بحث هذه المدونة الإلكترونية

2008/07/30

جيل الهباء

لو كنت فرنسيا لمت في فرنسا... ولو كنت كنديا لمت في كندا... ولو كنت يابانيا لمت في اليابان... ولو كنت كوبيا لمت في كوبا... ولكن انا تونسي ومع ذلك لا أحب ولا أتمنى ان أموت في تونس!!!
«أنا» لا تعود عليّ أنا، وإنما هي ضمير ـ ليس حيا ـ يعود لعدد غير قليل من ابناء جلدتنا ولدوا وكبروا هنا وهم الان يكبرون وسيهرمون هناك... ولأكن واضحا فأنا أقصد عيّنة بذاتها من شباب تونس وشاباتها، هم تحديدا ابناء وبنات عدد كبير من «المناضلين» السياسيين والحقوقيين والنقابيين ـ أعرف أغلبهم ـ قاموا «بتهريب» ابنائهم وبناتهم الى الجامعات الغربية والامريكية ليواصلوا تعلمهم ويحصّلوا من الشهادات ما تيسّر لهم، ولهم في ذلك كل الحق، ولكن ما يحزّ في النفس ان العديد من أولئك «المناضلين» الذين صرفوا اعمارهم في السجون والسرية وفي الاعتصامات والمظاهرات من اجل تونس الحلم لأبنائهم وبناتهم وللجيل الذي سيبقى بعدهم، ترى أغلبهم يشجع ابنه أو ابنته على البقاء هناك وعدم التفكير في العودة الى تونس... تراهم يفاخرون ببقاء ابنائهم في باريس ونيويورك ومونتريال والمانيا وغيرها من العواصم ولا تسمعهم يتحدثون الا عن رفاهيتهم هناك وعن حريتهم هناك حتى أقنعوا أنفسهم بأن هذه البلاد ما عادت تصلح لهم وان مناخها أضيق من نشاطاتهم وطموحاتهم فلماذا يعودون؟ ولماذا يؤوبون؟!!
هنا أود أن أسألكم أنتم بالذات، لماذا ناضلتم ولا تزالون؟! لماذا صرفتم أعماركم في النقد والاصلاح وحتى في الحلم بالثورة؟! أليس من اجل ابناكم وبناتكم ومن اجل جيل كامل؟!! هل أفنيتم سنون حياتكم من اجل جيل منذور للهباء والشتات؟!! يا لنفاقكم وخيبتكم ايها المناضلون الثوريون؟!
وحدهم ممن تطلقون عليهم صفة «الشعبيون» يكدون هناك لأجل العودة هنا وبناء مشروع لصالح البلاد... وحدهم صادقون في حب هذه الارض... بل اني اعرف الكثير من الشباب الضائع هنا من «حرق» الى «طاليا» ليعود الى تونس ويبني مشروعا ينقذه من الضياع الذي كان فيه...
وحتى لا أتجنى على احد فاني بالمقابل اعرف عدد قليل جدا جدا من شبان وشابات تغربوا عن تونس وأصروا على العودة اليها بزادهم العلمي والمعرفي الذي حصلوها هناك ولكنهم ـ مع الاسف الشديد ـ يعدون على اصابع اليد...
لن أصف الجيل الذي تربيت على نضاليته بأنه امتهن النضال النخبوي والبورجوازي والفئوي... لن اصفه بذلك لأني بالاخير اظل احترمهم واحترم نفسي باعتباري ثمرة من ثماره... ولكن لست ادري كيف اصف وبماذا اصف صنفا اخطر من الاول من اولئك المناضلون السياسيون والنقابيون والحقوقيون (اقصد كل الحساسيات والاحزاب، حاكمة وتابعة ومعارضة) واقصد بالصنف الثاني عددا كبيرا من «المناضلين» الذين أفنوا اعمارهم في الانصهار في العائلات الحزبية او الحقوقية أو النقابية او المدنية ومع ذلك لم ينجحوا في تكوين عائلاتهم «الدموية» على المبادئ والقيم والشعارات التي رفعوها وآمنوا بها خارج عتبة بيوتهم ومنازلهم اذ نادرا ما تلتقي ابن او ابنة «مناضل» مهتم بالشأن السياسي او النقابي او الحقوقي... فالكل منصرف الى شأنه الخاص... وأي شأن... كرة، مقاهٍ... فضائيات!!!

2008/07/15

كأني اشبه ظلكم

إذا رأينا شرطيا يقود مجرما إلى السجن
فلنتريث لكي نعرف من هو الشرطي ومن هو المجرم
جبران خليل جبران


عاد هيثم إلى الهذيان من جديد
كان صوته يأتي من بعيد, من أعماقه, وهو يصيح وينادي دون توقف " كل شيء بخمسمايا. فرصة وربي فرصة". عندما ركله الشرطي بحذائه ركلتين متتاليتين بعنف على بطنه استفاق مذعورا وتذكر أنه موقوف منذ ساعتين في مركز الشرطة. تماسك قليلا. استوى على الكرسي الخشبي, وبدأت أنفاسه تنتظم شيئا فشيئا وعندما رفع يديه ليمسح العرق المتصبب من جبينه, أحس بسائل ساخن متخثر تحت أذنه اليسرى. مرر أصابعه بحذر فوق السائل المنساب على عنقه فاختلط الدم المتخثر بالعرق وببعض الأوساخ المتجمعة فوقها من جراء الغبار الذي أحدثته عجلات السيارات وأرجل المارة أين كان يعرض بضاعته فوق " كردونة " في نهج الدباغين.
تذكر البضاعة. أين هي ؟ وتذكر الأموال التي استدانتها أمه من صاحب المصنع الكبير, الذي تشتغل في بيته غسالة, من أين سيرجعها ؟ وهو الذي وعد أمه أنه سيأتيها في المساء بالسلفة ومعها بعض الخضار والدواء لعينها, الذي انتهى منذ شهر وأيضا سيعطيها ثمن قارورة الغاز مثلما اتفق معها ليلة البارحة.
عندما كان يتذكر ما حصل له قبل ساعتين حينما هجمت سيارة "الحاكم" الزرقاء على الباعة المنتصبين شمالا ويمينا فوق الأرصفة المهترئة في نهج الدباغين, وفرقتهم يمينا وشمالا وهم يهرولون ويركضون باتجاه الأزقة والمنافذ ويختبئون داخل الدكاكين والمقاهي, بعضهم يحضن ما تبقى معه من بضاعته التي تبعثرت وسط النهج, والبعض الآخر يحمل "كردونته" بكلتا يديه ويحاذر في الجري بها وسط الجموع المتراكضة, خوفا من سقوطها, وآخرون لم يحملوا شيئا لشدة رعبهم وذهولهم من الطريقة المباغتة لهجمة الحاكم.
كان لفيف منهم يتتبع حركة صديقهم هيثم وهو يتهاوى على مؤخرة رأسه ويسقط فوق بضاعته التي تكسرت تحته وتحت أحذية رجال "الحاكم". كان البعض ينظر إلى المشهد وهو يلعن الحاكم وأبو الحاكم. وكان البعض الآخر ينظر باشمئزاز وقرف شديدين لقسوة هؤلاء "البشر". وهناك في الركن القصي لمقهى الدباغين تسمر صبيان يتداولان على عقب سيجارة وهما ينظران بشماتة لما يحدث لصديقهم هيثم لأنه سبقهم إلى المكان الذي رغبا الانتصاب به صباحا.
عندما كان يتذكر كل هذه المشاهد فاجأه صوت الشرطي الجالس فوق الطاولة وهو يضع ساقيه فوق الكرسي المحاذي لها. سأله بصوت غليظ من أين أتيت بالبضاعة يا ابن الزانية ؟
قفزت مباشرة إلى ذهن هيثم صورة أمه وهي جاثمة على ركبتيها, محنية الظهر , وسط فيلا الحاج إسماعيل, تمسح القاعة الفسيحة تارة وطورا تحك الجدران العالية. تذكر حالتها هذه وأجاب متلعثما بصوت مبحاح لكثرة صياحه في نهج الدباغين
اشتريت البضاعة بعرق أمي. بصبرها وشقائها وقلة نظرها. لقد باعت قوتها, كل قوتها, من أجل أن أشتري البضاعة
رفع الشرطي إحدى ساقيه من على الكرسي وضغط بها على بطن الصبي الفارغة ثم أمسكه بكلتا يديه من شعره الملبد وصاح في وجهه فتناثر بصاقه على عيني هيثم وأنفه قلت لك من أين أتيت بالبضاعة يا سارق يا ابن السارقة ؟
أنا لم أسرق أحدا. أنا لست سارقا, لقد اشتريت البضاعة من عند... من عند...
تلعثم هيثم ثانية وارتبك ثم صمت تماما وأغمض عينيه. نزل الشرطي البدين من فوق الطاولة واتجه صوب الباب. أغلقه بعنف ثم عاد إلى هيثم وصفعه صفعتين قويتين وبصق في وجهه الشاحب ملئ فمه.
_ من عند من ؟ انطق و إلا سأقطع لك هذا اللسان. وأمسكه من شدقيه بشدة ثم دفعه إلى الخلف بعنف.
كان هيثم كثيرا ما يسمع من عند أصدقائه الباعة في نهج الدباغين, عن غلظة "رجال الحاكم" وقسوتهم ووحشية معاملتهم. كما حدثه بذلك رفيقه الطالب سامي الذي تعرف عليه أيضا في نفس النهج, حيث كان يأتي كل يومين تقريبا رفقة بعض الطلبة, من كليات مختلفة أين يجلسون الساعات الطوال في مقهى النهج, وقد تطورت علاقة هيثم بسامي خاصة بعدما قدم الصبي ذات مرة للطالب نظارات شمسية دون مقابل لما اشترى من عنده ولاعة وعلبة سجائر مستوردة (مندية) وأجندة وحاملة مفاتيح وحافظة أوراق دفعة واحدة, فكان كل مرة يمر بالدباغين يعرج على نصبة هيثم وفي بعض الأحيان عندما يكون مفلسا يستلف من عنده ثمن كأس شاي أو ثمن بعض السجائر, ثم بدأ يعطيه كل مرة كتابا يقرأه أو مجلة يطالعها, عادة ما تكون سياسية أو أدبية, ثم بدأ يصطحبه بانتظام مرة كل أسبوع إلى بيته بباب الخضراء, حيث يطلعه على عدة كتيبات وصحف لم يسمع بها من قبل وأوراق... و كانت في بادئ الأمر تخيف الصبي ثم بدأ يتعود عليها فيما بعد لإحساسه أنها تتحدث عنه هو بالذات وعن أصدقائه الباعة بل وحتى عن أمه وأمثالها دون نفاق أو كذب, حتى أنه أصبح ينتظر بلهفة وبشغف كبيرين يوم يرافق سامي إلى بيته لعلمه أن هناك خبرا جديدا أو فضيحة أخرى سيطلع عليها.
ويذكر هيثم أن سامي سلمه مرة كراسا صغير الحجم من دون عنوان وقال له أن ذاك الكراس سيعلمه كيف يتعامل مع أسئلة "الحاكم" وكيف يحسن الجواب حين يقع في قبضتهم. ولكن هيثم في وضعه هذا, والدم ينزف منه ويختلط بالعرق والدموع والمخاط, كيف له أن يستحضر تلك القواعد التي قرأها ؟وهل فعلا ستنقذه من هذا الموقف ومن هذا الوضع المزري ؟ ألن تزيد الأمر سوءا وتعقيدا ؟ألن يتفطن الشرطي إلى طريقة إجابته ويشك في أمره فيضاعف عقابه ويضع رفيقه في ورطة ؟.
ماذا سأفعل ؟ كيف سأجيب هذا البدين, عديم الشفقة والرحمة ؟ ولكن ماذا لو قلت له الحقيقة كاملة, هل سيصدقني ويطلق سراحي ويعيد لي بضاعتي ؟ ... لا. لا تهم البضاعة, المهم سراحي قبل أن ينزل الليل وأتأخر عن أمي... لا يهم ثمن البضاعة, المهم سراحي, ستتوسل أمي للحاج إسماعيل لكي يخصم لها السلفة من مرتبها البائس, أو ستقترح عليه أن تشتغل عند ابنته في الليل بعد أن تنهي شغلها في الفيلا الكبيرة, لا يهم ستتعب أكثر ويزداد ظهرها تقوسا وستهترئ أصابعها من رغوة الصابون... لا يهم سوف أعوضها عن كل شقاء ومهانة تلحقها مني ومن هذه الأيام الزانية... سأتدبر أمري ثانية... سأستلف وحدي من عند سامي أو من عند أحد الأصدقاء من نهج الدباغين أشتري لها الدواء والخضار وقارورة الغاز وسأشتري لها أيضا قرطاس حنة لتزين بها أصابع قدميها ويديها. أعرفها إنها تحب الحناء كثيرا. إنها تذكرها بليالي الحب الخضراء مع أبي رحمة الله عليه...
لا يهم الثمن الآن, المهم سراحي وعودتي إلى بيتي.
أشعل الشرطي سيجارة جديدة ونفث دخانها نحو السقف, ملقيا عود الثقاب المشتعل في وجه الصبي, وصرخ فيه بأعلى صوته
_ من عند من اشتريت البضاعة يا قذر ؟.
وضع هيثم يده على رقبته المتسخة وكاد يقول للشرطي أنا لست قذرا. أنت القذر, بل أنت خنزير متعفن ولكنه تمتم بصوت خفيض متقطع
الحقيقة. الحقيقة اشتريتها من عند شرطي يشتغل في الميناء , وهو يسكن قريبا من حينا, تعرفت عليه مرة عندما أعنته على إغلاق باب المستودع الذي اكتراه من عند عم سالم منذ سبعة أشهر ليضع فيه بعض الأدباش المستعملة والأشياء القديمة مثلما قال.
عقد الشرطي حاجبيه وزم شفتيه وبدا, لهيثم, وكأنه يبتسم خلسة ثم أدار كرسيه إلى الحائط ربما ليستر ضحكته أو لينتشي بها بعيدا عن عينيه. زم شفتيه وقال له وهو لا يزال يدير ظهره إلى الحائط
عم سالم شنيب جزار حي السلام الذي يبيع لحم الحصان والحمير ؟ ثم ضحك هذه المرة بصوت مسموع.
ارتبك هيثم وتلعثم وهو يتذكر عم سالم الجزار وشنبه الطويل المفتول بدقة وبطنه المنتفخة تحت قميصه المبقع بالدم والمزرر حتى نصفه الفوقي دائما, صيفا وشتاءا, وتذكر أيضا صبيحة, تلك المرأة المطلقة... صبيحة التي كان لا يمارس عادته السرية إلا وهو يستحضر صورة مؤخرتها الرجراجة ونهديها المنتصبين دائما رغم تقدمها في السن... صبيحة التي كانت تشتري اللحم من عند الجزار أكثر من الأستاذ خالد مدرس العربية بمعهد الحي ورغم أن هذا الأخير يقدم دروس تدارك لأبناء الميسورين في بيوتهم ليلا وأيام الآحاد وفي العطل, فإن صبيحة المطلقة تشتري اللحم أكثر منه. لقد كانت كثيرة الضحك مع عم سالم ويبدو أنها كانت سخية عليه بلحمها الأبيض مثلما هو سخي معها باللحم الأحمر, لحم الحمير والأحصنة.
تذكر هيثم الجزار وبدا و كأنه يسأل نفسه : من أين يعرف هذا الشرطي ذو النجمتين عم سالم ؟ أهو من زبائنه ؟ أم تراه أمسكه سابقا متلبسا مع صبيحة ؟ هل يعرف شرطي الميناء ؟...
قطع الشرطي سيل الأسئلة المتدفق داخل رأس هيثم وقال له بنبرة هادئة
هل تدخن يا سار... ؟
ثم أردفه بسؤال ثان
ما اسمك ؟
أجابه هيثم بسرعة عن اسمه ونسي بنفس السرعة استغرابه ودهشته من تبدل لهجة الشرطي, بمجرد أن سمعه يسأله عن الدخان
أعاد السؤال
هل تدخن يا سي هيثم ؟
لم ينتظر إجابته وإنما قدم له سيجارة ومده بمنديل ورقي ليجفف به العرق ويمسح عن عنقه الدم ومن وجهه بقايا البصاق المختلطة بالدموع والمخاط.
التقط هيثم السيجارة بلهفة قبل أيأخذ المنديل. أشعلها بارتباك وسحب منها نفسا عميقا وطويلا, ثم زاد نفسا ثانيا وثالثا بنفس الشراهة وكأنه يعوض الساعتين اللتين ظل فيهما موثوق اليدين في مركز الشرطة.
تركه الشرطي يدخن قليلا ثم سأله بعد أن قام من كرسيه المقابل
اسمع يا هيثم انس الآن كل ما حدث لك في المركز ولا تهتم لأمر البضاعة التي تكسرت فسوف تعوض عنها بضعفها, فقط كن متعاونا معي ولا تخف مني فلن أضربك ثانية.
وضع علبة السجائر فوق الطاولة بعد أن سحب واحدة وأشعلها ثم قال
أمك تبيع قوة عملها لتشتري أنت البضاعة. جيد. كلام جميل بل كلام علمي ولكن هل تبيع قوة عملها أم قوة مؤخرتها
ود هيثم لو كانت في يده الآن عصا غليظة ليدكها في مؤخرة هذا الخنزير النتنة.
واصل الشرطي سؤاله
هل تعرف من قال أن العامل يبيع قوة عمله ؟
قفزت إلى مخيلة الصبي فورا صورة كارل ماركس وصورة لينين المعلقتين في بيت رفيقه سامي بباب الخضراء ومرت أمام عينيه عدة عناوين لكتب اقتصاد واقتصاد سياسي كان قد قرأها في بيت سامي وناقشاها سوية, ولكنه لم يكن مستعدا للإجابة عن سؤال الشرطي, بل إنه لن يكون مهيأ أبدا مهيئا للإجابة عن مثل هذه الأسئلة لأي كان, لا الآن ولا غير الآن. إنه لن يخون رفيقه حتى لو قتله الشرطي وكل "الحاكم" ضربا ولطما وركلا... حتى لو فتحوا له رأسه الصغير... واتلفوا كل بضاعته وحتى لو قدم له الشرطي علبة السجائر كاملة وعوضه عن بضاعته بأضعافها فلن يخون "الروح الرفاقية" التي جمعته بسامي وباقي الرفاق الذين عرفهم في باب الخضراء وفي مقهى الدباغين وفي أماكن مختلفة.
أموت ولا أنطق بحرف واحد. نطقها في سره وخرس.
طال صمته وذابت السيجارة من دون أن ينتبه إليها إلا عندما أحرقت طرفي إصبعيه, حينها تفطن للشرطي القابع أمامه فخرج من مخيلته التي أخذته إلى أزقة باب الخضراء ليعود إلى مخفر الشرطة.
رفس عقب السيجارة المحترق تحت حذائه وتجرأ وطلب سيجارة ثانية.
بعد أن أشعلها والتهم منها نفسين متتاليين قال متلعثما
_ صدقني سيدي أنا لا أعرف شيئا, لا عامل ولا قوة عمل, فقط أعرف أن "كل شيء بخمسميا" وأعرف أن أمي تنتظرني الآن وتنتظر الدواء لعينيها وأموال السلفة وبعض الخضار وثمن قارورة الغاز إن أمكن ذلك. صدقني سيدي هذا كل ما أعلمه. والله هذه هي الحقيقة.
وبدا وكأنه سينتحب.
طيب. حسنا.
أردف الشرطي ذي النجمتين ثم صمت قليلا وكأنه يرتب أفكاره. قام من فوق كرسيه المقابل لهيثم وأخذ علبة السجائر. فتحها ببطء وأشعل سيجارة ثم استدار من خلف الصبي وعاد إلى كرسيه وراء الطاولة, وشرع يتكلم وكأنه يواصل حديثا سابقا وكان هذه المرة يركز نظراته الحادة إلى عيني الصبي الصغير
اسمعني جيدا يا هيثم, دعنا الآن من قوة العمل وكارل ماركس ودعنا من نهب البروليتاريا واضطهادها واحتكارات البرجوازية وجشعها وانس أنك متهم بالبيع الموازي والانتصاب العشوائي من دون رخصة.
صمت قليلا. سحب من سيجارته أنفاسا متتالية ثم واصل كلامه
ما دمت تعرف قوة العمل فالأكيد أنك تعرف عقوبة مخالفتك وتعرف أنك ستسجن على الأقل ستة أشهر وتدفع خطية مالية ضعف قيمة بضاعتك وتعرف أيضا أننا سنحجزها هنا عندنا وسنقتسمها فيما بيننا
احجزوا البضاعة يا سيدي واتركني أعود إلى أمي
نطق هيثم الجملة الأخيرة وكأنه يتوسل الشرطي القابع أمامه, وتقافزت إلى مخيلته صور السيارات الفارهة والفيلات العالية وسط الحدائق الشاسعة وتخيل مالكيها رائحين غادين بين الطباخ والجنان والسائق والحارس الشخصي والليلي والمنظفة و... أليسوا هم الذين يجب أن يحجز سمومهم المستوردة ؟ أليسوا هم الذين يجب أن يحاكمهم لما اقترفوه في حق بلاد كاملة ؟...
قطع الشرطي شرود هيثم قائلا
اسمع جيدا يا هيثم ستأخذ كل بضاعتك وتعود إلى حضن أمك قبل مجيء الليل, بل سنمنحك مع بضاعتك رخصة للانتصاب والبيع بنهج الدباغين ومعها أيضا مبلغا محترما من المال لتقتني بها بضاعة أخرى وتوسع نصبتك وتجارتك. فقط كن متعاونا معنا.
صمت قليلا ثم أضاف
نريدك أن تأتينا فقط بأخبار رفيقك سامي لا أكثر ولا أقل

2008/07/11

بصمات

نادرا ما تترك بعض البرامج التلفزية بصمة ايجابية عند المشاهد، ذلك ان اغلب البرامج تتميز بالظرفية والآنية التي تسوّر خطابها وصورها بزمنها مهما طال، وقليلة جدا هي البرامج التي تنفلت من عُقال الشاشة ليتناثر صداها ووقعها على ألسن الناس في البيوت وعلى الارصفة وفي المقاهي والنوادي...
ولا أخال ان برنامج «الرابعة» الذي قدمه الزميل الاعلامي عادل بوهلال اثناء البرمجة الشتوية لقناة حنبعل الا حبّة للبرامج التلفزية التي افتقدناها على أثيرنا الوطني وبتنا نلهث خلفها على مختلف القنوات الاجنبية...
«الرابعة» قد تكون فكرتها غير مبتكرة ولكن أعتقد ان تخطيط الساهرين عليها وبالاخص مقدمها عادل بوهلال هو الذي رفدها بتيمة «الأثر» أو هو الذي منحها التفاصيل الدقيقة للبصمات التي لا تمّحى، ومن دون اطراء او اسراف لغوي يمكن لأي مشاهد تابع اكثر من حلقة من برنامج «الرابعة» ملاحظة توفر جملة من القرائن الثقافية أولا والجمالية ثانيا والتقنية ثالثا التي مثلت مشكاة «الرابعة» ونبراس عادل بوهلال مدة برنامجه.
فالمقدم / المنشط متمكن من فنون تسيير الحوار وفطنٌ في إلقاء الاسئلة و «توريط» ضيوفه وجرّهم نحو هدف الحلقة وزاويتها التي يختارها هو طبعا...
أما جماليا فان برنامج «الرابعة» ارتقى الى حد كبير بمستوى الخطاب التلفزي التونسي عموما وهذا طبيعي باعتبار ان ضيوف البرنامج هم من الميدان الاعلامي ولهم ما يكفي من معلومات وخبرة وهم قريبون من نبض التونسي وخطواته...
وتقنيا أثبت برنامج «الرابعة» ان المهم هو العقل وليس الآلات والتجهيزات فبأفكار الفريق التقني الشاب عاش المشاهد مع كل حلقة «تنفيسة» تقنية ومشهدية بعيدة كل البعد عن الكاميرا الثابتة والكلاسيكية وديكورات الخشب والبلور التي أورثتنا خطابا خشبيا وهشا كالبلور...
البرنامج وبغض النظر عن مفاتيحه المنطقية (الشفافية والمصداقية والتلقائية والمسؤولية والقرب من الواقع) وبغض النظر عن كون مواضيع البرنامج معادة أو مستهلكة فانه ـ وبشهادة المئات على الأقل ممن استمعت الى آرائهم وردود أفعالهم ـ تمكن فعلا من تحويل وجهة الخطاب التلفزي الممجوج وكذلك من «إجبار» الكثير من المسؤولين على متابعته وتقصي بصماته وآثاره على الاقل لتدارك ما كان مخفيا ومنسيا ومسكوتا عنه...

2008/07/09

ونصيب الاتحاد

من بين الملاحظات التي تقدم بها النائب محمد الدامي خلال مناقشة ميزانية وزارة الاتصال، والتي شملت صلوحية وتركيبة المجلس الأعلى للاتصال وجمعية الصحفيين وتكثيف الحوارات ومنابر النقاش بالإذاعة والتلفزة الوطنية، وتشريك الأحزاب الوطنية ومنظمات المجتمع المدني... وغيرها من النقاط الدقيقة والحساسة بالنسبة لقطاع يمثل وجه البلاد ومرآتها في الداخل والخارج على حد السواء... من بين تلك الملاحظات القيمة، استوقفني تنصيص النائب على تمكين الاتحاد العام التونسي للشغل من استرجاع حصته الإعلامية بالإذاعة الوطنية «بما يعود بالفائدة على كافة الشغالين بالبلاد» مثلما ذكر، وهو أمر لا يختلف تونسيان حول ضرورته في ما نعلم.
«صوت الشغالين» هو عنوان البرنامج الإذاعي الذي كان يٌبث على موجات إذاعتي تونس الوطنية وصفاقس الجهوية حتى سنة 1985، وقد كان يمثل نافذة مهمة بين المنظمة الشغيلة وكافة شرائح المجتمع التونسي، إذ كان برنامج «صوت الشغالين»، الإخباري بالأساس، يرفد طرق التواصل بين هياكل الاتحاد وقواعده العمالية وكان يساهم بشكل كبير في الإعلام النقابي، فإلى جانب البلاغات والبيانات والنشريات الداخلية والجهوية ومنشورات قسم الدراسات بالاتحاد وطبعا جريدة «الشعب» لسان الاتحاد العام التونسي للشغل ، كان برنامج «صوت الشغالين» جسرا أثيريا بين الاتحاد والعمال التونسيين في تلك الفترة.الآن، ومنذ 1985 تاريخ توقّف البرنامج الإذاعي عن البث، والاتحاد لم يتوقف عن التواصل بقواعده ومنخرطيه وأصدقائه في كل شبر داخل الجمهورية التونسية وخارج حدودها، مستعملا في ذلك شتى الوسائل المتاحة والممكنة، كالشبكة العنكبوتية والهواتف المحمولة وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة، وما موقع جريدة الشعب الالكتروني إلا دليلا قاطعا على السعي الجدي لمنظمة العمال لتكون دائما على أهبة الحدث والمعلومة.وعلى نجاعة ومردودية هذه الطرق والوسائل التقليدية والحديثة، فان حق الاتحاد العام التونسي للشغل في استرجاع، بل في استحداث برامج إذاعية تبث على أكثر من موجة ومحطة إذاعية (الوطنية، الشباب، جوهرة، تطاوين، صفاقس، المنستير، الكاف...) ولمَ لا حصة تلفزية خاصة بأنشطة وفعاليات الاتحاد وبالعمل النقابي عموما، هو حق يجب أن يٌؤخذ بعين الاعتبار والحرص في أقرب الآجال إن لم نقل في مفتتح السنة الجديدة.وبغض النظر عن مسالة أحقية نصيب الاتحاد العام التونسي للشغل من هذه المؤسسة الإعلامية، ذات الصبغة الوطنية، والتي هي أيضا من نصيب ومن حق كل الأحزاب المعارضة والجمعيات الحقوقية، بغض النظر عن ذلك، فإن التوازن الإعلامي والإخباري والتنشيطي الذي ستكتسبه هذه المؤسسة سينتشلها حتما من بوتقة وذهنية الخطاب الواحد الأوحد ومن منطق الاستحواذ المجاني واللاقانوني على المؤسسات الوطنية.كما أن النقلة النوعية التي يٌمكن أن تحدثها وسائل الإعلام والاتصال الوطنية لن تتحقق أبدا مادام المشهد أحادي البعد والصوت أحادي الوجهة والصورة كذلك أحادية الخطاب والتوجه، وما نفور المشاهد والمستمع والقارئ لمختلف وسائل الإعلام الوطنية وهروبه منها، بل وتندره واستهزائه بها وسحب ثقته من مصداقيتها، إلا حجة دامغة وبرهانا قاطعا على فظاعة الوجه الواحد مهما حاول أن يتجلى في أبهى حلله...ثم إن الثقل الرمزي والمادي الذي يمثله الاتحاد العام التونسي للشغل وطنيا وإقليميا وعربيا وعالميا ،يجعل من حصته الاعلامية بديهة ومسلمة لا تنازع حول ضرورتها، وأعتقد أنني لن أكون لا حالما ولا طوباويا اذا ما قلت وكتبت انه كان من الأجدى ان نكتب ونتحدث عن محطة اذاعية وقناة فضائية خاصتين بالعمال ومنظمتهم، خاصة ان تاريخ المنظمة وحاضرها يزخران بإحتياطيّ ثقافي وابداعي ونضالي وفكري ثري ولها من الرموز الوطنية والمحطات التاريخية ما يؤثث أثيرا مأثورا، ومن الغُبن ان نلتقط كلمة الاتحاد العام التونسي للشغل عرضا وبصورة برقية وخاطفة بل وبشكل موسمي واحتفالي مرة في الاذاعة واخرى في التلفزة الوطنية.

2008/07/08

قصة قصيرة

زوجـا حذاء

من يتحمل مسؤولية واحد يتحمل مسؤولية اثنين
حنا مينه

استأنف رسم الأرقام فوق الورقة الفضية التي انتزعها من العلبة الحمراء، بعد أن أشعل اخر سيجارة كانت بداخلها ظل يركّب ثمن كل قطعة تقفز إلى ذهنه، ويجمعها مع سابقاتها فوق الورقة الصغيرة ثم يشكل صورتها لون خشب بيت النوم مثلا, نوع التلفاز, حجم الثلاجة, شكل طاولة المطبخ وعدد مقاعدها, عدد الأطباق والكؤوس والفناجين... حتى صيغة الدعوات كتبها في ذهنه، واختار شكل مظاريفها وألوانها.بدأت مساحة البياض فوق الورقة الفضية تتضاءل وظل ذهنه هائما وسط الفضاءات التجارية الكبرى ومحلات الأثاث المشهورة كان يتنقل من محل إلى اخر ويناقش الأسعار والأثمان مع التجار والباعة، ولم يستفق إلا على أزيز القلم ينكسر فوق صلابة خشب طاولة المقهى أين كان يجلس.أسقط القلم في جيب قميصه وأخذته ابتسامة شاحبة نحو الركن الأيسر للمقهى ليلمح أصابع فتى ـ في عمره تقريبا ـ تتشابك مع أصابع عجوز سائحة وفوق طاولتهما تذكرتا سفر ـ على ما يبدوـ وزجاجتا بيرة.طوى الورقة الفضية بأصابعه الخشنة ودسّها في العلبة الحمراء، الفارغة ثم نهض وخرج. ألقى علبة السجائر المملوءة بالخشب والأطباق والدعوات في أول حاوية فضلات اعترضته ثم قطع الشارع العريض باتجاه الإسكافي الرابض أمام صندوقه الأزرق منذ أن جاء إلى هذه المدينة. دفع له ما تبقى في جيبه من قطع نقدية ليستلم زوجي الحذاء بعد أن تفحصهما جيدا. وضعهما داخل كيس بلاستيكي أسود ثم دلف إلى شارع عريض اخر.كان ينظر إلى زوجي حذائه البني وفي عينيه كل الغبطة, فزوجا الحذاء تزاوجا إلى الأبد دون حاجة إلى أثاث أو دعوات أو ابتسامات شاحبة.

2008/07/05

حوار مع الباحث خالد الحداد


مؤلف كتاب «بورقيبة والإعلام» الباحث والصحفي خالد الحداد (الجزءالاول):

النضال النقابي عاضد السياسيين والمهنيين في فرض هامش أوسع للحرية الاعلامية

يعتبر كتاب «بورقيبة والإعلام: جدلية السلطة والدعاية» للزميل الصحفي والباحث خالد الحداد وثيقة مهمة للوقوف على الجوانب الخفية في تمثلات وكيفية ممارسة الرئيس الأسبق للجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة للإعلام والاتصال.
فبحث خالد الحداد الذي نال به شهادة الماجستير في علوم الإعلام والاتصال نهض متنه على تدرج منهجي وعلى كم هائل من المعلومات والحقائق والوثائق المبوبة ضمن زاوية بحث الرجل المتمثلة في السياسة الإعلامية للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وخطته الاتصالية التي انتهجها قبل وبعد نيل الاستقلال التام وقد رفد خالد الحداد بحثه بجداول إحصائية وشهادات قيمة لوزراء وكتاب دولة وعاملين في الميدان الإعلامي من الذين عايشوا الفترة البورقيبية، وفيه أيضا انتقى الباحث اضمامة مرجعية لخطب ألقاها الرئيس الحبيب بورقيبة تناولت مسألة الإعلام والاتصال، إلى جانب نماذج من المقالات الصحفية التي نشرها الرئيس بورقيبة.
ونظرا لقيمة هذا المنجز التأريخي والتحليلي الذي ينضاف إلى المكتبة التونسية والعربية ارتأينا أن نقف مع الزميل الباحث خالد الحداد على أهم ما قدمه ضمن مؤلفه في هذا الحوار.

لو أني تركت الصحافة تفعل ما تريد لخرجت من الحكم في غضون ثلاثة أشهر» هل يمكن أن نعتبر مقولة نابليون هذه التي صدرت بها مؤلفك هي الخلاصة التي توصلت إليها في بحثك حول تعامل بورقيبة
مع الإعلام؟

ـ نعم ، هذا القصد موجود ، فرجل الحكم في أيّ نظام سياسي يسعى إلى الهيمنة والمسك بدواليب الشأن الإعلامي كسعيه للهيمنة على سائر الشؤون والمجالات حتّى يضمن سيطرته ويتجنّب وقوع أيّ نوع من القلاقل، فنواميس مختلف المجتمعات والشعوب والحضارات أقرّت هذا المدّ التسلّطي والرقابي من الدولة بمختلف أجهزتها ومكوّناتها وعلى اختلاف تلويناتها وتشكّلاتها على سائر مناحي الحياة الّتي هي تحت سيطرتها وفي حدودها الترابيّة والجغرافيّة، وليس الإعلام فقط هو المستهدف بالحصار بل كذلك مناحي الإبداع الفكري والثقافي والتنظّم الجمعياتي والسياسي وغيرها هي كذلك وستظل تحت أعين الرقيب.
والحالة تلك وخوفا من كلّ الانفلاتات والاهتزازات الّتي قد تقوّض كيان الدولة وتمسّ بسلطان الحاكم كان وما يزال الإعلام محلّ التضييق والخنق والتشويه والتوجيه، أنا هنا لا أُعطي حكما عامّا شاملا ولكن حتّى في الأنظمة الّتي تلحّفت برداء الديمقراطيّة والحداثة يُمكننا لو تفحّصنا مليّا التكوينة الإعلاميّة والاتصاليّة بها وطريقة دورانها أن نجد أثرا للدولة فيها وفي أيّ بلد من بلدان العالم سواء عبر التمويل أو الإغراء والرشوة أو الضغط الضرائبي أو غيره ، هناك مداخل عديدة للسلطة السياسيّة والتنفيذيّة حتّى تلج رحى العمليّة الاتصاليّة والإعلاميّة وتفعل فيها الفعل الّذي تشاء وتريد.
أمّا لماذا كلّ هذا التوجّس والخوف من الإعلام، فلأنّه قادر على كشف المستور واختراق التعتيم ونقل الأخبار والأحداث على نطاق واسع ، ولأنّه كذلك قادر على تحليل المعطيات وتنزيلها في سياقاتها الصحيحة ، بلغة أوضح الإعلام لمّا يكون حرّا بإمكانه أن يُشكّل الرأي العام ويضبط ثقافة الناس ووعيهم بالأحداث والمستجدّات، أي أنّه من هذا المنطلق بإمكانه أن يُهدّد وجود رجال السلطة والحكّام، لذا تعبّر مقولة نابليون إلى درجة كبيرة جدّا عن هذا المعطى الأساسي والهام.
الإعلام في منطلقه هو سلطة قائمة الذات أو هو يجب أن يكون كذلك، أي أنّه شيء آخر مختلف عن السلطات الأخرى الّتي عرفتها المجتمعات الديمقراطيّة الحديثة، وشيئا فشيئا لم يعُد مصطلح السلطة الرابعة معبّرا عمّا أضحى للإعلام من قوّة تأثير بالغة الأهميّة وسط هذا الانفجار الإعلامي والاتصالي الرهيب بل أصبح مجالا حيويّا واسعا تسعى كلّ القوى للسيطرة عليه والحدّ من تلك السلطة المتزايدة الّتي أضحى يمتلكها في التأثير على بقية السلطات التنفيذيّة والقضائيّة والتشريعيّة حتّى أصبح الإعلام على حدّ تعبير تشومسكي صانعا للإجماع الوطني وحتّى الإقليمي والدولي في كلّ المجالات والميادين.
والمخيف اليوم والمزعج حقّا، هو هذا التمازج بين السلطة السياسيّة وسلطة رأس المال، السلطة السياسيّة تعقدُ العلاقات والصفقات مع رأس المال وتضمن له مصالحه ومنافعه في مقابل أن يقوم هذا الأخير بالقبض على المقود الإعلامي، وأسألك هنا: من يملك اليوم السيطرة على الإعلام في العالم؟ لتجيبني بالتأكيد: إنّهم الرأسماليّون وكبار رجال المال والأعمال في العالم ومن ورائهم الساسة، يتبادلون الأدوار والمهمّات لغاية مشتركة هي السيطرة والهيمنة وحماية النفوذ.
وأُريد أن أُذكّر هنا بأنّني في نهاية بحث «بورقيبة والإعلام» وجدت نفسي أمام إشكاليّة بحثيّة جديدة، وهي: كيف يمكن لرجل السياسة أن يتمثّل مفهوما حداثيّا للإعلام والاتصال ويُترجمه في الواقع من خلال ترك المجال واسعا لحريّة التعبير والإعلام المستقلّ والحال أنّ ذلك قد يُقصيه عن موقع القرار والقيادة ويفقده الزعامة ويجرّده من كلّ «سلطاته» ؟ لأنّ سياساته وقراراته وممارساته ستكون حينها عرضة للنقد والتقويم والتحليل.

* هل يمكن أن نقول أنك بهذا المنجز حاولت أن تجيب عن سؤال الدكتور منصف وناس (كيف يمكن أن نقرأ بورقيبة؟) وسؤال الدكتور عبد الجليل بوقرة (من هو بورقيبة؟)؟

ـ ما أقوله أنّني أجبت عن السؤال الأوّل وقدّمت محاولة للإجابة عن السؤال الثاني، سؤال الدكتور منصف ونّاس سؤال يهمّ منهجيّة البحث بما فيها من آليات ونظريات ومراحل بحثيّة ، هذا قٌمت به في البحث حيث جمعت بين الدراسة التاريخيّة والبحث الوثائقي وتحليل مضامين الخطاب السياسي وعاضدتُ كلّ ذلك بمجموعة من الأحاديث مع وزراء وكتاب دولة للإعلام وصحافيّين عايشوا الحكم البورقيبي وأخضعت كلّ ذلك إلى مقاربات نظريّة دقيقة وواضحة وأقمت للبحث إشكاليّة محوريّة وعددا من الفرضيات منذ البداية مكّنتني من الوصول إلى ما توصّلت إليه من نتائج واستنتاجات، والمهمّ في هذا الجانب أنّ مسألة ذاتيّة ساعدتني على تطبيق تلك المنهجيّة العلميّة الّتي ينشدها الدكتور ونّاس وهي أنّني بعيد عن أيّ التصاق مصلحي وشخصي بفترة الحكم البورقيبي ، أي أنّني ولجتُ دراستي الجامعيّة بما فيها من وعي سياسي ونضج فكري وثقافي وتلمّس لخيوط البدء في هذه الحياة المتداخلة زمن انتهاء ذلك الحكم وبداية حكم سياسي جديد في البلاد وانفتحت على الحياة السياسيّة والإعلاميّة وكنت عاملا فيها بعد زوال حكم الرئيس بورقيبة، هذا مهمّ جدّا ليست لي أيّة صلة بالمرحلة الّتي درستها ربّما إلاّ الولادة ومرحلة الابتدائية والثانويّة ولا تجمعني بمختلف أطرافها مسائل عميقة أو صداقات متطوّرة، ومن المعلوم أنّ العلاقة الحميميّة بموضوع البحث هي من العوائق الابستومولوجيّة الّتي تحول دون الموضوعيّة العلميّة كما وضّح ذلك غاستون باشلار، إذ لا يُمكن للمرء أن يكون بالشرفة ويرى نفسه مارّا بالشارع، لذلك انطلقت في البحث دون أفكار أو ارتسامات مُسبقة أو نوايا مبيّتة تجاه هذا الشخص أو ذاك أو هذا التيار أو غيره مثلما يعمُدُ إليه البعض ممّن صنعوا الأحداث وكانوا في مواقع القرار والفعل والمشاركة ثمّ كتبوا لاحقا بعد غيابهم عن تلك المواقع ما به يُبرّرون نقاوتهم وبراءتهم من أخطاء تجربة كانوا هم من المشكّلين لأهمّ مفاصلها أو يتّهمون غيرهم بما لم يكن فيهم وكشفت منتديات مؤسّسة التميمي للذاكرة الوطنيّة هذه الحقيقة، وربّما هذا ما دعا الدكتور ونّاس إلى الإقرار بوجود قراءات مختلفة ومتباينة «قراءات لا تكاد تلتقي، بل هي متفرّقة تماما، فهي إمّا مدحيّة مُسرفة في المدح، وإمّا نقديّة مُوغلة في النقد، وإلى الإقرار كذلك بغياب قراءات معتدلة وموضوعيّة»رؤية الدكتور ونّاس أقدّر أنّها منطلقة من ذلك التوصيف الّذي ذكرته ، والّذي فعلته أنّني سعيت وبصرامة علميّة رعاها الدكتور مصطفى حسن الّذي أطّر هذا البحث ودعّمها عضوا لجنة المناقشة الدكتور يوسف بن رمضان والدكتورة سلوى الشرفي ( الّذين أتوجّه إليهم بهذه المناسبة بتحيّة تقدير)، إلى تجاوز الغياب الّذي أشار إليه الدكتور منصف ونّاس، وذلك عبر قراءة اجتهدت قصارى جهدي أن تكون معتدلة وموضوعيّة لمسألة في غاية الدقّة والأهميّة، قراءة لها ضوابط منهجيّة ونظريّة دقيقة أي ليس فيها مدح مجاني ولا فيها كذلك نقد مبيّت.
هناك اليوم منهجيات واضحة للبحث العلمي وهناك نظريات للدراسة الأكاديميّة يُمكن أن نطبّقها على أيّ فترة أو مرحلة تاريخيّة وعلى أيّ تجربة في أيّ دولة من الدول، نفس المنهجيّة ونفس أدوات البحث الّتي عالجت بها التمثّل البورقيبي يُمكن أن تطبّق ـ مثلا ـ بنفس العناوين وبنفس الخطوط وبنفس الضوابط على الخطاب والممارسة الإعلاميّة في تونس بعد 1987 ، ولكن الاختلاف ربّما سيكون في النتائج لأنّ الفترة ليست الفترة والمرحلتان لهما خصائص ورؤى مختلفة في العديد من الجوانب وبالأخص منها حسب تقديري في مفاهيم الخطاب السياسي الرسمي وفي التشابكات الّتي انتهى إليها المشهد الإعلامي ككلّ ، وهذا الأمر يتطلّب كما يبدو لي بحثا جامعيّا آخر.
أمّا سؤال الدكتور بوقرّة فمن الصعب الإجابة عنه ،لأنّ شخصيّة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة بما فيها من خصائص وميزات ستظلّ في حاجة للدراسة والتمحيص ومن العسير تحديد رؤية متكاملة لهذه الشخصيّة الفذّة والنادرة شأنها ككلّ شخصيات الزعماء والقادة الكبار الّذين ترشّحهم معطيات الواقع دون سواهم لمثل تلك المهمّات المستعصية والمعقّدة في قيادة شعب ما أو أمّة في ظرف تاريخيّ خاص ، أنا أؤمن بوجود ظواهر تاريخيّة لم تستوف إلى حد الآن البحث ولا تخضع لمنهج آلي أو مقاربة نهائيّة ، وقصارى جهد الباحثين فيها تقديم اجتهادات تأويليّة.
لو تتتبّع مثلا مسيرة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ستجد فيها الكثير من الغرابة انعكست مراحلها المختلفة على شخصيّة الرجل، حتّى أنّك في العديد من الوضعيات تجد نفسك وكأنّك أمام شخصيات متعدّدة لبورقيبة، فهو الليّن والمسامح وهو القويّ العاصف الّذي لا يعرف شفقة ، وهو رجل الحوار وهو رجل القمع ورفض الآخر ، وهو الرجل المدافع عن الحريات وحقوق الإنسان وهو رجل أصدر قرارات لتنفيذ العشرات من أحكام الإعدام وعرفت فترات من حكمه محاكمات قاسية وغير إنسانيّة، هو رجل خدم البلاد في العديد من الجوانب التنمويّة والتعليميّة والثقافيّة والانتصار لتحرير المرأة ولكنّه كذلك كان الرجل الّذي حرم البلاد الّتي يحكمها من الديمقراطيّة والتعدّديّة وحرمها من الاستفادة من مساهمات لخيرة من نخبها وكفاءاتها السياسيّة والفكريّة والنقابيّة لفترات طويلة ومتعاقبة حيث لم تخل عشريّة من عشريات الحكم البورقيبي من المحاكمات والاعتقالات والمطاردات ،وهو الرجل الّذي دعا إلى العلمانيّة ولكنّه حافظ على جوهر الدّين ولم يُحطّمه كليّا، وهو كذلك الّذي كافح لاستقلال البلاد وطرد المستعمر ولاحقا من أجل بناء الدولة التونسيّة الحديثة والمستقلّة ثمّ أدخلها نهاية حكمه إلى مأزق خطير كاد يعصف بالأخضر واليابس، كيف يُمكن لي أن أجيب عن تساؤل:من هو بورقيبة ؟ أينما تضعه تجده، وربّما تلك سمة من سمات الزعماء والعظماء والقادة التاريخيّين.
ولكن المطّلع على بحثي يُمكنه أن يُلامس محاولة لرصد التمثّلات الّتي كانت للرئيس الراحل بورقيبة حول الإعلام ، وهي تمثّلات لم ترتق بحسب ما توصّلت له في البحث إلى مفاهيم الاتصال الحديث القائمة على جعل الإعلام مجالا للجدل وتباين الآراء والمقاربات وفضاء للمناظرة،إعلام للجميع لهم فيه حقّ التعبير والكلام ، كما بحثت عن أسباب وجود فترات إعلاميّة تعدّديّة ومضيئة في فترة الحكم البورقيبي متناقضة مع تلك التمثّلات لأجد أنّ الضغط الّذي مارسته عدّة قطاعات منها الإعلام المهني والنضال السياسي والنقابي وأطراف خارجيّة وكذلك تداعيات الأزمات الاجتماعيّة فرضت وجود تلك المحطّات المشرقة مثل «ربيع الإعلام» في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وأٌلاحظ هنا أنّ التمثّل البورقيبي جعل من حريّة الإعلام بابا للتنفيس عن حالات اجتماعيّة متدهورة ومتّسمة بالاضطراب والمخاطر ووجد في»حريّة الإعلام» مخرجا مرحليّا لتلك الأزمات.
وفي المحصلة فإنّ هوامش الجدل الإعلامي الّتي تواجدت في بعض فترات الحكم البورقيبي لم تكن نابعة عن تمثّلات الرئيس بورقيبة بل كانت في غالب الأحيان نتيجة لعوامل خارجة عن تلك التمثّلات ، وذلك ما أبقى في تقديري مقولة «الحريّة الإعلاميّة» حبيسة الظرف التاريخي وأهواء الرئيس بورقيبة ولم تخرج المبادرات الّتي تمّ الإعلان عنها في بعض الفترات عن مستوى «القرار السياسي العابر» والكلام الإيديولوجي والدعائي، وهو ما يفسّر تساقط تلك المبادرات وتهاويها حتّى تلك الّتي كانت صادرة عن جهاز الدولة نفسها مثل مبادرة «الانفتاح» في ثمانينات القرن الماضي، وما توصّلت إليه في البحث أنّ الإرادة السياسيّة البورقيبيّة لم تكن في أيّ فترة من الفترات ترغب في ترسيخ روح الجدل داخل المشهد الإعلامي بصفة فعليّة وحقيقيّة، كما أنّ مضامين الجدل الإعلامي لم يكن مسموحا لها بولوج عدد من الميادين الحساسّة ذات الصّلة خاصّة بانتقاد نظام الحكم وبرامجه. وحتّى وإن أكّدت الدراسة النوعيّة للممارسة الإعلاميّة طيلة الحكم البورقيبي وجود نظامين إعلاميين الأوّل أحاديّ والثاني تعدّديّ فإنّ الدراسة الكميّة القائمة أساسا على ضبط المدى الزمني لكلا النظامين تشير إلى هيمنة وسيطرة النظام الأحادي وظرفيّة ومحدوديّة النظام التعدّدي، كما أنّ المقارنة بين التمثّلات والممارسات دفعت إلى الإقرار بأنّ العديد من المفاهيم المتواترة في الخطاب البورقيبي حول الإعلام بقيت دعائيّة ولم تعرف التجسيد على أرض الواقع.

* لو تجمل لنا أهم نقاط الاختلاف في تعامل بورقيبة مع الإعلام لما كان زعيما وطنيا ثم لما صار رئيسا للجمهورية التونسية؟

ـ إنّ مقاربة علاقة بورقيبة بالإعلام تمثّلا وممارسة والتدرّج في متابعة تطوّر هذه العلاقة وتنوّعها تبرز أنّ الحبيب بورقيبة قد وعى بصفة مبكّرة بأهمّية الوسيلة الإعلاميّة في خدمة الأهداف والغايات وبالقوّة التأثيريّة والتوجيهيّة للإعلام ، وعدّد بورقيبة في الكثير من خطبه فضائل «الإعلام» على الحركة الوطنيّة التونسيّة، فعبر الصحافة تمّ تبليغ هموم التونسيّين تحت سلطة المستعمر الفرنسي، وعبرها كذلك تمّت المناداة بحقّ البلاد في الاستقلال، كما ساهمت المقالات الصحفيّة في إثراء الجدل بين النخب التونسيّة وبينهم وبين نظرائهم في فرنسا والعالمين العربي والغربي، كما أنّ أطر وهياكل إدارة وتحرير الصحف والجرائد كانت مهدا للدفاع عن الهويّة الوطنيّة التونسيّة ومنطلقا لتنظيم العمل الكفاحي والتحريري.
وأدّى «الاتصال المباشر بالجماهير والمواطنين» الّذي آمن به بورقيبة طويلا إلى تكوين حزام شعبي واسع حول أقطاب النخبة السياسيّة والثقافيّة والنقابيّة ممّا ساهم في إذكاء روح المقاومة ومن ثمّ تقوية الضغط على المستعمر الفرنسي وإخضاعه في الأخير إلى مطالب التحرّر والاستقلال، ولا بُدّ هنا من الإشارة إلى تعويل الزعيم بورقيبة كثيرا على الصحافة والإعلام الأجنبي لضمان التأييد الدولي للقضية الوطنيّة ، إذ كتب في عديد الصحف الفرنسيّة على وجه الخصوص وأدلى بحوارات إذاعيّة هامّة جدّا من أبرزها الحوار مع المذيع منير شمّا في مقرّ إذاعة الـ» بي بي سي» في لندن سنة 1950 وهو الحوار الّذي كاد يتسبّب في قطع العلاقات الفرنسيّة البريطانيّة.
ولكن ما إن امتلك بورقيبة زمام الأمور بين يديه حتّى انقلب عن تلك المواقف والقناعات ، ولم يكن غريبا أن يكون أوّل وزير مستقيل من حكومة الاستقلال هو كاتب الدولة المكلّف بالإعلام البشير بن يحمد ، وتتالت الضغوطات على الصحف، وأبرزتُ في البحث أنّ عدد الصحف والدوريات التونسيّة بدأ في التناقص مع تقدّم مسيرة الدولة التونسيّة عمّا كان عنه حتّى زمن الاستعمار نفسه ، وهذه من المفارقات الغريبة الّتي تحمل الكثير من الدلالات ، فإذا كانت الصحافة التونسية وكما ضبط ذلك الباحث جمال الزرن تعدّ 51 عنوانا سنة 1937 و 25 عنوانا سنة 1950 و17 عنوانا فجر الاستقلال ، فإنّها بعد الاستقلال وبسبب ضغوط الرئيس بورقيبة على حرية الصحافة تقلّص عددها فمن 7 يوميات ناطقة باللغة العربية قبل الاستقلال لم تعمر إلا صحيفتان يوميتان بعد الاستقلال، أما الأسبوعيات والدوريات الّتي كان يُناهز عددها العشرين لم يبق منها سنة 1965 سوى خمسة عناوين يتيمة فقط ، فجريدة «الزهرة» أعرق الصحف وأوّل يومية تونسية مستقلة والتي تأسّست سنة 1890 اختفت سنة1959 ، كذلك الشأن بالنسبة إلى صحيفة الطليعة
وAfrique Action qeCG Tribune de progrès فقد عرفت العديد من الأطوار انتهت بالسيطرة عليها وتسليمها إلى الوزير الأسبق محمّد الصياح سنة 1963 لتُمارس سياسة دعائيّة للزعيم الأوحد وترسم ملامح فردانيّة لنضال شعب بأسره من أجل طرد المستعمر، ففي سنة 1958 عارضت الجريدة الّتي كان يديرها حينها محمّد المصمودي والبشير بن يحمد محاكمة الطاهر بن عمّار، فاهتزّ بورقيبة وسارع بطرد المصمودي من الديوان السياسي للحزب برغم العـلاقة القويّة الّتي كانت بينهما، ولاحقا وبسبب المقال الشهير الصادر في عدد 12 سبتمبر 1961 الّذي تطرّق إلى ظاهرة الحكم الفردي
Le pouvoir personnel الّتي بدأت قيادات الدول العربيّة المستقلّة في انتهاجه أبعد بورقيبة بن يحمد واضطرّه إلى الهجرة، كما قرّر بورقيبة وبسبب نفس المقال طرد المصمودي من الديوان السياسي للحزب للمرّة الثانية ، كما حاصر بورقيبة جريدة «الصباح» بسبب ما أبدته من ميل للزعيم صالح بن يوسف وحجب عنها تمويلات الدولة والحزب مدّعيّا خروجها عن الإجماع الوطني في حين أنّها كانت تعبّر عن رؤية معيّنة من مسألة الاستقلال وطبيعة العلاقة الّتي يجب أن تكون مع الدولة الفرنسيّة. وفي الكتاب شهادات معبّرة عمّا تعرّض له الإعلام في العهد البورقيبي من تكبيل ومراقبة وحصار وتدخّل في شؤونه (عبد الحميد بن مصطفى وصلاح الدين الجورشي) ، وحتّى الإعلام الرسمي نفسه ـ مثل وكالة تونس إفريقيا للأنباء والإذاعة والقريب من الحزب الحاكم مثل جريدة «بلادي» ـ كان يتعرّض إلى صنوف من التوجيه والانتقاء والصنصرة والرقابة المكثّفة ( وحيد براهم وبلحسن بن عرفة). الرئيس بورقيبة ونتيجة لهواجس السلطة والزعامة والتفرّد في الحكم وقيادة البلاد كان يرفض وجود إعلام تعدّدي فيه الرأي والرأي الآخر ، وكان يعتبر كلّ من ينتقد فلسفته في الحكم مناوئا ومعاديّا ووصف في إحدى خطبه مقالات البشير بن يحمد بأنّها «سفاسف» ، ولاحق أمنيّا وقضائيّا مجموعة «الطليعة « و Tribune de progrès وغيرها من الصحف ، وقصر فهمه لأهداف الإعلام على أهداف معيّنة هي الدعاية لبرامج الحكم، وفي تقديري فأنّ بورقيبة لم يتمثّل الإعلام والاتصال كشيئين منفصلين عن أجهزة الدولة بل اعتبرهما أحد هذه الأجهزة ، إن لم يكونا أبرزها على الإطلاق ومن المهمّ هنا الإشارة إلى أنّ الحكومة التونسيّة لم ينقطع عنها ومنذ تشكّلها في 15 أفريل 1956 وإلى 6 نوفمبر 1987 كاتب دولة أو وزير مكلّف بالإعلام تماما كالحقائب الوزاريّة السياديّة.
وبحسب رأيي فإنّ بورقيبة قد تمثّل الوسيلة الإعلاميّة كأداة لتنفيذ برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي محدّد لطرف وحيد هو «الدولة» وطالما أنّه كان يعتقد أنّه والدولة سواء في قولته الشهيرة L'Etat c ' est moi فقد غاب عنه الإيمان بأهمية التفاعل والتواصل بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين وبقيت النظرة إلى «الإعلام» محكومة بهواجس الخوف من «الآخر» والسعي إلى الحدّ من فرص وجوده على المسرح الإعلامي. ومن خلال ما توفّر من وثائق فإنّ بورقيبة قصر ذكر مفهوم «الاتصال» كمرادف للإعلام التقليدي والاتصال المباشر بالشعب ولم يستوعب المفهوم في توسّعه وانفتاحه وجدله وتعدّد أطراف بث «الرسالة الإعلاميّة» أي بمفهومه الديمقراطي والحداثي كفضاء ومجال للجدل السياسي والتفاعل والمناظرة، وهذا في نظري ما يُمكن أن يبرّر استمراريّة التدخّل الرقابي والقمعي للسلطة السياسيّة في الميدان الإعلامي منذ فجر الاستقلال وإلى مغيب الحكم البورقيبي دون انقطاع، إذ شهدت عقود الحكم البورقيبي الثلاثة ـ وإن بدرجات متفاوتة ـ العديد من القرارات والإجراءات الهادفة إلى تعطيل «الجدل الإعلامي والاتصالي» وإيقافه كلّما حاول الانطلاق.

2008/06/30

تراتيل بحرية (قصة قصيرة)

"... ثم رأيت البيت المعمور, فإذا هو قلبي"ابن عربي

أصل الخرافات هاتف شوق... وأوّل الأساطير موعد مع اللاّمنتظر, ترتّبه مفارقات عجيبة, مخاتلة ومباغتة, لا تترك لك فرصة لاستيعاب ما سيحلّ بك ولو بعد دقيقة واحدة من الزّمن اللاّممسك. توليفة عجائبيّة تدفعك للتواطؤ مع لون الجدران مثلا,
مع رائحة الممرّات أو خذلان أزرار المصعد الآلي, مع أحذية النّزلاء وألوان ربطات العنق... ومع صوتها... صوتها هي النّازلة من سلالم الطّوابق العليا إلى بهوك السّفلي... هي الّتي تطوف بك وتجعلك تركب ظهر الصّدف المرتّبة بنظام سريالي وأنت تركض كطفل من أسفل إلى أعلى... من بهو الاستقبال إلى شرفة الغرف... من الأرضي إلى السّماوي...
صدفة تجد رأسك مثقلة بالبيرّة في قاعة استقبال أحد النّزل الفخمة, وعلى غير موعد يطفح قلبك بسكون البحر الفجريّ, وبزغب صرّتها الحليبيّة بإحدى شرفات الطّوابق العليا, حينها تفقد أصابعك واحدا واحد. لا يهمّ إن كان خنصرا أو بنصرا
المهمّ أنّه غار في الصلصال المسكون باضطراب الأنفاس وتقطّع اللّهاث... ويضيع المتبّقي من جسدك المرهق في ارتجاف الشّهقات الخجولة.
... إعترضها في الممرّ الطّويل الممتدّ من باب المصعد الآلي إلى خارج جناح النّزل بالطّابق السّادس. تركها تنهي حديث مجاملة مع أحد النّزلاء, يبدو أنّه كان داخل تلك العلبة الآلية, مثلما يحدث غالبا في مثل هذه الأماكن.
سألها عن رقم الغرفة الّتي حجزت لها من طرف إدارة النّزل, فأجابته أنّها الغرفة رقم 1711.
ابتسم وهو يقول:
ـ جيّد. إذن سيفصلنا جدار واحد هذه اللّيلة. جيّد جدّا.
ـ لماذا, هل حجزت الغرفة رقم 1710 أم 1712 ؟
ـ الأولى, الأولى. غرفة 1710 .
ناولته المفتاح وهي تهمس بدلال:
ـ دلّني على الغرفة إذن, لأرى سمك الجدار الفاصل بيننا.
تباوسا خلسة في الممرّ وهما يمدّان الخطى نحو الغرفة.
لم يضمر أيّ شيء في ذهنه. ولا هي. كان هو مشتّتا بين زجاجات البيرّة الّتي تركها فوق المنضدة ببهو النّزل حذو مضيّفه , وبين جثّة الرّجل الّذي يقاسمه غرفته رقم 1710 , وبين الفسحة البحريّة الّتي تواعد عليها معها قبل ساعة, أمّا هي فكانت سعيدة لتخلّصها من دعوة صديق لها لشرب قهوة خارج النّزل بضاحية سيدي بو سعيد, متعلّلة بالإرهاق والتّعب.
كانا هكذا, هو مشتّت وهي سعيدة, إلى أن ألفيا نفسيهما داخل عرفة مرتّبة بعناية فائقة... غرفة بابها مغلق على النّزلاء, ونافذتها البلّوريّة مفتوحة على الأفق البحري الممتدّ إلى آخر البصر... غرفة معدّة مسبقا للرّقص على خوان نحاسي من جمر الشّهوات المصهودة...
قطع الصّمت قائلا:
ـ تركت بيرّتي والأصدقاء فوق الطّاولة بالبهو.
فأجابته دون تفكير:
ـ تخلّصت من دعوة ثقيلة مع صديق قديم.
ـ والفسحة البحريّة معي. هل نسيتها أم هل ستتخلّصين منها هي الأخرى؟
ـ لو نزلنا إلى أسفل لرآني صديقي، وأنا الّتي أوهمته بتعبي ورغبتي في النّوم.
ـ إذن سأدعوك لفسحة بصريّة على البحر من نافذة غرفتك.
صمتت قليلا ثمّ سألته بصوت مغناج:
ـ وزجاجتك الطّيّبة, كيف تتنازل عنها؟
سحب الجزء المتبقّي من ستارة فستقيّة اللّون كانت تغطّي بلّور النّافذة إلى آخر ركن الغرفة, ثمّ سحب سيجارة من علبته وأشعلها وهو ينظر إلى ضوء القمر الّذي بدأ ينكسر على ماء البحر, و قال لها :
ـ سأشرب البحر بدل البيرّة. ما رأيك؟
لم تكن في حاجة كبيرة إلى فطنة استثنائيّة لتعرف أنّه الآن يستفزّ ذكائها وحواسّها معا, أو هو يراهن عليهما كما يوهمها دائما. كانت متأكّدة تماما أنّه يعني ما يقول...أنّه سيشرب البحر... وكانت هي البحر... بحره.
لم تقل شيئا. تقدّمت منه, وهو لا يزال واقفا أمام النّافذة. سرّحت بصرها في الزّرقة اللاّمتناهية وهي ترسم بأصابعها خطوطا عموديّة وأخرى أفقيّة على امتداد المساحة البلّوريّة المتاحة أمام يديها, ثمّ مسكت السّيجارة من يده. سحبت منها نفسا ممتلئ قبل أن تعجن نصفها في قعر المطفأة بتلذّذ خفيّ, ثمّ التصقت به وبدءا يسكران سويّة وهما يتطاوقان ويتمايلان وسط الغرفة كتوأمي فراش يكابدان لحظة خروجهما من الشّرنقة.
ظلاّ هكذا برهة من الزّمن إلى أن أسقطهما السّكر فوق السّرير, جذبها إليه وبدأ يغوص في أعماق البحر...وكان البحر يبتلعه مرّة... ويلفظه أخرى.
أسند قلبه على زندها الرّخامي الملمس وصار عندها كالغريق النّاجي, لا يني يمسح بلسانه طحالب صرّتها مدّا, وجزرا يهمس في أذنيها بحروف متعثّرة بلسانه, وهو يمرّر شفتيه متلمظا صدفتيها الحليبيّتين ويمزمزهما كحبّتي زبيب, ويقول لها:
ـ ملح البحر يصير سكّرا في لساني, يا بحري السكّري.
تتبسم في حياء مصطنع, وهي تسحب اللحاف الأبيض إلى حدود صدرها الناهد وتهمس له :
- كفى. كفى الآن, انك ستبتلع البحر بأكمله ولن تسكر أبدا أيها الرحمان الرجيم.
ضحك الاثنان وتباوسا من جديد ثم رفعها من خصرها إليه وعاودا الوقوف قدام نافذة الشرفة المطلة على البحر المتلألئة مياهه تحت ضوء القمر. ظلا ساكنين ينظران إلى البحر طويلا... طويلا حتى تبدت لهما خيوط الشمس مارقة عن الأفق البعيد خيطا خيطا, وتشرع في امتصاص ضوء القمر الفضي ومحو ظلمة السماء المرقطة بحفنة نجوم لا تزال منثورة هنا وهناك وكأنها تزاحم في كبرياء موهوم أشعة الشمس.
تركها لتأخذ حماما صباحيا وترتب شعرها وزينتها وتعيد لجسدها تماسكه, بعد أن تواعدا على احتساء قهوة الصباح ببهو النزل بعد نصف دقيقة.
دلف إلى الغرفة رقم 1710, غرفته المفترضة في جذاذات النزل. وجد جثة الرجل كما تركها البارحة, شخيرها يتكسر على الجدران البيضاء, وعلى النافذة الستائر الفستقية تحجب زرقة البحر.
أخذ بسرعة حماما باردا أنعش جسده ثم حمل حقيبته الجلدية وربطة عنقه في يديه ونزل خفيفا إلى بهو النزل أين ألقى جسده فوق أريكة مركونة تحت أحد الأبواق المثبتة في السقف.
ارتخى بثقله لينتظر قدومها وأخذ يدندن مع صوت فيروز المنهمر عليه من السقف - :" شايف البحر شو كبير... كبر البحر بحبك يا حبيبي...".
لم يطل انتظاره فبمجرد أن وضع النادل زجاجة البيرة فوق المنضدة الرخامية أمامه حتى تناهى له صوت شهقة مدوية تأتي من جهة المصعد الآلي للنزل.
رفع بصره فإذا هي تنظر إلى الزجاجة المنتصبة أمامه ويدها على صدرها.

2008/06/27

درجة اولى (قصة قصيرة)

هناك قاطرة للبكاء تقل المغنين والحالمين ألغيت ...* مظفر النواب
ألقى بجسده داخل العربة وهو يلهث دون أن يتثبت منها, بعد أن فاجأته صافرة القطار منذرة بانطلاق الرحلة. أنزل الحقيبة الثقيلة من فوق ظهره وركنها حذوه, فوق الكرسي الفارغ, ثم رفع رقبته إلى الأعلى حيث يندفع الهواء باردا من مكيف العربة.لما انتظمت أنفاسه شرع يتفرس ملامح المسافرين المنتشرين داخل العربة الواسعة. لم يكونوا كثرا: سائحة متوسطة العمر مشغولة بتفاصيل الطريق وأزرار آلة التصوير الرقمية تداعبها تارة أمام صواري المراكب المتناثرة فوق ماء البحر وطورا نحو قرص الشمس الذاهبة في حمرتها إلى أسفل زرقة الماء وشاب يلاحق إيقاع الموسيقى المنبعثة من سلكي آلة التسجيل المثبتين في أذنيه, وامرأة تطالع مجلة باللغة الفرنسية.كانوا ثلاثة وهو رابعهم صامتين وسط عربة القطار الواسعة والمكيفة وكانت باقي المقاعد شاغرة المقاعد كانت من الجلد الخالص وسليمة من آثار التخريب أو التمزيق وفي طرف كل مقعد ثٌبتت مطفأة سجائر.ـ إذن التدخين مسموح به في هذه العربة.أشعل سيجارة وعاد يمشط العربة ببصره عله يعثر على خربشة بالقلم فوق أحد المقاعد أو تصادفه مُلصقة اشهارية ممزقة الأطراف فوق البلور المفتوح على الخارج.توقف القطار في المحطة الأولى. انزلق باب العربة على اليمين والشمال ولم يصعد أحد, وإنما تناهى إلى سمعه ضجيج وصياح تعالى من ذيل الثعبان الحديدي.في المحطة الثانية نزلت السائحة وصعدت فتاة تحتضن بين ذراعيها جروا أبيض اللون ومن عنقه تدلت قلادة ذهبية. ظل ينقًل بصره بين صدرها الناهد وذيل الجرو الملتصق بإحدى حلمتيها برهة من الزمن ثم فتح حقيبته وأخرج سكينا ومقصا. وضعهما فوق المقعد بجانبه، وعاود النظر إلى الفتاة... ثم شرع في تجميع وترتيب زهرات الفل والياسمين و يلفها بالخيط الأبيض الرفيع، بحركات بهلواني. سريعة ودقيقة.عندما كان مشغولا بما بين أصابعه لم يتفطن إلى مراقب التذاكر وهو يدخل من الباب الخلفي للعربة ويتجه نحوه مباشرة بعد أن وزع ابتسامته للفتاة وتحيته للشاب والمرأة.ـ التذكرةـ تفضلسحبها من جيب سترته وهو يغلق حقيبته كيفما اتفق ويجمع حبات الياسمين والفل المتناثرة فوق ركبتيه.ـ ماذا تفعل هنا ؟ إنها تذكرة درجة ثانية.ـ لم انتبه, فاجأني القطار فصعدت من أول باب مفتوح.توقف القطار في المحطة الثالثة. نزل مراقب التذاكر حاملا الحقيبة المملوءة بأزهار الياسمين والفل وهو يتبعه من الخلف ويتوسله أن يخلي سبيله.بعد أن خرج من مخفر الشرطة أين حجزت حقيبته بما حوت، قطع السكة في اتجاهها العكسي. اقتطع تذكرة للعودة من حيث جاء وغاب طيفه في الضجيج المتعالي أمام العربة درجة ثانية.

2008/06/26

حوار مع عم خميس زليلة صاحب بابور زمر


...هو الذي كان يجمع أعقاب السجائر من على أرصفة الشوارع والأنهج والأزقة الباردة ليدخنها بشراهة أسطورية... وهو الذي كان ينبش المزابل والحاويات الحديدية هنا وهناك بحثا عن فتات الخبز اليابس ليقضمها رفقة القطط والكلاب السائبة... وهو الذي هرب من ثكنة الجيش الفرنسي بسيارة مصفحة ليحكم بالإعدام مرتين وينجح في الإفلات من تنفيذ العقاب...هو عم خميس كما يحلو لكل رفاقه وأصدقائه أن ينادونه... وهو أيضا المولدي زليلة مثلما هو مسجل بدفاتر الحالة المدنية ببلدية أولاد يانق بجزيرة قرقنة ذات 27 ديسمبر 1917....عم خميس هو الذي عمل كناسا بشركة السكك الحديدية ثم تطوع في الجندية سنة 37 بجيش الباي... والمولدي زليلة هو الذي ناضل في صفوف الحزب الشيوعي وأسس جريدة العامل التونسي والمهاجر بمدينة قرونوبل الفرنسية... قبل أن ألتقيه، وإلى زمن غير بعيد كنت أؤمن بأن قيمة الحياة لا تكمن في الامتداد وطول الأعوام، بل تكمن أساسا في كيفية استخدامها وتوظيف عمر الواحد منا بالشكل الأنسب لامتلاك ناصية حياته... بعد أن عرفته وجالسته لأيام معدودات لم تتجاوز الثلاثة، لم أتراجع عن إيماني هذا، وإنما تعلمت منه أيضا أن العمر الطويل هو الذي يكتنز سر الحياة ومكنوناتها...
وأنت تدخل سنتك التسعين، كيف يمكنك أن تقدّم مسيرتك لقراء الشعب ؟
ـ في ميلادي ، عندما كان عمري ستة سنوات لم أكن جميلا ووسيما فتكوّنت لدي عقدة نقص، ممّا جعلني أنعزل عن أصدقائي وصرت ميّالا لمصاحبة الرجال الكبار والذين تعلّمت من مجالستهم الكثير من خبايا الدنيا، كما أن كل الرجال الذين تعرّفت عليهم في صغري أحبّوني لأنّى كنت أروي لهم ملخصات عن بعض الكتب التي كانت تقع بين يدي مثل سيرة عنترة ابن شدّاد وسيرة سيف بن ذي يزن، فصار لدي فائض من الكبرياء والأنفة يلازمني إلى يوم الناس هذا.كما كنتُ في صغري أدافع عن الحيوانات وعن المرأة والمرضى والصغار والعمّال والفقراء والمهمّشين، فتكوّنت لدي روح نقابية منذ نعومة أظافري، ثم تشكّل وعيي النقابي بعد ثورة أكتوبر ، وبدأت الأفكار تتحرّك في إتجاهات ثلاث (الميناء والسكك الحديدية والترامواي).ثم قدمتُ إلى تونس العاصمة سنة وصرت من جلاّس مقهى الأندلس أين تعرّفت إلى أبو القاسم الشابي ومحمد زين العابدين السنوسي، ثم اشتغلتُ في السكك الحديدية أين بدأ يتشكّل لديّ الوعي السياسي باحتكاكي بالعمّال الإيطاليين، ثم انتميت إلى الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الذي كان يرأسه الحبيب بورقيبة، ومن الأشياء الطريفة التي أستحضرها الآن أنّني طعنتُ رفيقي محمد نصير بخنجر لأنه ظل في شق عبد العزيز الثعالبي فسُجنتُ لمدّة شهرين.أثناء ثورة الأمير عبد القادر الخطابي في المغرب اعترتني رغبة شديدة في الدخول إلى الجيش لتحريض الناس على العصيان والتمرّد على المستعمر الفرنسي وتطوّعتُ فعلا في الجيش الملكي التونسي، وإثر حوادث بباب سويقة استقلتُ من الجيش وكان ذلك قبل أفريل ، ولئن لم يقع القبض عليّ أثناء تلك الأحداث إلاّ أنّني وقعتُ في قبضة البوليس الفرنسي اثر تلك الأحداث وسُجنتُ لمدّة شهرين داخل السجن المدني، ولأنّني فُتنتُ بثورة عبد الكريم الخطابي فقد تطوّعت مرّة ثانية في الجيش الفرنسي إبان الحرب العالمية الثانية ( ـ ) لأهرب منه عندما صعدت حكومة «بيتان» وكانت آنذاك عقوبة الهروب من الجيش الفرنسي تعادل الإعدام، فظللتُ مختفيا من عام إلى نهاية .بعد ذلك انخرطت في الإتحاد النقابي للعمال التونسيين (USTT) وحينها تعرّفتُ على جورج عدّة وعلي جراد وحسين السعداوي وهم المؤسسين الأوائل للحركة الشيوعية في تونس، وقبلها سقطت عني عقوبة الإعدام بعد أن سلّمتُ نفسي للسلطات الفرنسية ووقف آنذاك إلى جانبي الحزب الشيوعي التونسي (P C T) والذي كان قويا في تلك الفترة باعتبار وجود خمس وزراء شيوعيين في حكومة شارل ديغول في فرنسا أثناء الحرب، فسُجنتُ لمدّة سنة واحدة بدلا من تنفيذ حكم الإعدام في، وهي السنة التي أُستُشهد فيها الزعيم النقابي فرحات حشّاد، حشاد الذي اختلفتُ معه على الإنتماء للإتحاد العام التونسي للشغل والإنسحاب من الحزب الشيوعي التونسي. ثم عدتُ إلى الجيش ومن الطرائف التي حصلت لي أنّني عندما كنت مُطاردا من طرف الجيش الفرنسي، كنت أمثّل في مسرحية بعنوان «البهبار» والتي ألفها حمّادي بسيّس وكانت تروي فظاعات السفاح الإيطالي موسيليني والذي تقمّص شخصيته في المسرحية الهادي السملالي.في تلك الفترة تنامى لدي الحس القومي خاصة مع بداية هجرة اليهود للإستيطان بالأراضي الفلسطينية وتملكتني الرغبة في الفرار من الجيش والإلتحاق بالثوار الفلسطينيين، وفعلا هربتُ من الجيش بعد أن استوليتُ على سيارة مصفّحة وقليلا من السلاح، ولكن قبل أن أتجاوز الحدود التونسية باتجاه التراب الليبي التحق بنا الجيش الفرنسي فقتل أصدقائي الثلاثة وهربت أنا إلى جزيرة جربة أين إلتقيتٍ بمحمّد محجوب الذي ساهم في تهريبي إلى التراب الليبي، ومنه وصلتُ إلى مرسى مطروح بمصر حيثُ تدرّبتُ هناك على نفقة الجامعة العربية ثم انتقلت إلى سوريا ومنها إلى لبنان ثم عدتُ إلى ليبيا وقضيت بها سنتين لأعود بعدها إلى تونس ولايزال حكم الإعدام قائما بشأني باعتباري هربتُ بسيارة مصفحة من الجيش الفرنسي، ومع ذلك سقط عني حكم الإعدام للمرّة الثانية وسُجنتُ لمدّة سنة واحدة قضيتها بسجن أفريل.
ثــم عشـت سـنوات الإسـتقلال وبنـــاء الـدول الـوطنـيـة ؟
قبل الحديث عن الإستقلال أودّ أن أذكّر أن الثوّار الذين أخرجوا المستعمر الفرنسي من التراب التونسي هم من الإتحاد العام التونسي للشغل وهو الذي موّل أيضا الحركة الثورية آنذاك رغم معارضة الحبيب بورقيبة.في تلك الفترة دخلتُ مستكتبا للجامعة التونسية لقدماء المحاربين، وكنت أيضا رئيسا لودادية قدماء محاربي فلسطين والتي كان مقرّها بسيدي علي عزّوز، كما بدأت أكتبُ في الصحافة، وكان أول مقال لي أثناء الحكومة المؤقتة سنة وكان قدحا في حكومة بورقيبة الداخلية، كنت قد أوردته بعنوان «قليلا من الواقعية أيها الواقعيون» ، وكانت أول مقالة لي باللغة العربية في صحيفة «الصباح» بعنوان «صاحبة الجلالة، الصحافة» وكتبت عن قضية تونس والجزائر وكتبت في جريدة العمل وقد صُنفت على أساس أنني يوسفي من شق صالح بن يوسف، وتعرضت لاعتداء بالخنجر من قبل الشق البورقيبي ومن المصادفات أني أنقذت من اعتدى علي في وقت لاحق.سافرت الى فرنسا أول مرة يوم 17 نوفمبر 1957 وهناك تعرفت على الماويين والتروتسكيين ثم تعرفت الى المناضل الهاشمي بن فرج وكان العمل مع حركة آفاق وقمنا بحركة عمالية حيث أصدرنا جريدة العامل التونسي ( عند الاشارة لجريدة العامل التونسي تدخل رفيق محاوري المناضل الهاشمي بن فرج ليؤكد على أن جريدة «العامل التونسي» بطابعها التهكمي وباقترابها من الهموم الحقيقية التونسية، كان يمكن لها أن تستمر الى اليوم لولا تدخل البعض من السياسيين التونسيين الذين رأوا أن هذا الأسلوب شعبوي ولا ينطلق من قاعدة ايديولوجية واضحة وكانوا سببا في توقفها عن الصدور!!!)كما كنت ألقي خطابات في جامعة السربون تعرفت على توفيق الجبالي ومحمد ادريس وحسن كركر ورجاء فرحات وجلبار النقاش والهاشمي الطرودي، باختصار جماعة سجن برج الرومي، وأيضا محمد فليس ونورالدين بلهوان ومحمد بن جنات وسيمون بن عثمان ... ثم كوّنا جريدة المهاجر بمدينة غرونوبل، وأيضا الاذاعة الحرة...
هذه التجربة النضالية في فرنسا، كانت استتباعا لأغنية «بابور زمّر « التي أداها الفنان الهادي قلة ، أليس كذلك؟
ـ بالفعل كتبت أغنية «بابور زمّر « وأنا على سطح باخرة «مدينة تونس» باتجاه فرنسا حيث التقيت بالفنان الهادي قلة في مدينة «فانسان» وقد كان آنذاك الهادي قلة يتعلم العزف، فلحن كلمات «بابور زمّر» وصار يؤديها في الجامعات والتجمعات العمالية وأخذت رواجا كبيرا وأنا الى الآن آخذ حقوق تأليف أغنية «بابور زمّر» من فرنسا. ...
وعلاقتك بالرسم هل بدأت في فرنسا أم هنا من قرقنة؟
ـ عندما عدت الى قرقنة سنة 1978 بعد أن خرجت الى التقاعد بسبب المرض وعدت أقوم بنحت الطين ثم صرت أرسم الكاريكاتور ثم رسمت عدة لوحات على الرمل وعلى الجبس وعلى البلور، مثل صورة فرحات حشاد وكنت قد أهديت آنذاك كل أعمالي الى متحف العباسية بقرقنة.
وكيف كانت فكرة هذا المعرض الذي تقيمه الآن بفضاء التياترو؟
ـ الفضل يعود الى المناضل الهاشمي بن فرج الذي بذل قُصار جهده لإنجاز هذا المعرض، وأيضا للمسرحي توفيق الجبالي، وأود هنا أن أشكر رفيقي الهاشمي بن فرج الذي عرفني في فرنسا على الشيخ امام عيسى والشاعر أحمد فؤاد نجم وحمادي العجيمي ومحمد بحر وهو الذي كان همزة وصل بيني أنا والهادي قلة الذي قدم له أغنيتي «بابور زمّر» . كما أود أن أشكر الدكتور حاتم بن ميلاد الذي هو الآن بصدد إنجاز شريط وثائقي حول مسيرتي.
عم خميس لاحظت في هذا المعرض انحيازك التام أولا الى فئات الشعب المفقّر وثانيا الى أسلوبك التهكّمي أو الكاريكاتوري؟
ـ أعشق فن الكاريكاتور لإنعدام القيود والضوابط ولقدرته على إخراج الفكرة بالشكل الأقرب لواقعها، وهذا العشق ليس غريبا علي لأني كنت من أصحاب محمد بيرم التونسي وجون كوكتو وسيمون دي بوفوار. أما عن انحيازي الى المهمشين والمفقرين فهذا أمر بديهي وطبيعي ولا يتطلب تعليق على ذلك . وأنا ـ مثلما لاحظت من خلال معرضي ـ منحاز بالدرجة الأولى الى المرأة المضطهدة ، ولذلك كان أول معرض لي بنادي الطاهر الحداد في الثمانينات، أنا ابن الطبقة المفقرة، هامشي ولا أجد نفسي خارجا عنها، لذلك كتبت ورسمت عن العمال والنساء والمعاقين وكل الذين ينتمون لحزب الفقر . وأيضا وهذا المهم أني وجدت نفسي في الشعر والرسم لأني أعتبرهما من الفنون الحرة والفنون المنغرسة في الارض، في الطبقة المضطهدة والمحرومة. كل المساحة المتبقية أنت حرّ في تحبيرها بما تشاء؟ـ أمنيتي أن أموت وأنا خميس زليلة، ذاك الفقير المهمش ، أمنيتي أن يكافح الشباب ويناضل لأجل الأغنية ، للوحة ، للركح وللشاشة ، أمنيتي أن يستبسل الشباب لأجل حياة أفضل...

2008/06/25

أمين عام المؤتمر القومي العربي خالد السفياني:


مشروع أمريكي لتحويل الصراع العربي الصهيوني الى صراع عربي فارسي
في إطار أحياء الاتحاد العام التونسي للشغل لذكرى النكبة الفلسطينية تمت دعوة الأستاذ المحامي المغربي خالد السفياني الأمين العام للمؤتمر القومي العربي لإلقاء محاضرتين عن القضية الفلسطينية والأوضاع العربية، حيث ألقى محاضرة أولى بالمنستير ومحاضرة ثانية بصفاقس.
وقد انتهزتا وجوده هنا في تونس لإجراء حوار معه وتقديم لمحة للقراء عن المؤتمر القومي العربي وعن مشروعه النهضوي وكذلك للتطرق لبعض التطورات الحاصلة في المنطقة العربية.
* باعتباركم أمينا عاما للمؤتمر القومي العربي، كيف تحددون مفهوم القومية العربية في هذه المرحلة خاصة بعد التطورات الجيوسياسية والتحالفات الراهنة في المنطقة العربية؟ـ في البداية كانت القومية العربية تنطلق من اعتبارها انتماء عرقيا وكانت تشكل أحد مكونات الأمة لكن في نفس الوقت المكون الذي يعتبر إن من حقه الهيمنة الفكرية والسياسية كان يعتبر نفسه أن من واجبه قيادة العمل القومي في الأمة وهذا ما أدى إلى الانشطار والى إساءة تطويق الفكرة القومية في جوهرها، بينما الآن ومنذ تأسيس المؤتمر القومي العربي بتونس منذ 19 سنة أعطي لمفهوم القومية العربية بعد جديد حيث وقع تأسيس هذا المؤتمر من طرف شخصيات تنتمي إلى مختلف مكونات الأمة العرقية والمذهبية والدينية والسياسية... وأصبحت القومية العربية ذلك الوعاء الذي يضم مختلف أبناء الأمة بمختلف انتماءاتهم التي تؤمن بالمشروع النهضوي العربي وان اختلفت رؤيتها في بعض الجزئيات أو بعض القضايا داخلية كانت ام عربية، وفي هذا الإطار كان توجه المؤتمر وهو يطمح ان يكون مرجعية فكرية عربية يطلق الحوار العميق والهادئ بين كل مكونات الأمة ويضع على عاتقه خلق آليات هذا الحوار، وقد تم تأسيس المؤتمر القومي الإسلامي، ولئن كان المؤتمر القومي العربي يضم العديد من القيادات الماركسية والليبرالية والقومية التقليدية والإسلامية فانه عمل على تأسيس هذا الإطار أي المؤتمر العربي الإسلامي من اجل خلق حوار وتنسيق الجهود بين القوميين واليساريين والليبراليين وبين الإسلاميين بمختلف مكوناتهم في الأمة وهو المؤتمر الذي لعب دورا جوهريا في ردم جزء كبير من الهوة التي كانت تفصل بين هذه المكونات التي كانت نتيجتها الطبيعية الاقتتال الداخلي واضعاف جبهة مقاومة أعداء الأمة.
* وعلى المستوى الجماهيري كيف يتفاعل المؤتمر مع هذا المكون الأساسي؟ـ عمل المؤتمر القومي العربي على تأسيس العديد من الإطارات المتخصصة والتي ضمت في صفوفها مختلف مكونات الأمة العربية ويطمح المؤتمر من خلال تجربته الطويلة إلى أن يكون مرجعية شعبية بالإضافة إلى هدفه الأساسي بأن يكون مرجعية فكرية، وهو يحرص أن يكون ضمن أعضائه فعاليات وقيادات فكرية وسياسية وميدانية حتى يستطيع تحقيق هذه الأهداف، وان كان الانتماء للمؤتمر ليس انتماء للأحزاب والمنظمات الثقافية الحقوقية والمدنية، لان العضوية فيه عضوية شخصية مع تأكيد أن المؤتمر القومي العربي ليس حزبا سياسيا ولا يطمح أن يكون كذلك ولا يمكن أيضا ان يصبح حزبا وبذلك فالمهام التي يطرحها سواء فكرية كانت أو ميدانية يبقى على أعضائه في كل الساحات والميادين العمل على تنفيذها وإنجازها.
* هل يمكن إذن أن نتحدث عن قومية حديثة متجاوزة للقومية التقليدية بعد إنجاز المؤتمر القومي العربي خاصة في المستوى التنظيري؟ـ في مستوى التنظير وفي مستوى التنظيم لا يمكن إلا أن نتجه هذا الاتجاه الحديث المتجاوز للتشرذم ويعمل على إرساء مفهوم نهضوي جامع والذي لا يتنكر للفكر القومي التقليدي لكنه لا يظل حبيسا لنظرية من نظرياته او لممارسة من ممارساته ويكفي أن نعرف ان كل مكونات العمل القومي توجد داخل المؤتمر إلى جانب بقية المكونات الأخرى اليسارية منها والليبرالية والإسلامية، ففي المؤتمر القومي العربي نجد بعثيي (سوريا والعراق) وقوميين عربا بالإضافة إلى بقية المكونات، وفي المؤتمر كذلك عرب وأمازيغ وأقباط ودروز ومسلمون شيعة وسُنة وفيه المسيحيون... وهذا التنوع والاتجاه نحو بلورة وإنجاز المشروع النهضوي العربي، وهذا الاحتضان الجامع لكل مكونات الأمة هو ما يمكن تسميته بالقومية الحديثة.
* وعلى مستوى القيادة والتوجيه هل تجاوزتم ذهنية القائد الفرد والمنظّر الواحد؟
ـ من قبل كان القائد الفرد والحزب القائد وكان التفكير والتوجيه محصور فيهما. الآن لا يمكن أن يكون العمل إلا جماعيا، ففي المؤتمر القومي العربي تجد مفكرين وسياسيين وميدانيين وإعلاميين... ومسودة المشروع النهضوي العربي وضعت منذ سنوات وأثيرت بشأنها نقاشات وحوارات متعددة فكانت المسودة الثانية وتلتها مسودة ثالثة وكل ذلك نتيجة لعملنا الجماعي، وقريبا ستطرح المسودة الرابعة لهذا المشروع في الساحات العامة لتصل إلى مشروع متكامل، فالمشروع ليس فرديا ولا يمكن تبنيه من احد ما وهذا وجه من وجوه العمل الحديثة.
* هل يمكن أن تقدموا لنا الخطوط لهذا المشروع؟ـ المشروع ينبني على أسس ستة هي التحرير والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري، وهي مبادئ متكاملة وليست مجزأة لتحقيق واحدة قبل أخرى، وهو عمل متكامل لتحقيق هذه الأطراف التي نعتبرها خلاص الأمة من الاستعباد الداخلي والخارجي.
* كيف ترون واقع المنطقة العربية بين المشروع الأمريكي الصهيوني ومشروع ما يسمى بالمقاومة والممانعة؟ـ أود أن أشير في هذه المرحلة الراهنة إلى انه يجب أن نكون واعين حتى نفهم ما يجري ونتفاعل معه، فما يجري الآن هو فرز واضح بين مشروعين الأول أمريكي صهيوني والثاني المقاومة والممانعة، وكل ما يجري يدخل تحت هذين المشروعين لان هناك اصطفافا من بعض الانظمة العربية والنخب في دائرة المشروع الأول وهناك اصطفاف ثان في إطار مشروع المقاومة والممانعة وهذا ما يفسر ما يجري في فلسطين والعراق والصومال ولبنان والسودان وغيرهم من بؤر التوتر.
* كيف تنظرون لآليات وأهداف كل مشروع على حدة؟ـ إن الوضع الذي وصفته سابقا يفسر الآليات التي يحاول المشروع الأمريكي الصهيوني خلقها لتنفيذ أ هدافه سواء تعلق الأمر بافتعال وتعميق الصراعات العربية ـ العربية أو الصراعات القطرية أو الدفع بالأمة إلى صراعات مذهبية ودينية (عرب / أكراد) (عرب / أمازيغ) (سُنة / شيعة) وكذلك تحويل الصراع من صراع عربي أمريكي صهيوني إلى صراع عربي فارسي وكذلك الإيهام بأن أمريكا قدر لا مفر منه مثلها مثل الكيان الصهيوني وان على العرب الخضوع والاستسلام لهذا القدر، وكذلك محاولة قلب المفاهيم كأن تصبح مقاومة الاحتلال والدفاع عن الكرامة إرهابا ويصبح الاحتلال والاستيطان عملا دفاعيا، وكذلك محاولة الإيهام بأن رفض الاعتراف بكيان عنصري إرهابي يعتبر معاداة للسامية وما على الجميع إلا الاعتراف به والتطبيع معه، وكذلك من أهداف هذا المشروع الإيهام بأن لا مفر من اجل التحرر من الاستعباد الداخلي إلا بالاستنجاد بالقوى الخارجية وهو ما بدأنا نسمعه لدى العديد من الأنظمة والنخب العربية...
* وبالنسبة لمشروع المقاومة والممانعة، كيف ترون واقعه وآفاقه؟ـ المشروع القائم على المقاومة والممانعة يتجذر يوما بعد يوم في أعماق أبناء الأمة، فهو المشروع الذي يعتبر ان المقاومة هي الطريق إلى الخلاص (مقاومة سياسية او مسلحة) ضد المحتلين وعملائهم والذي يرى في ما تقوم به الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني عنوانا لمحاولة إرساء نظام إرهاب دولي، والذي يعتبر ان لا مكان للكيان الصهيوني وان فلسطين ارض للقاء كل الحضارات والأديان والأعراق، وانه لا محيد عن انهيار المشروع الصهيوني وعن بناء فلسطين، وهو الذي يرى أيضا ان أخطر ما يمكن ان يفكر فيه المواطن العربي هو التطبيع والاستقواء بالأجنبي ويؤمن ان الصراعات الوطنية تحلها القوى الوطنية بمختلف توجهاتها وانتماءاتها، وان ألف ممارسة قمعية من طرف حاكم وطني خير من صفعة واحدة من أجنبي، وهي التي ترى أيضا ان أمريكا والكيان الصهيوني ليسا قدرا ولعل اكبر دليل على ذلك انتصار المقاومة اللبنانية على الكيان الصهيوني واعتبار المنظرين الأمريكيين هزيمة سياسة دولتهم في العراق هي بداية الانهيار.
* تحدثتم عن مشروعين فقط في المنطقة، في حين أود ان أذكركم بأن هناك مشروعا ثالثا وهو المشروع الاورو متوسطي الذي يستهدف بصفة خاصة المنطقة المغاربية وبصفة عامة المنطقة العربية، فكيف ترون هذا المشروع؟ـ المشروع الاورمتوسطي هو وجه آخر للمشروع الأمريكي الصهيوني وهو تكرار لآليات سابقة ولدت ميتة لأنها حملت نفس الأهداف (الاستعمار ونهب الثروات) مثل مشروع برشلونة والشرق الأوسط الاقتصادي والشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد وكل هذه الآليات هدفها وضع حد للتفكير في جسم عربي واحد ووحدة جغرافية واقتصادية وقيمية واحدة وإدخال الكيان الصهيوني الى الجسم العربي من خلال تشبيك العلاقات معه وتعميق الهيمنة الغربية على العرب.
أوروبا تدخل موحدة والعرب يدخلون أجزاء وأقطارا مقطعة الأوصال ولذلك فقد كان موقفنا واضحا من رفض أي مشاركة في هذا الاتحاد إذا حضر الكيان.

2008/06/23

بين الانتداب والخبرة: شرط العازب

من المفارقات العجيبة الغريبة تلك التي تمرّ أمام أعيننا كلّما تصفّحنا صحيفة ما أو كلّما اشرأبّت أعناق الجيش العرمرم من المعطلين عن العمل الى شاشة التلفاز تلاحق عروض الشغل والِــجَة من اليمين هاربة من اليسار أسفل صندوق العجب. فأغلب عروض الشغل والانتداب المعروضة والمتوفّرة في مختلف الأطر كالصحف والتلفزة والإذاعات والدوريات وفي مكاتب التشغيل... كلّها تنصُّ على شرط أساسيّ لا رجعة فيه، إنّها الخبرة المطلوبة والتي تنصّ على وجوب أن تضاهي خبرة طالب الشغل ما لا يقلّ عن السنوات الخمس!!!
من هذه المفارقة السريالية فعلاً يمكن لأيّ واحدٍ عاقل أن يستشفّ ما به يقضي على تلك الخطوات التي تفصله عن الجنون حدّ الخَبَلِ.. أقول جنونًا لأنّه من المفترض أن تكون هذه الحقائق المُعلنة حافزًا للمزيد من النضال والاستبسال حدّ الموت من أجل حقّ يحقُّ لنا أن يتمتّع به ويحتفل به كل من نذَرَ عمره لبطاقة خلاص شهريّة بعد أن أحرقت منابة الابتسامة على شفاه أولئك المعطوبين الذين تهْرُسهم طواحين السوق الحرّة والعولمة كل لحظة على الأرصفة الباردة...إنّ التنصيص على وجوب توفّر شرط الخبرة بما لا يقلّ عن السنوات الخمس لا يمكن أن يدلّ إلاّ على الرغبة الدفينة لدى عارضي الشغل وبما لا يدع للشكّ والريبة وحسن النيّة ـ في أنّ باب الشغل موصدٌ دائما وأبدا أمام مستحقيه، فببساطة إلى حدّ السّذاجة من يتوفّر لديه هذا الشرط المجحف هو لا محالة يشتغل في مكانٍ ثانٍ، ثمّ انّ من لديه خبرة خمسة سنوات ويطلب شغلا جديدًا هو بالضرورة قد أُطرد من عمل سابق وهو بالتالي ضحيّة لنفس نظام الانتداب...أتذكّر قياسًا لهذه الوضعيّة الشرسة مثلا سيّارًا على كلّ الألسن ذاك الذي يقول «شرط العازب على الهجالة» أتذكّره ولا أدري متى تنتهي مواسمُ ا ستبلاه العقول ومواسم كنس الحقوق التي يتدحرج فيها آلاف المتخرّجين وآلاف المؤهلين لتأمين جيل آخر من عمر البناء.

2008/06/19

وصية جان جونيه


مهداة إلى روح محمد شكري


قالت وأبدت صفحة
كالشمس من تحت القناع:
بعت الدفاتر وهي
آخر ما يباع من المتاع
فأجبتها ويدي على
كبدي وهمت بانصداع:
لا تعجبي مما رأيت
فنحن في زمن الضياع
علي بن محمد الخولاني



"ما عادت أصابعه ترتعش, وزالت تلك الرّجفة العنيدة الّتي كانت تتملّكه في السّابق. صار يتحرّك بخفّة ومن دون توتّر ولا ارتباك, رشيق الخطوات كالبهلوان المحترف. يتنقّل بين الأروقة باطمئنان كبير وبصره يقلّب الرّفوف الخشبيّة المملوءة كتبا, بدراية جيّدة كمن ألف المكان بعد أن أصبح يستأنس بالمكتبي... عين على أكداس الكتب وعين على صاحب المكتبة.
بمرور الوقت أصبح مثل رجل أعمال كبير يضبط برنامج عمل يومي بشكل رسمي ويرتّب التّفاصيل والجزئيّات الحافّة بكلّ عمليّة: الكتاب الّذي سيحتفظ به, الكتب الّتي سيبيعها, ثمّ الحانة الّتي سيسكر فيها. لم يعد يعوّل على الحظّ أو المصادفة.
هكذا العمل أفضل يا معلّمي, فالأمر لم يعد يحتمل التردّد. إمّا أن أكون لصّا ناجحا أو لصّا فاشلا. إمّا أن أسكر وأملأ بطني الخاوية وأقرأ كتابا جديدا, وإمّا أن أنام جائعا كالكلب. عليّ أن أكون مثلك يا معلّمي جان جونيه أو أظلّ مشرّدا بائسا لا يهتمّ بي كاتب ولا يذكرني التّاريخ, وأغوص في لُجّة النّسيان مثل آلاف المشرّدين والبوهيميّين.".
نتف سالم أمين حبّتين من عنقود العنب وألقاهما في فمه, ظلّ يداعبهما بلسانه برهة من الزّمن بين فكّيه ثمّ ابتلعهما الواحدة تلو الأخرى. شرد ببصره في صورة "جان جونيه" المرسومة على غلاف روايته الأشهر "سيّدتنا – سيّدة الأزهار" الّتي حرّر صفحاتها الخمسين الأولى على ورق الأكياس, في زنزانة بسجن لاسانت بفرنسا، ثمّ نظر إلى الفقرة الّتي كتبها على نسخة مستعملة من جواز سفره وبدأ يقرأها بصوت مرتفع للمرّة العاشرة تقريبا. توقّف عند جملة " عليّ أن أكون مثلك يا معلّمي جان جونيه" كرّرها أكثر من مرّة ثمّ أمسك زجاجة البيرّة من عنقها وألصقها بشفته السّفلى وظلّ السائل الأصفر ينسكب في بلعومه إلى آخر قطرة في الزّجاجة وعيناه ثابتتان على المرآة المعلّقة وسط الجدار المقابل تماما...
كان يبحث عن انسجام ما مع ملامح وجهه المنعكسة على بلّور المرآة... على صفاء روحي يمكّنه من الانسلاخ عن أيّة حساسيّة أخلاقيّة مقيتة تثنيه عمّا يجول بخاطره... في الحقيقة كان يبحث عن أيّ شيء يعيد ترتيب حياته ويخرجه من حالة التشيء والعدميّة الّتي صارت تطوّقه منذ أن أنهى دراسته الجامعيّة...
المكتبة منتصبة بكتبها الألف على جانبه الأيسر وصكّ الكتبيّ ملقي فوق الطّاولة حذو صحن العنب والقرار لا يزال معلّقا في ذهنه بين الرّفض والقبول.
هل فعلا طنجة أثمن من مكتبتي؟ هل التسكّع بين أزقّتها وسوقها الداّخلي و"البولفار" والسّكر في حانة "الباراد" واحتساء كأس شاي بالنّعناع في مقهى "زاغورة" أمتع من السّفر بين ثنايا كلّ هذه الكتب؟؟
هل فعلا سينقذني السّفر إلى طنجة أو إلى أيّ مكان خارجي من ضيقي واختناقي هذا أم أنّي بحاجة إلى سفر داخلي في روحي وتصالح مع ذاتي؟؟...
يا إلهي رأسي ستنفجر عمّا قريب. طنجة والبيرّة والكتب هذا كثير على رأسي المسكين. ملعونة هذه البيرّة. لا. لا. لست ملعونة أيّتها الزّجاجة الطيّبة لقد أسعفتني بالقرار العظيم. جيّد. جيّد جدّا سأهدي كتبي الألف الّتي سرقتها على امتداد ثماني سنوات إلى المكتبة العموميّة بالقرية. هذا أفضل, لعلّ أولئك الجهلة التّعساء ينتفعون بما تحمله, ثمّ سأسافر إلى "طنجة الخيانة" دون أن اقتطع تذكرة سفر كما فعلها ذلك اللصّ الأصلع جان جونيه لمّا سافر من مدينة " مو" إلى باريس. هذا جيّد جدّا, أنا لست سكرانا ولا مجنونا. سأسافر هكذا بعد أن أصرف صكّ الكتبيّ قبل موعدي معه مساء الغد, حتما سأحتاج هناك إلى بعض الأموال في البداية لأبعد عن نفسي رائحة التّسوّل الّتي خنقتني في هذه المدينة المزبلة...
الأموال ضروريّة قبل أن أكسب بعض الصّداقات الحقيقيّة الّتي فشلت في إقامتها هنا مع هؤلاء البشر القذرين الّذين يحيطون بي كالقطط السّائبة.

2008/06/12

بالله اربح

اقتصادا في اللغة والكلام، وتجنّبا للثرثرة واللغو العقيمين اقتنيت هاتفا جوّالا مزوّدا بالاذاعة ليرافقني حديث الاثير وتصحبني أوتار الموسيقى في ذهابي وإيابي درءا للسموم التي تنفثها الالسن التونسية في الحافلات والميترو والشارع... وأيضا لألاحق عبر أثيرها تفاصيل البلاد وأخبارها مثلما تشتهي كل محطة اذاعية ان تقدّمها... يوما بعد يوم ضجّت أذناي بسيول الضجيج المخترقة من الاذاعات التي يلتقطها هاتفي: الاذاعة الوطنية، اذاعة الشباب، إذاعة تونس الدولية وإذاعة موزاييك... فأربعتهم يتناوبون على مسامعي بالقرْع والطبل من تباشير الفجر إلى آخر ساعات الليل...
لغة يندى لها الجبين سمجة ووقحة... اخطاء في التركيب وركاكة في النطق والتعليق تنثال على مسامعي أينما نقلتها في مربّعي الاسود مربّع الاذاعات... برامج اذاعية تتشابه وافكار تتوالد من بعضها البعض في دائرة مغلقة... دائرة التمجيد... الشكر... الامتنان... ودائرة المرور العابر على الهموم الدائمة..هذه الدائرة المفرغة والمغلقة صارت تيمتها الاذاعية وميزة تفرّدنا الاثيريّة اعتاد عليها المستمع التونسي حتى نفر من الاذاعات بمواصلة الاستماع اليها هكذا سبهللا كما يقول العرب قديما...ولكن الاكتشاف الجديد الذي منّ عليّ هاتفي الجوّال به وجعلني أقف عليه في المحطات الاربع من دون استثناء هو ذلك الالحاح العجيب من مذيعي برامج الترفيه والتنشيط على المستمعين لربح الجوائز والفوز بها.طبعا برامج التنشيط عالميّة ولها مقاييس وضوابط وشروط علمية واخلاقية وأدبية.. ولكن شروط ومقاييس مسابقات اذاعاتنا عجيبة وغريبة ذلك ان الجوائز مثلا تتمثل في تذكرة حفل مثلا او تبّان سباحة وفي أقصى الحالات خمسون دينارا... هذه من ناحية ومن ناحية ثانية فان طبيعة الاسئلة المدرجة في هذه المسابقات هي من قبيل كم من ساق للكرسي!!! وهل التفاح ثمرة صيفية ام شتوية!! وهل غنت فيروز في لبنان!!! طبعا انا قلت ان الاسئلة من هذا القبيل لاني لا استحضرها حرفيا ولكن سذاجتها المفرطة وتفاهتها المغرقة في الاسفاف لا يمكن ان انساهما ولكن مرة اخرى ما يصيبك بالجنون حدّ الخبل هو ان المستمع المشارك في هذه البرامج وأمام حيرته امام تلك الاسئلة لا يخجل من طلب مثلا ثلاثه مقترحات تسهيلا له او يطلب سؤالا آخر اقل تعقيدا من البحث عن عدد سيقان الكرسيّ!!! هذا طبعا الى جانب المطالبة بحقه في مهلة زمنية للتفكير والتثبّت لئلا يخطئ في معرفة فصل التفّاح!!!من قاعات البث الاذاعي ومن وراء المصدح يتناغم البؤس المعرفي للمذيعة او المذيع مع البؤس المعرفي المضاعف لدى المستمعين فلا يجد المذيع أو المذيعة بدا من اطلاق صرختها عاليا او الاكثار من الالحاح على المستمع بان يربح الجائزة القيّمة... باللّه اربح... هكذا تتكرّر لازمة التجهيل في إطار رسميّ بكل جرأة وأحقيّة!!!

2008/06/09

سياحة تونسية

ونحن في مفتتح الموسم السياحي الصيفي ارتأيت أن أدوّن هذه البطاقة منذ البدء علّها تجدُ صدى لدى القائمين على هذا القطاع وخاصة لدى أصحاب النزل، ولئن يخص الموضوع الذي سأتطرّق إليه فئة غير كبيرة من السياح وروّاد النزل إلاّ أنّه قد يمسُّ الجميع باعتباره يمثّل ذهنيّة بشريّة وممارسة صارت تميّز أغلب أصحاب النزل التونسية والعاملين فيها وأقصد بها خدمة استعمال الانترنت داخل النزل...
فهذه الخدمة الجديدة في نزلنا لم ترتق بعدُ إلى المستوى المأمول أو حتى إلى مستواها العادي ذلك أن أغلب نزلنا من جربة إلى الحمامات مازالت تتعامل مع هذه الخدمة على أساس أنها امتياز بل على اعتبار أنها سلعة تجارية تُباع وتشترى وتتحدّد أسعارها وفقا لرغبة صاحب النزل والحال أنّها غير ذلك بالمرّة ذلك انه في الدّول المتقدّمة صارت مثل هذه الخدمة أمرا عاديا تتوفّر في المقاهي والفضاءات العمومية وفي بعض الدول تجدها في الشوارع... وهي طبعا مجانية وحتى إن كانت بثمن ما فإنّك تجده ضمن تسعيرة المشروب الذي تستهلك...
غير أنّ في تونس مازالت النزل ـ حتى تلك التي من فئة خمسة نجوم ـ تعتبر خدمة الانترنت امتيازا وسلعة، وقد عشتُ مؤخرا بأحد النزل هذه الحادثة المتمثلة في مطالبتي بما قيمته عشرة دنانير عن الساعة الواحدة إذا ما رغبت في استعمال الانترنت!!!
وإذا كانت هذه الخدمة تخص عددا قليلا من التونسيين فإنني أعتقد أنها تخص جل السياح الأجانب، حتى أولئك الذين لا يحملون حواسيبهم المحمولة والانترنت كما هو معلوم صارت لدى الكثيرين أهم من الماء والأكل وبغيابها عن نزل ما قد تُنفر منه السياح وان وجدت في نزل وبمثل تلك التسعيرة المتداولة فإنها ستساهم أيضا في تنفير الرواد وفي تكوين صورة سيئة عن هذا القطاع ولذلك أعتقد أنّه من الضروري الوقوف بحزم أمام هذه الممارسات الاستغلالية واللاقانونية ولم لا سن قانون يجرّم كل نزل يطلب معلوما عن استعمال الانترنت من قبل نزلائه وروّاده...

2008/06/06

قصة قصيرة


حكمة السمكة
لم يدر من أين انهالت عليه كل تلك المعلومات حول أنواع الأسماك وفوائدها, وفي أي البحار توجد أنواع بعينها بكثافة دون غيرها, وما هي مواسم تكاثرها وتزاوجها, وأشهر طرق طهيها وشيها...
كان يسرد على مسامعهم المعلومات بثقة كبيرة أمام انشغالهم الشديد بما أمامهم وهمهمتهم المتقطعة التي تلفظها أفواههم كلما كفت عن حركتها المركزة.
حتى طريقة ممارسة الحب بين جنسي السمك شرح تفاصيلها و"حميميتها" تحت الماء.
بيٌن لهم كيف أن الفم الذي نحركه نحن في أغلب الأوقات لنبصق به أو نسب ونشتم أو نثرثر فيما لا يعني، هو ذاته الذي ينجب لنا كائنا جميلا وذا فائدة نسميه سمكا.
وحدها أوقفت فمها عن الحركة و أصاغت السمع لمعلومته الأخيرة بانتباه جلي. رفعت حاجبيها مندهشة وقالت له :
– ونحن أيضا نفتتح الحب بالقبل وبها ننجب.
ثم استأنفت تحريك فمها بنفس النسق المتسارع، بعد أن أرخت جفنيها على الطبق الماثل أمامها
أعجبته ملاحظتها وكأنها شجعته أكثر على الاستمرار في الثرثرة والانشغال عما أمامه.
رفع كأس البيرة إلى شفتيه وقبل أن يسكبه في جوفه قال لها :
- صحيح أننا نفتتح الحب بالقبل ولكننا الآن صرنا نمارس الجنس أساسا ولا نأبه لفعل الحب.
ألقى بمحتوى الكأس في جوفه وواصل حديثه الذي صار ثنائيا بينه وبينها تحديدا.
قال :
– الواحد منا صار مهووسا باللهاث وبأفضل الأوضاع المريحة في إتمام عملية الجنس وينسى حتى أن يهمس في أذن من معه بكلمة حب واحدة أو حتى إطالة قبلة حالمة.
رفع بصره إليها، بعد أن أشعل سيجارة ونفث دخانها بعيدا عن الطاولة، فوجدها منهمكة بما أمامها, ولما أجاله بينهم واحدا واحدا ألفاهم هم أيضا منشغلين عن ثرثرته بأطباقهم التي بدأت تنفذ, فانتهى إلى السمكة الممددة وسط طبقه هو. نظر إليها مليا وإلى قطعة الليمون بجانبها.
نظر إليه مليا، ثم شرع يلتهمها بعينيه فقط تماما مثلها يلتهم كتب علوم الأحياء وروايات الحب, وظلت الشوكة والسكين نائمتين حذو الطبق لم يلمسهما حتى بطرف أصابعه خجلا من مضيفيه لئلا يفطنوا إلى أنه لا يجيد أكل السمك بالشوكة والسكين مثل أغلب الناس البسطاء.

2008/05/30

المخرج الفلسطيني نصري حجاج



حق العودة هو حق جينيٌّ وليس سياسيا ولا جغرافيّا...

بعد مشاهدتي للفلم التوثيقي «ظل الغياب» وفي انتظار مخرجه الفلسطيني نصري حجاج الذي حصلتٌ على لقاء معه أثناء مروره بتونس من مهرجان سينمائي في تطوان بالمغرب ليعبر إلى مهرجان سينمائي في ايطاليا أين سيعرض «ظل الغياب» تذكّرت مقولتين، الأولى للفيلسوف بوسويه تقول «إن اهتمام الناس بدفن أفكارهم عن الموت قد لا يقل شأنا عن اهتمامهم بدفن موتاهم» والثانية لم أذكر قائلها وهي تقول « ثمة شيئين لا يمكن أن يحدّق فيهما المرء: الشمس والموت» تذكّرت المقولتين لان نصري حجاج من القلائل ـ إن لم اقل انه الوحيد ـ الذي عالج عودة الجثث الفلسطينيّة من أصقاع العالم إلى مثواها الطبيعي، المقبرة الأعظم فلسطين ولان أيضا نصري حجاج استطاع أن ينظر إلى الموت بعدسة دقيقة جدا ومن خلالها يرنو إلى النظر في الشمس التي قد تُشرق يوما ما على الظلال الفلسطينية المتناثرة في الجغرافيا الكونية... عن فيلم «ظل الغياب» كان هذا الحوار مع نصري حجاج
* نبدأ بفكرة الفيلم، حديث المقابر المشتتة، كيف خامرتك أول مرّة؟ـ موضوع المقابر والحالات الغريبة من الدفن خامرتني تقريبا منذ سنة1958 في مخيم عين الحلوة حيث دفن ثلاثة أعضاء من الحزب السوري القومي الاجتماعي هذا الحزب الذي اتخذ آنذاك موقفا داعما للرئيس اللبناني كاميل شمعون لأنه كان ضد الناصرية ولان الأب كان في صراع وتصادم مع عدة أطراف قام الرئيس اللبناني بالاستنجاد بالأمريكان لحمايته!!!
وفي تلك الفترة لم يكن للفلسطينيين أحزاب وحركات منظمة فكانوا ينضمون للأحزاب القومية السورية والعراقية والمصرية وغيرها.. لذلك توفي الأعضاء الثلاثة ولم يتم دفنهم في صيدا ومنعوا نقلهم لأنهم اعتبروا خونة للحزب القومي السوري الاجتماعي وقد تم دفنهم في فناء بيت!!!
هذه الحادثة ظلت راسخة في ذاكرتي، ثم خرجت في أفريل 1969 مظاهرة في كل المدن اللبنانية تُطالب بحريّة العمل الفدائي وقد كنت ضمن المتظاهرين وكان عمري آنذاك 18 سنة وأمامي قُتل أربعة شبان منهم صديقان حميمان ـ بالرصاص اللبناني وتم دفنهم مع بعضهم في ساحة بمدرسة ابتدائية وتحديدا أمام الصفّ الذي درستُ به أنا!!! وأذكر أني في لندن سنة 1979 رغبتُ أن ادرس السينما لأنجز فيلما عن الحادثتين. وسنة 1999 ـ أي بعد ثلاثين سنة تقريبا ـ ذهبت إلى فلسطين لأوّل مرة في حياتي وشعرتُ حينها بضرورة الموت في الأرض الفلسطينية وتحديدا في قريتي «النّاعمة» التي ولدت فيها... والى الآن وأنا أفكّر في مكان جثتي ومثواي الأخير... أفكّر في قبري أين سيكون..
*يعني أن ذاكرتك صارت لها أعمدة فلسفية في علاقة بضرورة دفن الفلسطيني في قلب الأرض الفلسطينيّة؟
ـ طبيعي أن زخم الذاكرة والأحداث التي مرّت وتمرُّ بمخيّلتي وتداخل الأحلام معها كلها تتبلور وتصير فلسفة مثلما أسميتها أنت وأنا اعتقد أن الفلسطيني حالة استثنائية في العالم لأنه الشعب الوحيد الذي ليست له دولة، يحبها أو يكرهها هذا لا يهم ولكن المهم أن يعيش تحت لوائها، إن الفلسطيني ليس مشرّدا فقط أو لاجئا بل هو منبوذ هذا في الحياة فما بالك في مماته!!!
*إذن حق العودة هو حق للأحياء والأموات على حدّ السواء؟
ـ حق العودة هو حق جينيّ وليس حقا سياسيا أو جغرافيا فقط لذلك شعرت باحتمالات الموت... جورج عدة مثلا هو تونسي ولا يمكن أن يكون له حق العودة إلى «إسرائيل» على الأقل بتحليلي الجيني الذي آمنت به وصدّقته... الإنسان الذي يولد في تربة ما يحمل جينات خاصة بتلك التربة وبهوائها وفضائها..
*كيف كان وقع الفيلم لدى المشاهد الفلسطيني؟ـ عرضت الفيلم برام الله أوّل مرّة وقد أعجب به كل من شاهده ولكن البعض من الشعراء لم يحبّوا صوت درويش في الفيلم... وبشكل عام لاقى الفيلم صدّى واسعا في رام الله وفي لبنان وقد شاهده زكي عبّاس ممثل منظمة فتح وأعجبه خاصة من الناحية التوثيقية، الفيلم ايضا شاهده فلسطينيو صيدا وعين الحلوة وقد تم تكريمي بدرع مدينة صيدا.
*ولدى الطرف الإسرائيلي كيف تقبلوا الفيلم؟ـ عندما كنت أصوّر قبر ياسر عرفات أثناء جنازته كنا نصوّر في الليل والنهار، وقد جاءتني صحفية «إسرائيلية» متعاطفة مع الفلسطينيين اسمها عميرة هاس وهي تكتب في صحيفة «يديعوت» ولها كتب مترجمة فسألتني ماذا افعل؟ فأجبتها باني بصدد تصوير فيلم وثائقي عن المقابر فانفعلت بشدة وقالت لي أنها لا تهتم بقبرها أين سيكون فأجبتها بالحرف الواحد بأنها لا تملك موقفا وإحساسا بمكان دفنها لأنها أساسا لا تملك الأرض التي ستضمها يوم مماتها؟ قلت لها أنت قادرة على الموت في أي مكان أما أنا فأدفن في تراب فلسطين فقط.. وإذا ما طلب مني التلفزيون «الإسرائيلي» بث فيلم «ظل الغياب» فلن أمانع ولكن بشروط ثلاثة و هي، أولا ترجمة الفيلم ترجمة دقيقة إلى العبرية ولا ينقص منها فاصلة ولا من الفيلم مشهد واحد ثانيا وثالثا أن يدفعوا المبلغ الذي احدده أنا وشركة الإنتاج.
*كيف كانت ظروف تصوير الفيلم في الدول الأجنبية؟ـ لم يمنحوني تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية والى الآن لم احصل عليها وقد تم تصوير الجزء الأمريكي من طرف شاب مصري يقيم في نيويورك ويشتغل بالسينما وقد صوّر هناك مع ابنة ادوارد سعيد الجزء المتعلق بموته...
في بلغاريا أيضا لم أحصل على التأشيرة وبنفس الطريقة نسقتها مع خالد بلخيرية فصوّر لنا الجزء المتعلق ببلغاريا حول ظروف دفن الشاب الشهيد نضال خليل.
أما بلندن فانا ممنوع من دخولها منذ سنة 1986 ولذلك انتقل مدير شركة الإنتاج الصديق الحبيب بالهادي والصديق خالد بلخيرية وقاما بالتصوير مع زوجة الرسام الشهيد ناجي العلي (أم خالد)...
عموما ظروف التصوير كانت صعبة للغاية خاصة من الناحية المادية ولولا وقوف شركة فاميليا للإنتاج وبالخصوص مديرها الصديق الحبيب بالهادي الذي آمن بالفيلم لما تم إنجازه، وللإشارة فنحن انطلقنا في التصوير منذ سنة 2003 ولم ننه تركيب الفيلم إلا في نوفمبر 2007.
*هل تعتقد أن الفيلم سيعرض في هذه الدول التي منعت من دخولها؟
ـ لم لا ولكن اعتقد أن هذه المسألة تعتمد بالأساس على التوزيع والتسويق والآن هناك إمكانية عرض الفيلم في صربيا وقد تم عرض الفيلم يوم 10 افريل الحالي في مدينة ميلانو الإيطالية ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان الفيلم الإفريقي الآسيوي الأمريكي اللاتيني في دورته 18 كما سيعرض الفيلم يوم 25 ماي في القاهرة في جمعية نقاد السينما، وسيعرض مجددا في صيدا بلبنان بمناسبة مرور ستين سنة على احتلال فلسطين..
*كيف تصنّف «ظل الغياب» بغض النظر عن جانبه التوثيقي؟ـ اعتقد أن السياسيين والمسؤولين الفلسطينيين لا يفكّرون بموضوع عودة الموتى إلى فلسطين، لان المفاوضات تعنى بما و أهم ـ في تقديرهم ـ مثل عودة اللاجئين والمستوطنات وجدار الفصل و... وفي الحقيقة المسألة جدّ معقدة لان هناك العديد من الأموات الذين يصعب إيجادهم فتصوّر مئات الآلاف من الأموات في شتات العالم، هناك فلسطينيون ماتوا في الحرب العالمية الأولى في يوغسلافيا عندما ناضلوا مع الأنصار ضد تيتو وآخرون ناضلوا ضد فرنكو... وغيرهم كثيرون... الفيلم بغض النظر ن جانبه التوثيقي أردت من خلاله أن أقول أن في كل مكان شخصية مهمة وحكاية مخصوصة.. ناجي العلي، غسان كنفاني، ادوارد سعيد، ياسر عرفات، معين بسيسو، أحمد الشقيري، أبو إياد، أبو جهاد.. كما أن الفيلم بغض النظر عن جانبه التوثيقي هو يدين القوانين «الإسرائيلية» التي تمنع دفن غير اليهودي في «أرض إسرائيل» بما في ذلك القدس إذا مات خارجها... «ظل الغياب» يفضح جبن دولة «إسرائيل» التي تخاف حتى من الموتى!!
*لماذا اخترت الشكل التوثيقي دون سواه ولم تختر مثلا فيلما تمثيليا؟ـ أنا لم أفكر أبدا في إنجاز فيلم روائي بل أفكّر في كتابة رواية وأنا الآن لديّ ثلاثة مواضيع سأحاول أن أنجزها في شكل توثيقي، لدي حلم وهاجس بضرورة كتابة رواية تكون في شكل سيرة ذاتية عن عين الحلوة وعني أنا.
أما لماذا اخترت الشكل التوثيقي فأنا أحببت أن أقدم هذا الفيلم كوثيقة للعالم الذي لا يعرف تلك الحقائق التي قدّمها الفيلم... الفيلم الخيالي قابل للدحض وتكذيب أحداثه، وبالعكس الفيلم التوثيقي يقدم الحقائق كما هي، فعندما أقول أن «الشاباك» أو «الموساد» منعا عدّة جثث من العودة إلى فلسطين فهذه حقيقة ولا يمكن أن تدحضها «إسرائيل»، كذلك العديد من الفلسطينيين لا يعرفون عدة حقائق.. عندما أقول أن مصر ترددت في إعادة جثمان معين بسيسو بسبب خلافاتها آنذاك مع أبو عمار فهذه حقيقة وهذا تاريخ لا يمكن نكرانه..
*لماذا اخترت صوت كاميليا جبران بالذات لإنهاء الفيلم؟ـ أولا كلام الأغنية كان مطابقا لموضوع الفيلم وكأنما القصيدة كتبت أساسا للفيلم مع أن كاتبها شاعر يوناني وقد ترجمها للعربية الشاعر ادونيس، ثانيا أنا أحب كاميليا جبران وأعتقد أن الموسيقى لم تكن شاذة عن الفيلم، ثم لا تنسى أن كاميليا جبران هي فلسطينية.
*هل تنوي إنجاز أفلام أخرى في هذا السياق؟
ـ سأنجز فيلما وثائقيا عن تاريخ اليأس الفلسطيني وآخر عن الإرهاب الفلسطيني وسأقارن فيه بين الستينيات والآن من خلال شخصيات معيّنة اعتبروا إرهابيين من المنظور لأمريكي والصهيوني وكذلك العربي أحيانا!!
* لك أن تنهي هذا اللقاء العابر؟ـ أنا أؤمن إيمانا مطلقا أني كنصري حجّاج قضيتُ عمري ـ ولا أزال ـ كجزء من حركة المقاومة الفلسطينية وأظـل بالأخير جزءا منها وبالتالي فإن السينما أو الكتابة القصصية أو الصحفية كلها تصب في النهاية في القضية وأنا كنصري حجّاج نموذج للقضية ككل فلسطيني.. أنا لم أحصل إلى الآن على جواز سفر... أنا حكاية الشعب الفلسطيني وكل ما أقوم به يصب في خدمة هذا الشعب المأساوي.. أحاول أن أرسم خطوة إلى الأمام لأجل أن يحيا شعبي الذي يستحق الحياة بكل مباهجها ولا أتخيل نفسي أني قمت ـ أو سأقوم ـ بأي فعل لا علاقة له بفلسطين...

2008/05/29

حوار مع المخرج محمد الزرن


ظلام قاعات السينما جزء من ظلام العقول...

نادرا ما طوّقتني حالة من الارتباك واللاتماسك اللغوي أثناء تدبيج مقدمة احد الحوارات التي أنجرتها في السابق، ومرد ذلك الارتباك يتأتى غالبا من طبيعة شخصية محاوري أو من خلال المتن الذي يقدمه ضمن أجوبته... وكنت دائما، أمام تلك المواقف النادرة، أصاب بيأس كبير من جحود اللغة وعجزها عن إفاضة تقديم المفردات والعبارات... فأراني ألوذ بسيرة محاوري تفاديا لتهدّل اللغة أمام فورة محاوري وهروبا من الحروف الشاحبة أمام نضارة نقاط وفواصل كلامه...
المخرج السينمائي محمد الزرن صاحب أفلام «كسّار الحصى» (1989) و «يا نبيل» (1993) و «السيدة» (1996) و«نشيد الألفية» (2002) وفيلم «الأمير» (2005) الحائز على أكثر من15 جائزة دولية... تناسلت فواصله وحروفه بين تعاريج اللغة... بين المصطلحات والأفكار... الجوائز... الأفلام... شارع الحبيب بورقيبة... الإرهاب... جرجيس... الموزعين... ظلمة القاعات... الكاريكاتور... أوسكار وايلد... الصغير أولاد أحمد... العولمة... التعليب... الحرية... جرجيس... الخيال... الأحلام... الطاهر وشمعون... أفريكا آر... البترول... والمفارقات...
كلها تناسلت وتقاطعت ضمن هذا الحوار مع محمد الزرن بعد إنهائه تصوير فيلمه الجديد منذ أيام.

* فيلمك الطويل الأخير «الأمير» كان ـ ولا يزال ـ له حضور عالمي وتم توزيعه بشكل كبير، وقد نلت به عدة جوائز دولية، وكان بالامكان أن يحصل على التانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية لسنة 2005 لو لم يتم استبعاده في المسابقة الرسمية؟
ـ استبعاد الأمير من المسابقة الرسمية كان قرارا غير وطني لأن سنة 2005 كانت سنة الاحتفال بمرور 25 سنة على أيام قرطاج السينمائية، وبالتالي كان على مدير المهرجان ولجنة تنظيمه أن يفكروا في قيمة الحدث ويبرهنوا أكثر على حضور السينما التونسية. وبما أن الفيلم كان له حظ كبير في نيل إحدى جوائز تلك الدورة تم استبعاده وإقصاؤه لأغراض شخصية بحتة. ولأني كمخرج سينمائي كنت دائما ـ ومازلت ـ أشق طريقي بمفردي فكان سهلٌ جدا أن يستبعدوني.
ومع ذلك الفيلم تم اختياره ليمثل تونس في اغلب المهرجانات الدولية. فما رأيك في هذه المفارقة!!!
فيلم الأمير شارك في مهرجان وغادوو ونال جائزة أحسن تركيب، ونال جائزة أحسن ممثل في مهرجان وجدة وتم توزيعه في فرنسا من طرف أفضل شركة توزيع لأفلام الكتّاب العالميين مثل «فين فندارس» و«وان كارواي» وعند توزيعه في القاعات السينمائية بعد ركود عشر سنوات ورفض الموزعين التونسيين لتوزيع الأفلام الوطنية، أحدث فيلم الأمير نقلة نوعية في السينما التونسية وصارح الجمهور مع القاعات، ولن أبالغ إن قلت أن فيلم الأمير هو الذي منح الثقة من جديد للموزعين لترويج عدة أفلام تونسية كانت مركونة في المخازن.
*على ذكر فيلم الأمير لماذا قدّم محمد الزرن صورة المثقف بتلك الطريقة الكاريكاتورية الساخرة؟
ـ الكاريكاتور أعتبرها من أهم الوسائل التي ترفد الصورة السينمائية. عبر المشهد الكاريكاتوري يمكنك أن تستفز المشاهد وان تثير فيه نقاط الاستفهام التي يجب أن يثيرها. الكاريكاتور تجسد ما هو غير مرئي.
في فيلم الأمير المثقف يعاني من وطأة العولمة، والمثقف المهموم بترويج الثقافة، الثقافة التي هي أكسجين الإنسان أينما كان. الثقافة اختنقت والأكسجين انحسر. ربما لأن الثقافة لا تملك النجاعة والمردودية الآنية بلغة العولمة طبيعي أن تحتضر. أنا لا أنظر لاحتضار الثقافة أو موتها بالعكس أنا أصرخ أمام هذا الوضع في وجه كل مثقف أن ينتبه وان يتلمس النور في داخله ويفكر في أساليب مواجهة مصائب العولمة وأخطرها الدغمائية الدينية والأصولية المادية.
هناك حدود وحواجز تُرفَع بين الشعوب ووحدها معاول الثقافة القادرة على هدم الحواجز واختراق الحدود، الإرهاب اليوم صار سوقا للربح، صار موردا للتمعش من ثروات الشعوب والأمم.
*إذن هل ننتظر فلما لمحمد الزرن يعالج ظاهرة الإرهاب بشكل مباشر ان صحت العبارة؟
ـ الإرهاب! أتمنى أن أعالجه سينمائيا ولكن ليس بالصورة التي تُروّج اليوم. الإرهاب يشغلني يوميا، لأنه كظاهرة وكمصطلح تشعّب جدا، وأنا أفكر جديا في كتابة سيناريو أعالج ضمنه الإرهاب من الزوايا المستعصية على الفهم والتحليل. أريد أن اكتب ظل الإرهاب وأصور ما هو قابع في ظل ظله.
*لنعد إلى فلم الأمير الذي شرّعت فيه أبوابا واسعة للحلم، وقد قلت أثناء تقديمك لأول عرض له أن من لا يحلم لا يمكنه أن يفكر، هنا أود أن أسألك عن امكان الحلم في عالم يجهض الحلم؟
ـ نحن نعيش في عالم وفضاء كل ما هو ظاهر فيه ينادي ويستفز القوة الكامنة في الإنسان لنفض الغبار عن أحلامه رغم أن العولمة وبشكل حاد تنمّط أحلام الناس.
فيلم الأمير نادى بالحلم كمكسب إنساني فردي هو الأساس في حياته. الحلم هو أساس الحرية ومن دون حلم لا يمكن أن نكون أحرارا، ولا يمكن أن نفكر.
بطل الأمير لم يعش قصة حب بسيطة وسطحية ولكن السؤال الذي طرحه «عادل» البطل هو الإيمان بحرية الحلم وحرية الخيال. الحلم هو طريق الإبداع ومسلك الحرية، بل هو يتساوق معها، في هذا العالم الذي يسوّق كل المواد الاستهلاكية لنسأل هل الناس بإمكانهم تحقيق الأحلام في عالم معلّب.
حرب الخليج وحرب العراق جعلتنا نقف على الأيادي التي تتقن جيدا إجهاض الحرية وودئها باسم ترويج الحرية ذاتها والديمقراطية...
الحلم... الحرية... الديمقراطية كلها مشاريع مؤسسات القوى المهيمنة.
في الأمير، بطل الفيلم يُربّي حلمه فوق أرصفة شارع الحبيب بورقيبة، بل يقتنصه من الامكانات الملقاة تحت عصافير الشارع المنثورة على كراسي المقاهي وفي رحيق زهور ذات الشارع. الحلم هو الذي نكتبه بقلمنا الخاص، لا أعني قلم الكتابة... أعني مختلف وسائل الحياة... محراث الفلاح... ميزان التاجر... عجينة بائعة الخبز... مجاز الشاعر... خطوة الجندي...
*هناك مقولة ترى أن السينما هي صناعة الحقائق والأكاذيب معا وأنت صوّرت الأمير في شارع الحبيب بورقيبة... شارع الألغام الحقيقية فكيف تفاديت ألغام الواقع تلك التي يصفها المخرج البريطاني مارك كوزينس؟
ـ يقول أوسكار وايلد، الكذب هو أداة إبداع. الكذب هو مجال تخصيب الخيال ولذلك نحب المرأة الكذوب ونستمتع بكذب الطفل الصغير ونصدّق مجاز الشاعر الكاذب...
في الأمير تراءى للجمهور بأن ذاك الشارع المزدحم هو شارع الحبيب بورقيبة. هو فعلا الشارع وهو في نفس الوقت ما هو إلا الشارع الذي رسمته في خيالي... شارع الحبيب بورقيبة هو في خيالي أكذوبة وهو في ذهن المشاهد حقيقة... أكذوبة لصناعة السينما.
الألغام التي تفاديتها ورقصت كاميرا الزرن أمامها تمثلت في عُسر التحكم مثلا في حركة المرور أو في حركة جولان الملامح والعصافير. تخيل أن آلافًا من الناس العابرين في الشارع توقفوا لمشاهدة عمليات التصوير... وعندما تنهي الفلم لا تجد تلك الألغام لقد اجتهدت في صياغة خطواتي أمام ألغامه لأقدم أكثر من مائة دقيقة عن شارع أحبه واعتبره جزءا مني.
*على ذكر الواقع والواقعية، هل تعتبر السينما كتابة تاريخية في احد وجوهها وشاهدة توثق مرحلتها؟
ـ نحن محكوم علينا أن ننتج أفلاما تعبر عن دواخل الناس، أحلامهم وشجونهم، وفي نفس الوقت يجب أن يكون المخرج شاهدا على مرحلته، وبالتالي فالعامل التوثيقي موجود بل هو أساسي لحماية مخزوننا الثقافي والتاريخي، ولذلك ترى في أفلامي عمقا وثائقيا على اختلافهم وهذا ناتج عن إيماني بقيمة القيم الإنسانية، ومن فلم لآخر أمر بفلم وثائقي طويل وهو بمثابة مصالحة مع ذاتي وتعبير عن القيمة التجريدية التي تعتمل بداخلي كمخرج أو بداخل الممثل أو المكان أو الزمان...
*إذن أنت الآن في حالة مرور أو لنقل عبور فبعد الأمير ها انك تنهي تصوير فيلمك الجديد منذ أيام؟
ـ فلم «الفصول الأربعة للطاهر وشمعون» يندرج في مسار مواصلة بحثي عن حقيقة السينما وهي إنسانية الإنسان لأنها الجواز الكوني الذي يربط وجودنا ويؤسس تواصلنا.
في هذا الفلم حاولت أن أرصد بعمق التسامح، المحبة، التطوّر وهذه هي غاية الفلم، من ذلك أني أدمجت في الفلم شخصيات كلهم من اصل مدينة جرجيس، شخصيات مختلفة ومتناقضة، ثانوية ورئيسية، كلها تعبّر عن وجود إنسان اليوم وعن شكل إقامته في العالم، منهم اليهودي والمسلم والمسيحي على تعدّد أديانهم وجنسياتهم وثقافاتهم، فيه العامل والعاطل، فيه العجوز والشاب، الأمي والمثقف...
جرجيس اليوم، هذه المدينة تحضن كل هذه الملامح وكل هذه التناقضات والاختلافات وأيضا كل هذا التلاقي والتواصل... جرجيس قد تكون مدينة في نيويورك أو في الهند... جرجيس صبغتها بمسحة الكونية وهي بالفعل كذلك.
*قبل عشرين سنة كانت في تونس 90 قاعة عرض لم يبق منها الآن إلا 13 قاعة وهي لا تعرض بانتظام، فمن يتحمل مسؤولية هذا التراجع حسب رأيك، الدولة وحدها أم أهل القطاع أم الاثنان ومعهما الجمهور؟
ـ أعتقد أن القاعات التي مازالت كلها، صارت هي الأخرى جثثا مفتوحة على ظلمة الجدران وفراغ الكراسي، وأعتقد أن قاعة «أفريكا آر» وحدها الآن قد تؤسس لجسد سينمائي حيّ يتنفس ويتحرك.
ولايات كاملة لا تتوفر بها إلا قاعة سينما يتيمة وفي الغالب الأعم تجدها مغلقة!!! في جرجيس مثلا قاعة واحدة تم إغلاقها «بالياجور»، في مدنين هناك قاعتان مغلقتان وبالمثل تطاوين وبنقردان لا وجود بتاتا لقاعة سينما، في جربة هناك قاعة خاصة لا يؤمها الجمهور، آخر مرة دخلتها وجدت فيها 5 مشاهدين فقط !!!
هناك عدة عوامل خلقت ثقافة حينية، استهلاكية، نمّت البُخل بشكل فظيع، ثم الانغلاق الفكري الذي صار حاجزا سميكا، والوضع لا ينطبق على السينما وحدها بل على الشعر والمسرح والكتاب والرسم والموسيقى وكل تعبيرات الحلم...
الأولوية الأساسية التي يجب أن تتضافر من اجلها كل الأطراف، مؤسسات الدولة والمثقف والمواطن، هي بث النور في الظلمة، ظلمة قاعات السينما هي من ظلمة العقول... صحيح أننا بحاجة لطرقات سيارة وجسور وقناطر ولكن أيضا نحن بحاجة لإنسان متنوّر يعرف كيف يمشي فوق تلك المنجزات، وهذا لا يخصنا نحن كتونسيين فقط، وإنما يخص كل الدول العربية.
*لك البياض المتبقي لتنهي هذا الحوار كما تشاء؟
ـ تقفز إلى مخيلتي الآن صورة كاريكاتورية تتمثل في أن برميل النفط عندنا نحن العرب فاق المائة دولار، معمار خيالي في العواصم وخيال يرتدُ ويتراجع بشكل جنوني... يا للأسف...

"زيادة الحاكم"

يحتشد ذهننا نحن التونسيّين، عمّالا أو موظفين، طلبة أو تلاميذ، متعلمين أو أميين، مدنيين أو ريفيين، تقدميين أو رجعيين.... تحتشد أذهاننا جميعا بجملة من المعتقدات التي لا تكرّس إلاّ تأخّر إيماننا بفعل المواطنة الحقيقية، ومن بين تلك المعتقدات التي تجري على ألسننا جريان الدّم في الشرايين تلك المركبات اللغوية المعلومة لنا جميعا وكأنها حقائق ثابتة وليست أوهاما مثل قولنا «عشرة الحاكم» و »زيت الحاكم» و »ضو الحاكم» و »طريق الحاكم» وكذلك «زيادة الحاكم» وهي التي تعنيني ضمن هذه الأسطر العابرة...
تعنيني «زيادة الحاكم» لأننا نعيش هذه الأيام جولة جديدة ومهمة من المفاوضات الاجتماعية حيث تجلس يوميّا إلى طاولة التفاوض، الأطراف الثلاثة بنفس النديّة والحجم وهم الاتحاد العام التونسي للشغل ممثل العمّال والعاملات بالفكر والساعد واتحاد الصناعة والتجارة منظمة الاعراف والطرف الثالث الحكومة ممثلة في مختلف وزاراتها ومؤسساتها العمومية، ومعلوم أن المفاوضات الاجتماعية التي تُجرى مرّة كل ثلاث سنوات تنظر في مستوى عيش «المواطن التونسي» وفي سبيل تحقيق الموازنة بين مستوى الدخل ومستوى العيش وغالبا ما تنتهي تلك الجلسات التفاوضية بإقرار زيادة في الاجور لعموم العمّال والعاملات، غير ان كل المنتفعين بملاليم الزيادة تراهم في كل شبر من البلاد يتحدثون عن زيادة الحاكم!!! والحال أن الاتحاد العام التونسي للشغل هو الذي يطالب بضرورة تلك الزيادة ولأجلها يكوّن المفاوضين ويدربهم وتناضل كل طاقاته من اجل تحسين الحد الأدنى المعيشي... والحال أيضا أن الحكومة والاعراف غالبا ما يتعللون بالظرف الاقتصادي العالمي او بطبيعة تغير المناخ والطقس الذي أثرّ في موارد البلاد الطبيعيّة..
تصوّروا طبيبا أو مهندسا أو أستاذا جامعيّا يتحدّث عن زيادة الحاكم وبالمثل تلاميذ معاهدنا وطلاّب جامعاتنا تسمعهم أيام الامتحانات يتحدثون عن تحصيل «عشرة الحاكم» على الاقل.. وكأن الحاكم هو الذي يدرس ويسهر الليالي!! و جدّتي تقول لي إنّها تكرهُ «عظم الحاكم» وأنها تحب «العظم العربي»... وكل المركبات اللغوية الاخرى التي لا تؤكد الا استفحال ذهنية فقدان صيغة المواطنة تلك القيمة المكتسبة عبر جملة من الممارسات وعبر جملة من المبادئ التي يؤمن بها الانسان ولا يمكن للمواطنة أن تُهدى أو تُعطى هكذا مثلما يتوهم التونسيون أن الحاكم يمنحهم الزيادة... ويعبّد لهم الطريق...

2008/05/27

منتدى ثقافي... ثقافي

يرى الدكتور عبد السلام المسدي أنه ليس من معنى ولا من وزن لموقف المثقف العربي الذي يقول بحتمية الحدث التاريخي فيعلن تسليمه بأن العولمة شيء حاصل بالفعل ما لم يكن له وعي بأن الحاصل بالفعل لا يلغي وجود الحاصل بالقوة ألا وهو العولمة المضادة هذه الفقرة القصيرة والمكثفة التي عثرت عليها في كتاب الدكتور محمد حسين أبو العلا دكتاتورية العولمة قراءة تحليلية في فكر المثقف بدت لي وهي بالفعل كذلك كافية بل مستفيضة لتشخيص حالة اليباب التي تكتسح أرض المثقف العربي... هي أرض يباب تنوس فيها أشباح وظلال تخينة وقصيرة وشاحبة باهتة :كتّاب، شعراء ، روائيّون ، قصاصون ، نقاد، مغنون، عازفون, رسامون, سينمائيون, مسرحيون... كلهم يحملون صفة مثقف وأغلبهم يقفون فوق ربوة نائية جدا عن الأزقة والمنعطفات ... ينأون عن المعامل والمصانع ومخازن الشركات العابرة للإنسانية... كلهم بعيدون عن تفاصيل الوجع اليومي وعنه ساهون لا نراهم إلا مجازا فوق الأوراق البيضاء... فوق خشب المسارح الضيقة والمغلقة للترميم... في ظلمة قاعات السينما البالية... أو في الملتقيات الولائمية والمآدب الاحتفالية... نراهم متوارين خلف هذه الأطر يكتبون عن الظلم... عن الاستغلال... الاستبداد... يشخصون الماسي... يصورون آلام البشر... يسلطون الأضواء على عتمة الخراب المعمم في جغرافيا الأحزان التي تسمى وطنا عربيا... وأيضا يبشرون بوجه أفضل وأجمل لوجود آخر بملامح أخرى ومقومات أخرى... هل تكفي الأوراق والريشات والصور والأقلام لإيقاف تسو ناميات الاستبداد الثاوية داخل كل حاكم جائر؟ هل تكفي مثل هذه الأدوات لإيقاف تسو ناميات الاستغلال الثاوية داخل كل رأسمالي يجوع آلاف النساء ويشرد آلاف الأطفال والرضع ؟ هل تكفينا آلاف القصص والروايات والأفلام والمسرحيات والرسومات واللوحات والأغاني والقصائد للوقوف صدا منيعا أمام زحف الموت والخراب القادمين من صمتنا ومن غطرستهم ؟ هل تكفينا جميعها لنرسم بديلا حقيقيا وصيغة أخرى لحياة من سيأتي بعدنا ؟؟؟ ربما تكفينا وتكفي أجيالا قد تتناسل من جراحنا تكفينا بالقدر الذي يُتقن واضعو هذه الأعمال وخالقيها حسن توظيفها والتمسك بالمواقف المقدمة من خلال تلك الإبداعات قد تكفينا بالقدر الذي يتحمل فيه الفنان والمبدع والمثقف مسؤوليته كاملة فيما يكتب ويصور ويعبر... بالقدر الذي يمارس فيه المبدع المثقف قناعاته الحبرية على الأرض الترابية، وأظن أنه من غير المجدي أن أذكر أسماء مثل مظفر النواب، مرسال خليفة، عبد الرحمان منيف، صنع الله إبراهيم ، جان جونيه، جون كوكتو ، محمد شكري، تيسير علوني ، غسان كنف اني ، محمد علي الحامي ، الطاهر الحداد ، رضا الجلالي... الفاضل ساسي، منوّر صمادح، جليلة بكّار... إن الثقافة تكفينا بالقدر الكافي عندما تترجل وتسير مع العاملة والعامل. تسير جنبا إلى جنب مع المزارع والمزارعة ... مع المعطل والمعطلة عن الشغل ... مع المهمش والمقصي والمفرد ... تسير معهم جنبا إلى جنب فوق الأرصفة الإسفلتية للأزقة المظلمة في المدن المثخنة بآلامها... إن الثقافة تكفينا بالقدر الذي يقف فيه المثقف في الصف الأمامي لتظاهرة شعبية... عندما نراه في الصف الأمامي لمسيرة سلمية... لتجمع عمالي من أجل حق مدني أو نقابي أو سياسي ... عندما نراه يشبك ذراعيه في الصف الأول مع عضو نقابي شاب أو مع شابة حقوقية أو طالب معطل عن العمل أو مع والدة سجين أو زوجة معتقل ... تكفينا الثقافة عندما يقف المثقف في صف الشعب... تكفينا الثقافة عندما يتحرر مثقفينا من عصبية البن وتجمعات المقاهي الرديئة والحانات الموبوءة ويترجلون داخل شرايين المدينة وفي ساحاتها العامة... تكفينا الثقافة عندما يتفق مثقفونا وفنانونا ومبدعونا على ضرورة السعي نحو تشكيل منتدىً ثقافيًا عربيًا يتوج بعد العديد من المنتديات الوطنيةوالإقليمية، منتدىً ترتفع فيه الرواية والمجموعة الشعرية والمجموعة القصصية والقيثارة والعود والريشة واللوحة وكتاب النقد والصورة الفوتوغرافية والمقالة الهادفة... وعين الكاميرا الثّاقبة... عندما يتشابك كتاب المثقف وقلمه مع ريشة الرسام ولوحته بمنجل المزارع والمزارعة وبمطرقة العامل وبقبضة النقابي وهتاف الحقوقي... عندما تتشابك هذه الأدوات سيحق لنا أن نحلم بوطن يحترم مواطنيه... عندما يفيض شارع الحمرا ببيروت اللبنانية بالمثقفين والمبدعين, أو شارع طلعت حرب بالقاهرة المصرية, أو شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية أو شارع الثورة بالعاصمة الجزائرية أو شارع الرشيد ببغداد العراقية.. أو شارع عمر المختار في الجماهيرية الليبية... عندما تفيض هذه الشوارع بالمثقفين والمبدعين والفنانين يحق لنا ساعتها أن نحلم بوطن يحاكم مجرميه... عندما تنتصب خيام عملاقة في المدن الصغيرة المتوارية خلف الجبال والهضاب أو الشاردة في الصحارى والفيافي وفي المناطق النائية التي تسمى بهتانا مناطق ظل ... ساعتها يمكننا أن نحلم بوطن ينعم كل مواطنيه بخيرات حقوله ومصانعه.
بين الحاصل بالفعل والحاصل بالقوّة يقف موقف جريء وخطوة عمليّة تُسمّى منتدى ثقافي ينأى عن التنظيمات الإداريّة والبرامج الساذجة والغايات الفئويّة... منتدى ثقافي يتحدّى واقع العولمة ليؤسّس عولمة مضادّة ترتفع فيها قامة الإنسان أعلى وتتسانق فيها قيمة الحريّة نحو ذُراها...

النجاحات التونسية

تمكّنت عدة دول في العالم من تحقيق ثروتها الصناعية ونجحت دول أخرى في تحقيق اكتفائها الذاتي في الغذاء ونجحت دول في تطوير طاقتها النوويّة، ودول أخرى من الحفاظ على توازنها البيئي، ودول نجحت في تأمين أمنها الداخلي والقومي... ونجحت منتظمات أخرى في تحقيق نسبة عالية في العدالة الاجتماعية... وجميع هذه النجاحات وغيرها تعتبر المحرار الحقيقي في زمننا المعولم لتصنيف الدول والتجمعات الإقليمية ضمن خانة التقدّم الذي يحمي الوطن أولا ويجعله مهابا من باقي الدول من ناحية ثانية...
أما نحن فقد نجحنا بامتياز لا نظير له لا في الشرق ولا في الغرب في تحويل وجهة أعناق الشعب إلى المربع الأخضر... إلى المدارج الإسمنتية والخشبية... إلى الجلد المدوّر...نجاحنا هذا ندين به أساسا إلى آلتنا الإعلامية بكل تمظهراتها، قنوات تلفزية، إذاعات، صحف، مجلات، مواقع إلكترونيّة... كلها تظافرت من أجل إبدال عمرنا الإنساني بعمر رياضيّ بحت...
الاثنين الرياضي، الثلاثاء الرياضي، الأربعاء الرياضي، الخميس الرياضي، الجمعة الرياضي، السبت الرياضي، الأحد الرياضي... العمر الرياضي!!
صرنا ننام على الكرة وعليها نفتتح صباحاتنا... في البيت، في المدارس، في المعهد، في الجامعة، في مكاتب الشغل، في المقاهي، في الحافلات، في الميترو... وفي كل شبر من البلاد صار حديث الشعب التونسي عن الكرة وعن تفاصيلها...
نلوك أحذية اللاعبين وجواربهم ليلا نهارا...ونُغرق أيامنا في عرقهم وندجّج ألسنتنا بألفاظهم السوقية.. حتى صرنا نعيش داخل ملعب كرة قدم مساحته 164 ألف كيلومتر وجماهيره أكثر من عشرة ملايين...
أنا لست ضدّ الرياضة كعنصر من عناصر تكوين شخصية الفرد وملمح من ملامح مجتمع ما... ولكنّي أمقتها عندما تتحوّل إلى نشيد رسمي الكل يعزف على أوتارها... ولو كنت مُلمًّا بكرة القدم التونسية لتمكّنت من تدوين عودة العصبية الجهويّة بين جهات البلاد ومن تدوين الهبوط الصاروخي للأخلاق التي صارت مثل الكرة تتقاذها ألسن اللاعبين على الهواء مباشرة وحصريّا بكل فخر على قنواتنا الثلاثة حنبعل وتونس سبعة وقناة21...
0وصارت حركات اللاعبين مرجعا للشباب... الشباب الذي أهمل دراسته بسبب الكرة...
والذي سلّم في حقه في الشغل بسبب «حربوشة» الكرة...
وتثمينا لهذا النجاح الباهر أقترح ضمن هذه المساحة أن تتخلّى قناة تونس سبعة مثلا عن أخبار الساعة الثامنة وتعوضها بحصة رياضية، وعلى قناة حنبعل أن تستبدل برنامج زوم على الثقافة بحصة رياضية وعلى قناة 21 أن تستبدل فوروم الشباب بنقل المباريات الرياضية وإعادتها لمزيد الاستفادة منها، بل أقترح أن ندرج في جامعاتنا العلميّة والإنسانية شهادة في الرياضة.. من أجل تدعيم نجاحنا وعزّتنا أمام تلك الأمم التي تخال نفسها تقدمت بالعدالة الاجتماعية والسلاح النووي والأمن الغذائي وحقوق الإنسان وهي لا تعرف أن الكرة جوهر التقدّم...(؟)