بحث هذه المدونة الإلكترونية

2009/05/08

"خطوة القط الأسود" لناجي الخشناوي

خطوة السرد الأولى.. باتجاه أدب خالص

كمال الهلالي (جريدة الصحافة)


عن دار ورقة للنشر، صدر أخيرا الكتاب الأول لناجي الخشناوي على امتداد 104 من الصفحات، ويضمّ الكتاب خمس عشرة قصة قصيرة.

ناجي الخشناوي، من مواليد سبيبة بالوسط التونسي سنة 1975 ومتحصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها، وينتمي إلى الجيل الجديد الذي قدم الى الأدب، من باب الشغف ومن باب البحث عن حاضن نبيل لهواجسهم ومشاغلهم، وهو جيل يعول عليه، ببساطة لأنه يكتب بشكل جيد.

القصة الأولى من الكتاب «لا الوقت لنا.. ولا الكتابة أيضا».. وهي في الأصل عمود صحفي، تصلح بمثابة بيان، بقدر ما يعترف باستعصاء الكتابة بفعل التفاصيل اليومية ومناخات العصر، بقدر ما يخلص إلى انه ليس هناك خيار ومنفذ سواها، فهي «العتبة الحبرية» التي تخلص الكاتب من هلاميته باعتباره واحدا من السواد الأعظم، لتجعل منه فردا له اسم واضح، وليكن مثلا ناجي الخشناوي وله نفس واضح وجديد، تماما...

يقظة الحواس

في قصة «تراتيل بحرية»، تتحول ليلة حب مفاجئة رتبتها «مفارقات عجيبة، مخاتلة ومباغتة، لا تترك لك فرصة لاستيعاب ما سيحل بك ولو بعد دقيقة واحدة من الزمن اللاممسك، الى خرافة، «أصلها هاتف شوق»، لا تحتفي الا بالحواس، التي تتيقظ كلها، في جمر الشهوة:

رجل وامرأة يلتقيان في بهو نزل فاخر: «لم يضمر اي شيء في ذهنه. ولا هي، كان هو مشتتا بين الزجاجات التي تركها فوق المنضدة ببهو النزل حذو مضيفه، وبين الرجل الذي يقاسمه غرفته رقم 1710 ، وبين الفسحة البحرية التي تواعد عليها معها قبل ساعة اما هي فكانت سعيدة، لتخلصها من دعوة صديق لها لشرب قهوة خارج النزل بضاحية سيدي بوسعيد، متعللة بالارهاق والتعب.

كانا هكذا، هو مشتت وهي سعيدة، الى ان ألفيا نفسيهما داخل غرفة مرتبة بعناية فائقة، غرفة بابها مغلق على النزلاء، ونافذتها مفتوحة على الأفق البحري الممتد الى آخر البصر..».
الفراغ من الحبّ يقول الى المزيد من يقظة الحواس، لا من نعاسها وبشكل عفوي يتبدى ان الرجل والمرأة قطعتين حيتين من الوجود: «ظلّا ساكنين ينظران الى البحر طويلا.. طويلا حتى تبدت لهما خيوط الشمس مارقة عن الأفق البعيد خيطا خيطا، وتشرع في امتصاص ضوء القمر الفضي ومحو ظلمة السماء المرقطة بحفنة نجوم لا تزال منثورة هنا وهناك وكأنّها تزاحم في كبرياء موهوم اشعة الشمس".

درجات التعبير عن الواقع

كيف يتعاطى الأدب مع الواقع؟ وكيف سيتعاطى كاتب شاب من الشمال الافريقي يكتب في العام 2009 مع ما يدور من حوله؟ كيف يحفظ حرارة الواقع، سيلانه، كثافته، ونتوءاته دون ان يفقد الأدب، كتعبيرة ممكنة عن هذا الواقع، مذاقه المميز ونكهته الغامضة واللذيذة؟
هي أسئلة، من صميم اشكاليات الكتابة وفي فخاخها انزلقت الكثير من النصوص التي توهمت انها تعبر عن «مشاغل العصر وصوت الجماهير»، ناجي الخشناوي فلت من هذه المزالق، بخطوة رشيقة، لعلها خطوة القط الاسود، وحمل في يد واحدة بطختين: «الادب والواقع» معا، دون ان يتسرب اليه شيء من تشاؤل المعلم ايميل حبيبي.

في قصة «درجة اولى»، بائع الفل والياسمين يجمع ويرتب «زهرات الفل والياسمين ويلفها بالخيط الابيض الرفيع، بحركات بهلوانية سريعة ودقيقة. في عربة درجة اولى، يشغلها ثلاثة ركاب اخرين: «سائحة متوسطة العمر مشغولة بتفاصيل الطريق وازرار الة التصوير الرقمية تداعبها تارة امام صواري المراكب المتناثرة فوق ماء البحر، وطورا نحو قرص الشمس الذاهبة في حمرتها إلى أسفل زرقة الماء، وشاب يلاحق ايقاع الموسيقى المنبعثة من سلكي آلة التسجيل المثبتين في أذنيه، وامرأة تطالع مجلة باللغة الفرنسية»...
«
انزلق باب العربة على المقاعد، كانت من الجلد الخالص، وسليمة من آثار التخريب او التمزيق، وفي طرف كل مقعد ثبتت مطفأة سجائر، اذن التدخين مسموح به في هذه العربة».
يطمئن بائع الفل والياسمين الى عدم وجود محظورات وحين ينهمك في نظم باقاته يفاجأ بمراقب التذاكر الذي يطلب منه الاستظهار بتذكرته، وعلى هذا النحو يتفطن البائع الى أنه ارتكب محظورا هو الركوب في عربة الدرجة الاولى في حين ان تذكرته تجيز له فقط الركوب في عربة الدرجة الثانية.

القصة تفلت بامتياز من فخاخ القراءة الطبقية لهذه الواقعة البسيطة وترقى بها الى مستوى اعلى قليلا، هو مستوى الفن، اذ قد نتوهم مثلا ان ليس هناك خطر ما يتهددنا ونحتاط للامر، كأن لا ندخن الا في مكان نتوهم انه يجيز لنا هذا الفعل.. ولكننا نقع في خطر اخر غفلنا عنه، ويتعلق الأمر هنا بأخطار الحياة الصغيرة، التي تحدث كل يوم للسواد الأعظم، الغائبة أطيافهم في "الضجيج المتعالي".

خطوة السرد الاولى

المجموعة الأولى لناجي الخشناوي«خطوة القط الأسود»، بها نفس جديد ومخلص... وعلينا أن ننتظر هذا الكاتب في كتابه الثاني أو الثالث. فهذه ليست سوى خطوة السرد الأولى .. لكاتب من جيل جديد جعل من الأدب ملاذا وحاضنا كبيرا لمشاغلهم وهواجسهم.. وهي مشاغل وهواجس ليس بها اي ادعاء (كادعاء تغيير العالم.).

المشغلة والهاجس هي الحياة فقط!

2009/05/06

سيدة الأزرق


يحدث أن نهوي إلى الدرك الأعلى من السعادة عندما نكون في حضرة الألوان المشتهاة، أو عندما نقع تحت سطوة الألوان المباغتة لذاك السكون الذي يسكننا ويجعلنا نتوهم أننا نحيا في سكينة...

يحدث ذلك ونحن نقف أمام تلك "الزفرات" الإنسانية المتبرجة في الأشكال والخطوط والدوائر والألوان والمساحات المهملة تزخر بها القماشة البيضاء، تلك التي كانت بيضاء، فنحاول عبثا أن نستعرض كل الأدوات الممكنة للشرح والتفسير والتحليل والتأويل لنفك ما استطعنا إليه بصرا شفرات هذه اللوحة أو تلك، ومع ذلك، وفي الغالب الأعم لا نفلح إلا في التشبث بدفقات السعادة أو البهجة التي تسري في أجسادنا الواقفة أمام ولائم الألوان وبذخ الأشكال...

تسقط أدواتنا أمام سطوة الألوان وتظل هي شامخة في تموجاتها وانحناءاتها... أين يشمخ الأزرق سيدا في أعمالها، يحتضنك أنى وليت بصرك ولا يأبه بدهشتك أو حيرتك وهو يلقيك في قلب الصفاء، في عمق اللامتناهي... في الذي نهواه ونخشاه... يلقي مرجل جمجمتك وفورة جسدك في "تخميرة" فلا تتبين الغموض من الوضوح، ولا تعرف حدودك من حدود المملكة الزرقاء التي تُدخلك إياها الرسامة التونسية سعاد الشهيبي لتحفيزك على إيجاد صلات ووشائج مع لوحاتها المتحررة من الإطارات الخشبية التي تسور عادة تخوم القماشة... وكأنها تأمر الأزرق أن يتمرد في شعرية مفرطة على الحدود والحواجز، كما هو فعلا في العالم، فمن منا مثلا يستطيع أن يرسم حدا نهائيا لزرقة السماء أو من منا قادر على معرفة حدود الأزرق الملتبس بمياه البحار... أو من منا قادر على معرفة خطوط الفقر النهائية لعمال العالم الذين لبسوا الأزرق لونا وما لبسهم لونا... من يقدر على ذلك حتما سيصدق أن الأرض زرقاء مثل برتقالة...

سعاد الشهيبي، الرسامة التونسية، في معرضها الأخير الموسوم بـ:"تخميرة في الأزرق" لا تطلب من زوارها ومريديها مثلا أن يتسمروا أمام لوحة "مجرات" ليكتشفوا أن الأزرق يحيل على الهدوء، أو أن يقفوا أمام لوحة "رؤيا" ليعلموا أن الأزرق يعني اللامتناهي، أو أن ينظر أحدهم مليا إلى لوحة "تموجات" ليصرخ كمن اكتشف سر الكون، ويقول أن الأزرق يعني الأصالة والرحابة، أو يطيل النظر في لوحة "جمرات" ليعرف أن الأزرق لون التأمل والصبر أيضا، وقد يقف شخص آخر أمام لوحة "ميتافيزيقيا" ليقول أن اللون الأزرق يدل على الخجل وطلب العيش في سلام...

سنتأول اللوحات ونفسر طغيان الأزرق ونشرح سقوط الحواجز الخشبية ونرمي باللغة في كل الاتجاهات لنسور انتشار الأزرق في مملكة البصر ونستجديه أن لا يغرقنا في بحره أو يشردنا في سمائه وسنكف عن الاتكاء على أحدث نظريات النقد الفني وعن الرجوع إلى أمهات الكتب لتفسير امتداد اللون وإحالاته وطرق مزجه بهذا اللون أو ذاك...

سنكف عن كل ذلك ونتجرد من شوائبنا الاستيتيقية وزوائدنا "الثقافوية" لنغوص في عمق الأزرق ونطير بلا أجنحة في سماء هذا اللون الذي استأثر بالرسامة سعاد الشهيبي فأدخلها في منامة أفاضت بهجتها، وطوح بها في آفاق أرحب وأوسع من الفكرة... فجعلتها سيدة للأزرق، حيث لا تكاليف ولا بهرج سوى ما ارتعشت له أصابع هذه المنفلتة من عقال الألوان والمنطلقة نحو زرقة فاتنة في تخميرتها...

2009/04/25

خطوة القط الأسود لناجي الخشناوي


بقلم رشـــــــــــــاء التونسي

جريدة الشروق 24 أفريل 2009

في طبعة أنيقة لدار ورقة للنشر لزميلنا سمير بن علي، ولوحة غلاف جميلة جداً للفوتوغرافي رمزي درويش، صدرت المجموعة القصصية الأولى لناجي الخشناوي

. مقارنات بين متضادات غريبة بحثاً عن استشفاف حركة الواقع، ليس هنا كحوار، بل مونولوج مع الذات، أو حوار إسترجاعي، يروي لنا وله تفاصيل الأحداث، منذ الورقة الأولى يعلن الكاتب مأساة الورقة البيضاء، وألمنا المتشابه نحن رفاق القلم مختبئا حافة الجلباب:

من السهل على الواحد منا نحن السواد الأسود أن يعثر على عتبة حبرية يشغل بها رأس المساحة الورقية المتبرجة بين ناظريه، في فستانها الأبيض، لكن من الصعب عليه أن يجد الوقت الكافي والضروري لفك أزرار الفستان البيضوي والولوج إلى أتون الورقة ومغاورها / ببساطة من السهل على واحد منا أن يمسك بعنوان قصة قصيرة مثلاً وهو يركض خبطاً ولطماً خلف ذيل حافلة صفراء عجوز / من السهل عليه ذلك، لكن من الصعب جداً أن ينجح في الحفاظ على حبات الزمرد والمرجان لعقده اللغوي بمجرد أن يحشر داخل العلبة الصفراء العجوز اللعينة، إذ تتبخر فكرة القصة مع الروائح العطنة وتبتلعها أحداق العيون المتوثبة على الجيوب والحقائب اليدوية لصبايا الطريق، ويداس المتن السردي بأحذية الركاب المعفرة بأوحال الأرصفة، وتثقب الفكرة بكعب حذاء يرزح تحت وطأة مائة كيلو غرام من لحم أنثوي مترهل».
كتابة تحمل تفاصيل على طريقة السينما الواقعية، حكايات بسيطة تفسح الطريق حيث لا تنتهي القصة، يبدأ ناجي الخشناوي حكاياته باستعارات متواترة تحول الوصف إلى شعائر تربط الكاتب بشخصيات قصصه، فتمتزج و لا نعود نميز إحداهما من الأخرى، حكايات اليوم العادي، يمرر فيها حياة النسيج الاجتماعي وبنيته التحتية، معظم القصص تدور في الشارع والبيت والأماكن المرتادة كل يوم، عجينة مطواعة تحاول أن تحمي إنسانيتها عبر الحلم، بسطاء الشباب، أولئك الذين يعيشون على هامش الحياة، يحمل الكاتب أوراقه ويرصد أحلامهم المتعبة ولاجدوى حياتهم، لكنه لا يغلق الباب، يتركه مفتوحاً أمام تلك الفئة الاجتماعية المشتتة بين ثقافة مكتسبة ونكران اجتماعي.

في «خطوة القط الأسود» خمس عشرة قصة في نصوص مبنية على خصوصية التعامل مع اللغة تعاملاً يربط بين الحساسية القصوى ووحشة الرجل الوحيد، وهناك تواصل بين القصص في بنى متراصة ومتسلسلة بتسلسل غير منطقي، بروابط نفسية ووحدة الشعور الذي يعبرعنه الكاتب، يتلاعب ناجي بإدارة لعبة القص، وطريقة السرد، يعطي للغة ألواناً ويصنع من المفردات نجوماً، حيث تتحرك الأشياء الجامدة لتعبر عن إنسانية في شرنقة المدينة والحافلة اللاهثة. تجربة حياة وقراءة الكاتب للحياة، صور يومية متدفقة كالريح، كالحافلة الصفراء اللعينة وروائحها العطنة، ولص المكتبة الحالم برحلة إلى طنجة على خطوات محمد شكري، وذلك الذي تضاءلت مساحة البياض فوق ورقة علبة السجاير الفضية يحسب المصاريف وهو ينتقي أثاث زواج منتظر، ليستلم في النهاية زوجي حذاء تزاوجا دون جهاز إلى الأبد. أو بائع الياسمين راكب الدرجة الأولى خطأ. لكن ذلك لا يمنع الذكريات الجميلة مع حسن وسعيد في حانوت عبودة الحلاق، وفي خضم تلك المفارقات يخترق بصيص الأمل الحياة فيتصل الراوي بملهمته التي يهديها كتابه قلباً وعقلاً، و التي رافقته من الصفحة الأولى على سرير من حنين وورق مردداً مقطعاً من ديوانها الشعري
مستوحدان أنا وظلي / نرسم على الحلم سلالم /لا وفي لنا / نسمي الدفاتر عمراً / العمر خيول تهاوت

والقصة القصيرة من أكثر الفنون استقصاء عن التنظير والتأطير الشكليين، وكل قصة قصيرة هي تجربة جديدة في ما يسمى «التكنيك» وفي خطوة القط الأسود نتعرف على كتابة لها صفات خاصة، ضمن العمق الدلالي واللغوي، الناتج عن أهم العناصر الفنية وهي فلسفة التجربة الحياتية وتألق اللغة الأدبية، ناجي الخشناوي أديب من نوع خاص في أدواته وأسلوبه، يحمل تجربة حياة وقراءة، حياة لا تبدو غامضة ولا مبهمة، حياة ضمن سياقها المألوف، وتجربتها التي تسطر أمامنا دون حوار، تجربة مختزنة ومرتحلة معنا أينما نذهب، تقربنا من الحياتي حيث يكمن الجزء الأعمق، لنجد الملغى والمهمل، ورغم كل هذا فالحياة تيار جار دائماً إلى الأمام والكتابة أيضاً. ففي النهاية يصل بنا الكاتب إلى عالم أبعد ما يكون عن عوالمه السابقة، عالم افتراضي، يبحث فيه لاهثاً كحافلته الصفراء عن عالم فاضل تتحقق فيه إيتوبيا السلم والقيم الأساسية مثل الحرية والمساواة والتضامن والمسؤولية المشتركة واحترام الطبيعة. لكن حتى هناك الفضيلة افتراضية، ويهمس له زميله: «كل شيء يمكننا أن نصيره افتراضياً ماعدا صوت فيروز ووقع أقدام الجنود».
مهنة الكاتب هي أقصر طريق للألم والأمل، ولا وجود للقصة بدون قصة تحكى، أي أن تقنيات القص لا تكفي وحدها بالضرورة لإنتاج فن قصصي، بل إن وجود المادة القصصية هو العامل الاساسي الذي يبدأ معه العمل القصصي، وكما قال الناقد ويت بيرينت «لا أعتقد أنك تستطيع كتابة قصة قصيرة جيدة دون أن يكون في داخلك قصة جيدة، أفضل أن يكون لديك شيء تقوله من غير تقنيات القصة، عن أن تملك التقنيات وليس لديك شيء تقوله».
ناجي الخشناوي كان لديه القصة والتقنيات منذ عمله الأول خطوة القط الأسود.

ramaracha@yahoo.fr

2009/04/23

حفل توقيع

ساقيم حفل توقيع مساء الأحد 26 أفريل بداية من الساعة الثالثة بمعرض الكرم بدار ورقة للنشر
يسعدني أن أخص كل واحد من أحبتي بتوقيع على صفحة كتابي الأول "خطوة القط الأسود"الصادر حديثا

2009/04/17

رواية الأوفياء عن قافلة الوفاء

معهم نسبر تلك الرحلة التي كانت محفوفة بالأمل كما الألم أيضا، رحلة الأوفياء الذين تحملوا مشاق الطريق حبا لفلسطين وإيمانا بعدالة قضيتها وتعبيرا صادقا من النقابيين التونسيين لأشقاهم في غزة، غزة العزة والصمود الأبي في وجه آلة الدمار الصهيونية التي دكت الأخضر واليابس طيلة شهر تقريبا...

ضد التخريب والقتل وإراقة الدماء ولأجل صحة أبناء غزة شُحنت أدوية الجهاز التنفسي وأدوية خاصة بأمراض القلب وأمراض المعدة ودواء تخثر الدم ومضادات حيوية وآلتي كشف بالصدى متطورتين وكراسي متحركة وعكازات ومعدات جراحية عامة وآلات لقيس السكري وأخرى لقيس ضغط الدم....وكميات هائلة من الحليب... شحنت كلها بعد ان تم تجميعها من قبل النقابيين في كل القطاعات وسهر على تنظيمها وترتيبها وتصنيفها طاقم من النقابيين المختصين...

"قافلة الوفاء" تلك التي حملت ما بقي مما جاد به النقابيون من مختلف القطاعات من أدوية ومعدات صحية... 72 طنا كانت حمولة الشاحنات العملاقة التي طوت الأرض طيا نحو معبر رفح، كانت أيضا مشحونة بأضعاف تلك الأطنان من مشاعر الحب والأخوة والاعتزاز ببسالة من أراقوا بدمائهم تراب غزة...

"قافلة الوفاء" تلك التي ودعها الأخ عبد السلام جراد الأمين العام لاتحاد الشغل وعدد من أعضاء المكتب التنفيذي الوطني وحشد كبير من النقابيات والنقابيين بميناء رادس يوم الاثنين 23 مارس الفارط، أين رفرفت أعلام تونس وفلسطين واتحاد الشغل إيذانا بتحرك الشاحنات، بعد الحركة الرمزية للأخ عبد السلام جراد وهو يلوح بالزنار الفلسطيني أمام كل شاحنة...

وبعد أن تابعنا رحلتهم عبر الهواتف، ها نحن نستقبلهم في مكاتبنا ليرووا لنا بدقة تفاصيل الرحلة وما حف بها...

الأخوة محمد الهادي قديش رئيس الوفد والحبيب الطريفي (الغزال) ولطفي الأحول ومستوري القمودي وكمال البوزيدي وفتحي الهيشري وجمال البحريني، ومحسن السلطاني هم الذين حفظوا الأمانة التي كانت بعهدتهم وشقوا الصحاري والجبال وقطعوا آلاف الكيلومترات ودخلوا المعابر حتى بلغوا المعبر الأشهر، معبر رفح، أين أشرفوا على تفريغ أطنان الأدوية والمعدات الطبية والصحية التي كانت مشحونة بعناية داخل الشاحنات الخمس التي قادها السادة نور الدين الشمك وبشير الظاهري وعلي القاسمي ورضا الإينوبلي وكمال الجلاصي.

هكذا حدثنا الأوفياء عن قافلة الوفاء...

* في بغداد

من ميناء رادس تحركت المحركات ودارت العجلات لتمر قافلة الوفاء بشاحناتها الخمس والسيارة المرافقة لهم عبر مدينة مساكن وتصل إلى ولاية صفاقس أين اعترضهم نقابيو الجهة بكل الحب والود ويحولوا وجهتهم إلى مطعم بغداد للعشاء احتفالا بهم، ليواصلوا بعدها المسيرة نحو ولاية قابس حيث قضوا ليلتهم نياما داخل الشاحنات ومع أول خيوط الفجر انطلقوا نحو ولاية مدنين ومنها إلى بنقردان التي "أفحمت" وفد القافلة باستقبالها الجماهيري الرائع مثلما قال الأخ لطفي الأحول.

* في القلب

انتهى التراب التونسي عند بوابة رأس الجدير الليبية، ولم يعد يفصل القافلة عن معبر رفح سوى التراب الليبي، والذي كان عامرا بالحب والاحترام والتبجيل وبكل أنواع التسهيلات والحماية، ذلك أن الأمن الليبي أبلى البلاء الحسن وهو يرافق قافلة الوفاء ويرشد الوفد التونسي وهو يعبر الزاوية وزلطن وزوارة وصولا إلى طرابلس، وبالمثل عامل الأشقاء الليبيين النقابيين في كل نقطة استراحة توقفوا بها...

بل إن احترام الليبيين للقافلة جعلهم يقتحمون بها قلب العاصمة الليبية، طرابلس، رغم أنها وككل العواصم، لا تجيز جولان الشاحنات الكبيرة وسط طرقاتها، ومع ذلك شقت الشاحنات التونسية العاصمة بحماية من سيارة الأمن الليبي... بعد أن قضوا ليلتهم نياما في المعرض الدولي بطرابلس...

"خروج القافلة من طرابلس كان سهلا ومريحا والفضل في ذلك يعود إلى توصية رجال الأمن الليبيين الذين اقترحوا علينا مغادرة العاصمة قبل تحرك دوليبها واكتظاظ طرقاتها" هكذا قال الأخ الحبيب الطريفي قبل أن يصل بي إلى أول استراحة بمدينة تاجورا.

* استراحة إدارية

"كنا نقتني أساسا الخبز والجبن والحليب والتفاح في كل مرة" قال الأخ محسن السلطاني وهو يتذكر التعب والإرهاق الذي نالهم وهم يشقون الصحراء الليبية لمدة 72 ساعة دون توقف حتى بدت لهم معالم مدينة "إجدابيا" الليبية فحطوا بها الرحال وأخمدوا محركات الشاحنات وعلقوا معاطف التعب والإرهاق بليل المدينة في أحد فنادقها الصغيرة...

"بلغنا مدينة طبرق يوم 28 مارس ومنها اتجهنا نحو مدينة "مساعدة" الحدودية التي حظينا فيها باستقبال حار ومتميز من قبل أعوان الأمن والديوانة الليبية" تدخل الأخ مستوري القمودي وهو يتذكر حفاوة الأخوة الليبين وما أبدوه من كرم الضيافة ذلك أنهم قاموا بإيواء الشاحنات والسيارة في مأوى تابع للأمن وتمت استضافة كافة الوفد من قبل المدير الأمني إلى استراحة إدارية اين تقاسموا معه أطراف الحديث حول طول الطريق والاحتياطات اللازمة وعن آخر تطورات الوضع في غزة وصمود المقاومة...

* إلى الوراء در

لاحت البوابة المصرية على الحدود الليبية في الميناء البري بالسلوم فجهزنا أوراقنا وجوازاتنا لننهي جميع الإجراءات اللازمة من الإثباتات الشخصية ودفع الرسومات وختم الجوازات وأوراق الشاحنات والسيارة الخفيفة المرافقة لنا، ولم نكن نتصور أن مدة تلك الإجراءات ستطول من الصباح صباحا إلى ما بعد الرابعة بعد الزوال... ولكن من أجل عيون غزة لم نتذمر ولم نتململ في ساعات الكسل الإداري...

ضرب الأخ كمال البوزيدي كفا بكف وقال "كانت المفاجأة اكبر مما توقعنا" اذ وبعد الساعات الطوال قدم لنا وفد أمني رفيع المستوى ليطلب منا الجوازات قصد تسهيل مرورنا ففعلنا وحرك السواق الشاحنات ودارت العجلات في اتجاه كنا نعتقده التراب المصري غير أننا وفي أول مفترق أمر الضباط الكبار سواق الشاحنات بالاستدارة والاتجاه نحو البوابة الليبية والعودة على أعقابنا!!!

كيف نعود؟؟؟ والأدوية ودموع أطفال غزة وجراح المقاومين وآلاف الأميال التي قطعناها وتلك الجماهير التي ودعتنا وهذه الأمانة ماذا نفعل بها؟؟؟

أوقفنا المحركات ونزلنا نستفسر عن السبب ونذكر الأخوة المصريين بالتأشيرات المرسومة على الجوازات من طرف سفارة بلدهم ببلادنا، فأخبرونا بأنها "تعليمات عليا" وختموا على جوازاتنا، التي ما تزال عندهم، كلمة "إلغاء" بسرعة وبكل بساطة، ثم أمروا سواقا مصريين بنقل شاحناتنا إلى البوابة الليبية غير أنهم رفضوا ذلك بل منهم من أجهش بالبكاء أمامنا... فاضطررنا أن نعود ليلا إلى الأرض الليبية.

* يوم الأرض

قضينا أربعة أيام كاملة في ليبيا نترقب نتائج الاتصالات الحثيثة التي كانت تجريها القيادة النقابية مع السلطات التونسية والسلطات المصرية لتسهيل عملية مرورنا وعبورنا بوابة السلوم لتواصل القافلة مسيرتها نحو معبر رفح...

هنا حدثني الأخ فتحي الهيشري عن المعنويات المرتفعة التي تحلى بها كافة أعضاء الوفد وسواق الشاحنات، ووصف لي بالتفصيل الاحتفال الذي أقاموه بمناسبة يوم الأرض الذي يوافق 30 مارس من كل سنة، حيث كتبوا اللافتات واليافطات وغنوا للأرض والحرية وانضم لهم عدد من الأشقاء الليبيين... وكان الدخول للأرض المصرية يوم 31 مارس...

قطعت قافلة الوفاء 1200 كيلومتر دفعة واحدة بمرافقة سيارة أمن، ولم يكن لأعضاء الوفد إلا أن يتوقفوا في محطة بنزين لمدة ساعتين فقط بعد تلك المسافة الطويلة، وبعد أن اخذ منهم التعب والإرهاق مأخذه.

"في العريش قضينا أربعة أيام حيث كنا نقيم بجانب مركب رياضي أين تكدست المواد الغذائية المرسلة إلى غزة وسط الملاعب الرياضية"، قال الأخ جمال البحريني وهو يشير إلى انتظارهم المقيت لإتمام الإجراءات التي يقوم بها كل من أعضاء الهلال الأحمر الفلسطيني والهلال الأحمر المصري للتسريح للقافلة بالاتجاه نحو معبر رفح الذي تفصلنا عنه 45 كلم فقط.

بعد بوابة رفح مشينا قرابة 300 متر ليستقبلنا الأشقاء الفلسطينيون بمعداتهم ومحركاتهم ورافعاتهم وعلى مدى ست ساعات عمل تم تفريغ أطنان الأدوية من الشاحنات التونسية الخمس وشحنها على متن سبع شاحنات فلسطينية ولم تسع الأرض فرحتنا ساعتها بعد أن انزاح عنا ثقل الأمانة التي كانت بعهدتنا ولم يفزعنا هدير الطائرات التي لم نرها والذي كان يصلنا من بعيد.

خلف حواجز رفح وعلى إيقاع شعار "غزة رمز العزة" التقى الوفد التونسي بوفد من الأطباء وكان الأخ كمال البوزيدي يشرح للطبيب الفلسطيني ممثل الهلال الأحمر السيد إياد حسن نصر تفاصيل الملف الخاص بالأدوية وكل المعطيات المتضمنة به بخصوص نوعية الأدوية وصلوحيتها وكمياتها...

· مرسى مطروح

انتهت المهمة وزال كل التعب والضغط... فرغنا شحنات الأدوية وتضاعفت شحناتنا المعنوية ونحن نطوي طريق العودة مظفرين... في مدينة مرسى مطروح تعطل محرك السيارة الخفيفة فاضطررنا لشحنها على متن إحدى الشاحنات بمعاونة بعض من العمال المصريين الذين كانوا يقومون بأشغال على حافة الطريق، ورفضوا مجازاتهم عن تعاونهم معنا قائلين لنا بالحرف الواحد "أنتم كسبتم الكثير من الحسنات بحركتكم النبيلة تلك فاتركوا لنا فرصة الفوز بحسنة واحدة من إعانتكم"...

كل أعضاء الوفد أكدوا أن على طول طريق العودة من معبر رفح إلى بطحاء محمد علي بتونس العاصمة لم تخبو مظاهر الاستقبالات الحارة والحميمية من قبل المواطنين والمواطنات في كل نقطة نعبر بها...

· الرصيد الرمزي

تتوارى مشاق السفر وعذابات الطريق خلف الشحنات المعنوية والرمزية التي تدفقت لدى كل واحد من الأخوة النقابيين الذين أمنوا رحلة الوفاء على متن قافلة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى الأشقاء الغزاويين، كما أن هذه الرحلة التي دامت في الزمن الفعلي أكثر من عشرين يوما فانه ستنضاف إلى الرصيد الرمزي الذي يراكمه الاتحاد العام التونسي للشغل منذ أن تأسس تجاه الفلسطيين وعدالة الأرض المغتصبة...