفير من نُشَطَاء المجْتَمَعَات المَدَنيَّة منْ مُخْتَلَف الأقْطَار العَرَبيَّة من الجيل النَّاشئ وأيضًا من ممُثَلي بَعض الجَمعيَات والمنَظمَات غَيْر الحُكُومية الأمريكيَّة والعَديد من رجَال السٍّيَاسَية والصَّحَفيِّين والاعْلاَميين... جَميعنَا كنَّا في انتظَار إثنين من سينَاتُورَات الكنْغرس الأمريكي سَنَلتقيهم لمدَّة سَاعة ونصْف تقريبًا في حَفل استقبَال أقيمَ عَلَى شَرَفنَا نَحنُ القَادمينَ من تونس والجَزَائر وليبيَا ومصرَ في دَورَة تدريبيَّة حَولَ استرَتيجيَّات التَّخطيط وحُقُوق الانْسَان لمدة شَهر وَنصف هُنَا في وَاشنطن وَكَنَدا، بَعد أن قَضينَا أسبوعًا في العَاصمة الأردُنيّة عَمَان، وتحَديدا في نُزل «رَاديسُون سَاسْ» الذي أغتيلَ فيه المخرج العَالمي مُصطَفَى العَقَّاد...تجَاهلتُ صَدمَتي لما وَجَدتُ في مَقر مثلَ الكنغرس مئَات من زُجَاجَات النَّبيذ الفَاخر والجُعَة منتَصبَة فَوقَ الطَاولات البرنزيَّة الى جَانب الاطبَاق الضَّخْمَة للمرطبَات والحَلويَات فَدَاهَمني السُّؤال سَريعًا وَوَاضحا: أيأخُذُونَا كل القَرَارَات وَهُمْ سَكَارَى؟؟ ربما الأمر كَذلك فعلا، فَمَا من قَرار أمريكي بخصوص سيَاسَتهَا الخَارجية إلا وَكَانَ بعيدا كل البعد عَن العَقل والتَّعَقل...بَعد كلمَات التّرحيب والمجَامَلات الرَّسميَّة تَكلَّم السينَاتورَان باللغَة الأنقليزيَّة مشيرين الى حُسْن نَوايَا الولايَات المتَّحدَة الأمريكية وَسَعيهَا الى إحلاَل السِّلم العَالمي... كُنْت أقفُ حذْوَ الطاولاَت أثبتُ بيدي اليُسْرَى آلة التَّرجَمة وباليُمنَى أمسك كَأسي منتَظرًا دَوري في الكَلاَم... لَم أرَكّز كَثيرًا عَلى كَلمَات السٍّينَاتورَين وَلا عَلى كَلام المتَدَخلين الذينَ تَدَاولُوا عَلى المصدَح وكل واحد منْهُم يُحَاولُ أن يَلتَزمَ بالوَقت المحَدد لَه (دَقيقَتين لكل متَدَخّل) فَيَبْذل قُصَارى جهدَه ليَخْتَصرَ الكَلامَ ويكثفَ الافكَار التي يَوَد أن يَقولهَا. منهم مَن تَكلم باللغَة الأنقليزيَّة وأخَرونَ بالفرنسيَّة وأيضًا بالعَربيَّة... أغلَبُ المتدخلينَ وصَفوا الأوضَاع المترديَة داخلَ بلدانهم في ظل غيَاب الحُرّيَات العَامَة والفردية واشتدَاد القَمع السِّياسي والتَّخَلف المعرفي وكلهم أشَادو ببَادرَة المجتمَع المدَني الأمريكي للتَّعَاون من أجل ايجَاد خُطَط سلميَّة لتغيير الأوضَاع... اقتربتُ من أحَد المترجمين اللذين رَافَقانَا طوالَ الدَّورة التدريبيَّة (ولحسن حظي أنهمَا تُونسيَّان يَعيشَان في الولايَات المتَّحدَة الأمريكيَّة منذ أكثَر من عشرين سَنة) ورَجَوته أن يَجتهدَ في ايصَال فكرَتي التي سَأقولهَا في الكُنْغَرس أمَام السيناتورين وهَذا الجَمعُ النَّوْعي...قَفزَت الى ذهني أيام الجَامعَة وخطَب التَّحريض والتَّعبئَة... تذكرتُ أن التَّاريخَ لن يعيدَ نفسَه ولَن أجدَ نَفسي مَرة ثَانيَة في نَفس الظُّروف في هَذا المَكَان المُوحش رَغْم بَهرَجه الخَلاَّب، كَمَا أني لَن ألْتَقي مَرة ثَانيَة اثنَين من سينَاتُورَات الكُنْغَرس الامريكي ليستمعا الي... لم انس ايضا وجوه بعض الشامتين والحاسدين والمشككين الذين تركتهم خلفي في تونس ينتظرون اوبتي... اعرفهم ويعرفونني ونعرف بعضنا جيدا...عدلت نظارتي . نزعت آلة الترجمة من أذني لئلا يختلط علي كلام المترجم بحديثي الذي سأدلي به ثم صوبت نظري الى الجميع ونطقت : « باعتبارنا نمثل جزءا من مجتمعاتنا المدنية ونحن الآن داخل هذا المقر السيَاسي فإنني لن أخفي كَراهيتي للسيَاسة الأمريكية وتحديدا لسياسة هذا الخنزير الناطق الذي يسمى بوش، وأعتقد أيها السادة أنه من الغباء تصديق من يقترح التعاون السلمي وهو بالمقَابل يبيد شعوبًا بأسرهَا ويمحَق حَضَارات ضاربة في التاريخ... من الحمق التصديق بحسن النوايا الامريكية في ظل مساندتها التامة للانظمَة الاستبدَادية في العَالَم من جهَة ومغَازلة منظمات المجتمعات المدنية وجَمعياتها من جهة ثانية... انكم الآن تشربون هذا النبيذ الفاخر (واشرت بيدي الى الطاولات على يميني) وأطفال العراق وفلسطين يشربون الغازات السامة والقاتلة... كل الليالي التي قضيتها هنا تجولت في الشوارع الفسيحة لواشنطن حتى الفَجر ودَخلت مَلاهيهَا وحَاناتها ومقاهيها فرأيت كل الناس يرقصون ويمرحون ويملؤون كأس الحياة فيجلدني السؤال مليون مرة عن أمن العراق وليلها وعن فلسطين ودَارفور وايران وسوريا... كنت فيما مضى أكره أمريكا برمَتها. حتَّى اسمها أكره ان اتلفظ به، أما الآن وبعد أن عاشرت بعضا من موَاطنيها في هذه الفترة القصيرة، فان كل كراهيتي باتت تنحسر تحديدا في سيَاسَتها وساستها. ان السلم الذي من أجله نلتقي هذا المساء والديمقراطية التي نبتغيها لا يمكن أن يتحققا ما دام البيت الابيض يدعم الدكتاتوريات وأباطرة القرن الواحد والعشرين... وأمام هذا المد المحافظ الرجعي لليمين المتطرف الذي يدعم الكيان الصهيوني في منطقتنا ويصمت عن جرائمه بحق الفلسطينيين... ان التراجيديا الكونية التي تحياها شعوبنا اليوم انما هي وليدة هذا التدخل السافر واللاشرعي في مصائرنا الذي تمارسه الولايات المتحدة الامريكية مرة بطريقة مباشرة ومرة عن طريق الوكالة...»صمتُّ قليلا لآخذ نفسا وأواصل كلمتي، غير آبه بالدقيقتين اللتين التزمت بهما قبل الدخول الى الكنغرس، غير أن موجة من التصفيق طوقت قاعة الكنغرس وتركتني أنسحب من امام المصدح لأعود الى الوليمة المنتصبة فوق الطاولات البرنزية... استمرت بعدي المداخلات المتبقية من الضيوف وقد استلهم بعضهم مما اشرت اليه في كلمتي ثم انخرط الجميع في أحاديث ثنائية للتعارف ومزيد الشرح والتوضيح حول ما أثير من قضايا ونقاط... في غرفتي رقم 608 بنزل كارلايس الكائن بشارع نيوهمشر في قلب واشنطن كان كل شيء يشجّع على الكتابة، الاباجورتين، الموسيقى، الثلاجة الممتلئة، النوافذ البلورية المفتوحة على الأفق... والدفتر الذي اقتنيته ما تزال أوراقه بيضاء... بيضاء... حاولت أن أدوّن ما حدث ذلك المساء فلم أفلح في تركيب ولو جملة يتيمة. وضعت المفتاح الالكتروني داخل جيب سترتي وخرجت أتجول في الشوارع المزدحمة بعد منتصف الليل... وجدت نفسي أنتقل من ملهى الى آخر وكأني أطارد شبح الفكرة المستعصية عن التدوين في دفتري. طال التطواف الخائب فعدت ادراجي حوالي الساعة الخامسة فجرا الى النزل...انقضى الاسبوع الثاني في واشنطن ولم أكتب حرفا واحدا. عندما غادرت مطار ريغن بنيويورك ونزلت في مطار مونتريال العاصمة الكندية، اتسع صدري ولفحتني ندف الثلج الصغيرة مداعبة ارنبة أنفي ووجنتي... أحسست بضيق ما ينقشع عن صدري وعرفت أني لم أكن بحاجة لا لأباجورة ولا لموسيقى ولا لثلاجة ... كنت بحاجة لهواء أنقى... كنت بحاجة لأرض غير تلك التي كنت فوق أديمها أتجوّل...على ضفاف نهر سان لوران الذي يشق مدينة ريموسكي شمال مونتريال، وداخل مقهى حانة «الباريستا» التي يؤمها عادة طلبة واساتذة علم النفس الاجتماعي، انهلت على بياض الدفتر تحت وقع نقرات هادئة على آلة البيانو منسربة كالماء من بين الجدران الخشبية للمكان... لم أرفع بصري عن الطاولة الا وأنا أسمع فيما يشبه الشهقات المكتومة كانت تصدر من فتاتين جلستا بجواري... رأيتهما تتطلعان باندهاش واستغراب لسير قلمي من اليمين الى اليسار وهو يحرث ألياف الورق ... كنت لحظتها قد أتممت هذا المقال ووقعته بتاريخ 2 ماي 2007 ريموسكي / كندا... ابتسمت لهما وأنا أطوي الدفتر ودخلنا في نقاش باللغة الفرنسية ذات اللكنة الكندية حول اللغة العربية وسبب وجودي هنا وعن حرية الصحافة والرأسمالية والاشتراكية وحال فيدال كاسترو وعن الثائر الأممي تشي غيفارا وأيضا عن حظوظ سيغولان مرشحة اليسار أمام سراكوزي في الانتخابات الفرنسية حتى وصلنا الى سيدي بوسعيد والكسكسي التونسي....

2007/06/16

أفكار متقاطعة 22

الحياة مدى الحياة

عندما تطوي الصفحة 170 من رواية عبد الجبار العش الجديدة «محاكمة كلب» التي صدرت مؤخرا عن دار الجنوب ضمن سلسلتها «عيون المعاصرة» وقدم لها الدكتور محمد القاضي، ستضم وجعك ومحنتك التي تتفنن في مواراتها ودسها بين أضلعك وتطلق حنجرتك للعواء لتتقيأ حمم النباح وشلالات اللعاب الكامنة فيك منذ ولادتك... فخيوط السرد التي نسجتها تفاصيل الحياة الكلبية التي عاشها، و ما يزال، «عرّوب الفالت «/عبد الجبار العش / أنا/ أنت/كل حي ... لن تترك لك مجالا إلا لتمتحن مدى وفائك لظلمة صدرك... وغبش جرأتك...
في السنة الفارطة، وبمناسبة ملتقى الشعراء النقابيين الذي التام بمدينة القيروان، أخبرني الشاعر والروائي عبد الجبار العش بأنه يضع اللمسات الأخيرة على مخطوط روايته الجديدة «محاكمة كلب»... أخبرني أنها سيرة ذاتية لحياته بكل تفاصيلها التي لم تخرج عن الأوجاع... وروى لي بعضا من الحقائق والوقائع التي تخصه والتي سيسردها ضمن نصه الجديد بكل تجرد... احتفظت بسره داخل صندوق اللحم الذي يحملني حتى نسيتها مع مرور الأيام... الى أن أفشى هو أسراره بقلمه ونباحه ولعابه وجرأته وبوفائه الكلبي الذي مكنه من تحويل الفواجع الى وجود خلاق وشعلة من الإبداع والنزوع الدافع الى المثل الإنسانية النبيلة فارتفع بنصه وصدقه الى مرتبة «الكلاب الخالدة» مثل محمد شكري وجان جونيه ومكسيم غوركي وادغار ألان وجون جاك روسو وميشال راكاناتي... فهؤلاء جميعهم ومعهم التونسي عبد الجبار العش بروايته «محاكمة كلب» يظلون وحدهم قناديل مشعة على أرصفة سيرنا الحياتي لأنهم ببساطة يؤكدون لنا بأن فعل الكتابة هو فعل لفظ الحجر العالق بالحنجرة... وبأن الكلب الحقيقي هو الذي يمضغ نباحه ويلعق لعابه في أتون ظلمته وداخل سجنه وفمه المكمم بعناية وفقا لفنون الكذب والمواراة والأقنعة المستعارة من الأروقة التي تقذفنا إليها الحياة... وما أكثر هذه الكلاب يا عبد الجبار...فرادة رواية عبد الجبار العش «محاكمة كلب» لم تأت من كونها رواية هامشي ومهمشين... بل جاءت من حاشيتها الأخيرة - وهي أيضا تقنية سردية مهمشة الى حد ما - فعند إتمام أي قارئ لسرد محاكمة «عرّوب الفالت» سيصنف هذه الرواية ضمن السرد التخييلي الملتبس بالواقع في بعض من أحداثه، ويصنف عبد الجبار العش كروائي تتغذى مقدرته السردية نصا بعد آخر ورواية بعد أخرى، غير أنه سيعدل عن ذلك بمجرد أن يواصل قراءة الحاشية التوضيحية التي ذيل بها الروائي متنه السردي فحسم العش إضافة الحاشية التي تضمنت رأي المحامي زبير الوحيشي جعلت من «محاكمة كلب» تنتقل من الدرجة الصفر للسرد الى الدرجة اللانهائية من التمرئي ...ولكن السؤال الحقيقي يتمثل في حقيقة وقوع القارئ في الفخ الذي نصبه عبد الجبار العش؟ في قدرته على تلبيس الحقيقة بالخيال... هل السارد هو الكاتب ؟ وهل الآحداث هي فعلا حقائق ؟ هل عروب الفالت هو عبد الجبار العش؟ أذكر هنا كلمة الروائي المغربي محمد شكري في كتابه «غواية الشحرور الأبيض» التي قال فيها :» من اخترع المرآة، ليس ضروريا أن يكون نرجسيا. ربما اخترعها ليتشفى من الذين يتهربون من رؤية وجوههم فيها. إذا كانت المرايا تسوركم فأين ستولون وجوهكم؟ هذا إذا لم تكن المرآة قد اخترعت نفسها لنفسها».كما أن فرادة هذا المنجز السردي الجديد لعبد الجبار العش يأخذ فتنته وفرادته من الإيغال بعيدا في الإيهام بوجود شخصية مادية حقيقية تتلقى رسائل بطله ونباحه المحموم وتقتفى أحداث حياته العجيبة في إنصات وصمت مقدسين الى حدود الصفحة 155 حتى أنها جعلتني أتحاشى مجرد تذكر بعضا من الحقائق التي قالها لي عبد الجبار عن حياته الشخصية في القيروان منذ سنة وظللت أتابع الأحداث وألاحق صفحات الرواية مستبعدا أية علاقة بين الكاتب ونصه... ورغم أن فطنتي أسعفتني منذ البدء بأن نزيل «عروب الفالت» في زنزانة السجن ما هو إلا شخصية هلامية من اختراع الكاتب، إلا أني لم اطمئن للفكرة ولم أثق تماما بمحسوسية الشخصية الى أن أسعفنا العش على لسان أحد حراس السجن وهو يقول لبطله «إحقاقا للحق فانك تتمتع بذكاء نادر إذ لأول مرة أرى سجينا يوضع في الحبس الانفرادي ويحكي قصة كاملة لنفسه، إنها حيلة ذكية لكسر وحشة العزلة».رواية «محاكمة كلب» لعبد الجبار العش لا تترك لقارئها مجالا إلا لينبش كالكلب في أعماق أعماقه عن أسباب حياته مدى الحياة أسيرا لحياة كلبية عله يتعلم كيف يكسر وحشة نباحه الذي يتوهمه سيلا من الموسيقى..

2007/06/13

بيان حبري

لا الوقت لنا... ولا الكتابة أيضا

من السهل على الواحد منا – نحن السواد الأسود– أن يعثر على عتبة حبرية يشغل بها رأس المساحة الورقية المتبرجة أمام ناظريه، في فستانها الأبيض، ولكن من الصعب عليه أن يجد الوقت الكافي والضروري لفك أزرار الفستان البيضوي والولوج داخل أتون الورقة ومغاورها، فيصيّرها – بعد ساعة أو بعد أيام – حبلى بمتن لغوي نثري أو شعري
من السهل على الواحد منا - نحن السواد الأسود – أن ينجح في لضم تركيب لغوي على قياس «لا الوقت لنا... ولا الكتابة أيضا» مثلما كانت تلضم بائعة الكبريت – في حكايا الجدات - دموعها عقدا من الزمرد والمرجان...
ببساطة، من السهل على الواحد منا أن يمسك بعنوان قصة قصيرة مثلا وهو يركض خبطا ولطما خلف ذيل حافلة صفراء عجوز. من السهل عليه ذلك، ولكن من الصعب جدا أن ينجح في الحفاظ على حبات الزمرد والمرجان لعقده اللغوي بمجرد أن يحشر داخل العلبة الحديدية الصفراء العجوز اللعينة، إذ تتبخر فكرة القصة مع الروائح العطنة وتبتلعها أحداق العيون المتوثبة على الجيوب والحقائب اليدوية لصبايا الطريق... ويداس المتن السردي بأحذية الركاب المعفرة بأوحال الأرصفة، وتثقب الفكرة بكعب حذاء يرزح تحت وطأة مائة كيلوغرام من لحم أنثوي مترهل...
يمكنك أن تحني ظهرك النحيل، كما قلمك ينحني سيلانا فوق دروب الورقة، يمكنك ذلك، فتمد ذراعك لتلتقط بأطراف أصابعك ما سقط من مرجل جمجمتك هذا الصباح فتجمع نثار المعني وشتات الفكرة وتستجمع ألق صباحك ذاك... فتنجو بجلدك المصهود بالأنفاس المحرقة وبمحفظتك المكتنزة وبفكرة قصتك القصيرة بما حوت من أبطال وأحداث ومكان وزمان وأزمة وانفراج...
تحضنهم جميعا وتهرول نطا وركضا من الباب الخلفي للحافلة الصفراء اللعينة باتجاه أول كرسي وطاولة لم ينخرهما سوس الثرثرة واللغو، فتلقي بجسدك فوق الكرسي وتبسط على خشب الطاولة عتبتك اللغوية لتشرع في رفع أوتاد خيمتك القصصية...
من السهل عليك وأنت - من السواد الأسود – أن تفتح محفظتك العتيقة وصدرك ينشرح لسيلان القهوة الدافئة والتبغ الموشح بالضباب في عروقك، فتكاد تصيّر عين قلمك الراقص بين أصابعك كأوتار كمنجة قرطبية، مثل فوهة بندقية، يطارد حبره وبر المفردات...
من السهل ذلك ولكن من الصعب عليك أن تكتب جملة واحدة في قصتك القصيرة تلك، وأنت مزدحم ب«صباح الخير» و«يومك سعيد» ومكتض ب«كم الساعة من فضلك؟» أو«ولاعتك لو تسمح»... من الصعب أن تمسك بأول حروف قصتك وسط مقهى «l’univers» من الصعب عليك ذلك وأنت محاصر بعقارب التوقيت الإداري وبسخط رئيس التحرير على تأخرك الدائم... من الصعب.... من الصعب...
ولكن من السهل عليك مرة أخرى، وأنت ضاج بأزرار الحواسيب الجامدة داخل مكاتب عملك الباردة، ومشغول بخطى الموظفين رائحة غادية تلوك الوقت والهراء كما يلوك الجمل الكلأ، سهل عليك أن تشحذ قلبك بمساء هادئ في غرفة نومك لتزهق روح متنك السردي اللعين، تشحذ قلبك بالتمني وتشرع في اختيار مطفأة السجائر الأوسع والقطع الموسيقية الأنسب، وتتوعد الانتظار والازدحام والخوف من السرقة... أعداؤك الدائمين المتربصين بك وبقصتك وسط الحافلة الصفراء العجوز اللعينة... تشحذ قلبك ولا تنتبه لغبطة موهومة إلا على هدير محرك الحافلة...
من الصعب إذن عليك، وأنت من السواد الأسود، أن تجد الوقت الكافي والضروري لكتابة مسودة قصة قصيرة طيلة يومك، ولكن من السهل عليك مادمت تصر وتلح على فعل الكتابة، أن تسلسل أحداث قصتك في ليل المدينة...
من السهل عليك أن تتخلص من محنتك الحبرية هذه وأنت محاط بالمطفأة الأوسع وقلبك يتلاشى تحت سطوة الموسيقى الصامتة وساقاك يرفلان في الدفء تحت صوف الغطاء الشتوي... من السهل أن تكتب على الورقة البيضاء من دون أنفاس حارقة ولا روائح عطنة أو كعاب ثاقبة... من السهل... من السهل...
ولكن من الصعب عليك أن تجهز على عتبة الخروج من قصتك هذه وصوت المذيع الأجش يخرم هدوء غرفتك ونقاء فكرتك، وهو يقدم للنظارة الكرام مجموعة قصصية حديثة النشر، هي السادسة لأستاذ جامعي في عقده الثامن...
تطفئ الضوء الخافت وتشعل سيجارة يابسة لتؤنس صمتك أمام ثرثرة المذيع والأستاذ القابعين داخل الصندوق الملون... فتتيقن – وأنت المنهك – أن لا وقت لك وللسواد الأسود إلا للنوم... فتسحب الغطاء الصوفي إلى آخر رأسك وتشرع في كتابة قصتك القصيرة حلما أو كابوسا في انتظار منبه الساعة الخامسة فجرا وهدير الحافلة الصفراء العجوز اللعينة و«صباح الخير»... وفي انتظار عتبة دخول حبرية أخرى لرأس ورقة البارحة تنتظرك لتفك أزرار فستان عرسها الأبيض...

اسم مقهى كائن بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية أغلب روادها من الشريحة المثقفة

قصة قصيرة

غرق حبري


على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة
أوّل الحبّ عشب على حجر
سيّدتي استحقّ
لأنّك سيّدتي. استحقّ الحياة
محمود درويش

:همس في أذنها والفرح يشقّ صوته
- "اللّيلة سأنام على سرير من حنين... للّذي حدث بيننا هذا المساء."
صمت قليلا وأردف بتردّد
- "وللّذي سيحدث كلّ مساء... لديّ سرير يتّسع لجسدين من ماء... لجسدين من نرجس و نار... سرير يتّسع للّه و البحر..."
كانت هي في الجهة المقابلة تمسك بحفيف الحروف, و تخيّلته يحطّ على كحل أهدابها مثل عصفور يحطّ على ماء بحر... لم تنبس ببنت شفة. فقط ظلّ نفسها صاعدا مثل خيط رفيع نازل من السّماء...
تواطأ معها في هذا الصّمت و كأنّه لم يشأ أن يقاطعها و هي تقرأ له – في صمتها – قصيدة لم تكتبها بعد.
لمّا أحسّها أنهت قراءتها قطع صمت البوح بينهما وهو يقول لها:
- "أشتهي ما سيحدث مساء الغد... و لكنّي أخاف من خوفي وتردّدي..."
استرق نفسا قصيرا ليلتقط عبيرها في الأرجاء, ثم رسم قبلة على... سمّاعة الهاتف.
أقفل الخطّ و تمدّد على سريره. ظلّ مغمض العينين برهة من الزّمن ثمّ امسك مجموعتها الشّعريّة بأصابعه المرتعشة و شرع يتفحّصها ورقة ورقة و بياضا بياضا, تهجّاها سطرا سطرا إلى أن فطن بصوته المنفلت من حلقه يردّد مقطعا واحدا أعاده أكثر من خمسين ألف مرّة:
مستوحدان
أنا و ظلّي
نرسم إلى الحلم سلالم
لا وفي لنا
نسمي الدفاتر عمرا
(العمر خيول تهاوت
(1
طوى المجموعة و هو يقاوم فكرة قصّة قصيرة بدأت تراوده عن نفسها, و بلهفة وارتباك تناول ورقة مطروحة على المنضدة المحاذية للّسرير و خطّ فوقها: "... غرق"
ثمّ نام على سرير من حنين ... و من ورق

(1) مقطع من قصيد تسميات على مسامع الظل من المجموعة الشعرية حمى القصائد للشاعرة التونسية يسرى فراوس



قصة قصيرة

موعد النّرجس

العالم كلّه مسرح, لكلّ دخوله ولكلّ خروجه
و بين الاثنين حياتنا حيث نلعب عدّة ادوار

ويليام شكسبير
كما يحلو لك

كتمت رنين منبّه السّاعة وهي تقاوم ارتخاء جسدها و تقلّبها على الفراش, ثمّ نهضت خفيفة كنسمة هواء بحريّة تنطّ في ثيابها الشفّافة بين المطبخ و الصّالة و بيت الاستحمام مثل فراشة فجريّة.
صوت فيروز المنبعث من آلة التّسجيل ينساب طلقا بين أبواب الغرفة المواربة, ونوافذها. ورائحة البنّ, المدعوكة بحبّات الهيل, على نار الموقد الخافتة, تثقب سقف المطبخ الصّغير...
انتصبت خلف السّتارة الحريريّة لبيت الاستحمام تطرد الكسل عن مفاصلها و تداعب حلمتيها البنّيتين بلون الخرّوب الجبلي تحت دفق الماء الدّافئ. عادتها الّتي تربّي عليها جسدها منذ الصّبا ولم يترهل بعد.
جفّفت شعرها الذّهبي أمام المرآة وهي تلعق آخر قطرات القهوة من الفنجان.
داخل سيّارتها الحمراء واصلت الاستماع إلى صوت فيروز وهي تستمتع بطعم التّبغ الصّباحي وحبّات المطر الطّائشة تنزلق بحنوّ من السّماء الخريفيّة على البلّور راسمة خيوطا شفافة كالدموع...
في الشّارع الرّئيسي رتّبت عشرين زهرة نرجس أمام أوّل بائع ورد اعترضها. استنشقت الباقة بعمق وانطلقت باتّجاه مسرح المدينة مباشرة.
كلّ الكراسي شاغرة إلاّ مقعدها المحجوز في الصفّ الأمامي, منذ يومين... و ملامح الجمهور الشّاحبة لا تنبئ بأنّهم سيحضرون حفلا موسيقيّا...
الأضواء باهتة من الرّكح إلى السّقف. الكراسي أيضا بدت باردة على غير عادتها... هكذا أحسّتها... و الصّمت. صمت لا يطاق يلفّ أرجاء المسرح...
أخذت تداعب النّرجسات العشرين بأرنبة أنفها في محاولة يائسة للّتخلّص من حالة التّوجّس الّتي تملّكتها على غير موعد أمام مئات الوجوه الواجمة, وبدت تغرق نفسها في حالة من الاطمئنان الموهوم لفتنة هالتها بزهرات النّرجس, وكأنّها تقاوم فعلا خرس المكان الغريب أو سواد السّتار الّذي لم يرفع بعد.
كانت تقاوم تداعيا محموما تلبّس بذهنها وصار ينخره بجنون.
- إنّ الخوف من فعل محتمل الوقوع لهو أقسى من وقوعه في حدّ ذاته.
هكذا قالت بصمت وواصلت: ممّا الخوف إذا, وأصابعه لا تزال مغروسة في أسرار جسدك إلى الآن منذ ليلة أوّل أمس. أتذكرين كم راقصك, بعد منتصف الّليل, على عتبات السّماء, فوق نزل "الهناء". كم تلذّذت شفتيه المغمستين بطعم البيرّة الّتي شربها بحانة السّطح المطلّة على أطراف العاصمة وعلى مدارج هذا المسرح.
كلماته منذ ليلتين تلمسينها الآن, تدعكين حروفها بنفس الحرارة, تتدلّى مع قرطك العاجي هذا... ممّا الخوف إذن وأنت الموعودة بعزف منفرد مهدى لك وحدك... تماسكي أيّتها الغبيّة واطرحي هذا الخوف اللامبرّر, فالسّتار يرتفع.
بدأت مخاوفها تنقشع عن رأسها, تتبدّد كأكياس ضباب ثقبتها أشعة شمس لاذعة, بمجرّد أن سرّحت بصرها على مساحة ركح المسرح: العازفون يتوزّعون فوق الخشبة في شكل هلالي. كلّهم منحنون على ﭐلآتهم الوتريّة و الإيقاعيّة. صورته العملاقة تنتصب خلفهم. خطّ طويل من الورود مختلفة الألوان يسيّج أطراف الرّكح الأمامي. عوده, الّذي تغار منه, يتّكئ على الكرسيّ المعدّ له, كنجمة صيف مكابرة.
الجمهور لا يزال ينتظر دخوله, وهي تنتظر عزفها الموعود... والوقت يمضي. يمضي بطيئا قاسيا.
عادت تحدّث نفسها: لماذا تأخّر كلّ هذا الوقت؟ لا شك ّأنّه يجمّع شتاته أو هو يرتّب أصابعه ليجيد مراقصة الأوتار ومغازلة اجّاصته الخشبيّة...
كم هي مملّة لحظات الانتظار ومقيتة. هيّا ادخل وكفانا انتظارا. نطقتها بصوت مسموع !!!
ظلّت تنظر ساهبة إلى الجثث المنحنية على التّماثيل الموسيقيّة اللاّمعة تحت الخيوط الضوئيّة المتسلّلة من بين الرّؤوس المنشغلة بلحظات الانتظار. ذهنها لا يزال ينطّ فوق سطح نزل "الهناء" ولم تنتبه للّرجل الّذي انتصب في قلب الرّكح إلاّ عندما صدح صوته من المكبّرات الجانبيّة.
اعتصرت زهرات النّرجس العشرين بين يديها وضمّتهم أكثر إلى صدرها بارتباك وبدا العرق ينزّ من كامل جسدها بمجرّد أن بدأت شفتا الرّجل البدين الذي تقدم إلى طرف الركح من جهة الجمهور الأمامي, تتحرّكان:
- يؤسفنا أن نعلمكم أنّ هذا العرض قد ألغي. لقد ابتلعت مرآة النّزل الضّخمة عازف العود قبل لحظات من الآن لمّا همّ بتقبيل وجهه المنعكس على بلّورها!!!... يمكنكم استرجاع ثمن التّذاكر بداية من صباح الغد من شبّاك المسرح ونجدد لكم اعتذاراتنا وأسفنا.
لم تدر كيف انفرجت ساقاها بتلك السّرعة العجيبة وهي تشقّ الجموع الآخذة في التّحرّك عشوائيّا بين أروقة المسرح, صامّة أذنيها عن الصّراخ والصّياح المتعالي من أفواه النّساء والرّجال. لم تصدّق كيف لم تدهسها سيّارة وهي تشقّ شارع الحبيب بورقيبة راكضة نحو نزل "الهناء" المقابل للمسرح, ولا حتّى كيف اخترقت حشد المشعوذين والسّحرة والمنجّمين وبعض الأطباء المتكوكبين, إلى جانب رجال الأمن والفضوليين, أمام المرآة المنتصبة وسط بهو النّزل.
كانت ترتجف بصورة هستيريّة داخل المصعد الآلي صارّة أكثر زهرات النّرجس الّتي ازدادت تألّقا وطولا بين أصابعها وصدرها!!!.
على سطح النّزل كانت الحانة مفتوحة. لا احد بداخلها, الكلّ بالبهو الأرضي يتدافع أمام المرآة العجيبة. حلقها تيبّس تماما بفعل زجاجات البيرّة الّتي سكبتها داخل بطنها دون حساب.
سقطت أكثر من ثلاث مرّات وهي تكابد ثقل جسدها لتنقله من الحانة إلى طرف السّطح المطلّ على شارع الحبيب بورقيبة. لم تعد تقوى على الوقوف مستقيمة, ولا على التّركيز.
السّيارات تحتها تراها تصطدم ببعضها البعض, والمارّة صاروا ضئيلين بحجم حبّات الزّيتون وهم يتدافعون كالجراد الهائم في كلّ الاتجاهات وأشجار الشّارع بدت هي الأخرى تتراقص وتتنحّى عن منابتها المستطيلة.
كان رأسها متدلّيا كحبّة الرمّان النّاضجة من فوق السّطح العالي, وكأنها تقف على رأس جوف عظيم, وأخذ فخذاها في الاصطكاك بعنف على جدار السّطح الواطئ.
لم تستطع إمساك فمها, الّذي انفتح كبالوعة نفايات, عن القيء. قيء شديد يندفع من قاب بطنها الّتي تكاد تتمزّق ألما وتتناثر في سماء الشّارع. كان قيئا غزيرا كالمطر, ينقذف زخّات مدرارة من عل فيغطي رؤوس المارّة وأرصفة الشّارع دون توقّف, بل كان الدّفق يقوى باطّراد حتّى صارت تخشى – في لا وعيها- أن تغرق شارع الحبيب بورقيبة في قيئها المحموم, هذا الذّي يتضاعف كلّما لمحت واجهات المحلاّت البلّوريّة المتراصّة على طول الشّارع، لكأنها سكرت بالبلور...
همدت جثّتها قليلا. ارتخت مفاصلها على طرف الجدار, وظلّت بقايا القيء الرّغويّة تسيل لزجة من زاويتي شفتيها كالّلعاب قذرة داكنة. أمعاؤها تتموّج تحت جلدة بطنها ويعتصر قلبها بشدّة. شعرت بحالة من السّكينة والخدر وهي تفكّ يديها المضمومتين إلى صدرها, تركتهما يتدلّيان في الهواء مستلذة هذا الوضع برهة من الزّمن. بعدها لم تدر كيف انفرطت زهرات النّرجس العشرين من بين أصابعها وصارت تتساقط واحدة واحدة, نرجسة تلو نرجسة لتقع بحنوّ فوق جثّة العازف المسجاة أمام مدخل نزل الهناء, وفوق كاميرات السياح و آلات التّصوير وعلى قبعات رجال الأمن والأعناق المتطلّعة لجثّتها الآيلة للسّقوط من فوق النّزل

قصة قصيرة

المقالة الافتراضية


نؤكّد من جديد التزامنا بمبادئ حريّة الصّحافة, وحرّية المعلومات وكذلك بمبادئ الاستقلال والتّعدّديّة والتّنوّع, وهي عناصر جوهريّة في مجتمع المعلومات, ومن الأمور الهامّة في مجتمع المعلومات حرّية التماس المعلومات وتلقّيها وإذاعتها واستعمالها لإحداث وتراكم ونشر المعرفة

النقطة 55 من إعلان المبادئ لبناء مجتمع المعلومات.
القمة العالمية جنيف 2003 منشورات الأمم المتحدة
والاتحاد الدولي للاتصالات


ينبغي لمجتمع المعلومات أن يحترم السّلم وأن يدافع عن القيم الأساسيّة مثل الحرّية والمساواة والتّضامن والمسؤوليّة المشتركة واحترام الطّبيعة
النقطة 56 من إعلان المبادئ لبناء مجتمع المعلومات.
القمة العالمية. جنيف 2003 منشورات الأمم المتحدة
والاتحاد الدولي للاتصالات


لنفترض أنّه عندما طرق الصّباح باب غرفتي الباردة, حوالي السّاعة السّابعة إلا ّعشرين دقيقة, استقبلت يومي بكلّ تفاصيله. بدءا من صوت فيروز ينهمر على مسامّ جسدي من كلّ الجهات, إلى أن استقبلني رئيس تحرير الجريدة الوحيدة الّتي قبلت بنشر مقالتي دون أدنى تحفّظ.
بعد أن أعلمني رئيس التّحرير أنّ قرّاء الجريدة إفتراضيّون, ولا خوف لا من مقصّه ولا من الرّقابة الأمنيّة, وطمأنني أنّ عقابي - إن حدث - سيكون افتراضيّا. فإن طردت من عملي فافتراضا, وإن سجنت وحوكمت صوريّا فافتراضا أيضا... طمأنني بهذا إذا ما أنا كتبت ـ فوق ورقاتي الافتراضيّةـ أمورا تتعلّق بقمع الرّأي ومصادرة حرّية التّعبير, و إلجام الحناجر عن"الصّراخ" داخل أسوار الجامعات والكلّيات, وعن عسكرة الشّوارع وانتهاك الحرمات الجسديّة والمعنويّة للمواطنين العاديّين بترصّد خطواتهم واعتقالهم ومطاردتهم وحضر تجوّلهم وسط الشّوارع ومراقبة حركاتهم وسكناتهم داخل المقاهي وبين جدران الحانات... وإجبارهم ـ في المخافر تحت الرّكل والشّتم طبعاـ على الالتزام بعدم التّعبير عن آرائهم مطلقا وطلب العفو, كتابيّا, عن نيّتهم في التّظاهر سلميّا!!! ( من أوكد شروط استمرار الأنظمة الافتراضية مدى الحياة, الكشف عن نوايا المواطنين ومصادرتها فورا !!!).
طمأنني, بل شجّعني, رئيس التّحرير لئلاّ أتردّد في القيام بتحقيقات ميدانية عن العاطلين المنثورين في المقاهي, والمتسوّلين المبعثرين في المنعطفات والأزقّة, واللّصوص المترصّدين لفرائسهم في وسائل النّقل العمومي... بل نبّهني إلى إمكانيّة إجراء حوار مع فتيات الأرصفة ليتحدّثن عن تجاربهنّ ومغامراتهنّ في الملاهي اللّيليّة وتحت أشجار الطّرقات السّريعة... أو فوق سطوح البنايات المظلمة...
بعد أن أعلمني رئيس التّحريرـ إعلاما افتراضيّا ـ بكلّ ما أسلفت ذكره ( وما نسيه الرّاوي أو تعمّد نسيانه ربّما),تبدّدت هواجسي وتماسكت في ارتباكي الّذي كان يطوّقني. نهضت ومددت كفّي للسيّد رئيس التّحرير مهنّئا إيّاه على جرأته وشجاعته في الدّفاع عن حرّية التّعبير عن الرّأي واحتضان الأقلام الحرّة, والأفكار الحرّة والحرّية الحرّة... صافحته بحرارة أسطوريّة, حتّى أنّي لم أخجل عندما استدرت خلف مكتبه من الجهة اليسرى واتّجهت نحوه أقبّل جبينه بحرارة مضاعفة, وتلقائيّة لم أعهدها في نفسي من قبل.
لم أصدّق عينيّ وهما تشرئبّان نحو ذراعيه القويّتين, أراهما ينفتحان على إتساعهما ويضمّان صدري النّحيل إلى ربطة عنقه المتدلّية فوق بطنه المنتفخة, حتّى خلت نفسي سألجه من الأمام أو ستبتلعني أمعاؤه!!! ولم أصدّق حروفه القويّة المتناثرة مع بصاقه اللّزج تنسكب كالضوء في ثقب أذني اليمنى عندما قال لي" أنت الصّحفي الّذي تحتاجه جريدتنا, وتفتقده صحافتنا." حتّى خيّل إليّ ـ ونحن متعانقان هكذا ـ أنّنا سننخرط في نوبة بكاء فرحا بلقائنا, وكأنّنا عاشقان فكّا أزرار خجلهما وباحا بعشقهما شعرا ومجازا فوق صخرة سكّريّة دغدغت حبيباتها أمواج بحر شتوي...
عدّل ربطة عنقه الحمراء, عندما رنّ جرس الهاتف من فوق مكتبه العريض. تركه يرنّ طويلا, إلى أن استويت أنا في مقعدي قبالته ـ أين كنت أجلس ـ وانشغلت بمحفظتي الجلديّة أقلّب محتوياتها بشكل عشوائي لأتركه يحادث مخاطبه, ولم أتفطّن لانقطاع الرّنين و لا إلى الحركة السّريعة والمرتبكة لأصابع رئيس التّحرير فوق أزرار جهاز الحاسوب المنتصب حذوه.
رفعت بصري من أمام المحفظة المفتوحة وقلت له وأنا ألاحق الحروف المتطايرة من حلقي:
ـ مقالتي افتراضيّة لم أكتبها على ورق أبيض.
التقط كلمتي ورق أبيض من صوتي وقال:
ـ طبعا. طبعا, فجريدتنا افتراضيّة لا ترقن على الورق الأبيض.
صمت قليلا, وهو يتفرّس تبدّل ملامحي, وأضاف:
ـ بما أنّ قرّاءنا افتراضيين, فإنّ جريدتنا افتراضيّة ولا تقبل إلاّ المقالات الافتراضيّة.
لمح بريقا في عينيّ, فابتسم نصف ابتسامة كشفت بياض أسنانه, وأضاف:
ـ ولحسن حظّك أنّ مقالتك تخضع لمقاييس النّشر لدينا.
اتّسعت عينيّ أكثر حتّى لمحت بريقهما منعكسا كأشعّة شمس هذا الصّباح في عيني رئيس التّحرير, وكدت أن أعاود الرّكض خلف مكتبه, لكن لم أشعر كيف خفت بريقهما فجأة وانقبض قلبي بمجرّد أن سمعت وقع خطوات قويّة قادمة من الرّواق المفضي مباشرة إلى المكتب الّذي نحن فيه. خطوات واثقة وحاسمة, تقترب نحونا بسرعة.
حاولت أن أهدّئ من روعي باستئناف الكلام مع رئيس التّحرير, غير أنّي بمجرّد أن رفعت بصري نحوه لم ألمح لا وجهه الّذي كان مشرقا منذ ثوان, ولا ربطة عنقه المتدلّية فوق بطنه. فقط تراءت لي أصابعه الخشنة تمسك بطرفي جريدة كبيرة. أكبر من وجهه وبطنه, جريدة ورقيّة كتب أعلى صفحتها من جهة اليسار باللّون الأحمر "حرّية".
خطوات الأقدام أسقطت قلبي وسط أمعائي لهول وقعها الّذي صار كالطّبل يدقّ داخل ثقبي أذنيّ, وبعدها لم أتذكّر ما الّذي حدث.
تعالت أصوات محرّكات السّيارات والحافلات في الخارج, خارج غرفته. تقلّب فوق فراشه أكثر من ساعة تقريبا إلى أن رنّ جرس المنبّه المركون فوق المنضدة المحاذية.(جرس المنبّه صار يذكّره دائماـ على ما أذكرـ بهاتف رئيس التّحرير فيما بعد.). رنّ المنبّه في السّاعة السّابعة إلاّ عشرين دقيقة تماما. مدّ ذراعه من تحت اللّحاف وأسكت الجرس المصرّ على الرّنين, وبحركة آليّة شغّل قارئ الاسطوانات ليستقبل صوت فيروز يتسلّل إلى مسّام جسده ككلّ صباح.
انزلق رأسه تحت العباءة, ومعه صوت فيروز ليمضي العشرين دقيقة الفاصلة عن السّاعة السّابعة, محاولا كعادته دائما كلّ صباح, أن يمتصّ رغبته في الاستغراق في النّوم وطرد الكسل عن مفاصله المرتخية. لم تمض ثلاث دقائق تقريبا حتّى ألف نفسه محاطا بأكثر من عشرة أشخاص جلسوا كلّهم أمام أجهزة حواسيب ذات شاشات مسطّحة, داخل قاعة فسيحة قسّمت مساحتها بحواجز من البلّور الرّمادي اللّون, بلّور سميك يرتفع بين الحاسوب و الآخر, وكان يجلس حذو بابها رجل وسيم بملابس أنيقة, مرتّبة بعناية تنمّ عن ذوق رفيع, كان يملي ـ على ما يبدو - جملة أوامر من جذاذة حمراء بين يديه (عثر الرّاوي على نسخة منها في وقت لاحق وقد شحبت حمرتها واهترأت حواشيها.).
كانوا كلّهم يضعون آلات صغيرة, بحجم حبّة القمح, داخل آذانهم, تربطها أسلاك ذهبيّة بأجهزة الحواسيب المنتصبة أمامهم. كانوا يستقبلون بتلك الآلات أوامر الرّجل الأنيق, الّذي اختلط صوته مع صوت فيروز.
عندما أرهف السّمع, التقط جمل الرّجل الّتي تندفع من حلقه واضحة وحازمة. وقال:
ـ علينا أن نجعله أعجوبة لا تنسى, ليكون عبرة لمن يجرؤ على عرشنا ومملكتنا, ولهذا سنفصل, أوّلا, رأسه عن جثّته ونستبدله بمحرّك البحث "غوغل" أو"عجيب". ثمّ سنمزّق المتبقّي من جسده, في مرحلة ثانية, ونوزّع أعضاءه على مختلف المواقع الالكترونيّة الّتي أحدثناها.
صمت قليلا مركّزا بصره على الرّجال المتراقصة أصابعهم فوق أزرار الحواسيب, ثمّ استأنف كلامه:
ـ ولئلاّ نسيء إلى صورتنا, فإنّنا سنتركه ينشر مقالته الافتراضيّة تلك في أكثر من جريدة ومجلّة دون تتبّعه, وخاصّة خارج حدود مملكتنا, لنبرهن أنّنا فعلا نؤمن بحرّية الصّحافة وندافع عن القيم الأساسيّة لمجتمع المعلومات.
حوالي السّاعة الثّامنة إلا ّعشر دقائق صباحا, كان يحتسي قهوته مع زميل له داخل مشربة الشّركة الّتي يشتغل بها تقني إعلاميّة. تردّد قليلا ثمّ اقترب منه أكثر وأخفض صوته (وهنا قطع الرّاوي أنفاسه وأطرق السّمع قليلا ليلمّ بتلابيب الحكاية الّتي رواها لزميله)... أخفض صوته ودسّ له في إحدى أذنيه كلاما مرتبكا التقط الرّاوي منه هذه الجملة اليتيمة :" كلّ شيء يمكننا أن نصيّره واقعا افتراضيّا ما عدا صوت فيروز ووقع أقدام الجنود".


٭ إشارة أخيرة
إعلان افتراضي
لكلّ قارئ أن يضيف ما شاء إلى مسودّة هذه القصّة
ويرسل إضافته إلى عنوان الجريدة الافتراضي التّالي:
Iftaredhe @ yahoo.fr

قصة قصيرة

خطوة القط الأسود ٭

عندما انتهت معزوفة «خطوة القط الأسود» عن السريان الهادئ في الأرجاء الدافئة، كان قد نهض وتقدم بخطوات واثقة من المدرج المفضي إلى الأسفل. اعترضه النادل وهو يحمل بين يديه دلوا نحاسيا مملوءا بمكعبات الثلج، فلم يترك له فرصة ليثنيه عن إسقاط وجهه وسط الدلو وترك وجنتيه وأرنبة أنفه تتمسح بلذة فوق المكعبات الباردة ذات الأطراف الحادة مثل قطع البلور. عندما رفع رأسه امتلأ فمه بمكعبين من الثلج كانا قد عقدا لسانه برودة ولذة عن أي كلام. همهم بكلمات غير مفهومة، دفعها دفعا عسيرا من فرط طراوة الثلج وليونته، ثم ترك قدميه تنزلقان بحنو فوق الدرجات الرخامية المفضية إلى الأسفل.
عندما انتهت معزوفة «خطوة القط الأسود» عن السريان الهادئ في الأرجاء الدافئة، كان قد مزق بعضا من أوراق الكتاب الضخم الذي لم يفارق نظره منذ أن جلس إلى طاولته المحاذية للمدرج المفضي إلى الأسفل ذي الخمس درجات. كان الكتاب رواية للكولومبي غابريال غارثيا ماركيز، وكان يحمل عنوان «أن تعيش لتحكي». لم يكن رواية خيالية، بل هو السيرة الذاتية لماركيز. مزق بعضا من أوراقه وشرع يلف في كل ورقة نوعا من السَُلَطَات التي طرحها النادل أمامه مع أول زجاجة نبيذ طلبها قبل ثلاث ساعة تقريبا. لف بقايا السلطات ودسها داخل جيب سترته السوداء بعد أن ألقى الكتاب الممزق وسط سلة الفضلات التي يمر بها النادل بين الفينة والأخرى. ضحك بأدب واضح عندما لاحظ دهشة النادل الممسك بسلة الفضلات من حركته الغريبة. قال له بنبرة هادئة ورصينة، أن متعته الحقيقية هي عندما يلقي بالكتاب الذي يقرؤه في سلة فضلات أو وسط بالوعة مياه قذرة، أو في مصب نفايات عمومي، وأنه يفعل ذلك حتى لو تطلب منه الأمر أن يمشي عدة كيلومترات بحثا عن مصب نفايات مفتوح. انصرف النادل بضحكته وسلته، وظل هو بنصف ابتسامة اجتهد أن تأخذ صبغة أرستقراطية. ضحك وهو يتذكر تلك العقوبة التي حرمته من استعارة الكتب من مكتبة الكلية طيلة مدة دراسته، والتي مُني بها لما اكتشف عميد الكلية مجلد «الرسائل الأدبية» للجاحظ يسد تلك البالوعة القذرة المسدودة أصلا خلف قسم العربية. أقيم حينذاك مجلس تأديب لا يزال يتحدث عنه الطلبة إلى الآن، وأستدعي هو ليدلي بأقواله بشأن التهمة الموجهة إليه والمتمثلة في إلقاء مجلد الجاحظ وسط بالوعة القاذورات. أجاب وقتها أمام المجلس الجامعي بأنه ألقى المجلد وسط البالوعة لارتباكه من حشود الطلبة القادمة نحوه في مسيرة ضخمة، ولأنه خاف أن يعنفوه لأنه لم يشاركهم هتافاتهم.
عندما انصرف النادل حاملا السلة، وقد تغطى غلاف الكتاب الأنيق ببقايا القواقع والصٌدف الفارغة، وبالهياكل الشوكية للأسماك التي استقرت في بطون الزبائن، ومأخوذا بدهشته، كان هو واقفا أمام المدرج المفضي إلى الأسفل وجيب سترته ينز بقطرات الزيت مثل مزاريب السطوح التي تغمرها مياه الأمطار المفاجئة. ظلت قطرات الزيت تلتمع فوق الدرجات الرخامية التي خلفها وراءه.
عندما كانت معزوفة «خطوة القط الأسود» تبعث في الأرجاء مسحة من الشرود على كل الوجوه المتناثرة وسط المكان، كان هو ملكا في مملكته ذات الغطاء الأحمر. كان ملكا وهو يرفع كؤوس النبيذ بطريقة رفيعة ورشيقة تنم عن أصله الأرستقراطي. كانت الطاولة ذات الغطاء الأحمر بما حملت من أطباق وملاعق فضية وبمطفأتها المصنوعة من العاج الإفريقي الأصيل وبمزهريتها المصنوعة من الكريستال الخالص التي ترتشق وسط عنقها وردة حمراء هي مملكته، وكان هو ملكا أمامها يشرب نخب مُلكه ويطالع سيرة غابريال غارثيا ماركيز. كان منفردا بملكه، لا أحد يقاسمه فيه. طاولة واحدة وكرسي واحد. لا منافس ولا معارض ولا حاسد. وحده ذاك الجندي الثابت فوق حصانه يقابله ولا يتكلم. انه تمثال من البرنز الخالص، منحوت بصورة جد متقنة، حتى أنه خمن أن يكون الجندي يرتدي جوربين من القطن المبطن تحت حذائه المتدلي على جانبي بطن الحصان. لم يشغله كثيرا تمثال الجندي المنتصب أمامه ، لأنه كان يترصد أيا كان صاعدا من المدرج المفضي إلى الأسفل ليرفع الكأس بذات الحركة الرشيقة والرفيعة ويسكب ما فيه داخل جوفه، وعندما يكون المدرج خاليا من وقع الخطوات الصاعدة، كان يلتهم السَُلَطَات بنهم ويتوقف عن شرب النبيذ، فقط كان عندما يلمح ظل شخص ما قادما من الأسفل يستعد للحظة الحاسمة. لشرب النبيذ بذات الطريقة الأرستقراطية، رغم أنه كان مقتنعا تمام الاقتناع أن الشرب هو الشرب أيَُا كان شاربه، لولا هذه البشرية الحمقاء التي جعلت من هذه المتعة الحياتية مقسمة تقسيما طبقيا، واخترعت لها طقوسا مخصوصة وآداب بعينها تميز الشاربين عن بعضهم البعض... (الجاحظ واحد ممن كتبوا حول هذه الآداب والطقوس المخصوصة في رسائله الأدبية)...
عندما انتهت معزوفة «خطوة القط الأسود» عن السريان الهادئ في الأرجاء الدافئة، كان قد وضع آخر متعلقاته داخل جيب سترته بعد أن ترك قليلا من النبيذ في القارورة الرابعة التي طلبها قبل ساعة تقريبا حسب ما تقتضيه آداب الشرب في الأوساط الأرستقراطية. عَدَُلَ نظارته. وضع هاتفه وعلبة سجائره والولاعة. لم يستطع أن يترك المطفأة العاجية التي أعجبته منذ جلس إلى طاولته. دسها مع علبة السجائر في جيب سترته الداخلي، ورغم أنه ظفر بالمطفأة العاجية إلا أن حسرته على المزهرية الكريستالية ظلت تنخر أصابعه لئلا تتراجع عن قطفها بوردتها الحمراء. لم يترك أي شيء فوق الطاولة ذات الغطاء الأحمر. حمل كل شيء ووقف أمام المدرج المفضي إلى الأسفل وهو ينظر إلى ساعته اليدوية بعين ويتابع بالعين الثانية حركة النادل.
عندما انتهت معزوفة «خطوة القط الأسود» عن السريان الهادئ في الأرجاء الدافئة، بعد أن كرَُرت لازمتها الوترية للمرة الخامسة، كان قد استنفذ كل الحيل الممكنة للهرب من الحانة الأرستقراطية دون أن يدفع حساب ما ألقاه داخل جوفه، وباءت بالفشل كل مخططاته في النفاذ ببطنه الممتلئة من قبضة نادل تلك الحانة الأرستقراطية، ولم يتوقع أبدا أن يطلب منه زجاجة نبيذ خامسة في تلك الساعة المتأخرة، ومعها كأس جديد مثلما تقتضي ذلك الطقوس الأرستقراطية.

(*) معزوفة موسيقية للتونسي أنور ابراهم

قصة قصيرة

كأني أشبه ظلكم

إذا رأينا شرطيا يقود مجرما إلى السجن
فلنتريث لكي نعرف من هو الشرطي ومن هو المجرم
جبران خليل جبران


عاد هيثم إلى الهذيان من جديد
كان صوته يأتي من بعيد, من أعماقه, وهو يصيح وينادي دون توقف " كل شيء بخمسمايا. فرصة وربي فرصة". عندما ركله الشرطي بحذائه ركلتين متتاليتين بعنف على بطنه استفاق مذعورا وتذكر أنه موقوف منذ ساعتين في مركز الشرطة. تماسك قليلا. استوى على الكرسي الخشبي, وبدأت أنفاسه تنتظم شيئا فشيئا وعندما رفع يديه ليمسح العرق المتصبب من جبينه, أحس بسائل ساخن متخثر تحت أذنه اليسرى. مرر أصابعه بحذر فوق السائل المنساب على عنقه فاختلط الدم المتخثر بالعرق وببعض الأوساخ المتجمعة فوقها من جراء الغبار الذي أحدثته عجلات السيارات وأرجل المارة أين كان يعرض بضاعته فوق " كردونة " في نهج الدباغين.
تذكر البضاعة. أين هي ؟ وتذكر الأموال التي استدانتها أمه من صاحب المصنع الكبير, الذي تشتغل في بيته غسالة, من أين سيرجعها ؟ وهو الذي وعد أمه أنه سيأتيها في المساء بالسلفة ومعها بعض الخضار والدواء لعينها, الذي انتهى منذ شهر وأيضا سيعطيها ثمن قارورة الغاز مثلما اتفق معها ليلة البارحة.
عندما كان يتذكر ما حصل له قبل ساعتين حينما هجمت سيارة "الحاكم" الزرقاء على الباعة المنتصبين شمالا ويمينا فوق الأرصفة المهترئة في نهج الدباغين, وفرقتهم يمينا وشمالا وهم يهرولون ويركضون باتجاه الأزقة والمنافذ ويختبئون داخل الدكاكين والمقاهي, بعضهم يحضن ما تبقى معه من بضاعته التي تبعثرت وسط النهج, والبعض الآخر يحمل "كردونته" بكلتا يديه ويحاذر في الجري بها وسط الجموع المتراكضة, خوفا من سقوطها, وآخرون لم يحملوا شيئا لشدة رعبهم وذهولهم من الطريقة المباغتة لهجمة الحاكم.
كان لفيف منهم يتتبع حركة صديقهم هيثم وهو يتهاوى على مؤخرة رأسه ويسقط فوق بضاعته التي تكسرت تحته وتحت أحذية رجال "الحاكم". كان البعض ينظر إلى المشهد وهو يلعن الحاكم وأبو الحاكم. وكان البعض الآخر ينظر باشمئزاز وقرف شديدين لقسوة هؤلاء "البشر". وهناك في الركن القصي لمقهى الدباغين تسمر صبيان يتداولان على عقب سيجارة وهما ينظران بشماتة لما يحدث لصديقهم هيثم لأنه سبقهم إلى المكان الذي رغبا الانتصاب به صباحا.
عندما كان يتذكر كل هذه المشاهد فاجأه صوت الشرطي الجالس فوق الطاولة وهو يضع ساقيه فوق الكرسي المحاذي لها. سأله بصوت غليظ من أين أتيت بالبضاعة يا ابن الزانية ؟
قفزت مباشرة إلى ذهن هيثم صورة أمه وهي جاثمة على ركبتيها, محنية الظهر , وسط فيلا الحاج إسماعيل, تمسح القاعة الفسيحة تارة وطورا تحك الجدران العالية. تذكر حالتها هذه وأجاب متلعثما بصوت مبحاح لكثرة صياحه في نهج الدباغين
اشتريت البضاعة بعرق أمي. بصبرها وشقائها وقلة نظرها. لقد باعت قوتها, كل قوتها, من أجل أن أشتري البضاعة
رفع الشرطي إحدى ساقيه من على الكرسي وضغط بها على بطن الصبي الفارغة ثم أمسكه بكلتا يديه من شعره الملبد وصاح في وجهه فتناثر بصاقه على عيني هيثم وأنفه قلت لك من أين أتيت بالبضاعة يا سارق يا ابن السارقة ؟
أنا لم أسرق أحدا. أنا لست سارقا, لقد اشتريت البضاعة من عند... من عند...
تلعثم هيثم ثانية وارتبك ثم صمت تماما وأغمض عينيه. نزل الشرطي البدين من فوق الطاولة واتجه صوب الباب. أغلقه بعنف ثم عاد إلى هيثم وصفعه صفعتين قويتين وبصق في وجهه الشاحب ملئ فمه.
_ من عند من ؟ انطق و إلا سأقطع لك هذا اللسان. وأمسكه من شدقيه بشدة ثم دفعه إلى الخلف بعنف.
كان هيثم كثيرا ما يسمع من عند أصدقائه الباعة في نهج الدباغين, عن غلظة "رجال الحاكم" وقسوتهم ووحشية معاملتهم. كما حدثه بذلك رفيقه الطالب سامي الذي تعرف عليه أيضا في نفس النهج, حيث كان يأتي كل يومين تقريبا رفقة بعض الطلبة, من كليات مختلفة أين يجلسون الساعات الطوال في مقهى النهج, وقد تطورت علاقة هيثم بسامي خاصة بعدما قدم الصبي ذات مرة للطالب نظارات شمسية دون مقابل لما اشترى من عنده ولاعة وعلبة سجائر مستوردة (مندية) وأجندة وحاملة مفاتيح وحافظة أوراق دفعة واحدة, فكان كل مرة يمر بالدباغين يعرج على نصبة هيثم وفي بعض الأحيان عندما يكون مفلسا يستلف من عنده ثمن كأس شاي أو ثمن بعض السجائر, ثم بدأ يعطيه كل مرة كتابا يقرأه أو مجلة يطالعها, عادة ما تكون سياسية أو أدبية, ثم بدأ يصطحبه بانتظام مرة كل أسبوع إلى بيته بباب الخضراء, حيث يطلعه على عدة كتيبات وصحف لم يسمع بها من قبل وأوراق... و كانت في بادئ الأمر تخيف الصبي ثم بدأ يتعود عليها فيما بعد لإحساسه أنها تتحدث عنه هو بالذات وعن أصدقائه الباعة بل وحتى عن أمه وأمثالها دون نفاق أو كذب, حتى أنه أصبح ينتظر بلهفة وبشغف كبيرين يوم يرافق سامي إلى بيته لعلمه أن هناك خبرا جديدا أو فضيحة أخرى سيطلع عليها.
ويذكر هيثم أن سامي سلمه مرة كراسا صغير الحجم من دون عنوان وقال له أن ذاك الكراس سيعلمه كيف يتعامل مع أسئلة "الحاكم" وكيف يحسن الجواب حين يقع في قبضتهم. ولكن هيثم في وضعه هذا, والدم ينزف منه ويختلط بالعرق والدموع والمخاط, كيف له أن يستحضر تلك القواعد التي قرأها ؟وهل فعلا ستنقذه من هذا الموقف ومن هذا الوضع المزري ؟ ألن تزيد الأمر سوءا وتعقيدا ؟ألن يتفطن الشرطي إلى طريقة إجابته ويشك في أمره فيضاعف عقابه ويضع رفيقه في ورطة ؟.
ماذا سأفعل ؟ كيف سأجيب هذا البدين, عديم الشفقة والرحمة ؟ ولكن ماذا لو قلت له الحقيقة كاملة, هل سيصدقني ويطلق سراحي ويعيد لي بضاعتي ؟ ... لا. لا تهم البضاعة, المهم سراحي قبل أن ينزل الليل وأتأخر عن أمي... لا يهم ثمن البضاعة, المهم سراحي, ستتوسل أمي للحاج إسماعيل لكي يخصم لها السلفة من مرتبها البائس, أو ستقترح عليه أن تشتغل عند ابنته في الليل بعد أن تنهي شغلها في الفيلا الكبيرة, لا يهم ستتعب أكثر ويزداد ظهرها تقوسا وستهترئ أصابعها من رغوة الصابون... لا يهم سوف أعوضها عن كل شقاء ومهانة تلحقها مني ومن هذه الأيام الزانية... سأتدبر أمري ثانية... سأستلف وحدي من عند سامي أو من عند أحد الأصدقاء من نهج الدباغين أشتري لها الدواء والخضار وقارورة الغاز وسأشتري لها أيضا قرطاس حنة لتزين بها أصابع قدميها ويديها. أعرفها إنها تحب الحناء كثيرا. إنها تذكرها بليالي الحب الخضراء مع أبي رحمة الله عليه...
لا يهم الثمن الآن, المهم سراحي وعودتي إلى بيتي.
أشعل الشرطي سيجارة جديدة ونفث دخانها نحو السقف, ملقيا عود الثقاب المشتعل في وجه الصبي, وصرخ فيه بأعلى صوته
_ من عند من اشتريت البضاعة يا قذر ؟.
وضع هيثم يده على رقبته المتسخة وكاد يقول للشرطي أنا لست قذرا. أنت القذر, بل أنت خنزير متعفن ولكنه تمتم بصوت خفيض متقطع
الحقيقة. الحقيقة اشتريتها من عند شرطي يشتغل في الميناء , وهو يسكن قريبا من حينا, تعرفت عليه مرة عندما أعنته على إغلاق باب المستودع الذي اكتراه من عند عم سالم منذ سبعة أشهر ليضع فيه بعض الأدباش المستعملة والأشياء القديمة مثلما قال.
عقد الشرطي حاجبيه وزم شفتيه وبدا, لهيثم, وكأنه يبتسم خلسة ثم أدار كرسيه إلى الحائط ربما ليستر ضحكته أو لينتشي بها بعيدا عن عينيه. زم شفتيه وقال له وهو لا يزال يدير ظهره إلى الحائط
عم سالم شنيب جزار حي السلام الذي يبيع لحم الحصان والحمير ؟ ثم ضحك هذه المرة بصوت مسموع.
ارتبك هيثم وتلعثم وهو يتذكر عم سالم الجزار وشنبه الطويل المفتول بدقة وبطنه المنتفخة تحت قميصه المبقع بالدم والمزرر حتى نصفه الفوقي دائما, صيفا وشتاءا, وتذكر أيضا صبيحة, تلك المرأة المطلقة... صبيحة التي كان لا يمارس عادته السرية إلا وهو يستحضر صورة مؤخرتها الرجراجة ونهديها المنتصبين دائما رغم تقدمها في السن... صبيحة التي كانت تشتري اللحم من عند الجزار أكثر من الأستاذ خالد مدرس العربية بمعهد الحي ورغم أن هذا الأخير يقدم دروس تدارك لأبناء الميسورين في بيوتهم ليلا وأيام الآحاد وفي العطل, فإن صبيحة المطلقة تشتري اللحم أكثر منه. لقد كانت كثيرة الضحك مع عم سالم ويبدو أنها كانت سخية عليه بلحمها الأبيض مثلما هو سخي معها باللحم الأحمر, لحم الحمير والأحصنة.
تذكر هيثم الجزار وبدا و كأنه يسأل نفسه : من أين يعرف هذا الشرطي ذو النجمتين عم سالم ؟ أهو من زبائنه ؟ أم تراه أمسكه سابقا متلبسا مع صبيحة ؟ هل يعرف شرطي الميناء ؟...
قطع الشرطي سيل الأسئلة المتدفق داخل رأس هيثم وقال له بنبرة هادئة
هل تدخن يا سار... ؟
ثم أردفه بسؤال ثان
ما اسمك ؟
أجابه هيثم بسرعة عن اسمه ونسي بنفس السرعة استغرابه ودهشته من تبدل لهجة الشرطي, بمجرد أن سمعه يسأله عن الدخان
أعاد السؤال
هل تدخن يا سي هيثم ؟
لم ينتظر إجابته وإنما قدم له سيجارة ومده بمنديل ورقي ليجفف به العرق ويمسح عن عنقه الدم ومن وجهه بقايا البصاق المختلطة بالدموع والمخاط.
التقط هيثم السيجارة بلهفة قبل أيأخذ المنديل. أشعلها بارتباك وسحب منها نفسا عميقا وطويلا, ثم زاد نفسا ثانيا وثالثا بنفس الشراهة وكأنه يعوض الساعتين اللتين ظل فيهما موثوق اليدين في مركز الشرطة.
تركه الشرطي يدخن قليلا ثم سأله بعد أن قام من كرسيه المقابل
اسمع يا هيثم انس الآن كل ما حدث لك في المركز ولا تهتم لأمر البضاعة التي تكسرت فسوف تعوض عنها بضعفها, فقط كن متعاونا معي ولا تخف مني فلن أضربك ثانية.
وضع علبة السجائر فوق الطاولة بعد أن سحب واحدة وأشعلها ثم قال
أمك تبيع قوة عملها لتشتري أنت البضاعة. جيد. كلام جميل بل كلام علمي ولكن هل تبيع قوة عملها أم قوة مؤخرتها
ود هيثم لو كانت في يده الآن عصا غليظة ليدكها في مؤخرة هذا الخنزير النتنة.
واصل الشرطي سؤاله
هل تعرف من قال أن العامل يبيع قوة عمله ؟
قفزت إلى مخيلة الصبي فورا صورة كارل ماركس وصورة لينين المعلقتين في بيت رفيقه سامي بباب الخضراء ومرت أمام عينيه عدة عناوين لكتب اقتصاد واقتصاد سياسي كان قد قرأها في بيت سامي وناقشاها سوية, ولكنه لم يكن مستعدا للإجابة عن سؤال الشرطي, بل إنه لن يكون مهيأ أبدا مهيئا للإجابة عن مثل هذه الأسئلة لأي كان, لا الآن ولا غير الآن. إنه لن يخون رفيقه حتى لو قتله الشرطي وكل "الحاكم" ضربا ولطما وركلا... حتى لو فتحوا له رأسه الصغير... واتلفوا كل بضاعته وحتى لو قدم له الشرطي علبة السجائر كاملة وعوضه عن بضاعته بأضعافها فلن يخون "الروح الرفاقية" التي جمعته بسامي وباقي الرفاق الذين عرفهم في باب الخضراء وفي مقهى الدباغين وفي أماكن مختلفة.
أموت ولا أنطق بحرف واحد. نطقها في سره وخرس.
طال صمته وذابت السيجارة من دون أن ينتبه إليها إلا عندما أحرقت طرفي إصبعيه, حينها تفطن للشرطي القابع أمامه فخرج من مخيلته التي أخذته إلى أزقة باب الخضراء ليعود إلى مخفر الشرطة.
رفس عقب السيجارة المحترق تحت حذائه وتجرأ وطلب سيجارة ثانية.
بعد أن أشعلها والتهم منها نفسين متتاليين قال متلعثما
_ صدقني سيدي أنا لا أعرف شيئا, لا عامل ولا قوة عمل, فقط أعرف أن "كل شيء بخمسميا" وأعرف أن أمي تنتظرني الآن وتنتظر الدواء لعينيها وأموال السلفة وبعض الخضار وثمن قارورة الغاز إن أمكن ذلك. صدقني سيدي هذا كل ما أعلمه. والله هذه هي الحقيقة.
وبدا وكأنه سينتحب.
طيب. حسنا.
أردف الشرطي ذي النجمتين ثم صمت قليلا وكأنه يرتب أفكاره. قام من فوق كرسيه المقابل لهيثم وأخذ علبة السجائر. فتحها ببطء وأشعل سيجارة ثم استدار من خلف الصبي وعاد إلى كرسيه وراء الطاولة, وشرع يتكلم وكأنه يواصل حديثا سابقا وكان هذه المرة يركز نظراته الحادة إلى عيني الصبي الصغير
اسمعني جيدا يا هيثم, دعنا الآن من قوة العمل وكارل ماركس ودعنا من نهب البروليتاريا واضطهادها واحتكارات البرجوازية وجشعها وانس أنك متهم بالبيع الموازي والانتصاب العشوائي من دون رخصة.
صمت قليلا. سحب من سيجارته أنفاسا متتالية ثم واصل كلامه
ما دمت تعرف قوة العمل فالأكيد أنك تعرف عقوبة مخالفتك وتعرف أنك ستسجن على الأقل ستة أشهر وتدفع خطية مالية ضعف قيمة بضاعتك وتعرف أيضا أننا سنحجزها هنا عندنا وسنقتسمها فيما بيننا
احجزوا البضاعة يا سيدي واتركني أعود إلى أمي
نطق هيثم الجملة الأخيرة وكأنه يتوسل الشرطي القابع أمامه, وتقافزت إلى مخيلته صور السيارات الفارهة والفيلات العالية وسط الحدائق الشاسعة وتخيل مالكيها رائحين غادين بين الطباخ والجنان والسائق والحارس الشخصي والليلي والمنظفة و... أليسوا هم الذين يجب أن يحجز سمومهم المستوردة ؟ أليسوا هم الذين يجب أن يحاكمهم لما اقترفوه في حق بلاد كاملة ؟...
قطع الشرطي شرود هيثم قائلا
اسمع جيدا يا هيثم ستأخذ كل بضاعتك وتعود إلى حضن أمك قبل مجيء الليل, بل سنمنحك مع بضاعتك رخصة للانتصاب والبيع بنهج الدباغين ومعها أيضا مبلغا محترما من المال لتقتني بها بضاعة أخرى وتوسع نصبتك وتجارتك. فقط كن متعاونا معنا.
صمت قليلا ثم أضاف
نريدك أن تأتينا فقط بأخبار رفيقك سامي لا أكثر ولا أقل

أفكار متقاطعة 19

في غرفة الإنعاش

تنتهي فعاليات الدورة العشرين لأيّام قرطاج السّينمائيّة اليوم نوفمبر ، ولن يختلف اثنان على أن هذه الأيام الثّقافيّة المشهديّة صارت تمثّل الفرصة الوحيدة ـ تقريبا ـ التي ماتزال تراهن عليها دُور السّينما لتنقذها من التّحوّل إلى محلاّت لبيع «الكفتاجي» أو»الفريكاسي» أو لتكديس «بالات الفريب» !!!
وهي التي امتهنتها فعلا أغلب الدُور بما تـطرحه على روّادها طيلة السنة من أفلام قديمة ومستهلكة في محاولة فاشلة لجلـب الجمهور السينمائي، الذي ولّى وجهته إمّـا نحو الفضائيّات المختصّـة وإمّـا نحو أجهزة الكومبيوتر التي تواكب فعليّـا أحدث الأفلام وذلك بفضل عمليّة «القرصنة» التي يمارسهـا أصحاب محلاّت «نحت الأقراص» (gravure cd) ويروّجونها بأقل من نصف ثمن تذكرة دخول لأحدى قاعات السينما، ويكفي أن نذكر ملايين النسخ لفيلم «آلام المسيح» أو فيلم «شيفرة دافنشي» التي بيعت عن طريق القرصنة قبل أن يدخلا القاعات!!! وقس على ذلك كل الأفلام ذات القيمة، الغربيّة منها والعربيّة.
هذه الظاهرة ساهمت بقدر كبير في ايصال دُور السّينما إلى حالة احتضار حقيقيّة لأغلب القاعات المنتشرة بالعاصمة وبالمدن الداخليّة، بل وتسبّبت في افلاس العديد منها... طبعا إلى جانب طبيعة توجّهات أصحاب القاعات التي تقوم في أغلبها على أفق تجاري مغلّف في ظاهره بتوجّه ثقافي سينمائي، وهو ما يتجلّى في نوعيّة الأفلام المعروضة وحتى في طبيعة المعلّقات الخاصة بالإشهار... هذه المعلقات التي تنهضُ أساسا على الإبتزاز العاطفي ومحاصرة الرّغبة ـ فقط ـ لدى المتقبّل/المشاهد من قبل المُوزّع /الباث، الذي يختار صورا «إيروتيكيّة» لجلب أكثر عدد ممكن من المشاهدين... وهذا طبعا على حساب القيمة الفنيّة والفكريّة للفيلم المعروض !!! وكأنّ السينما ـ في تونس ـ لا تستقيم إلا بالعراء والجنس المبتذل ؟!
هذا الإعتداء الرّمزي المتقاطع بين طرفين لا دخل لهما بالسينما وبالفكر والثقافة عموما، إلا بما اكتنزت به جيوبهما وأرصدتهما البنكيّة، هما اللذان وضعا القاعات على عتبة الإفلاس التجاري والسينمائي، وهما المتسبّبان الرّئيسيّان في تهميش المشاهد التونسي وجعله متأخّرا عن مواكبة الحركة السينمائيّة (باستثناء محبي السينما ومجانينها طبعا).
وَلَكُمْ أن تمرّوا أمام أيّة قاعة سينما داخل العاصمة وفي الدواخل على حد السواء بعد اسبوع واحد من انتهاء ايام قرطاج السينمائية، لتتأكّدوا من فنون الرّداءة والإبتذال التي صارت تطـوّق فضاءات الفن السابع، فإلى جانب المعلّقات الإشهاريّة الإباحيّة، تمتدّ لافتة عريضة مكتوب عليها: «ساعتان من الضّحك المتواصل» (حتّى وان كان فيلما كارتونيّا!!!) هذا طبعا إلى جانب أغاني «المزود» التي تثقب مسامعك عن بعد كيلومتر!!! وإلى جانب كل هذه الفنون يمتد طابور طويل من الفراغ والأشباح أمام شبّاك التّذاكر المغلق أسـاسا!!! فهل هناك ما يميّز قاعات السينما عن البيوت الأخرى !!! وهل مازالت تصحّ عبارة «قاعة سينما» على هذه الأماكن ؟!!
قد يواسيني أحد القُـرّاء ويقول لي مثلا أن ما ذكرته الآن ليس إلاّ مشهدا من مشاهد أحد الأفلام الجديدة التي تصوّر هنا أو هناك... أو يذكّرني مثلا بأن «المواصفات» التي أصبغتها على قاعاتنا لا تختلف عن «مواصفات» قاعات السينما بشارع «بيغال» (rue de pigalle) في قلب باريس (بكل دلالاته وايحاءاته التي تعرفونها)... أو يقول مثلا أنّني أبالغ فيما أكتب وأنّي لا أتقن إلا الكتابة بالحبر الأسود و أنّي لا أحسن المشاهدة إلا بعين واحدة... ولكن هي ذي حقيقة دور السينما فعلا في بلادنا، لاتنهض إلاّ على التّجارة ولا أفق لها أبعد من الرّبح المادي، وهي لهذا السبب بالذّات تعيش حالة احتضار قصوى ستنتهي بها حتما إلى «الموت» والخروج من دائرة الفعل الثقافي البنّاء الذي يضع نصب عينيه وقبل كل حسابات ضيقة مستقبل الثقافة السينمائيّة الوطنيّة، ويسعى جاهدا إلى تجديد تلك التقاليد الفرجويّة الرّاقية التي ميّزت المشاهد التّونسي في فترة الثمانينات خاصّة، عندما كان يدخل قاعة العرض وهو محمّل بالكتب والأفكار والرّؤى لمناقشة القضايا التي يطرحها الفيلم المعروض، والذي يتعامل مع «ظلام «القاعة بكل وعي وإلتزام باعتباره طقسا من طقوس العرض لا فرصة «ولائميّة» !!!.
ولأنّي لا أؤمن شخصيّـا بعرض الظواهر وتحليل تفاصيلها فقط، وإنّما أحاول أن أطرح حلاّ أومخرجـا عمليّـا للمسألة المطروحة، فإنّي لا أتحرّج البتّة من الدعوة إلى إغلاق كل دور السينما بالبلاد ـ على الأقل في هذه الفترة ـ ومحاسبة أصحابها على ما اقترفوه من تجاوزات في حق المُشَاهد أوّلا ، وفي حق السينما التونسيّة والثّقافة الوطنيّة ثانيّا، بل وتغريمهم عن أفعالهم المشينة بهذا القطاع، وبالمقابل ما ضرّ لو نفسح المجال أكثر أمام جامعة السينمائيّين الهواة والنوادي السينمائيّة المبثوثة في الفضاءات الثقافيّة والجمعياتيّة لتشارك كلها بما تمتلكه من رؤى وبرامج سينمائيّة لصالح هذا القطاع، خاصة وأن هذه الجامعة وهذه النوادي لها ما يكفي من طاقة وحماس ورؤىً مختلفة، لتنتشل حركتنا السينمائية من حالة الإنعاش التي يعيشها المُشاهد التونسي مرة كل سنتين، وكأني بنا نعيش في مستشفى كبير مساحته تبلغ كيلومترا، ونحن فيه نُزلاء بقسم الإنعاش أين يزورنا الطبيب مرّة كل سنتين ليضخّ في عروقنا الدماء بصدماته الكهربائية، تماما مثلما تضخ فينا وتصدمنا، (مشهديا لا كهربائيا) أيام قرطاج السينمائية، نفحات فنية جديدة ومُختلفة عن السائد المكرور والمُعاد المجرور مرّة واحدة بعد كل سنتين كاملتين

أفكار متقاطعة 17

غدا 10 ديسمبر

يظل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يوافق تاريخه يوم غد، الأحد 10 ديسمبر، رغم نواياه الحسنة، واقعا ضمن رؤية إيديولوجية أفرزتها طبيعة المرحلة التاريخية التي صدر فيها ()،
إذ ليس لحقوق الإنسان من معنى سوى حق رجل الأعمال الغربي في التسرب إلى كل ركن من أركان العالم للسيطرة على الأسواق والاستحواذ على الثروات واستثمار مواده الأولية وتحقيق الأرباح، وهذا هو جوهر كونية حقوق الإنسان بالمفهوم البرجوازي الإمبريالي، ظاهره إنساني أممي، وباطنه طبقي استعماري.أما اعلان حقوق المواطن في الدول العربية والذي أُقرّْ بقرار مجلس الجامعة عدد 668 بتاريخ 15 ديسمبر 1970 فقد ظل هو الآخر تنظيرا متعاليا ـ ولا يزال ـ عن الممارسة الواقعية، والعوائق تتعدد وتختلف، ويمكن حصرها في أربعة نقاط رئيسية، أولها الحلقات الاستعمارية الضاغطة، بمعنى التبعية العمياء للقوى الاستعمارية الأجنبية، ولا أقصد بهذا ضرورة الاستقواء بالأجنبي، لأن التبعية دائما ما تكون للدوائر الرأسمالية وللكمبرادورات الاقتصادية واللوبيات الاستعمارية في حين أن الاستقواء بالأجنبي هو الالتقاء الحر والواعي بالقوى الديمقراطية والتحررية في العالم من أجل ضمانة أكثر لإنسانية الإنسان.ثاني العوائق، فقدان التجارب الميدانية، بمعنى فقدان الصيغ التي تُطرح كبدائل أو أصول للنظم الديمقراطية، وسببه أن الشرائح التي تصل إلى سدة السلطة في أي قطر من البلاد العربية ، عبر كفاحها التحريري، هي الشرائح الوسطى أو الشرائح البرجوازية الصغيرة وهي بطبيعتها متذبذبة وغير مستقرة إيديولوجيا وسياسيا، ولهذا أسقطت ـ بمجرد نيلها استقلالا صوريا ـ برامجها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية «الإصلاحية» لحساب مصالحها الطبقية وزجت بشعوبها نحو مطبات الفقر والجهل والقمع.ثالث العوائق هو ما يمكن أن نصطلح عليه بضياع العقل العربي بين جاذبية الأصالة/التراث من ناحية وجاذبية الحداثة/العولمة من ناحية ثانية، خاصة على مستوى التأويل الديني وتحليل العلاقات الاجتماعية وإنتاج الرؤى الاستشرافية.وآخر العوائق، وهو أهمها وأخطرها يتمثّل في الكيان الصهيوني وما استنزفه ويستنزفه من طاقات حيوية في مجالي التخطيط والعلاقات الدولية المُحتمل إقامتها بندية مع الطرف الآخر غير العربي.هذا على مستوى ما هو نظري، أما على المستوي التطبيقي الواقعي، فان الأسباب تختلف أيضا وتتعدد، فالبنية الانثروبولوجية للدولة تتسم عموما بطابعها الحصري القائم على الإقصاء، اذ السلطة تحتكرها جماعة محددة بشكل ضيق وهي أسرية، وفي الأعم اقتصادية ( نفطية، تجارية، صناعية، خدماتية...) وهي عموما تُغَيِّبُ دور المؤسسات وتوجه برامجها إن أوجدتها لالتزامات خارجية بطبيعة الحال مثل المنظمات الحقوقية غير الحكومية بصورة خاصة. وهذا الطابع الحصري يمنع أية عملية «ارتقاء» يطرحها من هو خارج إطارها ومنظومتها ولا تقبل به إلا إذا دخل منظومتها ( مثلها مثل نظام الموالي) مما يفضي عمليا إلى دفع هذا الآخر إلى المعارضة القصــوى ( التيارات المتطرفة). أما الحقوق والحريات الغائبة بشكل مفزع، فأهمها حرية الرأي والتعبير عنه شفاهة أو كتابة أو طباعة، وما حرية الرأي المزعومة إلا حرية الموافقة والإجماع المطلقين، وما تطور أجهزة الرقابة لدى مؤسسات الدول العربية أو تحديدا لدى الأحزاب الحاكمة إلا دليل قاطع على الانتهاك الصارخ لهذا الحق الرئيسي.أيضا الحق في التجمع السلمي سواء أكان ذلك في أماكن مغلقة أو في فضاءات مفتوحة، إلا إذا أوحت به أو نظمته السلطات الرسمية، كذلك حق تشكيل النقابات أو الأحزاب السياسية أو الجمعيات غير الحكومية، ولا يخفى على عربي واحد التباين الفاضح بين مقرات الأحزاب المعارضة التي تشبه المحلات التجارية أوالمساكن الشعبية وبين مقرات الأحزاب الحاكمة والتي تشبه النزل الفاخرة وهي المشيدة بأموال الشعب المنهوبة عنوة . ومن أهم الحقوق الغائبة أو المغيبة كليا في المجتمعات العربية هو حق المشاركة في إدارة الحياة العامة، إما مباشرة أو عن طريق ممثلين يختارهم بحرية الرفض والقبول فقط. أما أخطر الحقوق المغيبة فعلا خاصة منذ استفحال النظام الرأسمالي وتنامي آفة الخوصصة فهو حق الشغل ــ حق الحياة، ولا داعي للتذكير بجحافل المعطلين عن الشغل وآلاف المتعاقدين مع الموت والذل في كل المؤسسات والشركات. أعتقد أنّ هناك نقطتان مهمّتان يجب أن نضعهما في الاعتبار دائما وأبدا، الأولى تتمثّل في أنّ الدّفاع عن الحريات يعني القيام بهذا الدفاع في وجه المعتدي الحقيقي وهو لن يكون في معظم الأحيان سوى سلطة الحكم المنصبة من طرف القوى الإمبريالية، والراعية لمصالحها الاقتصادية والحضارية داخل أوطانها، والثانية هي أن نؤمن بأن كفالة الحريات وضمانتها مهمة نضالية مستمرة سواء أكان الحكم ديمقراطيا أو غير ديمقراطي، فمادامت الديمقراطية ليبرالية في عمقها فإننا لن نضمن حقوقا متساوية لكل البشر.

أفكار متقاطعة 15

عــشــتُ لأروي
لم يتسنَ لي أن أعيشَ تلك التجربة الحياتية والوجودية الرهيبة التي ظفرَ بناصيتها الروائي الكولومبي غابريال غارسيا مركيز دون غيره، فكان جديرا بأن يدّونَ ما خزنته ذاكرته وزخرفَهُ خياله في كتاب تخيّر له من العناوين عشتُ لأروي
لم يتسنَ لي ذلك، وطبعًا لن يتسنَّى لحكمة نعلمها جميعًا، ولكني استسغت عنوان سيرته الذاتية «عشت لأروي» لأجعله عتبة لهذه البطاقة الأسبوعية التي توافق أول عدد من الجريدة بعد المؤتمر الواحد والعشرين لأعرق منظمة عمالية عرفها التاريخ الوطني... الاتحاد العام التونسي للشغل.استسغت العنوان لأروي بعضا من التفاصيل عن أول تجربة لي وأنا داخل «ماكينة» الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد أن حايثت فعاليات هذا المؤتمر الذي انعقد بولاية المنستير على امتداد 14 و15 و16 ديسمبر 2006...حايثتها لأني كنت من بين الصحفيين الملاحظين لسير العملية الانتخابية تصويتا وفرزا ... فتأكدت من أن «الديمقراطية» ممارسة مبدئية لدى نائبات ونواب هذا المؤتمر... وأن ما حدث خارج قاعة المؤتمر وخلف أسوار النزل الذي جمع مختلف الحساسيات السياسية وشتى الإيديولوجيات والتيارات الفكرية التي تشكل بالنهاية ملامح الاتحاد العام التونسي للشغل... هي أمور طبيعية وبديهية بل هي مؤشر صحي على انفتاح هذه المنظمة وتجانس تقاطعاتها واختلافاتها... ودليلي على ذلك القائمة الجديدة للمكتب التنفيذي المنتخب على إثر هذا المؤتمر...تنقلت إلى المنستير يوما قبل انطلاق المؤتمر ووقفت على مدى التضامن النقابي لما تعرض الأخ عبد الستار منصور الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بالمهدية والمرشح لعضوية المكتب التنفيذي الوطني لحادث مرور وهو في طريقه نحو المنستير... حيث أسعفه الأخ عبد الجبار الذهبي ثم خاطبه الأخ عبد السلام جراد في الحال ليطمئن على صحته والتحق به الأخ محمد شندول بسيارته لينقله إلى العاصمة... وصلت إلى النزل فوجدت تنظيما تضافرت جهود موظفي الاتحاد لإحكامه حتى تتم أشغال المؤتمر في أفضل الظروف وأطيبها... وهو ما شهد به كل ضيوف المؤتمر من الخارج والداخل...في بهو النزل وفي حمى القبل والتحيات مع النائبات والنواب وأعضاء المكتب التنفيذي المتخلي تأكدت أن المؤتمر سيكون ساخنا وفارقا في تاريخ المنظمة : بيانات تتهاطل، نشريات وصحف، اجتماعات في الغرف وجلسات في مختلف أركان النزل، قوائم انتخابية تهل بين الفينة والأخرى، حشود من النقابيين يرابطون خارج النزل، مرشحات ومرشحون «تزوجوا» هواتفهم المحمولة ...في قاعة المؤتمر، وأثناء الافتتاح تأكدت من استقلالية الاتحاد ... وتأكدت كذلك من أن حرية الرأي هي نبراس كل نقابية ونقابي، فكل متدخلة ومتدخل عبر عن رأيه بكل حرية ومن دون ضغط أو قمع... واستمعت داخل قاعة المؤتمر لتدخلات كنت أحسب أنني لن استمعَ إليها مطلقا بعد أن غادرتُ الجامعة...تحالفات وتجاذبات وتكتيكات، وقفت على بعض منها وهي تطفو بجلاء ووضوح يشوبه إبهام هنا وتردد هناك، وكل الوجوه تحمل ملمحا متشابها لم يخرج عن الخوف والتوجس أكدت لي بما لا يدع مجالا للشك أن كل الحظوظ متساوية وأن الفيصل الحاسم لن يكون إلا صندوق الاقتراع وانضباط النواب لمرشحيهم...من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ليوم السبت الموافق لـ16ديسمبر و إلى حدود الساعة الثالثة بعد الزوال ليوم الأحد 17ديسمبر 2006 تابعتُ عمليتي التصويت والفرز لانتخاب أعضاء المكتب التنفيذي الوطني الجديد للاتحاد العام التونسي للشغل لحظة بلحظة ـ مثلما فعلت جريدتنا على موقعها الالكتروني ـ فشاهدت بأم عيني الالتزام التام بشفافية وديمقراطية العملية تصويتا وفرزا... ومدى حرص لجنتي المراقبة والفرز ورئيس المؤتمر، الأخ مسعود ناجي، على إعطاء درس لكل العالم، عن حقيقة الشفافية والديمقراطية صلب الاتحاد العام التونسي للشغل...... وظهرت النتائج النهائية للمؤتمر 21 للاتحاد فانتصرت القبل والتهاني والأحضان على كل الأرقام والحسابات... و سقطت كل القوائم لتنتصر بالنهاية قائمة الديمقراطية والشفافية... قائمة القواعد العمالية... القائمة التي استشهد لأجلها الحامي وحشاد والتليلي وعاشور...وقبل أن أعود إلى العاصمة بعد اختتام المؤتمر الواحد والعشرين للاتحاد تأكدت أن «الحقيقة» لا يمكن أن تتاح لمن هو خارج إطارها... وأن الحياد هو ضامنها الوحيد الأوحد

بعد وفاة محمد شكري


طنجة تستريح من فاضحها

ليس هناك مكانٌ أكثراماناً من المقبرة. أعتقد أن الناس يحترمونأنفسهم أمواتً أكثر مما يحترمون أنفسهم أحياء
محمد شكري /الخبز الحافي
بين الشّهرة العالمية ومؤسسة المنع العربيّة عاش الرّوائي المغربي ،الطنجاويّ الأصل، محمد شكري وحيدًا بلا زوجة ولا أطفال بين مواخير وخمّارات مدينة طنجة التي كان يعتبرها بمثابة الزوجة والحبيبة والنّّديمة رغم أنها " مدينة ممسوخةٌ" كما وصفها هو في روايته الأشهر "الخبز الحافي"،وكان هو بالمقابل كاشف أسرارها والشّّاهد الحميم الذي عبّر عن روحها من دون مجاملة أوسترٍٍ،وهاهو اليوم يرحل عنها في صمت أو هي ترحّله رغما عنه ـ بعد أن أعياها فضحًا وهتكًا وانتهاكا وكشفًا لكل البُؤر المتعفّنة فيها ولكل زواياها المظلمة... وما طنجة إلا النموذج الأبلغ لكل المدن العربية من دون استثناء ـ بتفانيها في اختراع أساليب المنع والقمع،التّهميش والإفراد، التّقزيم والإدانة...التي مارستها السّلطة البطريركيّة ـ عليه وعلي رواياته ـ بمختلف تمظهراتها من جمعيات أولياء التلاميذ إلي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة ووزارة الدّاخليّة والإعلام وصولا إلي دُور النّشر التي تعضد هذا الطّغيان، مما جعل رواية "الخبز الحافي"مثلا ـ وهي التي رفض سهيل إدريس نشرها في بيروت وهي بكْرٌ ـ تُنشر بأكثر من تسعة عشرة لغة أجنبيّة منذ صدورها عام ،ماعدا اللغة العربية التي وصلتها بعد سنة!!!، ويترجمها الأمريكي بول بولز إلي اللغة الأنقليزية ـ بعد أن أعطي لمحمد شكري درهما ليشرب الزجاجة الطيّبة في حانة "روكسي" ـ ثم ترجمها الطاهر بن جلّون إلي اللغة الفرنسيّة وتعدّدت ترجماتها إلي مختلف اللغات فعاش محمد شكري ردحا طويلا من الزمن اسما عربيًا علي نص أجنبيٍ...هذا الاحتفاء العالمي قابله منع عربي لامبرّر له مما جعل محمد شكري يقول ـ وهو محقٌ في ذلك ـ : "إنّني أفضّل اليوم إحراق كل كتبي علي تسليمها لناشر عربي.لأنّ النّاشرين عندنا ليسوا جبناء فقط بل لصوص أيضا ومصّاصو دماء... ولو عوّلت علي النّاشرين العرب لمتُّ جوعًا." وطبعا ليس مُستغربًا ،بعد موت محمد شكري، أن يُسارع تجّار الورق إلي إعادة طبع كتبه وتصفيفها في الواجهات البلوريّّة للمكتبات لا لغاية تعميم فائدتها علي القارئ العربيّ وإنّما لمزيد الإستثراء فقط لا أكثر ولا أقلّ.رحل إذن محمد شكري ذاك المحارب الذي لم يتعب من الإقبال علي الحياة وطلب اللّذة والمتعة الماديّة والفكريّة. حياة لم يبحث لا عن عِبَرِها ولا عن قِيمِها ولاعن ماهِيتها، حياة نهمٍ ورغبةٍ وتعدٍ ومصارعةٍ ،إنها الحياة في ليل طنجة الأسطوريّ بكل مُباءاته وإجرامه المجانيّ... رحل ابن الفجر والمغامرة وابن الأندلسيّين الذين علّّموه كيف يكسب حياته بالعمل الوضيع والسّرقة والتحيّل دون خجلٍ أو ارتباك ، مثل صديقيه "جان جونيه وبول بولز" رحل محمد شكري الذي عاش أميًّا عشرين سنة قبل أن يتلقّي دروسه الأولي للُغة مضطهديه ( اللغة العربيّة ) قبل أن تصبح قدره الجميل... عشرة سنوات علي مقاعد الدراسة كانت كافيةٌ لتجعل منه كاتبًا استثنائيا. قصته الأولي "العنف علي الشاطئ" أعجبت سهيل إدريس فأعلن عبر نشرها عن ميلاد كاتب استثنائي، كاتب متمرّد، غاضب، يفضح الجميع بلغة عارية بالغة القسْوة. منذ أكثر من سنة لا يزال يسكن في نفس الشّقة، يصعد درجة نحو الطابق الخامس من عمارة "تولستوي"... العمارة بلا مصعد وشكري يقفز درجاتها و لا يشتكي منها ولا من أعداء الأدب...يصعد إلي أعلي ليفتح نافذة علي الحياة السفليّة وليضع أيقونة لحياة الحضيض ...لم يغّير شقّته أبدا لكنه كان يغّير حاناته باستمرار من "روكسي" إلي "نيكريسكو" إلي "إيلدورادو" و "ثقب في الجدار" وحانة "ريدز" حيث يمتصّ "الفودكا" كما الإسفنجة كل ليلة إلي الحادية عشرة ليعود إلي عزلته في شقّته أين كتب أغلب نصوصه: "مجنون الورد" ، "الخبز الحافي"، "زمن الأخطاء"، "وجوه"، "الشطّار"، "السوق الداخلي" ، " جان جينيه في طنجة" ، "تينسي ويليامز في طنجة" و "غواية الشحرور الأبيض"... هذا الكتاب الأخير الذي ضمّن فيه شكري مقالاته النقديّة والذي انتقد فيه نجيب محفوظ واتهمه بنقص التجربة و وصف شكسبير بالافتعال في وصف المشاعر الإنسانيّة... أما عن شكل موته فقد كان شكري يتمنّي أن يموت ذات يوما فجأة وكأس "الفودكا" أمامه علي الطاولة تماما كما يليق بكاتب من طينته، وقد كان يردد دائما مع أبيكور "مادمت أعيش فلا خوف من الموت. وإذا متّ فلن أحس بشيء" ويضيف "ما يُرعبني في الحقيقة ليس الموت بل المرض. أُفضّل أن أموت علي أن أمرض. أفضّل الموت الفجائي علي الموت البطيء. أن يموت المرء في الحانة وكأس الفودكا أمامه، أليس ذلك أفضّل له وللآخرين". "انه يري موته في النّبيذ" مثل "عزالدين قلق" كما صوّر لنا موته محمود درويش في قصيدته "الحوار الأخير في باريس."ومن يطّلع علي بعض كتابات محمد شكري سيكتشف احتفاء هذا المحاصر بلعنة طنجة بالموت، ففي "الخبز الحافي" ـ ذلك النص الذي كُتب أساسًا ضد الأدب لا لجرأته فحسب ولا ببذاءته وصراحته فقط بل أساسًا لتجاوزه لكل رقابة أخلاقية أو دينية أو اجتماعية، وكتابته عن الجنس المثْلي والدّعارة والجوع بلغةٍ حرّة بلا كبتٍ ولا مواربةٍ ولا توْرية أو رمز أوكناية...حوّلته إلي ما يشبه وثيقة اعتراض أو مصدر لقيمٍ مضادة أو مدرسة أسلوبية ـ يقول "إنني الآن أحمل موتي علي كتفي" ونقرأ في موضع آخر من نفس الرواية "لا تنسوا أن لعبة الزمن أقوي منا . لعبةٌ ُمُميتةٌ هي لا يمكن أن نواجهها إلا بأن نعيش الموت السّّابق لموتنا لإماتتنا: أن نرقص علي حبال المخاطرة نشدانًا للحيلة"، كما نقرأ عن الموت في رواية "الشطّار" ـ وهي الجزء الثاني من "الخبز الحافي" ـ "لكي نقهر فكرة الموت لا ينبغي لنا أن نتصوّر أنفسنا ميتين، انه مصيرك مع نفسك لا يخص أحدا ولا تنتظر أن يواسيك احد. اعتبر نفسك واهمًا ولو في الوهم. لا يقهر الموت سوي حب الحياة". كما يكتب في نفس الرواية "إن الإنسان هو كيف ينتهي لا كيف يبدأ".. وهو لا يخجل عندما ـ يعترف في كتابه "ورد ورماد" الذي جمع فيه مراسلاته مع الأديب محمد برادة في ما بين و ـ بأنّه فكّر في الانتحار مرّات عدة خلال الأسبوع الواحد...لن أقول أن موت محمد شكري يمثّل خسارة عظيمة للقارئ العربي، لأن القارئ العربي ميّتٌ أصلاًً، قتلته أدوات التكنولوجيا وأبعدته عن الكتاب، غرّّبته مظاهر التحديث الزّائفة فانبت عن كينونته وهويته ?.. وها هي فواجع الموت والرحيل النّهائي بدأت تمعن في تدميرنا كل مرّة، فبعد المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد جاء الدور علي الروائي المغربي محمد شكري والقائمة حتما ستطول والموت لن يستثني أحمد فؤاد نجم ومظفّر النوّاب ودرويش وأدونيس وسيأخذ وحيدر حيدر وخريّف والكوني وجبرا ، وكذلك لن ينسي محمد أركون والجابري والمهدي المنجرة وجابر عصفور و نصر حامد أبو زيد ومحمد الطالبي وجعيط... وإن رحل هؤلاء فلن نطمع بعد ذلك في هوية أو انتماء أو خصوصيّة ستحميها سلطة معرفية إبداعية ذات أفق أرحب من السلطة التسلّطيّة ذات الطّقوس الجنائزيّة التي تتقن جيدا إنتاج كل مبرّرات الموت والإفناء فقط وتعمل بالمقابل علي تلقيننا دروسا في الغباء حين تغيّب وتمنع عنّا كل وسائل الحّس الإشكاليّ والمساءلة النقديّة، بل إنها صارت تحتفي أكثر "بالميتوس" (الأسطورة ) والشعوذة واللاّهوت وتسعي جاهدة بكتّابها البلاطيّين إلي إقصاء "اللغوس" (العقل) لتوهمنا بقدريّة ما أوصلتنا إليه ولتُمعن في تقزيمنا أمام أنفسنا و إذلالنا أمام الآخر متناسيةً أن الطريق اللاّّهوتي هو الطريق المؤذن بفاتحة الخاتمة، بل إنّنا وصلنا إلي خاتمة الخاتمة بعد الذي حدث في العراق ويحدث في فلسطين وسوريا ولبنان وو.. فما الخراب الذي نحن فيه إلا نتاجٌ طبيعيٌ لمسار التخريب الذي تنتهجه السّلطة الرجعيّة ضد أطر الإسناد الإبستيمولوجيّة الإبداعيّة لا الاتباعية بدءا من قتل ابن باجة وتشريد ابن رشد والمعرّي وابن طُفيل وصولاً إلي إخصاء مظفّر النوّاب واغتيال حسين مروّة ومهدي عامل ومُحاكمة حيدر حيدر ونوال السّعداوي وغسّان كنفاني والحُكم علي منوّر صمادح بالجنون والانتهاء بمحمد شكري إلي مستشفي الأمراض العقليّة ..إلي أن قتله عشق طنجة ولم يقتل أسطورة "الخبز الحافي" التي لن تقتل ـ مع باقي رواياته ـ محمد شكري الأديب وكما يقول الشّاعر والرسّام "جان كوكتو" الذي كتب سيناريو فيلم يتصوّر فيه موته مسبقا فتوجّه إلي بيكاسو قائلا "لا تبكي هكذا، تظاهر فقط بالبكاء فالشّعراء لا يموتون إنّهم يتظاهرون بالموت فقط."

2007/06/12

مسافرون لأحمد القاسمي

حشاد نازلا من جوف الصواعق

غير خاف على ذوي البصائر أن الرجال العظام وأبطال التاريخ هم المعالم التي تضيء للشعوب سبيلها نحو الحرية والتقدم والكرامة الإنسانية، وإذا ما كان تاريخ الشعوب رهين كد الجماهير وكدحها، فان طبائع الأمور وحكمة التاريخ تقتضي أن تتبلور رؤى تلك الجماهير الكادحة وتطلعاتها في رجل أو امرأة ينطق أو تنطق بلسانها وتعبر عن وجدان تلك الجموع الغفيرة إذا ما كان الموقف موقف قول وتعبير... ويضم فاعليتها ويجمع نشاطها وحركتها تحت قيادته وتأطيره إذا ما كان الموقف موقف فاعلية ونضال فيقود كفاحها ويوحد صفوفها ويتقدم بها إذا ما كان الموقف موقف تحرر وانعتاق وانطلاق نحو أفق الحرية والإنسانية الرحب، وهكذا تتمثل في أفذاذ قلائل من كل شعب آمال أجيال وأهداف قرون طويلة من النضال والاستبسال...
ومثلما كان لايطاليا غاريبلدي وأنطونيو غرامشي ولفرنسا نابليون ولألمانيا باسمارك ولروسيا لينين وللصين ماو تسي تونغ وللهند غاندي ولتركيا مصطفى كمال أتاتورك... كان لشعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية رموز وأبطال نافحوا عن حرمة أوطانهم وحقهم في السيادة الوطنية، وكان لنا نحن التونسيون فرحات حشاد ذاك الذي تجرأ على صواعق الاستعمار الفرنسي وعبث بأقداره ومطامحه في النيل من حرمة الوطن وإرادة شعبه.كان لابد ان اكتب بهذا الشكل لأقدم المؤلف الجديد للكاتب والناقد التونسي أحمد القاسمي صاحب رواية «زابينغ» وأعني بمؤلفه الجديد النص المسرحي «مسافرون» الذي قدم لنا من خلاله أحمد القاسمي ـ وعلى غير سيرة معاذ جبور بطل رواية «زابينغ»ـ قدم لنا سفر ثلة من خيرة مناضلي الحركة الوطنية بتونس وعلى رأسهم فرحات حشاد الى جانب مصطفى الفيلالي والنوري البودالي واحمد التليلي.وضمن هذا النص المسرحي حشد احمد القاسمي ما أمكنه من المواقف التي افرزتها مرحلة ما بين خريف 1947 (اضراب الاشهر الطويلة) وشتاء 1952 (اغتيال فرحات حشاد) وانتقل بشخوصه واشباحه في فضاءات معلومة ومحددة توزعت بين منزل حشاد برادس ومقر الاتحاد العام التونسي للشغل بنهج ترنجة وضيعة زيتون بالنفيضة وضيعة زيتون بنعسان.وعلى خلاف تعقيدات شخصية معاذ جبور في رواية «زابينغ» والتي ربما تطلبتها البنية الحكائية وتقنيات سرد الرواية، على خلافها كتب احمد القاسمي «مسافرون» بلغة بسيطة ومكثفة في آن وكأنه استمدها من شخصيات نصه وخاصة من حشاد والتليلي، كما ان التقنيات المسرحية لم تكن معقدة في نصه هذا حيث اكتفى القاسمي ببعض الاشارات الركحية او ببعض الاحالات النفسية لتسيير نسق احداث المسرحية خاصة في تنقلها من فضاء لاخر لينجح الى حد بعيد في ايهام القارئ بتحوله الى مشاهد يتابع كيانات حية متحركة فوق ركح مسرح ما، وهذا ربما ما يجعل نص «مسافرون» مؤهل بشكل كبير للاخراج المسرحي.

أفكار متقاطعة 13

فن الموت مع سقراط العراق

إن آخر ما يفكر فيه الرجل الحر هو الموت سبينوزا
عجبي من أحياء في موتهم يأسفون ويحزنون ويبكون ميتا مات بعدهم ولم يمت ككل الذين ماتوا قبله... عجبي من عرب وعاربة وعربان ومستعربة قرؤوا الدراما الإغريقية ووقفوا أمام محاورة دفاع سقراط الأثيني وهو شامخ يواجه مٌعدميه الجهلة ثم بكوا وحزنوا لما شاهدو سقراط العراقي يبتسم في كبرياء يقهر مٌعدميه الجهلة أيضا... ونسوا أن ابتسامة صدام حسين، سقراط العراق، هي تماما حكمة سقراط أثينا، فابتسامته تعزية لنفسه على موت وشيك وتعزية لنا نحن على موت متوقع، مثلها مثل براهين الخلود التي عزى بها سقراطٌ أثينا تلامذته لما رأى الأسى في عيونهم... كان لابد له أن يموت تلك الموتة الشنيعة/الكريمة لنأخذ الدرس ونشاهد بأم أعيننا كيف يكون فن الموت راقيا وكيف يكون فن الإماتة مبتذلا... مثلما كان لابد لذينك البرجين الشامخين أن ينهارا بتلك الطريقة السينمائية الذاهبة في التشويق والإثارة حدا بعيدا...وكان لابد لنا، نحن القابعين كالجرذان، أمام الشاشات الملونة والمسطحة أن نقف شاهدين على عتبتي تاريخ الألفية الثالثة... 11 سبتمبر 2001 و30 ديسمبر 2006... لتنأى بنا - الشاشات - بعيدا عن رواية «أكزينوفون» بشأن الحجة الأخيرة لسقراط التي أعدمَ بها سدنته في قلب أثينا لما ألقى وسط أحشائهم مقصلته الفلسفية وسألهم بسخرية لاذعة قائلا :»ألم تعلموا جميعا أن الطبيعة حكمت علي بالموت منذ لحظة ميلادي؟» مثلما ألقى سقراط العراق، صدام حسين، مقصلته الفلسفية أيضا لما قال لمعدميه وابتسامة المتحدي تغمر حبلهم ولوحتهم: «ألا تعلمون بأني أرفض الإقرار بأن أي إنسان قد عاش حياة خيرا من تلك التي عشتها حتى الآن؟ ذلك أني قد أدركتٌ أن حياتي قد أنفقت في تحديكم وفي محاربتكم ومقاومة وحشيتكم ولا إنسانيتكم... وهي حقيقة تمنحني أعظم الرضا، ولذا فاني أشعر باحترام عميق لذاتي وباحتقار أعمق لذواتكم أيها الأمريكيون الجبناء والعراقيون العملاء...».سطوة المشهدين وهما يغزوان بصرنا وبصيرتنا لم يفلحا في تعميتنا عن الهول والفزع اللذين أصابا الأمريكيين إبان تتالي انهيار رمزي «حضارتهم» الحجريين، ولا عن بوارق الفرح ولواعج الانتشاء يتناسلان من أحداق كل إنسان ترفرف بين ضلوعه روح سٌقراطية، لما سلم الرئيس العراقي صدام حسين رقبته وهو يبتسم بين الأيادي القذرة والوجوه المٌلتحفة بسواد خزيها، جاعلا المشهد لا يٌقرأ إلا عكسيا ووفقا لإشارات سيميولوجية ساطعة : حاكم متخف ومحكوم عليه مبتسم... تماما مثلما قرأنا المشهد اليوناني: حاكم جاهل ومحكوم عليه حكيم؟انهار البرجان... شٌنق صدام حسين... انتصرت الصورة، شانقة كل الجفون ومدمرة كل القلوب بسطوتها الساذجة... ومازالت النفوس المنخورة تنتحب وتولول وتبكي لأنها لم تعرف بعد كيف تحدق في الشمس والموت... شمس الحرية وموت سقراطي/ صَدامي... ولن تعرف ذلك أبدا ما دامت تٌتقن دفن أفكارها قبل دفن جثثها...بين موته الرمزي يوم أٌسر وموته العضوي يوم شٌنق، متنا نحن مليون ألف ميتة وميتة... ولم نتعلم أنه يهبنا آخر ما تبقى لديه: التحريض على الحياة وفقا لشرطها الرئيس، شامخة كالنخلة وهادرة كدجلة...بين السم الحلو المذاق الذي جرعوه عنوة لسقراط أثينا والحبل الناعم الذي لفوا به عنق سقراط العراق، ما يزال تاريخ الإنسانية يٌرسم تارة بأيدي جهلة القرن التاسع قبل الميلاد وطورا بأيدي جهلة القرن الحادي والعشرين ويبدو أن الإنسانية ما يزال لها متسع من الوقت والتاريخ لتتهجى نبضات الحكمة المٌحرضة على امتلاك إرادة الموت قبل إرادة الحياة.

أفكار متقاطعة 12

رسالتي إلى نيروبي

«اليوم لا يوجد شعب واحد معيّن يحتاج للتّحرير. واليوم لا يوجد شعب واحد معيّن يحتاج للإنقاذ. اليوم، يحتاج العالم بأسره وكل البشريّة للتّحرير والإنقاذ
فيدال كاسترو
** ** ** ** **** **
من هذه الإشارة المُختصرة، البليغة والواضحة لفيدال كاسترو يمكننا أن نتحسّس وضعنا اليوم، باعتبارنا جزءا مهما من العالم ومن البشريّة جمعاء، جزءا مهما من العالم المنهوبة ثرواته لمدّة خمسة قرون من طرف قوى النّهب والاستغلال بمختلف تمظهراتها:أسطورة الشّعب المختار.. اليهود... ثم الكنيسة الكاثوليكيّة في روما، ثم البروتستانت في بريطانيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة... رأسماليّة.. استعماريّة... ليبراليّة ديمقراطية... نيوليبيراليّة... امبرياليّة... عولمة...نتحسّس وضعنا باعتبارنا جزءا مهما من البشرية جمعاء وتحديدا من الـ 80 بالمائةالفائضين عن الحاجة، الذين لن يمكنهم العيش إلا من خلال الإحسان والتّبرّعات وأعمال الخير ومن خلال عولمة التّضامن، هذا إذا ما صمت منظّرو العولمة واقتصاديّوها عن مقولاتهم الرّاهنة المصمّمة على إن مراعاة البُعد الإجتماعي واحتياجات الفقراء أصبحت عبئا لا يُطاق وأن شيئا من اللامساواة بات أمرا لا مناص منه وأن دولة الرّفاه تهدّد المستقبل، وأنها كانت مجرّد تنازل من جانب رأس المال إبان الحرب الباردة، وان ذلك التّنازل لم يعد له الآن ما يبرّره بعد انتهاء هذه الحرب...إن قتامة المستقبل الذي يخشاه الـ20 بالمائة النّاهبين هي أبلغ صورة عن الماضي المتوحّش للنّظام الرّأسمالي الذي أرسوه هم والذي استنزف جميع خيرات الأرض وقوى العمّال بما يكفي لتدميرها وإفناء شعوبها المفقّرة، ونتيجة للحاضر المبني على مجتمع الخُمس الثّريّ (20 بالمائة) وأربعة الأخماس المُفقّرين الذين يمثلون 80 بالمائة. إن السّؤال البسيط والضّروري في آن الذي يتوجّب طرحه بكل إلحاح أمام هذين الرّقمين الفارقين 80 بالمائة و20 بالمائة هو : ما الذي يؤمّن للأقليّة الثّريّة الاستمرار بالاستغلال والنّهب والحكم الإستبدادي؟ وما الذي يمنع الأغلبيّة الفقيرة من الخروج من توابيت موتهم التي يتنقّلون بها من رصيف الجوع إلى رصيف البطالة ورصيف الإبادة الجماعية حينا والإعدام الفردي حينا آخر ؟. فهل من الضروري التذكير بأن الحرية هي شبيهة بنا نحن المنعجنين بصهد الأيام المكرورة نٌلاطم أمواج عاتية ليست سوى أنفاسنا نحن الـ80 بالمائة...إن المطروح اليوم، من مهام ومسؤوليات، على كافة «الأنفاس الفائضة» ليست بالضرورة مهاما ومسؤوليات ثورية أو متمردة، بل هو الالتقاء الواعي بين جميع قواها الحية منها والمقهورة المشتتة في كل دول جهتي الأرض الجنوبي والشمالي، لتحديد وإيجاد نقطة اتفاق حول أكثر من نظام بدءا بالليبرالية والرأسمالية والامبريالية ووصولا إلى العولمة والحداثة وما بعدهما، وحتى مفهوم المجتمع المدني بمنظماته وهيئاته علينا أن نتفق حول الصيغة الأمثل التي تحسم أكثر من عائق يحول دون نجاعة نضاله بدءا بالتشكيك في التمويل ووصولا إلى تجاوز صبغة المنظمات والجمعيات والهيئات، نسوية أو ذكورية، سياسية أو نقابية، ثورية أو إصلاحية... فكل هذه التعلات لا تخدم إلا مصالح الأنظمة الاستبدادية بصنفيها المدني أو التيوقراطي.«من أجل عالم آخر ممكن»... شعار يرفع الآن في العاصمة الكينية، نيروبي... يقض مضاجع الناهبين ويضخ الأمل في خطوات المنهوبين في العالم وبالخصوص في القارة الإفريقية بشمالها وجنوبها... شعار يرفعه الآن مناضلو وأحرار العالم الذين يجتمعون في خطوة جديدة على درب تشبيك النضال الأممي في شكل قد يكون الأنسب والأمثل إلى حد الآن، هو المنتدى الاجتماعي آلإفريقي الذي سينطلق بداية من اليوم 20 جانفي 2007 ليتواصل إلى يوم 25 منه على أمل صياغة بدائل حقيقية لـلكوارث الإفريقية كالفقر والمجاعة والحروب الإثنية والأمية والنظم الاستبداديّة والسيدا والميز العنصري... من أجل افريقيا أخرى ممكنة...