بحث هذه المدونة الإلكترونية

2009/04/02

الرسام الأمين ساسي

الفن ليس خلافة ووحدها الأفكار برجوازيّة

ولد الرّسام التشكيلي الأمين ساسي سنة 1951 بولاية منوبة وتحصل سنة 1978 على الاجازة في الفنون التشكيلية اختصاص رسم زيتي من المعهد التكنولوجي للفن والهندسة المعمارية والتعمير بتونس وأقام أوّل معرض له سنة 1980 بقاعة التصوير بتونس. وعن أعماله التشكيلية ولوحاته تقول الناقدة رزان نعيم المغربي: «في أعماله المتميزة بإحتفالية لونية مع الإصرار على بناء عوالم اللوحة بشكل مستفز، والتي تحمل تحريضا لذائقة المتلقى روحيّا وبصريّا، لابد أن نلحظ الخط الدرامي الواضح والمقترب مباشرة من التعبيرية غير الكاملة والموازي بعض الحين التجريدية، لهذا لا يُمكن تصنيف أعماله وفق مدارس فنية وبشكل خالص». وتضيف قائلة: «يطرح الأمين ساسي في لوحاته عوالما فانتازية تعول في الأساس على مضمون علاقات الحب الانسانية والحالات الروحانية وما بعدالفيزيائية الجسدية".

مع الرسام الامين ساسي كان لنا هذا الحوار العابر.

* يعيش العالم اليوم على وقع الحروب والدمار في أكثر من مكان، ويطغى لون الدم الأحمر وكذلك اللون الاسود، فهل لهذين اللونين تأثير مباشر على لوحاتك؟

ـ في الحقيقة اللون الأحمر لا يُنسب للدم فقط وإنما أيضا هو لون الورد، ويجدر بنا أن نتحدث عن أحمر الورد للتنديد بالكره والعنف والوئد، إن ما حصل في غزة يدفعنا لحمل الورد كل يوم لا لكي ننسى أو نغض الطرف عما جرى ويجري فيها من قتل وتشريد وتجويع، إني أرى الآن في غزة وفي كل أرض مُنتهكة العصافير تتنهّد تحت الأنقاض، الدم أحمر العروق وأحمرُ اللوحة نشيدها.

أما اللون الأسود فهو الظلم والمظلم ممزّقا في بعض الأحايين بلمعان القنابل والشظايا، وهو عنوان قتامة الغدر. الأطفال الذين شاركتهم الرسم في تظاهرة فنية مساندة لغزة بفضاء المرحوم الفنان التشكيلي حبيب بلال وفي برنامج تضامني بفضاء الحبيب بوعبانة لمستُ في أصابعهم ارتعاشة أكثر صدقا.

ما يحدث اليوم أمام ابنائنا وأمام أبناء كل العالم مقابلة دموية لا يتساوى فيها الطرفان، حتى الحق والحرية عجزا عن فهم محتوى التعدّي على ما أضعف من عصفور، الطفل والشيخ والمسنة، ناهيك أن أكثر أبنائنا يعرفون رسم طائرة ودبابة وانفجار مستندين للصورة التلفزية، ولنتصور صدر أم غزّاوية كم تنهيدة يحمل بداخله وكم زفرة جفّت قبل أن تذرف دمعتها على خدّها ولنتخيل رحابة صدرها وهي تودّع فلذات أكبادها وزوجها وأخيها وجارها.
*هل تعتقد أن بمقدور الفنان والمبدع عموما أن يقدم حلاً عمليا لمثل هذه المآسي التي تفشل كل المساعي في حلها؟

ـ لأن الفنان يهبُ أسمى أحاسيسه للآخر من دون حسابات هذا في حد ذاته حلاًّ.
كيف استمالتك الريشة والقماشة البيضاء؟

*كيف استمالتك الريشة والقماشة البيضاء؟

ـ بما أن كل كهل مسكون بطفل في داخله، فإن الطفل الساكن بداخلي تربّى وترعرع في جنان منوبة وعاش مع تربة الأرض وأشجارها ودوابها وعصافيرها مع جدّي أحمد بالخامسة، وكنت كل يوم أحد أرافقه الى جبال تونس وسهولها للصيد.

الآن وقد أصبح ذاك الطفل كهلا طال على بعض النباتات وبعض الخضرة وأصبح يراها من فوق تحت سماء وقمر وسحاب ولم يعد يرفع رأسه لرؤيتها لأن الذكريات التصقت بقلبه وذاكرته، جمال تلك الطبيعة التي ضمتني في طفولتي وهذا الذي تسمونه الرسام الامين ساسي هو ذاك الطفل الذي يعيش بذاكرته وبمخزونه وبما تبقّى له من دفئ وحنان وأيضا عدم اكتراث فنّي، وهو ما يجعلني أعيش سفرا داخليا في ذاكرتي، وكل لوحة هي سفرة جديدة واكتشاف اخر لكل تفاصيل الطبيعة...

* أعتقد أن شاعرا ما بداخلك؟

ـ إذا كانت هناك علاقة ما بين الفنون فهي موسيقى الرسم للشعر، فالرسم هو موسيقى الشعر، والرّسام الذي لا تسكنه شاعريّة ما لا يمكنه أن يبدع وكذا الشاعرالذي لا يتقن الرسم بالكلمات لا يمكنه ان يكون شاعرا فبالكلمة نقترح الصورة وبالرسم نطفئ القصيدة أو نعانقها، وكما الشاعر رسامٌ يُسافر وحيدا مع لوحاته البيضاء وكما الشاعر يذهب بعيدا مترقّبا رؤية خط الأفق... ولذلك ليس هناك فنان ما وصل الى اليابسة فكل فنان يبقى دائما في حالة انتظار وترقب وسفر...

* لماذا لم يُحظ الأمين ساسي كرسام بالاهتمام النقدي الذي يليق بتجربته التشكيلية؟

ـ ببساطة لأنه ليس لنا نقدا فنيّا بخصوص الرسم في تونس، أمّا بخصوص تجربتي فهناك خمسة طلبة من معاهد الفنون الجميلة بكل من تونس وصفاقس ونابل وسوسة أنجزوا أبحاثهم عن تجربتي الفنية، ثم إن نقادنا الفنيين اعتكفوا بيوتهم أو مكاتبهم وتخلّوا عن مهامهم الحقيقية وأذكر على سبيل الذكر لا الحصر ودون ترتيب كل من الناصر بالشيخ وزبير الأصرم وحسين التليلي والحبيب بيدة وغيرهم... وأسأل أين هم؟

* هل فعلا يبقى الرسم فنّا برجوازيّا متعاليا عن الواقع؟

ـ إن من تحاوره الآن ليس برجوازيا بل هو ابن الحقول، إن الأفكار وحدها هي البرجوازية.
نسبيا الفن خرج من يد أبناء الكادحين، ولأن البرجوازي متعلم أكثر من الكادح فإن ذوقه ارتفع عنه ولا أقول أرفع، ولكن قيمة الفنان تبقى تاريخيا أكبر من البرجوازية وأكبر من كل تقسيم طبقي.

* يُقال ذهب الحبيب بوعبانة فأتى الأمين ساسي؟

ـ كل ما قيل عن خلافتي لصديقي الحبيب بوعبانة كلام لا يلزمني ولا يعنيني لأن الخلافة لأصحابها.
ذهب صديق الطريق وبذهابه ذهب الفنان، والفن ليس خلافة لأن الخلافة جينيّة وهذا مفهوم الاختلاف وهو الأهم عندي لأنه الباقي وسواهُ إلى زوال وعدم.

* ولكن الثابت أن هناك علاقة تأثر وتأثير بينك وبين الحبيب بوعبانة؟

ـ إلى جانب الحبيب بوعبانة يجب أن لا ننسى فوزي الشتيوي فهو الآخر عاشرته وسبرتُ أغوار تجربته مثله مثل الحبيب بوعبانة وقد درسنا معَا في نفس الفترة.

أما التأثر والتأثير فهو شعور انساني ولايوجد فنان ما أو مبدع لم يحاول أن يطير في فضائه الشخصي.

2009/03/31

يوم الارض



لن تدور الأرض أبدا دورتها الطبيعية إن لم يدر فوق أديمها العدل دورته العادلة... ستبقى على خرابها ودمارها إن بقى ماردها الأعظم يُكبر من يشاء ويصغر من يشاء... ستظل الأرض هي الأرض غير أنها ستظل واقفة في زمنها الحربي ومعطلة في أفقها العدائي، جامدة غير متحركة إلا بكذبتها الميتافزيقية التي تنأى بأنفاس البشر بعيدا عن الطين المبلل بالعرق والمغمّس اليوم بالدم العراقي والفلسطيني واللبناني...

يوم الأرض الذي يوافق 30 من كل مارس منذ 1976، يوم مات ستة شهداء دفاعا عن الارض ويوم قرر إسحاق رابين مصادرة قرابة 20 ألف دونم من أراضي دير حنا وسخنين وعُرابة في الجليل... لم يكن يعرف أن الفلسطيني يأكل التراب ويتوسد الحجر ليعلق بأسنانه رائحة الرحم الذي أنجب جده ووالده والذي سينجب ابنه وابن ابنه ليتسامق كزهر اللوز وأبعد ويتطاول كعريش الكرمل وأجمل ويتحلى كعرجون الزيتون وأنضج فوق الأرض المخصبة بالحرية...

منذ 1948 والأرض الفلسطينية تدهسها الآلة الحربية الصهيونية وتدعكُ ترابها بلحم أبنائها من اجل إنشاء دولة مفتعلة ركيزتها المستوطنات اليهودية وترحيل الفلسطينيين وتهجيرهم إلى أصقاع الدنيا وأطراف الأرض...

الأرض الفلسطينية التي صار مركزها الصهيوني وهامشها الفلسطيني توقفت منذ زمان عن الدوران الطبيعي لأن قانون دورانها إلى اليوم مازال يتجاذبه قانون العودة لأي يهودي في العالم وقانون الغائب لكل فلسطيني مشرّد وتغذيه منذ سنوات قليلة فكرة المنظّر اليهودي «جابوتنسكي» حول الجدار الحديدي الذي عنّه ارتفع جدار الفصل العنصري منذ عام 2003 بطول 622 كلم أي ما يقابل نصف مساحة الضفة الفلسطينية وهو إلى اليوم سائر في تقدمه حيث بلغت أشغاله 300 كلم متوغلا في أراضي الضفة الغربية...


2009/03/27

20 مارس 2009!!!

من مظاهر الاحتفال بالأعياد والمناسبات في العالم أجمع منذ فجر الحضارات المؤسسة لتاريخ البشريّة، إقامة الحفلات ونشر اليافطات والأعلام للزينة في الساحات العمومية والشوارع وحتّى داخل البيوت... وتذكّر وتكريم من اقترنت به ـ أو بها ـ مناسبة الاحتفال... وإلى ما غير ذلك من المظاهر التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها غير أنها تحمل دلالات عميقة لعل أهمّها التذكير بالأمجاد ـ باعتبارها احتفالا ـ ومزيد تمتين أواصر المحتفلات والمحتفلين...

وككل الشعوب قاطبة، أحيا الشعب التونسي يوم 20 مارس 2008 الذكرى 52 لنيله الاستقلال التام عن المستعمر الفرنسي غير أن يوم الذكرى الذي انقضى منذ أسبوع فقط لم يحمل مراسم الاحتفال والبهجة والتمجيد إلاّ بذاك اليوم الوحيد الذي يُمنح للموظفين والموظفات والعمال والعاملات بعنوان يوم راحة فلم نشاهد أعلام تونس ترفرف في الشوارع الفسيحة التي كانت يوم الخميس الفارط خالية إلا من بعض الأرجل المتعثرة هنا وهناك... ولم نطالع يافطات للمنظمات والجمعيات والأحزاب وحتى أمام مداخل الشركات والمعامل والمؤسسات الوطنية التي نراها تتسابق في مناسبات أخرى في إعلاء اليافطات «الموشّات» بالأخطاء اللغوية والصور والأعلام وتُقيم المسابقات والجوائز وتستأثر بمساحات شاسعة في الصحف والمجلات لتبارك وتمجّد وتساند وتشجع وتضاعف ولاءها...
حتى شارع الحبيب بورقيبة، المجاهد الأكبر الذي أتى بالاستقلال الداخلي للبلاد ـ وان كان على مقاسه ومقاس فرنسا ـ حتى شارعه لم ترفل جدران محلاته ومؤسساته باليافطات والأعلام والصور... ربّما تتعلّل هنا البلديات ومنظمات المجتمع المدني وأحزاب المجتمع السياسي والمؤسسات الوطنية بقلة ذات اليد وبارتفاع أسعار البترول والقمح وبالمصاريف الزائدة التي قد تُنهك ميزانية المجموعة الوطنية غير أن هذا لا يشفع لهم كلهم التغاضي التام والتناسي القصووي لتشريك الشعب التونسي في الاحتفال بيوم مولدهم الوطني في حين نراهم جميعهم يُصابون بما أسميته هستيريا اليافطات والأعلام في مناسبات أخرى!!!

أعتقد ان التاريخ هو أولا وقبل كل شيء الماضي قبل ان يكون الحاضر والمستقبل وأعتقد أيضا أن ردم الماضي في قبور باردة لن يمنح أبدا شرارة وحرارة للحاضر الآني والمستقبل الاتي...

اعترف أنّي أصبتُ يوم 20 مارس 2009 بنكسة عاطفية كبيرة وبرجة إيديولوجية عميقة وأنا أشعر أنّ لا فرق بيني وبين ذاك السائح الفرنسي ـ نعم فرنسي ـ الذي سألني في شارع الحبيب بورقيبة عن سبب اغلاق المحلات والمؤسسات وعن ركود حركة الشارع فلم أجد بدا من اجابته بأن اليوم 20 مارس هو يوم راحة فقط...

2009/03/25

10 مليون سؤال عن السينما التونسية



لو استوقفنا عشرة ملايين مواطن تونسي ومواطنة تونسية وسألناهم عن حال السينما التونسية لتحصلنا على عشرة مليون سؤال ونقطة استفهام مختلفة بشأن واقع هذا القطاع الذي يمثّل العمود الفقري للمشهد الثقافي عموما في بلادنا...

فمنهم من سيسأل عن قلة الإنتاج السينمائي ومنهم من سيطرح سؤاله عن انحسار السينما التونسية في خانات معلومة سلفا لم تخرج عن الجنس منذ أول الأعمال، ومنهم من سيضع نقطة استفهام كبيرة أمام قلة قاعات العرض وصغر حجمها، ومنهم من سيسأل عن تهميش نوادي السينما وجامعتها وعن النقد السينمائي وقلته إن لم نقل ندرته...

ومنهم من سيلاحظ ارتهان قطاع السينما لدعم وزارة الثقافة الذي تُثار بشأن توزيعه وقيمته آلاف الأسئلة، وسنسأل عن ذهنية المعلقات الاشهارية وعن التقنيات المتوفرة لدى سينمائيينا وعن هروب اغلب مخرجينا الى العمل المشترك أو استجداء الإعانات المادية من فرنسا وبلجيكا وغيرها من الدول التي تشترط علينا ما يُرضي نزعتها الاستعلائية...

سنسأل عن نفور المتفرج التونسي من الأفلام الوطنية، وسنسأل عن غلاء أسعار تذاكر الدخول لقاعات السينما، وعن كيفية إدراج الأفلام وتوزيعها داخل القاعات...

سنسأل عن حقوق السينمائيين أمام تكالب أصحاب محلات نحت الأقراص... سنسأل عن صمت وزارة الإشراف أمام تحول قاعة سينما الى محل لبيع الملابس المستعملة والكائنة بساحة العملة... وأخرى لا نعلم إلى أي صنف تجاري ستؤول، وقاعات بحلق الوادي أكلها الصديد والنسيان الأبدي...

سنسأل عن الدعم الإعلامي والاشهاري الغائب تماما في مؤسساتنا الإعلامية بخصوص الإنتاج السينمائي فهذا الإشهار، وعلى أهميته القصوى في جلب المشاهد، لا تزال تلفزاتنا وإذاعاتنا وصحفنا تتعامل معه كحدث عارض أو كخبر عادي في حين تخصص في مصر مثلا شركات وأموال وطاقات فقط لتأمين إشهار الأفلام على القنوات التلفزية وفي الصحف والإذاعات والمواقع الالكترونية.

سنسأل وسنسأل مليون سؤال بل قل عشرة ملايين سؤال وسؤال بشأن راهن السينما التونسية ومستقبلها...

مستقبل السينما التونسية، والذي سيظل ضبابيا، هلاميا، غير واضح المعالم، مادمنا نفتقد لإستراتيجية بعيدة المدى تقف على هنات وسلبيات السينما، المادية والمعنوية... سيظل مستقبلها عائما مادمنا نخطط لمهرجان قرطاج السينمائي في مدة شهر واحد آو اثنين قبل انطلاق الدورة... بل قل إننا لم نخطط لمثل هذا المهرجان إذ يكفي فقط أن نذكر أن هناك من القاعات المبرمجة لاحتضان أفلام الدورة لم تصلح مقاعدها لاستقبال الجمهور!!

إن تواتر بعض الفعاليات السينمائية في بلادنا لا يجب أن يحجب عن أعيننا مثل هذه الأسئلة الحارقة، فالمقعد المعطب وغياب الإشهار وقلة الدعم وشروط الإنتاج المشترك وقلة القاعات وضيقها... و... و... كل هذه الأمور علينا أن نقف أمامها ونعاينها بجدية لنتدبر أشكال تفاديها والخروج من جاذبيتها التي تشد السينما التونسية الى الوراء مقارنة بمثيلاتها من السينما السورية واللبنانية والمغربية والمصرية والإفريقية... وأعتقد أن الذهنية الثقافية / الثقافية لا الإدارية هي وحدها القادرة على طرح بديل أو لنقل حلولا جذرية لراهن السينما التونسية فلربما اتضحت بعض معالم مستقبلها وعلى الأقل في السنوات القليلة القادمة، فالسينما ليست ترفا ثقافيا، بقدر ما تمثل بصمة حضارية تساهم في تشكيل ملامح الهوية الوطنية والقومية أيضا مثلما نجحت في ذلك الى حد بعيد السينما الإيرانية وسينما أمريكا اللاتينية... وغيرها من الدول التي تؤمن بالسينما كرافد من روافد بناء مجدها...