بحث هذه المدونة الإلكترونية

2009/02/16

منتدى ثقافي


يرى الدكتور عبد السلام المسدي أنه ليس من معنى ولا من وزن لموقف المثقف العربي الذي يقول بحتمية الحدث التاريخي فيعلن تسليمه بأن العولمة شيء حاصل بالفعل ما لم يكن له وعي بأن الحاصل بالفعل لا يلغي وجود الحاصل بالقوة ألا وهو العولمة المضادة

هذه الفقرة القصيرة والمكثفة التي عثرت عليها في كتاب الدكتور محمد حسين أبو العلا دكتاتورية العولمة قراءة تحليلية في فكر المثقف بدت لي وهي بالفعل كذلك كافية بل مستفيضة لتشخيص حالة اليباب التي تكتسح أرض المثقف العربي...

هي أرض يباب تنوس فيها أشباح وظلال تخينة وقصيرة وشاحبة باهتة :كتّاب، شعراء ، روائيّون ، قصاصون ، نقاد، مغنون، عازفون, رسامون, سينمائيون, مسرحيون... كلهم يحملون صفة مثقف وأغلبهم يقفون فوق ربوة نائية جدا عن الأزقة والمنعطفات ... ينأون عن المعامل والمصانع ومخازن الشركات العابرة للإنسانية... كلهم بعيدون عن تفاصيل الوجع اليومي وعنه ساهون...

لا نراهم إلا مجازا فوق الأوراق البيضاء... فوق خشب المسارح الضيقة والمغلقة للترميم... في ظلمة قاعات السينما البالية... أو في الملتقيات الولائمية والمآدب الاحتفالية...

نراهم متوارين خلف هذه الأطر يكتبون عن الظلم... عن الاستغلال... الاستبداد... يشخصون الماسي... يصورون آلام البشر... يسلطون الأضواء على عتمة الخراب المعمم في جغرافيا الأحزان التي تسمى وطنا عربيا... وأيضا يبشرون بوجه أفضل وأجمل لوجود آخر بملامح أخرى ومقومات أخرى...

هل تكفي الأوراق والريشات والصور والأقلام لإيقاف تسو ناميات الاستبداد الثاوية داخل كل حاكم جائر؟

هل تكفي مثل هذه الأدوات لإيقاف تسو ناميات الاستغلال الثاوية داخل كل رأسمالي يجوع آلاف النساء ويشرد آلاف الأطفال والرضع ؟

هل تكفينا آلاف القصص والروايات والأفلام والمسرحيات والرسومات واللوحات والأغاني والقصائد للوقوف صدا منيعا أمام زحف الموت والخراب القادمين من صمتنا ومن غطرستهم ؟

هل تكفينا جميعها لنرسم بديلا حقيقيا وصيغة أخرى لحياة من سيأتي بعدنا ؟؟؟

ربما تكفينا وتكفي أجيالا قد تتناسل من جراحنا تكفينا بالقدر الذي يُتقن واضعو هذه الأعمال وخالقيها حسن توظيفها والتمسك بالمواقف المقدمة من خلال تلك الإبداعات...

قد تكفينا بالقدر الذي يتحمل فيه الفنان والمبدع والمثقف مسؤوليته كاملة فيما يكتب ويصور ويعبر... بالقدر الذي يمارس فيه المبدع المثقف قناعاته الحبرية على الأرض الترابية، وأظن أنه من غير المجدي أن أذكر أسماء مثل مظفر النواب، مرسال خليفة، عبد الرحمان منيف، صنع الله إبراهيم ، جان جونيه، جون كوكتو ، محمد شكري، تيسير علوني ، غسان كنف اني ، محمد علي الحامي ، الطاهر الحداد ، رضا الجلالي... الفاضل ساسي، منوّر صمادح، جليلة بكّار...

إن الثقافة تكفينا بالقدر الكافي عندما تترجل وتسير مع العاملة والعامل. تسير جنبا إلى جنب مع المزارع والمزارعة ... مع المعطل والمعطلة عن الشغل ... مع المهمش والمقصي والمفرد ... تسير معهم جنبا إلى جنب فوق الأرصفة الإسفلتية للأزقة المظلمة في المدن المثخنة بآلامها...

إن الثقافة تكفينا بالقدر الذي يقف فيه المثقف في الصف الأمامي لتظاهرة شعبية... عندما نراه في الصف الأمامي لمسيرة سلمية... لتجمع عمالي من أجل حق مدني أو نقابي أو سياسي ... عندما نراه يشبك ذراعيه في الصف الأول مع عضو نقابي شاب أو مع شابة حقوقية أو طالب معطل عن العمل أو مع والدة سجين أو زوجة معتقل ... تكفينا الثقافة عندما يقف المثقف في صف الشعب...

تكفينا الثقافة عندما يتحرر مثقفينا من عصبية البن وتجمعات المقاهي الرديئة والحانات الموبوءة ويترجلون داخل شرايين المدينة وفي ساحاتها العامة...

تكفينا الثقافة عندما يتفق مثقفونا وفنانونا ومبدعونا على ضرورة السعي نحو تشكيل منتدىً ثقافيًا عربيًا يتوج بعد العديد من المنتديات الوطنية والإقليمية، منتدىً ترتفع فيه الرواية والمجموعة الشعرية والمجموعة القصصية والقيثارة والعود والريشة واللوحة وكتاب النقد والصورة الفوتوغرافية والمقالة الهادفة... وعين الكاميرا الثّاقبة...

عندما يتشابك كتاب المثقف وقلمه مع ريشة الرسام ولوحته بمنجل المزارع والمزارعة وبمطرقة العامل وبقبضة النقابي وهتاف الحقوقي... عندما تتشابك هذه الأدوات سيحق لنا أن نحلم بوطن يحترم مواطنيه...

عندما يفيض شارع الحمرا ببيروت اللبنانية بالمثقفين والمبدعين, أو شارع طلعت حرب بالقاهرة المصرية, أو شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية أو شارع الثورة بالعاصمة الجزائرية أو شارع الرشيد ببغداد العراقية.. أو شارع عمر المختار في الجماهيرية الليبية... عندما تفيض هذه الشوارع بالمثقفين والمبدعين والفنانين يحق لنا ساعتها أن نحلم بوطن يحاكم مجرميه...

عندما تنتصب خيام عملاقة في المدن الصغيرة المتوارية خلف الجبال والهضاب أو الشاردة في الصحارى والفيافي وفي المناطق النائية التي تسمى بهتانا مناطق ظل ... ساعتها يمكننا أن نحلم بوطن ينعم كل مواطنيه بخيرات حقوله ومصانعه.

بين الحاصل بالفعل والحاصل بالقوّة يقف موقف جريء وخطوة عمليّة تُسمّى ˜منتدى ثقافيŒ ينأى عن التنظيمات الإداريّة والبرامج الساذجة والغايات الفئويّة... منتدى ثقافي يتحدّى واقع العولمة ليؤسّس عولمة مضادّة ترتفع فيها قامة الإنسان أعلى وتتسانق فيها قيمة الحريّة نحو ذُراها...









2009/02/14

ديكتاتورية هوغو شافيز؟


يُعرف الاستفتاء على أنه إدلاء مجموعة من الناس بأصواتهم في مسألة معينة تخصهم، ويُعْطَى كل الناخبين في البلد أو الإقليم فرصة للاقتراع على سياسة الحكومة أو على قانون جديد مقترح. وفي الاستفتاء، يوضِّح المقترعون عما إذا كانوا يوافقون أو لا يوافقون على الاقتراح، وتُستَخْدَم الاستفتاءات في عدة بلدان، ويمكن أن تكون لها أنماط كثيرة من تغيرات في الدستور إلى تحديد الحدود الوطنية، وتختلف القواعد التي يتمُّ الاستفتاء وفقًا لها من بلد إلى آخر.

كما يمكن أن يكون الاستفتاء اختياريًا أو يكون إجباريًا في بعض البلدان مثل أستراليا وفي بلدان أوروبية مثل أيرلندا وفرنسا وسويسرا، إذ يمكن أن يتم الاستفتاء الاختياري للحصول على الموافقة على تشريع سبقت إجازته لكن بشرط أن يطلبه عدد محدد من الناخبين في هذا البلد، في حين أن الاستفتاء الإجباري هو ذلك الاستفتاء الذي يجب على المقترعين أن يوافقوا بمقتضاه على القانون المُزْمَع العمل به قبل أن يصبح ساري المفعول.

ومن أشهر الاستفتاءات ذاك الذي صوت بمقتضاه نحو 40 بالمائة (2 مليون) من السويسريين لإلغاء الجيش الوطني سنة 1989 أو ذاك الذي حصل في أيرلندا عام 1983 حيث وافق الناخبون على إجراء تعديل دستوري لحظر الإجهاض... أما أهم استفتاء، في تقديري الشخصي، فهو ذاك الذي قضى على النظام الإقطاعي في بوليفيا عندما وافق 62 بالمائة من الشعب على نزع ملكية الأراضي التي تتجاوز مساحتها 5000 هكتار، وتوزيعها علي الريفيين وأغلبهم من فقراء شعوب الأرض الأصلية، وامتلاك الشعب للموارد الطبيعية.

وغير بعيدا عن بوليفيا، وتحديدا في فنزويلا، هاهو الرئيس المنتخب ديمقراطيا سنة 1999 هوغو شافيز يُقدم على فرض استفتاء شعبي في بلاده من اجل أن يبقى على سدة الحكم لأجل غير مسمى، ومراقبة وسائل الإعلام لدى اندلاع الأزمات، وفي حال إعلان الطوارئ، والسماح له بالسيطرة على احتياطيات فنزويلا من العملة الأجنبية، وتعيين موالين له فوق المسؤولين الإقليميين المنتخبين وعدة امتيازات أخرى بعد أن اقترح إدخال ثلاثة وثلاثين تعديلا على الدستور، في حين اقترحت الجمعية الوطنية، التي يسيطر عليها أنصاره، ستة وثلاثين تعديلا إضافيا... (قالو بيكش والا نزيد عليك).

وجاءت خسارة شافيز للاستفتاء بهامش ضئيل، حيث صوّت 51 بالمائة، من بين أكثر من تسعة ملايين ناخب توجهوا إلى صناديق الاقتراع، ضد التعديلات الدستورية...

إن الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الفينزويلي هوغو شافيز بالنتائج التي تمخضت عنها وأيضا بما شابها من الاضطرابات التي أتاها الطلاب في جامعات كاراكاس بالخصوص والتحركات المعارضة للاستفتاء في أغلب مناطق فينزويلا والتي أطلق فيها الرصاص الحي (ملا ديمقراطية) كلها تضعنا أمام سؤالين لا ثالث لهما، أو استنتاجين وحيدين، الأول لماذا أقدم شافيز على مثل تلك الخطوة؟ ألم يكن له أن يكون مثل نيلسون مانديلا مثلا أو سلفادور الليندي أو سينغور أو غيرهم... فاستمرار النظام الاشتراكي في فينزويلا لا يعني بتاتا بقاء شخص شافيز في سدة الحكم لكن اصراره على الحكم إنما هو تكريس للحكم الفردي ولشخصنة النظام.

أما السؤال الثاني فهو يتعلق بنتائج الاستفتاء، فرغم ما حف بها من احتجاجات غذتها، حسب شافيز، المخابرات الأمريكية خوفا من النظام الاشتراكي، إلا أنها أثبتت مرة أخرى أن هذا الرجل يستحق أن يكون رئيسا لبلاده وأمينا على ثرواتها... فقد أثبتت مرة أخرى النتائج ديمقراطية الاستفتاء وشفافيته في فينزويلا وهو ما يمنحها الشرعية على عكس ما تعيشه الحكومات الاستبدادية التي تفوز في انتخاباتها واستفتاءاتها بنسب خيالية دائمة.

2009/02/12

تحالفات

معذرة لكل قارئ سيصاب بخيبة توقع بعد ان ينكسر أفق انتظاره وهو يُنهي هذه البطاقة الاسبوعية ليكتشف ان وجهة العنوان غير وجهة المتن الذي سيطالعه.
فمصطلح تحالفات عادة ما يحيلنا ـ ميكانيكيا ـ إلى القاموس السياسي وتحديدا الى التنظيمات الحزبية التي تختار ـ أو تجبر ـ على التحالف مع بعضها البعض في مرحلة ما، وقد تكون تلك التحالفات تكتيكية او استراتيجية، وهي تستند في أغلبها الى أرضية عمل مشترك تنبني على جملة من التوافقات المبدئية المتوفرة او المرغوب في توفيرها... وعادة ما تكون نسبة نجاح تحالف ما أقل بكثير من نسبة الفشل وهذا ما أثبته التاريخ السياسي في اغلب الحقب التي مرت...
هذه التحالفات السياسية ليست هي التي أقصدها وان كانت لا تبتعد كثيرا عن الحقل الذي أعنيه، ذلك ان كل حدث مهما كان ضئيلا ينتهي بالضرورة الى الحقل السياسي بالمفهوم الانثروبولوجي للسياسة...الحدث الضئيل الذي أعيشه تقريبا يوميا يعيشه كل مواطن تونسي يستعمل وسائل النقل، هو حدث عابر وعادي بل هو يبدو بديهيا ومنطقيا ولا يمكن ان يثير انتباه كل مواطن رغم انه يعايشه بصورة دائمة...هناك تحالف عابر بين حافلات النقل الخاصة واحدى الاذاعات الخاصة وكذلك احد المطابع الخاصة التي تزوّد شركات النقل الخاصة بالتذاكر... وهذا التحالف الثلاثي بين الخواص يبدو في ظاهره تحالفا ايجابيا يسعى إلى توفير مستلزمات الراحة للمواطن، او لنقل للحريف الذي يستعمل الحافلات، وكلمة حريف هي التي يصنّف بها السائق ومقتطعة التذاكر والمراقب المواطن التونسي...وبالمقابل هناك تحالف اخر ايضا يعيشه المواطن الذي يستعمل الحافلات الصفراء... تحالف عمومي بين الموظّف العمومي والثروة الوطنية والمواطن التونسي، تحالف يتجسد من خلال استهتار السائق والقابض والمراقب في السياقة واللياقة... تحالف يتجسد من خلال اهمال اسطول الحافلات والامعان في تخريبها وانهاء صلوحيتها من خلال حالة الطرقات ومن خلال ممارسات اغلب المواطنين داخل الوسائل التي هي ملك لهم وليست للدولة...
تحالف من خلال ظاهرة «الترسكية» لدى المواطنين من خلال اعمال التخريب التي يحلو للبعض ممارستها كالكتابة والتمزيق وتهشيم البلور...
كلها تحالفات من اجل جعل المواطن ينفر من رزقه بدل ان يحميه ويحسن استغلاله... تحالفات تعمل من اجل الاسراع بالتفريط في عمومية قطاع النقل ليستحوذ عليه الخواص ويستحوذوا على أموالنا...ان هذه التحالفات هي في احد وجوهها تحالفات سياسية، سياسة العيش... سياسة المحافظة على الرزق العام... سياسة المواطن او الغريب... سياسة سحب البساط... سياسة قتل الدولة لصالح الرأسمالي...

2009/02/11

زيادة الحاكم!!!


يحتشد ذهننا نحن التونسيّين، عمّالا أو موظفين، طلبة أو تلاميذ، متعلمين أو أميين، مدنيين أو ريفيين، تقدميين أو رجعيين.... تحتشد أذهاننا جميعا بجملة من المعتقدات التي لا تكرّس إلاّ تأخّر إيماننا بفعل المواطنة الحقيقية، ومن بين تلك المعتقدات التي تجري على ألسننا جريان الدّم في الشرايين تلك المركبات اللغوية المعلومة لنا جميعا وكأنها حقائق ثابتة وليست أوهاما مثل قولنا «عشرة الحاكم» و »زيت الحاكم» و »ضو الحاكم» و »طريق الحاكم» وكذلك «زيادة الحاكم» وهي التي تعنيني ضمن هذه الأسطر العابرة...

تعنيني «زيادة الحاكم» لأننا نعيش هذه الأيام جولة جديدة ومهمة من المفاوضات الاجتماعية حيث تجلس يوميّا إلى طاولة التفاوض، الأطراف الثلاثة بنفس النديّة والحجم وهم الاتحاد العام التونسي للشغل ممثل العمّال والعاملات بالفكر والساعد واتحاد الصناعة والتجارة منظمة الاعراف والطرف الثالث الحكومة ممثلة في مختلف وزاراتها ومؤسساتها العمومية، ومعلوم أن المفاوضات الاجتماعية التي تُجرى مرّة كل ثلاث سنوات تنظر في مستوى عيش «المواطن التونسي» وفي سبيل تحقيق الموازنة بين مستوى الدخل ومستوى العيش وغالبا ما تنتهي تلك الجلسات التفاوضية بإقرار زيادة في الاجور لعموم العمّال والعاملات، غير ان كل المنتفعين بملاليم الزيادة تراهم في كل شبر من البلاد يتحدثون عن زيادة الحاكم!!! والحال أن الاتحاد العام التونسي للشغل هو الذي يطالب بضرورة تلك الزيادة ولأجلها يكوّن المفاوضين ويدربهم وتناضل كل طاقاته من اجل تحسين الحد الأدنى المعيشي... والحال أيضا أن الحكومة والاعراف غالبا ما يتعللون بالظرف الاقتصادي العالمي او بطبيعة تغير المناخ والطقس الذي أثرّ في موارد البلاد الطبيعيّة..

تصوّروا طبيبا أو مهندسا أو أستاذا جامعيّا يتحدّث عن زيادة الحاكم وبالمثل تلاميذ معاهدنا وطلاّب جامعاتنا تسمعهم أيام الامتحانات يتحدثون عن تحصيل «عشرة الحاكم» على الاقل.. وكأن الحاكم هو الذي يدرس ويسهر الليالي!! و جدّتي تقول لي إنّها تكرهُ «عظم الحاكم» وأنها تحب «العظم العربي»... وكل المركبات اللغوية الاخرى التي لا تؤكد الا استفحال ذهنية فقدان صيغة المواطنة تلك القيمة المكتسبة عبر جملة من الممارسات وعبر جملة من المبادئ التي يؤمن بها الانسان ولا يمكن للمواطنة أن تُهدى أو تُعطى هكذا مثلما يتوهم التونسيون أن الحاكم يمنحهم الزيادة... ويعبّد لهم الطريق...



2009/02/09

دار الثقافة ابن رشيق بالعاصمة: الاسم العالي و....

منذ عشرة سنوات خلت، زارت جارتنا العجوز تونس العاصمة آخر مرة قبل أن تلفظ أنفاسها في الأيام الماضية. في الواقع كانت موتتها غريبة وغير منتظرة بالمرة. صحيح أنها شارفت على سن الثمانين ولكنها لا تزال تتمتع بصحة جيدة تكفيها لمتابعة المسلسلات التلفزيونية وتهجي بعض المقالات السيارة، ولذلك كانت موتتها مفاجئة وغريبة، ولكن الأغرب في موتتها أنني أنا هو قاتلها.

أنا قاتل جارتنا العجوز. أي نعم، أنا من قتلها بعد أن توقف قلبها عن النبض لما سمعت إجابتي عن سؤاليها اللذين طرحتهما علي.

إجابتي كانت عن حسن نيتي وسلامة طويتي، انسابت على لساني من دون تزييف، ولم اضمر بداخلي أي نية لقتل جارتنا العجوز، مثلما أنا الآن لا اضمر أية نية لقتل أي قارئ سيسوقه حظه العاثر ليطلع على مقالتي هذه والتي سأحملها الآن نفس الإجابة التي قتلت جارتنا منذ أيام معدودات.

سألتني جارتنا قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة _ وقلبها ينط بين ضلوعها مثلما تنط عنزة جبلية وسط مرج ربيعي – أمازال الناس في «باب عليوة» يهيمون كالجراد الأرعن ويدبون كالنمل الأسود في غير اتجاه ؟. فأجبتها أن نعم. هم على وضعهم ذاك باقون، بل إنهم صاروا عجينة غريبة من الجراد والنمل ينتشرون في «باب عليوة» وفي كل أبواب العاصمة، ونوافذها.

زمت شفتيها علامة استغراب واستنكار، ثم صفعتني بسؤالها الثاني الذي كان سببا في التعجيل بموتها.

قالت لي وهي تسحب ضفيرة شعرها الشمعية إلى الخلف: قل لي بني، هناك دار للثقافة يقال لها «دار الثقافة ابن رشيق» كائنة في قلب شارع باريس الممتد شريانا متقاطعا مع شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، قريبة جدا لمقر اتحاد الكتاب التونسيين ، وجدرانها لصيقة بالمعهد الوطني للموسيقى، ويمر أمام بابها المغلق كل يوم الآلاف من المثقفين والمتعلمين والمبدعين والفنانين والشباب... كانت فسحة للمثقفين والمبدعين ومنبتا ثريا لأجيال عديدة مرت بها، اذكر أني آخر مرة مررت بها، منذ سنوات غير قليلة، قرأت لافتة معلقة على جدارها الأمامي كتب عليها أن الدار مغلقة للأشغال. هل انتهت تلك الأشغال وعادت الدار لسالف نشاطها الثقافي أم مازالت على حالها؟.

لم أكن أتصور أن صدقي في الإجابة عن سؤالها سيأخذ جارتنا المسكينة إلى قبرها البارد هناك في مقبرتنا المنسية بين الذئاب والكلاب.

أجبتها بكل صدق ومن دون مبالغة، أن دار الثقافة ابن رشيق مغلقة منذ أن دخلت أنا العاصمة والى الآن، قرأت بالجامعة، تخرجت من الجامعة، أنتدبت للعمل ولا أزال فيه إلى الآن، وهي على حالها لا باب مفتوح ولا أمل قائم في بنيانها المرصوص...ارتفعت حولها مبان بلورية شاهقة، وامتدت حولها طرقات سريعة في كل الاتجاهات، وتوسعت ملاعب كرة القدم بمليارات الدينارات في أشهر معدودة... أفتتحت مركبات وبنايات وارتفعت جسور وطرقات وبنيت جامعات وكليات ومطارات ومحطات وجلبت وزارة الثقافة بالمليارات من المليمات أحمرة تنهق فوق ركح قرطاج وكلاب مسعورة تدور على ذيلها فوق ركح المسرح البلدي...

أقيمت الندوات «الثقافية» وصرف عليها ملايين الملاليم، وودعنا المنتخب «الوطني» لكرة القدم بملايين الدينارات وسنستقبل عما أيام أشباه الأسماء في مهرجاناتنا بملايين أخرى... وفتحت دار الثقافة ابن رشيق بالعاصمة وكأنها لم تفتح فلا برامجها تطورت ولا فعلها تقدم على مثيلاتها في اصقاع البلاد من دور لا تفعل سوى تكرير الثقافة المكرسة!!!

عندما كنت أسرد على مسامع جارتنا العجوز، ما قرأتموه الآن، كانت باهتة صامتة، لم تنبس ببنت شفة، وعندما أنهيت كلامي لفظت جملة واحدة ومعها روحها الباقية. قالت لي: المسألة ليست مسألة ملايين ولا مليارات، المسألة مسألة رغبة وحسابات أخرى، تعلمها وأعلمها أنا ويعلمها جميع من يعرف تاريخ دار الثقافة ابن رشيق.

2009/02/08

بين الانتداب والخبرة: شرط العازب

من المفارقات العجيبة الغريبة تلك التي تمرّ أمام أعيننا كلّما تصفّحنا صحيفة ما أو كلّما اشرأبّت أعناق الجيش العرمرم من المعطلين عن العمل إلى شاشة التلفاز تلاحق عروض الشغل والِــجَة من اليمين هاربة من اليسار أسفل صندوق العجب. فأغلب عروض الشغل والانتداب المعروضة والمتوفّرة في مختلف الأطر كالصحف والتلفزة والإذاعات والدوريات وفي مكاتب التشغيل... كلّها تنصُّ على شرط أساسيّ لا رجعة فيه، إنّها الخبرة المطلوبة والتي تنصّ على وجوب أن تضاهي خبرة طالب الشغل ما لا يقلّ عن السنوات الخمس!!!

من هذه المفارقة السريالية فعلاً يمكن لأيّ واحدٍ عاقل أن يستشفّ ما به يقضي على تلك الخطوات التي تفصله عن الجنون حدّ الخَبَلِ.. أقول جنونًا لأنّه من المفترض أن تكون هذه الحقائق المُعلنة حافزًا للمزيد من النضال والاستبسال حدّ الموت من أجل حقّ يحقُّ لنا أن يتمتّع به ويحتفل به كل من نذَرَ عمره لبطاقة خلاص شهريّة بعد أن أحرقت منابة الابتسامة على شفاه أولئك المعطوبين الذين تهْرُسهم طواحين السوق الحرّة والعولمة كل لحظة على الأرصفة الباردة...

إنّ التنصيص على وجوب توفّر شرط الخبرة بما لا يقلّ عن السنوات الخمس لا يمكن أن يدلّ إلاّ على الرغبة الدفينة لدى عارضي الشغل وبما لا يدع للشكّ والريبة وحسن النيّة ـ في أنّ باب الشغل موصدٌ دائما وأبدا أمام مستحقيه، فببساطة إلى حدّ السّذاجة من يتوفّر لديه هذا الشرط المجحف هو لا محالة يشتغل في مكانٍ ثانٍ، ثمّ إن من لديه خبرة خمسة سنوات ويطلب شغلا جديدًا هو بالضرورة قد أُطرد من عمل سابق وهو بالتالي ضحيّة لنفس نظام الانتداب...

أتذكّر قياسًا لهذه الوضعيّة الشرسة مثلا سيّارًا على كلّ الألسن ذاك الذي يقول «شرط العازب على الهجالة» أتذكّره ولا أدري متى تنتهي مواسمُ استبلاه العقول ومواسم كنس الحقوق التي يتدحرج فيها آلاف المتخرّجين وآلاف المؤهلين لتأمين جيل آخر من عمر البناء...