بحث هذه المدونة الإلكترونية

2009/08/10

في انتظار أولى حلقاتها





هل تتخلص الدراما التونسية من جلباب الجهويات وتطال المسكوت عنه؟

أيام معدودة تفصلنا عن شهر رمضان لهذه السنة، الشهر الذي تقترن معه الانتاجات الدرامية على قنواتنا التلفزية العمومية منها والخاصة، وحتى لا نحكم منذ البداية على استمرار السياق العام للاعمال الدرامية التونسية التي لم تخرج منذ أولى أعمالها عن جلباب الجهويات وعقد اللهجات المحلية ولم تتطرق بعد بشكل مباشر للقضايا الحارقة كالبطالة والعولمة وهشاشة العمل والحركة الوطنية التونسية والمسائل القومية التي باتت حكرا على السوريين والمصريين، حتى لا نتجنى على انتاجات رمضان 2009 نتمنى ان تكسر هذه الاعمال النسق الروتيني لمضامينها المتشابهة وتطال المسكوت عنه وتحقق حدا أدنى من الجمالية... وفي انتظار أولى حلقات هذه الاعمال نقدم للقارئ أهم المسلسلات والاعمال الدرامية التي ستنطلق بعد اسبوع تقريبا حيث سيتابع على قناة تونس7 الجزء الثاني من مسلسل "مكتوب" لسامي الفهري من إنتاج شركة "كاكتيس" الذي سيسجّل مشاركة هند صبري، والفنانة اللبنانية باسكال مشعلاني والمسرحي محمد ادريس في أول تجربة تلفزية والممثلة دليلة المفتاحي والمنشطة الإذاعية والتلفزية بية الزردي.

كما سيتابع المشاهد على نفس القناة الجزء السادس والاخير ربما من سيتكوم "شوفلي حل" في 15 حلقة خلال النصف الأول من شهر رمضان، وسيشهد هذا الجزء مشاركة هشام رستم وجعفر القاسمي.

أما قناة21 الفضائية فستقدم عملين دراميين تونسيين هما "عاشق السراب" في الجزء الاول من رمضان وهو من تأليف علي اللواتي واخراج الحبيب المسلماني وتمثيل يونس الفارحي وليلى الشابي وعلي الخميري و"أقفاص بلا طيور" الذي سيعرض في النصف الثاني من شهر رمضان وهو من تأليف جمال شمس الدين وإخراج عز الدين الحرباوي وإنتاج سلمى بكار ويتقمص دور البطولة أحمد الحفيان اضافة الى مجموعة من الفنانين على غرار رؤوف بن عمر وجيهة الجندوبي وهشام رستم.

أما قناة حنبعل فستعرض مسلسل"نجوم الليل" للمخرج التونسي المقيم بفرنسا مديح بلعيد وسيقوم بأدوار البطولة كل من محمد كوكة وهشام رستم وسامية رحيم، كما ستقدّم سيتكوم "برا هكاكة" للمخرج برهان بن مسعود.

أما قناة نسمةTV فقد تستأثر بأكبر نسبة من المشاهدين بعد ان تحصلت على حقوق البث الحصري لمسلسل "هدوء نسبي" للمخرج التونسي شوقي الماجري.

2009/08/07

"خطوة القط الأسود": سرمدية الحقيقة في مواجهة سوداوية الواقع


عبد المجيد دقنيش

العرب اللندنية


بخطوات متوثبة نحو فريسة اللحظة الابداعية القصوى ومنتصرة لسرمدية الحقيقة في الكون، أطل علينا الكاتب الصحفي والقاص ناجي الخشناوي بمجموعته القصصية الأولى الموسومة بـ"خطوة القط الأسود" والصادرة حديثا عن دار ورقة للنشر في 104 صفحات من الحجم المتوسط.

المجموعة الحاملة لهذا العنوان الجميل المستوحى من احدى معزوفات الموسيقي المعروف أنور ابراهم، ضمت 15 أقصوصة حاولت إلتقاط سلطان الكلام وفتنته والغوص في ثنايا الحياة وتعرجاتها، وجاءت قريبة من الواقع المعيش للمواطن البسيط ومنفتحة على تطلعات الكائن البشري أينما وجد ونلمس ذلك من خلال العناوين التي حملت أكثر من بعد وأكثر من دلالة فنقرأ مثلا: "وصية جان جونيه" و"معاريج السجود" و"زوجا حذاء" و"درجة أولى" و"المقالة الافتراضية" و"خطوة القط الأسود" و"موعد النرجس" و"تراتيل بحرية" و"فايس-بوك" و"رجل الكلمات المتقاطعة" و"حكمة السمكة" و"غرق حبري".

ناجي الخشناوي الذي يدعي أنه قادم من عراء الأسئلة يفشل في إقناعنا بعراء الواقع وسوداويته -رغم النفس التشاؤمي السافر المسيطر على المجموعة -من خلال نجاحه في صياغة هذه الخلطة القصصية العجيبة التي تسافر بنا بعيدا في فضاءات خيالية وواقعية سحرية من امضاء مبدع يسير على مهل ومتمكن من لغته وقاموسه وأدواته الفنية التي يتوسل بها لاقناع القارئ بأنه أمام كاتب مازال في خطوته الأولى، ومع ذلك الذي يغوص في هذه القصص الطريفة الساخرة لابد أن يكتشف أن صديقنا ناجي يحلق بجناحين من ريح وما عادت تقنعنا كناية الخطوة الأولى رغم أننا أمام باكورة أعمال هذا الكاتب ولكن التجارب تثبت لنا أن سماء الابداع لا تتسع إلا لجدية التعامل مع المتلقي والصدق في التبليغ واستكناه التجارب السابقة وهضمها وهو ما نلمسه حقيقة في مجموعة "خطوة القط الأسود" التي تكشف لنا الوجه الآخر لناجي الخشناوي الذي طالما أمتعنا بحواراته ومقالاته الجريئة. وها هو اليوم يمتعنا بهذه الأقاصيص محاولا توظيف قراءاته وتجربته الصحفية والانسانية للتوثب على اللحظة الفنية الابداعية واقتناص الحدث اليومي البسيط وتحويله إلى أقاصيص يمتزج فيها الخيال بالواقع والحلم بالحقيقة والماضي بالحاضر.

ولعلنا في كل قصة نقرأها نلاحظ هذه القدرة العجيبة على استكناه واستبطان تفاصيل الحياة اليومية الهامشية وصياغتها بعد مرورها برحى الذاكرة، صياغة قصصية فنية تسبح بنا في عالم افتراضي من صنع ناجي الخشناوي ونقرأ ذلك مثلا في قصة "المقالة الافتراضية" التي يبرز فيها بوضوح استغلال بعض التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الكاتب الصحفي في عمله كل يوم من نقاشات ومناورات وتحديات من أجل الاصداع برأيه بكل حرية والبحث عن زورق الحقيقة الغارق بين الرقابة الذاتية ورقابة المجتمع، وهو ينجح في تغليف كل هذه الأحداث والتفاصيل بلغة السخرية المركزة والتلاعب بالمكان والزمان إمعانا في السخرية والخيال المجنح.

ومن القصص التي شدتني في هذه المجموعة القصصية المشفرة إلى أبعد الحدود، قصة "وصية جان جونيه" المهداة إلى روح محمد شكري والتي زادتها اللوحات الوصفية المتقنة بهاء وامتزج فيها الخيال بالواقع السحري وطرحت أسئلة حول الوجود والكينونة والمصير والقضاء والقدر والحب السرمدي والحقيقة الضائعة فدعونا نتعرف على بعض تفاصيلها عبر هذه الفقرة المعبرة "نتف سالم أمين حبتين من عنقود العنب وألقاهما في فمه، ظل يداعبهما بلسانه برهة من الزمن بين فكيه ثم ابتلعهما الواحدة تلو الأخرى. شرد ببصره في صورة "جان جونيه" المرسومة على غلاف روايته الأشهر "سيدتنا – سيدة الأزهار" التي حرر صفحاتها الخمسين الأولى على ورق الأكياس في زنزانة بسجن لاسانت بفرنسا، ثم نظر إلى الفقرة التي كتبها على نسخة مستعملة من جواز سفره وبدأ يقرأها بصوت مرتفع للمرة العاشرة تقريبا ثم توقف عند جملة "على أن أكون مثلك يا معلمي" كررها أكثر من مرة ثم أمسك زجاجة البيرة من عنقها وألصقها بشفته السفلى وظل السائل الأصفر منسكبا في بلعومه إلى آخر قطرة في الزجاجة وعيناه ثابتتان على المرآة المعلقة وسط الجدار المقابل تماما. كان يبحث عن انسجام ما مع ملامح وجهه المنعكس على بلورها.. على صفاء روحي يمكنه من الانسلاخ عن أية حساسية أخلاقية مقيتة تثنيه عما يجول بخاطره.. في الحقيقة كان يبحث عن أي شيء يعيد ترتيب حياته ويخرجه من حالة التشيء والعدمية التي صارت تطوقه منذ أن أنهى دراسته الجامعية.. المكتبة منتصبة بكتبها الألف على جانبه الأيسر وصك الكتبي ملقى فوق الطاولة حذو صحن العنب والقرار لا يزال معلقا في ذهنه بين الرفض والقبول هل فعلا طنجة أثمن من مكتبتي؟ هل التسكع بين أزقتها وسوقها الداخلي والبولفار والسكر في حانة "الباراد" واحتساء كأس شاي بالنعناع في مقهى "زاغورة"أمتع من السفر بين ثنايا كل هذه الكتب؟

هل فعلا سينقذني السفر إلى طنجة أو إلى أي مكان خارجي من ضيقي واختناقي هذا، أم أني بحاجة إلى سفر داخلي في روحي وتصالح مع ذاتي؟.

ما أجمل هذه الأسئلة وما أبلغها وقد كنت أتمنى أن تنغلق القصة عليها فهي تلخص مسيرة هذا الكائن البشري الحائر في مصيره والذي طالما بقي مشردا بين الأسئلة ومتسكعا بين حانات اللغة والكتب وخيانات الحياة والاصدقاء باحثا عن بعض الاجابات ولكن لا إجابات ولا وصول فلذة الرحلة في تشابه واختلاط الطرق وأجمل الأسئلة هي التي لا اجابات لها.

ههنا ناجي الخشناوي يلخص لنا عبر هذه الأقصوصة كامل المجموعة التي بدورها تختصر لنا طرق الحياة والزمان والمكان ويرجعنا سؤال البطل الأبدي وجملته التي يكررها "عليّ أن أكون مثلك يا معلمي" إلى حيرة المبدع وهو يضع رجله في ركاب الإبداع ومسيرة الذوبان من أجل الآخرين والأكيد أن صديقنا ناجي قد خطرت بباله هذه الجملة وهذه الأسئلة وهو يهدينا باكورة انتاجاته والأكيد أنه تذكر صيحة وليم بتلرييتس "يا شعراء ايرلندا أتقنوا حرفتكم" وهو يجلس في محراب الكتابة طامعا في قبس الخلود وسائرا على نهج مدارس تأثّر بها وهضمها مثل محمد شكري وحنا مينة ومحمود درويش ومظفر النواب. ولكن هذه التجارب بقدر حضورها في المجموعة القصصية "خطوة القط الأسود" جاء غيابها وذوبانها في حركة النص ككل. ولعلنا نهمس في أذن صديقنا ناجي الخشناوي بالكف عن ترديد عبارة "المعلم" والأخذ بنصيحة المعلم الأول سقراط "كن نفسك" وربما نلمس ذلك في العمل القادم لهذا الكاتب الذي فاجأنا حقيقة في هذه المجموعة الأولى المتقنة شكلا ومضمونا والتي سرّبت لنا عبر أسئلتها الساخرة بعض التململ والقلق الوجودي الذي لا يتأتى إلا عبر كتابة مستفزة ودافعة للتفكير مثلما قرأنا ذلك في ما وراء سطور "خطوة القط الأسود"



2009/07/25

دليــدا تـــونس



كلما ألقت جملة موسيقية في الهواء الطلق أتذكر تلك الجملة الشعرية المشحونة حميمية ورهافة للشاعر بول ايلوار تلك التي يقول فيها "إني أسمع صوتك في ضوضاء العالم"، ولا أجد بدا من الانحناء لها ألف عام وعام لأنصت لآهاتها وهي تدحرج الحروف وتوازنها بين مهموس ومجهور لتنثرها شهبا أو حبات ثلج من شرفات حنجرتها الأسطورية لتطوف وتطوف حتى تستقر في أعماق مريديها، وفي أعماق أعماق الروح.
هكذا أنصتُ إلى "سمو أمينة فاخت"... وهكذا أنصتً إليها الآلاف من مريديها... هكذا كنا...خاشعين في حرمها وهي تغني مما اختارت، فكأنها بسخاء توزع علينا كراماتها...نتلقى السحر من صوتها...من تلاعب الريح بشعرها...من رقصها ويديها المفتوحتين تعانقان السماء...من بذخ جسدها في التلفظ بما اختارت أن تغني لنا...
يطوف بنا صوتها فتطوحنا إلى الأقاصي، وتطوف هي بتمائم الألحان والكلمات ولا تترنح... تدرك يقينا أنها تتدثر بأوتار الكمنجات الهاربة من صقيع هذا العالم ... تشحن الفضاء بتعويذاتها مثل فراشة أرجوانية تنضو على قنديل الغناء الأخضر فتحترق بلهيبه ولا تموت على غير عادة الفراشات... تبوح بأشيائها الصغيرة، بقُبلها الطائشة، وبدولاب روحها...
كنجمة مكابرة فاض ضياءها فوق ركح مسرح قرطاج الأثري حاضنة كيسها السحري المملوء بالسحابات والعصافير والفراشات والشهب... وتشرع في توزيعه بالتساوي على جهات القلب المليون... فتضيء صدأ الروح وتملأ خواء القلب وتُزهر مفاصل الجسد ليتدرج بنا معها من سنواتها الأولى فالتسعينات وسلطان فعلها إلى أيامنا هذه واستعادة الطبول لسلطتها على المشهد.
يخترقك صوتها، فاستمالتها للمصدح، فتماهيها مع آلاف الأحجار المرصوصة منذ ألاف السنين، فعينيك، فقلبك، فتهوي مثلما هوت على الركح ليتسع فجأة لك وللآلاف من الذين امتلكهم سلطان حبها...
تخال نفسك في حضرة "دليدا" عندما تمرر لك ذلك الإحساس الاستثنائي فترغب في البكاء وفي الطيران وفي تسامق السماء وفي التوحد مع صوتها...تماما مع الفنانة أمينة فاخت "داليدا تونس" ستكتشف حتما أن حياتك أنت عند غيرك مثلما هي حياة غيرك عندك أنت، لا فكاك لك منه، ولا فكاك له منك إلا بالحب، بالحب وحده تصير حياتكما حديقة بلا سياج، مفتوحة على اللامنتظر منها ومنك...
بالحب ننتظرها، وبالحب تهل علينا، لتجعل كل واحد منا يهذي بكلمات "سارج لاما" وصوت "دليدا" في أغنية "je suis malade" ويقول:" مثل تشبثي بصخرة/مثل تشبثي بخطيئة/أتشبث بك/أنا متعب/أنا مرهق/لتصنعي السعادة/عندما يتواجدون/أسكر كل ليلة/لكن الخمور كلها/لها نفس المذاق عندي/وكل السفن/تحمل رايتك/لم أعد أعرف أين أتجه/فأنت في كل مكان/سيهلكني هذا الحب/إذا ما استمر الحال/سأهلك وحدي مع ذاتي/قرب مذياعي/كطفل ساذج/أنصت لصوتي..."

2009/07/22

الشاعر آدم فتحي يكتب عن خطوة القط الأسود

حديقة بلا سياج:
خطوة القط الأسود
* آدم فتحي

تُؤتَى النُصوص من عتباتها مثلما تُؤتى البيوت من أبوابها، إلاّ أنّ هذا النصّ جعل من عتبته الأولى رَحِمًا للبيت كلّه، فإذا نحن أمام عنوان لا يكتفي بلعب دوره كمدخل إلى العمل، بل يحتضنه من الغلاف إلى الغلاف، ويجعل منه نصًّا واحدًا على الرغم من كونه مجموعة متعدّدة العناوين والأصوات. تلك في نظري إحدى عتبات نجاح «خطوة القطّ الأسود»، مجموعة ناجي الخشناوي القصصيّة الصادرة أخيرًا عن دار ورقة للنشر.
يعيد ناجي الخشناوي الاعتبار إلى الحديث في مواجهة الحدث وإلى الحكْي في مواجهة الحكاية من خلال ثالوث «الراوي» و»المحكيّ عنه» و»المؤلّف» الذي يرتدي قناع «المحكيّ له» حينًا و»المحكيّ عنه» أحيانًا...وهي السمة نفسها الغالبة على عمل أنور براهم الذي يحمل الاسم نفسه: فرانسوا كوتورييه على البيانو وجان لوي ماتينييه على الأكورديون وأنور على العود، إضافة إلى كونه «المؤلّف» أيضًا وأحد أقنعة «المتلقّي».
في «خطوة القطّ الأسود» لأنور براهم انحياز إلى البساطة والتأمّل الباطنيّ وتغليب للإيحاء القريب من المدرسة التعبيريّة في الرسم. تتكلّم الآلات بما يقترب من الارتجال لولا أنّ أغلب كلامها مكتوب، وبما يقترب من الحوار لولا أنّ كلاّ منها منقطع إلى نفسه، وبما يشبه المونولوغات المتقاطعة لولا ما يصل بينها من روح المؤلّف: لازمة هنا وأخرى هناك تحمل الشرق إلى الغرب وتعود بشمال المتوسّط إلى جنوبه.
ينطبق الأمر نفسه على قصص ناجي الخشناوي. لغة حيّة تأخذ من البساطة عمقها، وتصوير يأخذ من السينما مشهديّته ومن الانطباعيّة كثافتها، وتعبير يأخذ من الشعر إيحاءه. كلّ ذلك إلى بناء مؤسّس على التداعي الحرّ القريب من الارتجال لولا أنّه محسوب، القريب من الملحمة لولا أنّ الصراع دائر بين أبطال مضاديّن، يواجهون انكساراتهم في سياق مواجهتهم لرداءة العالم، ويتحاورون في مونولوغات متقطّعة، وكأنّهم يتكلّمون إلى داخلهم وقد انتشروا شظايا، بينما امتدّت بينهم خيوط من روح المؤلّف: صوت فيروز هنا، وصدى الصمت هناك.
أبطال الخشناوي في معظمهم صامتون أو يعانون الصمت أو تجري على ألسنتهم كلمة الصمت. ولعلّ الأمر لا يتعلّق بتيمة بل بمادّة بناء. فهي قصص مكتوبة بالصمت من أجل التنويه بالكلام. محتفية بما يدور في الدواخل من أجل الحثّ على التصريح. مترعة بهواجس تخرج أحيانًا من بين الشفاه فلا تجد غير استجابة باهتة، في كناية عن ضرورة الجدل. وقد وُفّق المؤلّف كلّ التوفيق في الانتصار جماليًّا إلى الحريّة، بعيدًا عن الخطابة والاستعراض، عن طريق إدارة شخوصه في سياق استحالة الحوار، استنكارًا لانعدامه وإعدامه.
للقطّ قصّة مع المخيّلة البشريّة (خاصّة القطّ الأسود) فهو سليل الأساطير منذ ما قبل التاريخ وهو كناية عن الهرطقة في العصور الوسطى رديف الشرّ والشيطان حين اختُزلت الشيطنة والشرور في المرأة والمجنون أي في المنشقّ والمختلف. ثمّ تفتّحت العقول وبادر المبدعون (ليس أوّلهم إدغار بو وليس آخرهم بودلير) فأعادوا الاعتبار إلى القطّ في سياق إعادتهم الاعتبار إلى الانشقاق والاختلاف. واستبطن ناجي الخشناوي كلّ ذلك بعيدًا عن الخطابة والاستعراض فانتصر في مجموعته إلى كلّ ما هو «قطّ أسود»، أي إلى المرأة المتمرّدة والفقير الكادح والحالم المحروم والكاتب المنشقّ وناسك الأرصفة والعاشق المستحيل والغريب في الزحام وطالب الحريّة المتمنّعة.
كلّ ذلك بشعريّة حكائيّة وبسرديّة شعريّة يشدّان القارئ ويجعلانه يتمعّن في ما يقرأ ليكتشف شيئًا فشيئًا أنّ «خطوة القطّ الأسود» ليس عنوان قصّة من الأقاصيص أُطلق على كامل المجموعة تحيّةً لمبدع موسيقيّ، بل هو المجموعة نفسها وقد تجلّت باعتبارها خطوة «قطّ أسود» من جنس جديد، هو المؤلّف نفسه. مؤلّف يتقمّص ما للقطّ من حسيّة وعناد ونعومة وشراسة وحدّة بصر وحرص على الاختلاف والمقاومة والحريّة.
لا أعرف إن كان المؤلّف قد ذهب إلى كلّ هذا عن قصد وتخطيط، ولا أعرف إن كان قد ذهب إليه أصلاً، ولا يهمّني أن أعرف. فمن علامات التجارب الإبداعيّة الناجحة والمتميّزة أن تأخذ أصحابها إلى غير ما يخطّطون وإلى أبعد ممّا يظنّون، وأن تولد من جديد عند كلّ قراءة مشرعة آفاقها للتأويل. وليس من شكّ في أنّنا مع ناجي الخشناوي في مجموعته القصصيّة هذه، أمام تجربة إبداعيّة ناجحة ومتميّزة، تنضاف إلى قائمة التجارب الشابّة الجادّة التي سعدنا بها في السنوات الأخيرة، بما يجعلنا نطمئنّ على حاضر القصّة التونسيّة ومستقبلها.

الشروق

الثلاثاء 21 جويلية 2009

2009/07/21

قليبية والسينما الهاوية

عندما كانت قاعات السينما تواصل تقهقرها إلى الوراء بإصرار وعزم أسطوريين، كانت مدينة قليبية تسابق الريح وتُجنّح عاليا وهي تعرض الأفلام والأشرطة السينمائية على بياض الجدران والحيطان...
وعندما كانت قاعات السينما بالعاصمة وبمختلف ولايات البلاد تتنافس فيما بينها للفوز بأولوية إعادة الأفلام التي تعرض كل ليلة في الفضائيات... كانت مئات السيارات تقل الناس وتتجه إلى مدينة قليبية لمتابعة أفلام عالمية تعرض لأول مرة بتونس...
وعندما كان بريق السينما المحترفة / التجارية يخفت ويتوارى في ظلمة الدهاليز الموحشة، كانت السينما الهاوية تزداد تألقا... تتوهّج وتشعل الحرائق فتغذي العقول وتشحن القلوب لتكون النقاشات البنّاءة والأفكار الخلاقة متاريس ضوئية ضد التسطيح السينمائي والتعليب المشهدي...
لقد تحولت مدينة قليبية إلى قاعة شاسعة لعرض الأفلام ومناقشتها... لقد صارت قلعة شامخة بما تقدمه كل سنة ـ طيلة ربع قرن تقريبا (23 سنة) ـ من نجاح وتميز إن على مستوى اختيار المادة السينمائية، وان على مستوى صدقية منح الجوائز والحوافز، وان على مستوى حسن التنظيم... حيث تتضافر هذه العوامل الثلاثة في كل دورة من مهرجانها السنوي لفيلم الهواة لتؤمن في كل مرة دورة ناجحة لا تصنف على أنها تدخل في باب التراكم الكمّي بقدر ما تؤكد أنها دورة نوعية ودورة مؤسسة...
وها هي الدورة 23 لهذا المهرجان الدولي (رغم موت أحمد بهاء عطية أحد مؤسسي هذا المهرجان) تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن أفق هذا الفعل الثقافي لا تسوّره أسوار وبأنه أفق اللامنتظر... إذ تناثرت في هذه المدينة المكتنزة بشهوة الصورة، الأفلام صدفا ومرجانا فطوّقت عُريشات قلوب المهوسين بالسينما الخلاقة، بالسينما التي تغير وتطور وتتقدم بمريديها ومشاهديها... سينما صمبان عصمان التي شرحت التفاوت الطبقي في داكار... سينما باولينهو كادوزو التي وقفت على عمق المشكلات الاجتماعية بالبرازيل... سينما وسام شرف وهو يدربنا على الانضباط لجيش النمل والذكريات القديمة... سينما وائل نور الدين وهو يقفز كالمعتوه بين قنابل القصف الوحشي للطيران الصهيوني على القرى والمدن اللبنانية... سينما شادي سرور وهي تعلمنا أن حيفا هي الأنا والأنا هي فلسطين وفلسطين والأنا معا هما الحرية والعالم الحرّ... سينما وليد مطار وهو يرجمنا بحب البلاد ويحرّضنا على الهجرة السرية في دواخلنا العاطفية والإيديولوجية والثقافية لنعرف كيف نهاجر من تونس في العلن ولا نهرب منها... سينما شريف البنداري تفتح على مشاهديها خزانة الأحزان فتعلمهم كيف يكون الحزن بطعم الورد ورائحة الصباحات الندية...
سينما... سينما... قليبية... قليبية... تجريب خلاّق وتثوير مدروس... أفق ممتد في المدى وأديم من الإصرار والثبات والمغايرة والاختلاف... إضمامة من التحايا والتصفيق... قبلات وعناق... وعود صغيرة وأكياس من أحلام الشباب ـ شباب الفكر لا العمر ـ تترقرق في عيون هواة السينما ومريديها... شباب يحج كل سنة إلى قليبية، زادهم دقائق معدودة هي عمر الفيلم وطموح بأن يظلوا أبد الدهر هواة ومريدين لئلا تصيبهم لعنة الاحتراق وظلمة القاعات النائمة في الشوارع الباهتة...

2009/07/13

شــوارع الرعـــب


شارع الحبيب بورقيبة، شارع باريس، شارع قرطاج، شارع الحرية، شارع فرحات حشاد...

نهج شارل ديغول، نهج ليون، نهج روسيا، نهج القاهرة، نهج مرسيليا ونهج ابن خلدون...

شوارع وأنهج تمتد وتتقاطع في قلب العاصمة، في قلب الحياة المدينية بحركتها وصخبها وضجيجها... شوارع تفيض بالأعين البشرية المشرئبة في كل اتجاه وعلى كل ما يدخل حيزها البصري... شوارع تخيط الليل بالنهار بحركة الغادين والرائحين فوق اسفلتها وعلى أرصفتها...

فائض الخطوات والأنفاس والعيون في قلب هذه الشوارع والأنهج من المفترض أنه يؤمن فائضا موازيا من الطمأنينة والأمان والسلامة للمواطنين والمواطنات العابرين بهذه المساحات الممتدة في كل الاتجاهات... غير أن المرور بهذه الخطوط الشريانية بقلب العاصمة التي ينتصب بها أكثر من مركز للأمن لم يعد آمنا بل انه لدى الكثيرين لم يعد مشجعا على المرور بهذه الأماكن سواء للتسوق بمحلاتها أو الجلوس إلى مقاهيها بعد أن تفشت فيها مظاهر الإجرام وخاصة السرقة والاعتداء على المشاة خاصة الأطفال والنساء وحتى الشبان المسالمين والكهول لم يعودوا في مأمن من هذه الاعتداءات التي يحدث أن تحصل في واضحة النهار مثلما تقول لغة القانون.

هي ذي الحياة في جانب من شوارع العاصمة التي تختفي خلف حرارة حركة الناس وابتسامات البائعات بالمحال التجارية، كابوس يومي من الرعب والخوف والاستنفار على عكس ما نظن. وقد صرنا اليوم نسمع بحكايات غريبة لا تشبه إلا تلك الحكايات التي تحدث في الأفلام الهوليودية من عمليات متطورة في اعتراض الناس والسطو على ممتلكاتهم التي قد لا تتعدى في أغلب الأحيان حافظة أوراق وبعض الدنانير.

هذا فضلا عن ترصد المنحرفين المحترفين لضحاياهم من الناس أمام مراكز البريد والبنوك وأمام المحال التجارية لسلبهم أجورهم، وقد شاهدت بأم عيني شابا يسلب فتاة هاتفها الجوال أمام مقر وزارة الداخلية بشارع الحبيب بورقيبة!!!

هكذا صار القلب النابض للعاصمة وشوارعها التي تفيض حياة، أخطر من تلك الأحياء الشعبية المعروفة بمنحرفيها وبمنسوب الجريمة المتطور فيها، وصار المشي فيها أشبه بالمشي على النار، نار الخوف وعدم الطمأنينة من صائدي الفرائس البشرية الذين يصولون ويجولون وحدهم في أمن وأمان في قلب هذه الشوارع وكأنهم في مملكتهم الخاصة.

بالأخير لا يمكنني إلا أن أقول إن المدن الآمنة تبني نفسها بنفسها

2009/07/08

تكنوقراط الثقافة


التكنوقراطية كلمة أصلها يوناني تعني حرفيا حكومة الفنيين، والتكنوقراط كلمة مشتقة من كلمتين: التكنولوجيا وتعني المعرفة أو العلم، و"قراط" وتعني الحكم، وبذلك يكون معنى تكنوقراط حكم الطبقة العلمية الفنية المتخصصة.

والتكنوقراطيَّة حركة بدأت عام 1932 في الولايات المتحدة الأمريكية وكان التكنوقراطيون يتكونون من المهندسين والمعماريين والاقتصاديين المشتغلين بالعلوم ودعوا إلى قياس الظواهر الاجتماعية ثم استخلاص قوانين يمكن استخدامها للحكم على هذه الظواهر

وقد انتشر استعمالها بسبب التأثير الحاسم للتقنيات، أي للمناهج الصناعية في العالم الحديث وتعني صفة التكنوقراطي الشخص الذي يستند إلى كفاءته التقنية في ميدان من الميادين من اجل مد نفوذه وسلطته إلى ميادين اجتماعية أخرى تخرج عن اختصاصه، وتعيين أشخاص يملكون كفاءة تقنية وينظرون إلى المصلحة العامة من زاوية كفاءتهم المُحددة خطر على إدارة المجتمع كله.

صحيح أن إدارة المجتمع مسؤولية سياسية بالتعريف لكن التعقيد الذي أصاب الحياة الاجتماعية في المجتمع الحديث جعل السياسيين كثيرا ما يلجؤون إلى ايكال مهمة إدارة المجتمع للتقنيين الذين يتحولون عند ذلك إلى تكنوقراط...

في تونس يتناسل هذا الصنف التكنوقراطي الذي يدير عدد لا بأس به من دواليب الدولة، وخاصة منها الدواليب الثقافية، تلك التي يُفترض أن تنتهي إلى عقول مدبرة وطاقات خلاقة وكفاءاة تُجيد بناء الفعل الثقافي بأفق تأسيسي، وأعتقد أنه لم يعد خافيا اليوم على المطلعين على الشأن الثقافي، إدارة ومشاريع، أن الكثير من الذين يديرون شأن الثقافة خاصة في الدواخل وفي المناطق النائية لا علاقة لهم البتة بالثقافة، وهذا ليس كلاما فضفاضا ولا حكما في المطلق بل هو حقيقة واقعة، وقد روى لي مؤخرا أحد الأصدقاء حكاية غريبة هي بمثابة الطرفة المبكية فعلا، وهذا الصديق هو جامعي وناشط في الحقل الثقافي بشكل جدي، قال لي بأنه في أحد المرات وفي منطقة نائية تحول أحد المسرحيين مع مجموعته المسرحية لتقديم عرض بالمنطقة حسب اتفاق سابق وعقد مُمضى مع دار ثقافة المكان.

عندما وصل إلى هناك لم يجد مدير المؤسسة الثقافية، سأل عنه فدلوه على مكانه. اتجه المسرحي إلى باب خلفي بدار الثقافة فوجد جمع غفير من الناس يأكلون والنسوة يزغردن. اتجه إلى مدير دار الثقافة وقدم له نفسه فرحب به بعد أن اعتذر له عن نسيانه التام لعرضه المسرحي ثم دعاه مع فرقته المسرحية لأكل كسكسي حفل ختان ابنه وقال له بالحرف الواحد:"آش من مسرحية يا ولدي هاو الطبال والزكرة وأضرب الكسكسي باللحم وهات هاك العقد بتاع الفلوس نصححهولك".

هذه رواية من عشرات الروايات والحكايات التي تحدث في دور الثقافة وفي المؤسسات الثقافية المنتشرة ببلادنا والتي يأتيها إما من عُينوا بشكل اعتباطي في مناصب لا علاقة لهم بها واما لأنهم تكنوقراطيين يطبقون ما يُأمرون به ولا يجتهدون في تقديم برامج ثقافية ولنا أن نسأل مثلا أين نوادي السينما في المناطق الداخلية... وأين الفرق المسرحية المحلية وأين الندوات الفكرية والمسابقات الثقافية والأمسيات الشعرية والفقرات التنشيطية؟

إن ناد للسينما مثلا لا تفوق كلفته ألفا دينار على أقصى تقدير ومع ذلك لا يسعى المسؤول ولا يجتهد لتأسيس ناد سينمائي بل الأدهى من ذلك أنه يقوم بتعطيل من يحاول أو يفكر في تأسيس نادي سينما يعرض فيه بعض الأشرطة السينمائية وهذه مسألة باتت معروفة وفي أكثر من منطقة وأكثر من شخص روى لي التعطيلات السريالية التي تحدث له بمجرد أن يعلن عن رغبته في تأسيس أي فعل ثقافي...