تعيش العاصمة ، وكذلك أغلب ولايات الجمهورية، حركة بناء وتعمير عمراني ومؤسساتي بالأساس، إذ تنتشر حضائر البناء في كل المناطق : بنوك وشركات، مدارس ومعاهد، مستشفيات ومصحات، وتعترضك الرافعات هنا وآلات الخلط هناك وفي بعض الأماكن تسمع صياح بعض العمال وهم ينادون بعضهم بعضا، حاثين المتواكلين منهم على التفاني في البناء والتشييد والتعمير...
والنسبة الكبيرة من أيادي البناء والتشييد هي سواعدُ الشباب، الطلبة والتلاميذ وخاصة خريجي الجامعات أصحاب الشهائد العليا الذين لم يحالفهم الحظ في الالتحاق بوظائفهم التي لأجلها تعلموا ودرسوا وسهروا الليالي الطوال...
هذه الفئة الكادحة في حضائر البناء بعد أن كانت تمني النفس بجني ثمار تعبها وتعب عائلاتها ، يتضاءلون كحب الزيتون أمام ارتفاع تلك المؤسسات والشركات، إذ بمجرّد أن تكتمل بناية ما وتجهز بأحدث التقنيات وبالمكيفات والكراسي الدوارة تنسحب منها الكفاءات العلمية بحثا عن حضيرة أخرى تؤمن لهم أياما معدودات لا يعلم قساوتها إلا من يعيشها، وبالمقابل تفتح أبواب نفس المؤسسات لفئة أخرى من الشباب لكنها تمتلك العصا السحرية في ايجاد حلول للأزمات العابرة، إذ يُنتدب لمكاتب تلك البنايات ابن عم المقاول وابن خالة المدير وابنة جار رئيس المصلحة وكل أبناء وبنات صلة الرحم الوظيفي وغيرهم يظل كالجراد يهيم من عطالة الى أخرى ومن نكد الى نكد...
قد تكون هذه تأويلات مغرضة لا صحّة لها، وقد يكون قلمي مهوسا بتحبير السواد وترصيف الأفكار البائسة والمحطمة للآمال... وقد ... وقد ... ولكن يبقى ما كتبته شيئا من الواقع الذي نعيش فيه يوميا ونعرف تفاصيله ودقائقه، فما من عائلة تونسية إلا وتحوّل ابن لها أو ابنان من مدارج العلم والمعرفة الى حضائر البناء والتشييد ... وما من حضيرة بناء تقاطرت على حجارتها واسمنتها حبات عرق شاب يحمل شهادة جامعية إلا ولفظته بعد ان ارتفعت وعلت ، مثلما تُلفظ النواة ... وفي أفضل الأحوال يتم انتدابه عبر شركة مناولة ليحرس البناية ليلا ونهارا بأجر زهيد...
ربما أغنية التونسي الأزهر الضاوي هي الأكثر تعبيرا عن هذا الوضع الذي يعيش فيه مئات المتخرجين في الحضائر ومشاريع البناء ... تقول كلمات أغنية الأزهر الضاوي «يا ذراعي كلمني، جاوبني واعطني التفسير، ها الحيط اللي بنيتو كي تعلّى خلاني قصير ... نبني قصور السادة ونسكن في حكك القصدير ... يا ذراعي ... يا ذراعي...»
2008/08/26
2008/08/25
مَـقَـــامُ مَقـــــال
جاء ضمن تقديم سلسلة «مَقَامُ مَقَال» التي يديرها الدكتور التونسي العَادل خضر وتصدر عن دار المعرفة للنشر لصاحبها المثقف بَدر الدّين الدَّبْوسي، انها «سلسلة جديدة في دار المعرفة للنشر، تفتح أبوابها للأقلام المبدعة وذوي العقول المدبّرة، للإقامة معهم في رحاب الفكر، وهي قبل كل شيء دعوة للكتابة المفكّرة الجَذْلَى التي ترحل بالقارئ الى حدائق المعرفة المرحة وتحمله في سفرة بعيدة في دنيا الأفكار حيث يسمع في كل مقام ما يُحتَدُّ به النَّظر، ويذوق من كل مقال عسل الفكر
وهذا التعريف على ايجازه يكتنز كثافة دلاليَّة وفائضًا في المعنى والإحالة خاصة على طبيعة مهمة هذه السلسلة الجديدة والتي تتحدَّد ملامحها من خلال ثلاثة «بُنُود» ان شئنا، وهي الأقلام المبدعة والكتابة الجذلى ورحلة القارئ. وفي تقديري فإن هذا «العقد» ببنوده الثلاثة لم يُخَط على عَجَل بقدر ما يُوحي بأن رهان السلسلة واستراتيجيتها في مجال نشر الكتب واضح المعالم وذو رؤية استشرافية يتلخصان في شعار سلسة مقام مقال القائل «مَقَامٌ للضِّيَافَة، ولكنَّهَا مَقَالٌ للإضَافَة».ومن دون الإسهاب في التحليل والاطناب في التأويل فإننا سنكتفي بايضاح ما أسميناه «بنود» السلسلة وتبيان مدي أهميتها مقارنة براهن وواقع نشر الكتاب في تونس.فالأقلام المبدعة والعقول المدبّرة الذين يستضيفهم مقام دار المعرفة لا يمكنهم ان «يجثموا» على دار النشر مثلما يحدث في دور النشر الأخرى، فأغلبهم جامعيون وأكاديميون دَيْدَنُهُم الكتابة المُضيفة والنَّوْعيَّة لا الكمية، وجلهم يستغرق أكثر من سنة على الأقل في إعداد بحث أو قراءة نقدية ثم يفكر في نشرها، وهم بالضرورة ليسوا متلهّفين على نشر خمسة «كتب» في السنة الواحدة مثلما تطالعنا بعض الاسماء / المؤسسات.أما الكتابة الجَذْلَى والمرحة فهي حتما تلك التي تفتقدها أكداس الورق المكدَّسة بواجهات ومخازن المكتبات، إنها الكتابة المختلفة المؤَسِّسَة والمؤَسَّسَة لسياق معرفي مغاير، الكتابة المغامرة التي تجترح الأسئلة وتطرح الفكر الاشكالي، الكتابة النَّاقدة المرتحلة في أقانيم الفكر والمعارف... أنها الكتابة التي يمكنها ان تضفي على المدوّنة التونسية الحديثة سمة النوعية والإضافة في علاقة بالإبداعات العربية الأخرى المتقدمة في درب الإختلاف مثل المغرب والجزائر ولبنان...أما رحلة القارئ ـ رغم بوادر انقراضه ـ فهي حتما رحلة ممتعة ومفيدة، رحلة يؤمّنها حرصُ مدير السلسلة الدكتور العادل خضر على حسن اختيار النصوص المنشورة، وهو مؤهل لذلك عارف بحديث القراءات وقديمها، جامعي ومثقّف، مثقف متحرّك وديناميكي همّه الأول الثقافة وليس الادارة، كما يؤمن رحلة القارئ التونسي والعربي عموما هاجس مدير دار المعرفة السيد بدر الدين الدبوسي هو المغامرة والمراهنة على كتابة تاريخ مكتبة... تاريخ أكبر من رفوف خشبية متآكلة وهو ما نجح فيه فعلا بشهادة مكتبي مغربي دخلت مكتبته قبل سنتين في الرباط فلم أعثر فيها على كُتب الشَّعوذة واللاّهوت والأبراج، وبتجاذب الحديث معه قال لي بالحرف الواحد إنه «يُقَاومُ الَجهْلَ مثْلَمَا تُقَاومُهُ مَكْتَبَةُ المَعْرفَة الجَذْلَى بتونس».سلسلة «مقام مقال» بما أصدرته من كتب وأبحاث جامعية وبما ستصدره في قادم الأيام من كتب قد تنفتح على الابداعات النوعية في السرد والشعر التونسيين، تؤلّف «نصوصا مضيافة للإسهام في كتابة رواية متعددة الأصوات لا تقولوا لنا ما أشبه اليوم بالبارحة فحسب ولكننا سمعناها تقول لا ينبغي أن يكون غدنا شب
وهذا التعريف على ايجازه يكتنز كثافة دلاليَّة وفائضًا في المعنى والإحالة خاصة على طبيعة مهمة هذه السلسلة الجديدة والتي تتحدَّد ملامحها من خلال ثلاثة «بُنُود» ان شئنا، وهي الأقلام المبدعة والكتابة الجذلى ورحلة القارئ. وفي تقديري فإن هذا «العقد» ببنوده الثلاثة لم يُخَط على عَجَل بقدر ما يُوحي بأن رهان السلسلة واستراتيجيتها في مجال نشر الكتب واضح المعالم وذو رؤية استشرافية يتلخصان في شعار سلسة مقام مقال القائل «مَقَامٌ للضِّيَافَة، ولكنَّهَا مَقَالٌ للإضَافَة».ومن دون الإسهاب في التحليل والاطناب في التأويل فإننا سنكتفي بايضاح ما أسميناه «بنود» السلسلة وتبيان مدي أهميتها مقارنة براهن وواقع نشر الكتاب في تونس.فالأقلام المبدعة والعقول المدبّرة الذين يستضيفهم مقام دار المعرفة لا يمكنهم ان «يجثموا» على دار النشر مثلما يحدث في دور النشر الأخرى، فأغلبهم جامعيون وأكاديميون دَيْدَنُهُم الكتابة المُضيفة والنَّوْعيَّة لا الكمية، وجلهم يستغرق أكثر من سنة على الأقل في إعداد بحث أو قراءة نقدية ثم يفكر في نشرها، وهم بالضرورة ليسوا متلهّفين على نشر خمسة «كتب» في السنة الواحدة مثلما تطالعنا بعض الاسماء / المؤسسات.أما الكتابة الجَذْلَى والمرحة فهي حتما تلك التي تفتقدها أكداس الورق المكدَّسة بواجهات ومخازن المكتبات، إنها الكتابة المختلفة المؤَسِّسَة والمؤَسَّسَة لسياق معرفي مغاير، الكتابة المغامرة التي تجترح الأسئلة وتطرح الفكر الاشكالي، الكتابة النَّاقدة المرتحلة في أقانيم الفكر والمعارف... أنها الكتابة التي يمكنها ان تضفي على المدوّنة التونسية الحديثة سمة النوعية والإضافة في علاقة بالإبداعات العربية الأخرى المتقدمة في درب الإختلاف مثل المغرب والجزائر ولبنان...أما رحلة القارئ ـ رغم بوادر انقراضه ـ فهي حتما رحلة ممتعة ومفيدة، رحلة يؤمّنها حرصُ مدير السلسلة الدكتور العادل خضر على حسن اختيار النصوص المنشورة، وهو مؤهل لذلك عارف بحديث القراءات وقديمها، جامعي ومثقّف، مثقف متحرّك وديناميكي همّه الأول الثقافة وليس الادارة، كما يؤمن رحلة القارئ التونسي والعربي عموما هاجس مدير دار المعرفة السيد بدر الدين الدبوسي هو المغامرة والمراهنة على كتابة تاريخ مكتبة... تاريخ أكبر من رفوف خشبية متآكلة وهو ما نجح فيه فعلا بشهادة مكتبي مغربي دخلت مكتبته قبل سنتين في الرباط فلم أعثر فيها على كُتب الشَّعوذة واللاّهوت والأبراج، وبتجاذب الحديث معه قال لي بالحرف الواحد إنه «يُقَاومُ الَجهْلَ مثْلَمَا تُقَاومُهُ مَكْتَبَةُ المَعْرفَة الجَذْلَى بتونس».سلسلة «مقام مقال» بما أصدرته من كتب وأبحاث جامعية وبما ستصدره في قادم الأيام من كتب قد تنفتح على الابداعات النوعية في السرد والشعر التونسيين، تؤلّف «نصوصا مضيافة للإسهام في كتابة رواية متعددة الأصوات لا تقولوا لنا ما أشبه اليوم بالبارحة فحسب ولكننا سمعناها تقول لا ينبغي أن يكون غدنا شب
2008/08/23
حوار مع امين عام المؤتمر القومي العربي معن بشور
كيف يكون ليبراليا من لا يكون مدافعا عن حرية وطنه وحرية شعبه؟!
قيادي في حزب البعث حتى عام 1975، امين عام المؤتمر القومي العربي، احد مؤسسي المؤتمر القومي/الاسلامي، احد مؤسسي المنظمة العربية لحقوق الانسان، المنسق العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية في لبنان، منسق الحملة الاهلية لنصرة فلسطين والعراق في لبنان، المشرف العام على مجلة "المنابر" الثقافية.. كل هذه المهام يرفعها الاستاذ معن بشور على عاتقه، ايمانا منه ان النضال الحقيقي هو التشابك العملي للخطوط الممكنة وللاحتمالات المطروحة امام المناضل الصادق.. يحملها ولا ينوس بها أنّي ولى وجهته في مشرق الوطن العربي او مغربه
...
* بدءا، كيف يمكنكم ان تحملوا للقارئ تجربتكم السياسية اثناء تنظّمكم في حزب البعث؟-
خروجي من حزب البعث كان لاسباب سياسية وتنظيمية. بقيت ملتزما بالفكر لكن أعمل من خارج التنظيم لصالح الفكر، وليس الان مجال لتخصيص اسباب خروجي لأن البعث يواجه الان الامبريالية الامريكية، وقادته اما في الاسر واما في المدافن واما في المنافي، والوقت الان هو وقت التركيز على ما يجمع ولا على ما يفرق، والماضي تجربة نعود اليها كي نستفيد من دروسها وعبرها وليس الماضي سجنا نسجن فيه انفسنا ونبقيها اسيرة خلافات وحساسيات لا يمكن ان تخدم اهدافنا القومية. وأذكر ان الرئيس صدام حسين حين التقيته في اوائل فيفري 2003 أي قبل الحرب بشهر وقال لي بالحرف الواحد "البعث ليس صيغة فنية نحصر نفسنا بها، بل هو افكار يحملها المؤمنون بها ويسعون الى خدمتها بالصيغة التي يرونها مناسبة".
* الا تعتقد ان الواقع والمستجدات الحاصلة في العراق وسوريا ولبنان وبعض بؤر الفكر البعثي اكدت بما لا يدع مجالا للشك ان الوضع المأساوي بهذه المنطقة ناجم اساسا عن ضيق أفق الفكر البعثي؟
- لا اعتقد ان البعث كافكار قد فشل، بل على العكس اعتقد ان الفكرة القومية العربية التي حمل لوائها القوميون الاوائل، ومنهم البعثيون، وربطوها بمحتواها الروحي والثقافي والحضاري المتمثل بالاسلام، واعطوها مضمونا اجتماعيا متمثلا بالاشتراكية وسياسيا متمثلا بالوحدة والاستقلال، وديمقراطيا متمثلا بالحرية. هذه الافكار ما زالت صالحة حتى اليوم، بل هي في قلب روح العصر الذي يؤكد على قيام التكتلات الكبرى ويشدد على الحرية والديمقراطية ويكشف ازمة كل الكيانات الصغيرة وازمة كل الانظمة والمنظومات التي تقفز فوق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
* ولكن الممارسات السلطوية والجو الامني الخانق الذي فرضته الاحزاب البعثية ناقض ما طرحه منظرو البعث ومفكريه؟
- المشكلة التي واجهها البعث تتصل بالممارسة وخصوصا في ظل تناقض موضوعي بين متطلبات البعث كحركة قومية تعمل على امتداد الوطن العربي وبين امكانات السلطة القطرية وظروفها المحدودة والمشكلات الناجمة عن سبل الاحتفاظ بها، لا سيما تلك السبل التي تقوم على تضخم في دور الاجهزة الامنية على حساب المشاركة الديمقراطية الواسعة، الان ان هذه السلبيات التي رافقت الممارسة لا تعني ان التجارب البعثية لم يكن لها ايجابيات بل بالعكس ولا سيما في مجال تحقيق نهضة علمية وتكنولوجية بارزة، كما انها شكلت مواقع للمانعة في مواجهة المشروع الامريكي الصهيوني الرامي الى الهيمنة الكاملة على هذه المنطقة وعلى تقنياتها، وهذا المشروع لاحظناه يتحول الى عدوان واحتلال في العراق ونلاحظه اليوم يتجسد في تهديدات وضغوطات داخل سوريا؟ المطلوب نظرة منصفة الى البعث كما الى كل الحركات الاخرى، نظرة ترى الايجابي والسلبي معا، فلا تخسر موضوعية التقييم ونزاهته وشفافيته.
*هل تسعون للاستفادة من تجربتكم الخاصة ومن التجارب الحزبية العامة في صيغة المؤتمر القومي العربي الذي تتولون امانته العامة اليوم؟
- في البداية يجب ان ننبه الى ان المؤتمر القومي العربي ليس حزبا او تنظيما سياسيا بل هو تجمع لمجموعة من اهل الفكر والنضال في هذه الامة اتت الى المؤتمر من مواقع حزبية وفكرية وسياسية متعددة، ومن منابر ثقافية واعلامية متنوعة تحاول ان تدرس حال الامة كل عام في ضوء عناصر المشروع الحضاري العربي النهضوي لتستخرج من هذه الدراسة توجهات وافكار ومواقف تضعها امام الرأي العام العربي بل امام الامة بكل مواقعها للاستفادة منها، ويسعى اعضاء المؤتمر من خلال مواقعهم السياسية او النيابية او الحزبية او النقابية او الثقافية الى ترجمتها في بلدانهم وفي ساحات عملهم.
فالفكرة المركزية هنا تبدأ من الحوار بين كل المؤمنين بالمشروع النهضوي العربي بمعنى ان فكرة المؤتمر تناقض نهج الاقصاء والابعاد والغاء الاخر الذي حكم الى فترة طويلة العلاقات بين الوان الطيف السياسي العربي، فالمؤتمر اذن ليس بديلا للاحزاب القائمة – التي شارك العديد من اعضائها في الانخراط في صفوف المؤتمر بصفتهم الشخصية جنبا الى جنب مع شخصيات مستقلة للمؤتمر– بقدر ما هو وعاء للتفاعل بين هؤلاء الذين فرقتهم الحسابات والانشقاقات مما أدى الى تشرذم حركات التحرر والوحدة في الامة والى اقصاء متبادل بين تياراتها والى اختزال بين قواها.
* وهل من تفاعل بين المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي / الاسلامي على مستوى الرؤية والبرامج؟
- المؤتمر القومي العربي يسعى مع "شقيقيه" المؤتمر القومي /الاسلامي والمؤتمر العام للاحزاب العربية ان ينقل العلاقة بين تيارات الامة من حال التباعد الى حال التلاقي ومن حال التنافر الى حال الحوار، ومن حال تعثر القوى الى حال تجميع الصفوف لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية وصولا الى بناء مرجعية شعبية عربية تشكل بوصلة للموقف السليم الواجب اتخاذه واطارا للتعبئة الواسعة حول هذا الموقف، وهنا يضع كل اعضاء المؤتمر تجاربهم السابقة والحالية، وخبراتهم الجماعية والفردية، والدروس المستفادة من مسيرة النضال العربي في اطار مناقشات المؤتمر لكي يتم استخراج رؤى تتمسك بايجابيات هذه التجارب وتتخلص من سلبياتها، والمحك في هذا كله هو المشروع النهضوي الحضاري العربي الذي يخرج الكثير من ادائنا السياسي من الوقوع اسرى الشعارات ليضعه في اطار برامج عملية ومحددة.
* اذن هل المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي / الاسلامي في الضفة المقابلة لجامعة الدول العربية – باعتبار صبغتها الرسمية- ام انهما يتقاطعان مع رؤاها العامة في ما اسميتموه مشروعا نهضويا حضاريا؟
- الجامعة العربية هي وعاء للنظام الرسمي العربي، فيما المؤتمر القومي العربي هو اطار لطاقات اهلية عربية متنوعة، فاذا كانت الجامعة العربية في الكثير من مواقفها محكومة بسقف مواقف الانظمة العربية وهي مواقف مكبلة بالف حساب، فان المؤتمر القومي العربي هو هيئة متحررة من كل القيود ويسعى الى ان يطلق المواقف المعبرة عن ضمير الامة، ووجدان شعوبها، ونحن نطمح دون شك ان يقوم تكامل بين عمل المؤتمر وعمل الجامعة بحيث يكون لآراء المؤتمر ومواقفه حضورا في مناقشات الجامعة العربية بكل مستوياته وبالتالي نمارس ضغوطات على مواقف الجامعة كي تتوازن او تعطل الضغوط الآتية من قوى خارجية تسعى في النهاية الى انهاء جامعة الدول العربية كمنظومة عربية اقليمية لصالح النظام الشرق اوسطي الذي يفرض الكيان الصهيوني مركزا رئيسيا له.
* اغتيال رفيق الحريري.. تصاعد المقاومة... القرار الدولي 1559... توتر مع الجيران وخاصة سوريا ... كيف لكم ان تقيموا الوضع الراهن بلبنان؟
- مما لا شك فيه ان لبنان يمر بظروف صعبة، ومصدر الصعوبة هذه ناشئ اساسا عن رغبة اصحاب المشروع الغربي الامريكي الصهيوني في نقل لبنان من موقعه الحالي في الصراع العربي الصهيوني الى الموقع المقابل، وفي عزل لبنان عن عمقه العربي وصولا الى الثأر من لبنان بسبب انتصاره غير المسبوق بالمقاومة على الاحتلال الاسرائيلي، ناهيك عن الطموح الصهيوني القديم يتمزيق لبنان وتحويله الى مجموعات طائفية هزيلة. ولقد ظن اصحاب هذا المشروع بعد احتلالهم العراق ان الفرصة سانحة لهم لينقضوا على لبنان فيجردوه من عناصر قوته وهي المقاومة والعروبة والوحدة الوطنية ويستخدموه منصة للضغوط على سوريا بهدف اجبارها على الاذعان لاملاءات باتت معروفة سواء في اقضية الفلسطينية او القضية العراقية او القضية اللبنانية، ولقد كان عنوان هذا المشروع هو القرار الدولي 1559 والذي يعتبر خرقا فاضحا لميثاق الامم المتحدة وللقانون الدولي فلو كان هناك محكمة دولية تنظر في قانونية قرارات مجلس الامن وشرعيتها لحكمت دون شك بابطال القرار.
ثم جاء اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ليشكل الصاعق المفجر للاوضاع اللبنانية وليعطي القرار 1559 زخما كبيرا مستفيدا دون شك من تراكم اخطاء وخطايا وقعت بها الادارة السورية - اللبنانية للشأن اللبناني مما سمح باستغلال هذه الخطايا لايجاد حالة شعبية بدت لوهلة معينة وكأنها مغايرة لكل خيارات لبنان الوطنية ولثوابته الشعبية ... لكل هذا الوضع الطارئ لم يكن ممكنا له ان يستمر طويلا وبدأ لبنان يستعيد تدريجيا توازنه من خلال بروز دور متنام للقوى المتمسكة بعروبة لبنان وبالمقاومة اللبنانية، وبعلاقات سياسية متكافئة مع سوريا، فتغيرت التحالفات وبدأ لاصحاب المشروع الامريكي الصهيوني ان نجاحهم في لبنان ليس سهلا وان الرياح التي ظنوها موأتية لهم بعد احتلال العراق لم تعد كذلك، فالمشروع الامريكي يتعثر في العراق بفضل المقاومة الباسلة، والمشروع الصهيوني يتعثر في فلسطين خصوصا بعد الانتخابات الفلسطينية الاخيرة، والمسرح الدولي لم يعد ملعبا يتحرك فيه لاعب وحيد هو الادارة الامريكية، مما سمح بأن يعود اللبنانيون الى طاولة الحوار وأن يتراجع تدريجيا خطاب التصعيد المحمّل بشحنات طائفية ومذهبية وعنصرية وبات من الصعب على أي طرف لبناني ان يتحمل مسؤولية إفشال حوار اللبنانيين المتعطشين الى السلام والسلم الاهلي والتماسك الوطني والاستقرار الامني.
صحيح ان الحوار الدائر حاليا قد لا يحقق كل النتائج المرجوة منه لكنه دون شك خطوة هامة على طريق تهدئة الاجواء وعقلنة الخطاب السياسي ومد الجسور نحو آفاق جديدة ومبادرات متعددة، بعضها لبناني، وبعضها عربي، وبعضها ربما يكون دوليا، وسيستعيد لبنان في ظل ذلك كله توازنه الذي كاد يفقده بعد الزلزال الضخم المرتبط باغتيال رئيس الوزراء السابق الشهيد رفيق الحريري، بل بدأ اللبنانيون يدركون ان التفافهم حول ثوابت الوحدة الوطنية والديمقراطية والعدالة والعروبة والمقاومة والعلاقة المميزة مع سوريا هو ضمانة بوجه أي اهتزاز قادم داخل بلدهم ومحيطهم.
ان لبنان – وفي جميع الاحوال- يحتاج الى فهم اعمق واحتضان اكبر من اشقائه العرب، وخصوصا سوريا، بحيث تجري دراسة دقيقة لأي موقف او تصرف او مبادرة او خطاب على نحو لا يسمح للمصطادين في الماء العكر ان يستغلوه لخدمة مخططاتهم الخبيثة ولاخراج القوى اللبنانية المدافعة عن الثوابت الوطنية.
* بوصفكم كنتم مشرفا عاما على مجلة "المنابر" ولاهتمامكم المتزايد بالمسائل الثقافية والاحراجات الفكرية، كيف تنظرون لمسألة انخراط المثقف العربي في المشروع السياسي؟
- اعتقد ان العلاقة بين الثقافة والسياسة مسألة بالغة الاهمية، فالسياسة التي لا تحضنها الثقافة مصيرها الضياع او الدوران في حلقة مفرغة او التآكل والذوبان مع الزمن بينما السياسي ذو البعد الثقافي يحصن نفسه في وجه الارتجال والسطحية، والغرق في تفاصيل مملة، وفي فقدان الجاذبية المتجددة امام الرأي العام، والثقافة البعيدة عن السياسة، بالمفهوم الراقي للسياسة تصبح ثقافة خاوية من المضامين الحقيقية لهموم الناس ولمشاغل الحياة بل ان المثقف الذي لا تكون السياسة بوصلته وموجهته يفقد جذوره، ويمر عابرا في حياة شعبه، وكل المثقفين الكبار في حياة الشعوب هم الذين عبّروا، كل بطريقته، عن هموم شعبهم وعن تطلعاته فكانوا بهذا المعنى ساسة بأعلى الدرجات لأنهم وضعوا ابداعهم ومعرفتهم في خدمة الانسان الذي يفترض ان يكون بهمومه وحقوقه وحرياته هدف كل سياسة.
ان المزج المتوازن بين الثقافة والسياسة هو الذي يعطي المثقف السياسي افضلية على كل أقرانه تماما كما ان هذا المزج المتوازن هو الذي يجعل المثقف ذا البعد السياسي متميزا عن اقرانه. فالعلاقة لا تعني ابدا ان تكون الثقافة هي اداة مبتذلة في يد السياسة ولا ان تكون السياسة هي ترداد فجّ لمقولات ثقافية مجردة. فالثقافة لها خصوصياتها ولها لغتها ولها وسائل تعبيرها ولها استقلاليتها بحيث اذا تخلت عن أي واحدة من هذه الامور تحولت الى ثقافة هابطة او الى لا ثقافة، وبالمقابل فان للسياسة تكتيكاتها واساليب عملها وملامستها العميقة للواقع فهي اذا خسرت هذه الميزات تصبح انتهازية فاضحة او مثالية خائنة.
* نلاحظ ان المخططات الامريكية والصهيونية باتت تمرر الى العقل العربي عبر العقل ذاته... عبر من يدعون انهم مثقفون ليبراليون... فهل فعلا نحن بحاجة اليوم الى مثقفين ليبراليين ام نحن بحاجة ملحة الى مثقف عضوي منغرس في اعماق واقعه؟
- اعتقد ان كل مثقف ينبغي ان يكون ليبراليا بدرجة او بأخرى خصوصا اذا كان المقصود بالليبرالية هو احترام الحرية واحترام الاخر وافساح المجال لكل الاراء ان تتفاعل وتتحاور في جو من الحرية الذي لا تنغصها أي قيود، ولكن الليبرالية باتت اليوم مدارس وصل بعضها الى حد اعتبار الاستنجاد بالاجنبي في مواجهة انظمة الاستبداد هو موقف ليبرالي فيما تكشف الاحداث مثلا ان هذا المنطق قد سقط مع التجربة العراقية ذاتها فعيب الليبرالي، في هذه الحالة، هنا ليس فقط في تنكره لوطنه ولأمته فحسب بل يكمن عيبه في انه كان ممرا عبرت فوقه دبابات الاحتلال لتقيم ابشع انواع الاستبداد واقصى انواع المجازر واشنع معسكرات التعذيب.
فهذه الليبرالية المراهنة على الاساطيل الخارجية والاباطيل الاستعمارية قد سقطت بمقياس الليبرالية نفسها حتى لا نقول انها سقطت بالمنطق القومي او الوطني او الانساني، ولعله من المفارقات المذهلة ان الكثير من الليبراليين الذين كانوا يملؤون وسائل الاعلام ضجيجا ضد النظام العراقي السابق للاحتلال بحجة استبداديته وديكتاتوريته نجدهم صامتين صمت القبور امام ما يرتكبه المحتل الامريكي وادواته وأعوانه من جرائم في حق الشعب العراقي.
ان هذا الصنف من المثقفين الليبراليين يقع هو الاخر في لعبة ازدواجية المعايير فيفقد مصداقيته ويتضح ان علاقته بالليبرالية لا تختلف عن علاقة الكثير من رافعي الشعارات البراقة، اما المثقف الملتزم بقضايا امته ومجتمعه فهو الليبرالي الحقيقي لانه يدرك ان استقلال الاوطان وحريتها هو المدخل الحقيقي للديمقراطية وحقوق الانسان فتعبير الليبرالية مشتق اساسا من كلمة ( Liberte') أي الحرية فكيف يكون ليبراليا من لا يكون مدافعا عن حرية وطنه وحرية شعبه؟!
قيادي في حزب البعث حتى عام 1975، امين عام المؤتمر القومي العربي، احد مؤسسي المؤتمر القومي/الاسلامي، احد مؤسسي المنظمة العربية لحقوق الانسان، المنسق العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية في لبنان، منسق الحملة الاهلية لنصرة فلسطين والعراق في لبنان، المشرف العام على مجلة "المنابر" الثقافية.. كل هذه المهام يرفعها الاستاذ معن بشور على عاتقه، ايمانا منه ان النضال الحقيقي هو التشابك العملي للخطوط الممكنة وللاحتمالات المطروحة امام المناضل الصادق.. يحملها ولا ينوس بها أنّي ولى وجهته في مشرق الوطن العربي او مغربه
...
* بدءا، كيف يمكنكم ان تحملوا للقارئ تجربتكم السياسية اثناء تنظّمكم في حزب البعث؟-
خروجي من حزب البعث كان لاسباب سياسية وتنظيمية. بقيت ملتزما بالفكر لكن أعمل من خارج التنظيم لصالح الفكر، وليس الان مجال لتخصيص اسباب خروجي لأن البعث يواجه الان الامبريالية الامريكية، وقادته اما في الاسر واما في المدافن واما في المنافي، والوقت الان هو وقت التركيز على ما يجمع ولا على ما يفرق، والماضي تجربة نعود اليها كي نستفيد من دروسها وعبرها وليس الماضي سجنا نسجن فيه انفسنا ونبقيها اسيرة خلافات وحساسيات لا يمكن ان تخدم اهدافنا القومية. وأذكر ان الرئيس صدام حسين حين التقيته في اوائل فيفري 2003 أي قبل الحرب بشهر وقال لي بالحرف الواحد "البعث ليس صيغة فنية نحصر نفسنا بها، بل هو افكار يحملها المؤمنون بها ويسعون الى خدمتها بالصيغة التي يرونها مناسبة".
* الا تعتقد ان الواقع والمستجدات الحاصلة في العراق وسوريا ولبنان وبعض بؤر الفكر البعثي اكدت بما لا يدع مجالا للشك ان الوضع المأساوي بهذه المنطقة ناجم اساسا عن ضيق أفق الفكر البعثي؟
- لا اعتقد ان البعث كافكار قد فشل، بل على العكس اعتقد ان الفكرة القومية العربية التي حمل لوائها القوميون الاوائل، ومنهم البعثيون، وربطوها بمحتواها الروحي والثقافي والحضاري المتمثل بالاسلام، واعطوها مضمونا اجتماعيا متمثلا بالاشتراكية وسياسيا متمثلا بالوحدة والاستقلال، وديمقراطيا متمثلا بالحرية. هذه الافكار ما زالت صالحة حتى اليوم، بل هي في قلب روح العصر الذي يؤكد على قيام التكتلات الكبرى ويشدد على الحرية والديمقراطية ويكشف ازمة كل الكيانات الصغيرة وازمة كل الانظمة والمنظومات التي تقفز فوق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
* ولكن الممارسات السلطوية والجو الامني الخانق الذي فرضته الاحزاب البعثية ناقض ما طرحه منظرو البعث ومفكريه؟
- المشكلة التي واجهها البعث تتصل بالممارسة وخصوصا في ظل تناقض موضوعي بين متطلبات البعث كحركة قومية تعمل على امتداد الوطن العربي وبين امكانات السلطة القطرية وظروفها المحدودة والمشكلات الناجمة عن سبل الاحتفاظ بها، لا سيما تلك السبل التي تقوم على تضخم في دور الاجهزة الامنية على حساب المشاركة الديمقراطية الواسعة، الان ان هذه السلبيات التي رافقت الممارسة لا تعني ان التجارب البعثية لم يكن لها ايجابيات بل بالعكس ولا سيما في مجال تحقيق نهضة علمية وتكنولوجية بارزة، كما انها شكلت مواقع للمانعة في مواجهة المشروع الامريكي الصهيوني الرامي الى الهيمنة الكاملة على هذه المنطقة وعلى تقنياتها، وهذا المشروع لاحظناه يتحول الى عدوان واحتلال في العراق ونلاحظه اليوم يتجسد في تهديدات وضغوطات داخل سوريا؟ المطلوب نظرة منصفة الى البعث كما الى كل الحركات الاخرى، نظرة ترى الايجابي والسلبي معا، فلا تخسر موضوعية التقييم ونزاهته وشفافيته.
*هل تسعون للاستفادة من تجربتكم الخاصة ومن التجارب الحزبية العامة في صيغة المؤتمر القومي العربي الذي تتولون امانته العامة اليوم؟
- في البداية يجب ان ننبه الى ان المؤتمر القومي العربي ليس حزبا او تنظيما سياسيا بل هو تجمع لمجموعة من اهل الفكر والنضال في هذه الامة اتت الى المؤتمر من مواقع حزبية وفكرية وسياسية متعددة، ومن منابر ثقافية واعلامية متنوعة تحاول ان تدرس حال الامة كل عام في ضوء عناصر المشروع الحضاري العربي النهضوي لتستخرج من هذه الدراسة توجهات وافكار ومواقف تضعها امام الرأي العام العربي بل امام الامة بكل مواقعها للاستفادة منها، ويسعى اعضاء المؤتمر من خلال مواقعهم السياسية او النيابية او الحزبية او النقابية او الثقافية الى ترجمتها في بلدانهم وفي ساحات عملهم.
فالفكرة المركزية هنا تبدأ من الحوار بين كل المؤمنين بالمشروع النهضوي العربي بمعنى ان فكرة المؤتمر تناقض نهج الاقصاء والابعاد والغاء الاخر الذي حكم الى فترة طويلة العلاقات بين الوان الطيف السياسي العربي، فالمؤتمر اذن ليس بديلا للاحزاب القائمة – التي شارك العديد من اعضائها في الانخراط في صفوف المؤتمر بصفتهم الشخصية جنبا الى جنب مع شخصيات مستقلة للمؤتمر– بقدر ما هو وعاء للتفاعل بين هؤلاء الذين فرقتهم الحسابات والانشقاقات مما أدى الى تشرذم حركات التحرر والوحدة في الامة والى اقصاء متبادل بين تياراتها والى اختزال بين قواها.
* وهل من تفاعل بين المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي / الاسلامي على مستوى الرؤية والبرامج؟
- المؤتمر القومي العربي يسعى مع "شقيقيه" المؤتمر القومي /الاسلامي والمؤتمر العام للاحزاب العربية ان ينقل العلاقة بين تيارات الامة من حال التباعد الى حال التلاقي ومن حال التنافر الى حال الحوار، ومن حال تعثر القوى الى حال تجميع الصفوف لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية وصولا الى بناء مرجعية شعبية عربية تشكل بوصلة للموقف السليم الواجب اتخاذه واطارا للتعبئة الواسعة حول هذا الموقف، وهنا يضع كل اعضاء المؤتمر تجاربهم السابقة والحالية، وخبراتهم الجماعية والفردية، والدروس المستفادة من مسيرة النضال العربي في اطار مناقشات المؤتمر لكي يتم استخراج رؤى تتمسك بايجابيات هذه التجارب وتتخلص من سلبياتها، والمحك في هذا كله هو المشروع النهضوي الحضاري العربي الذي يخرج الكثير من ادائنا السياسي من الوقوع اسرى الشعارات ليضعه في اطار برامج عملية ومحددة.
* اذن هل المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي / الاسلامي في الضفة المقابلة لجامعة الدول العربية – باعتبار صبغتها الرسمية- ام انهما يتقاطعان مع رؤاها العامة في ما اسميتموه مشروعا نهضويا حضاريا؟
- الجامعة العربية هي وعاء للنظام الرسمي العربي، فيما المؤتمر القومي العربي هو اطار لطاقات اهلية عربية متنوعة، فاذا كانت الجامعة العربية في الكثير من مواقفها محكومة بسقف مواقف الانظمة العربية وهي مواقف مكبلة بالف حساب، فان المؤتمر القومي العربي هو هيئة متحررة من كل القيود ويسعى الى ان يطلق المواقف المعبرة عن ضمير الامة، ووجدان شعوبها، ونحن نطمح دون شك ان يقوم تكامل بين عمل المؤتمر وعمل الجامعة بحيث يكون لآراء المؤتمر ومواقفه حضورا في مناقشات الجامعة العربية بكل مستوياته وبالتالي نمارس ضغوطات على مواقف الجامعة كي تتوازن او تعطل الضغوط الآتية من قوى خارجية تسعى في النهاية الى انهاء جامعة الدول العربية كمنظومة عربية اقليمية لصالح النظام الشرق اوسطي الذي يفرض الكيان الصهيوني مركزا رئيسيا له.
* اغتيال رفيق الحريري.. تصاعد المقاومة... القرار الدولي 1559... توتر مع الجيران وخاصة سوريا ... كيف لكم ان تقيموا الوضع الراهن بلبنان؟
- مما لا شك فيه ان لبنان يمر بظروف صعبة، ومصدر الصعوبة هذه ناشئ اساسا عن رغبة اصحاب المشروع الغربي الامريكي الصهيوني في نقل لبنان من موقعه الحالي في الصراع العربي الصهيوني الى الموقع المقابل، وفي عزل لبنان عن عمقه العربي وصولا الى الثأر من لبنان بسبب انتصاره غير المسبوق بالمقاومة على الاحتلال الاسرائيلي، ناهيك عن الطموح الصهيوني القديم يتمزيق لبنان وتحويله الى مجموعات طائفية هزيلة. ولقد ظن اصحاب هذا المشروع بعد احتلالهم العراق ان الفرصة سانحة لهم لينقضوا على لبنان فيجردوه من عناصر قوته وهي المقاومة والعروبة والوحدة الوطنية ويستخدموه منصة للضغوط على سوريا بهدف اجبارها على الاذعان لاملاءات باتت معروفة سواء في اقضية الفلسطينية او القضية العراقية او القضية اللبنانية، ولقد كان عنوان هذا المشروع هو القرار الدولي 1559 والذي يعتبر خرقا فاضحا لميثاق الامم المتحدة وللقانون الدولي فلو كان هناك محكمة دولية تنظر في قانونية قرارات مجلس الامن وشرعيتها لحكمت دون شك بابطال القرار.
ثم جاء اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ليشكل الصاعق المفجر للاوضاع اللبنانية وليعطي القرار 1559 زخما كبيرا مستفيدا دون شك من تراكم اخطاء وخطايا وقعت بها الادارة السورية - اللبنانية للشأن اللبناني مما سمح باستغلال هذه الخطايا لايجاد حالة شعبية بدت لوهلة معينة وكأنها مغايرة لكل خيارات لبنان الوطنية ولثوابته الشعبية ... لكل هذا الوضع الطارئ لم يكن ممكنا له ان يستمر طويلا وبدأ لبنان يستعيد تدريجيا توازنه من خلال بروز دور متنام للقوى المتمسكة بعروبة لبنان وبالمقاومة اللبنانية، وبعلاقات سياسية متكافئة مع سوريا، فتغيرت التحالفات وبدأ لاصحاب المشروع الامريكي الصهيوني ان نجاحهم في لبنان ليس سهلا وان الرياح التي ظنوها موأتية لهم بعد احتلال العراق لم تعد كذلك، فالمشروع الامريكي يتعثر في العراق بفضل المقاومة الباسلة، والمشروع الصهيوني يتعثر في فلسطين خصوصا بعد الانتخابات الفلسطينية الاخيرة، والمسرح الدولي لم يعد ملعبا يتحرك فيه لاعب وحيد هو الادارة الامريكية، مما سمح بأن يعود اللبنانيون الى طاولة الحوار وأن يتراجع تدريجيا خطاب التصعيد المحمّل بشحنات طائفية ومذهبية وعنصرية وبات من الصعب على أي طرف لبناني ان يتحمل مسؤولية إفشال حوار اللبنانيين المتعطشين الى السلام والسلم الاهلي والتماسك الوطني والاستقرار الامني.
صحيح ان الحوار الدائر حاليا قد لا يحقق كل النتائج المرجوة منه لكنه دون شك خطوة هامة على طريق تهدئة الاجواء وعقلنة الخطاب السياسي ومد الجسور نحو آفاق جديدة ومبادرات متعددة، بعضها لبناني، وبعضها عربي، وبعضها ربما يكون دوليا، وسيستعيد لبنان في ظل ذلك كله توازنه الذي كاد يفقده بعد الزلزال الضخم المرتبط باغتيال رئيس الوزراء السابق الشهيد رفيق الحريري، بل بدأ اللبنانيون يدركون ان التفافهم حول ثوابت الوحدة الوطنية والديمقراطية والعدالة والعروبة والمقاومة والعلاقة المميزة مع سوريا هو ضمانة بوجه أي اهتزاز قادم داخل بلدهم ومحيطهم.
ان لبنان – وفي جميع الاحوال- يحتاج الى فهم اعمق واحتضان اكبر من اشقائه العرب، وخصوصا سوريا، بحيث تجري دراسة دقيقة لأي موقف او تصرف او مبادرة او خطاب على نحو لا يسمح للمصطادين في الماء العكر ان يستغلوه لخدمة مخططاتهم الخبيثة ولاخراج القوى اللبنانية المدافعة عن الثوابت الوطنية.
* بوصفكم كنتم مشرفا عاما على مجلة "المنابر" ولاهتمامكم المتزايد بالمسائل الثقافية والاحراجات الفكرية، كيف تنظرون لمسألة انخراط المثقف العربي في المشروع السياسي؟
- اعتقد ان العلاقة بين الثقافة والسياسة مسألة بالغة الاهمية، فالسياسة التي لا تحضنها الثقافة مصيرها الضياع او الدوران في حلقة مفرغة او التآكل والذوبان مع الزمن بينما السياسي ذو البعد الثقافي يحصن نفسه في وجه الارتجال والسطحية، والغرق في تفاصيل مملة، وفي فقدان الجاذبية المتجددة امام الرأي العام، والثقافة البعيدة عن السياسة، بالمفهوم الراقي للسياسة تصبح ثقافة خاوية من المضامين الحقيقية لهموم الناس ولمشاغل الحياة بل ان المثقف الذي لا تكون السياسة بوصلته وموجهته يفقد جذوره، ويمر عابرا في حياة شعبه، وكل المثقفين الكبار في حياة الشعوب هم الذين عبّروا، كل بطريقته، عن هموم شعبهم وعن تطلعاته فكانوا بهذا المعنى ساسة بأعلى الدرجات لأنهم وضعوا ابداعهم ومعرفتهم في خدمة الانسان الذي يفترض ان يكون بهمومه وحقوقه وحرياته هدف كل سياسة.
ان المزج المتوازن بين الثقافة والسياسة هو الذي يعطي المثقف السياسي افضلية على كل أقرانه تماما كما ان هذا المزج المتوازن هو الذي يجعل المثقف ذا البعد السياسي متميزا عن اقرانه. فالعلاقة لا تعني ابدا ان تكون الثقافة هي اداة مبتذلة في يد السياسة ولا ان تكون السياسة هي ترداد فجّ لمقولات ثقافية مجردة. فالثقافة لها خصوصياتها ولها لغتها ولها وسائل تعبيرها ولها استقلاليتها بحيث اذا تخلت عن أي واحدة من هذه الامور تحولت الى ثقافة هابطة او الى لا ثقافة، وبالمقابل فان للسياسة تكتيكاتها واساليب عملها وملامستها العميقة للواقع فهي اذا خسرت هذه الميزات تصبح انتهازية فاضحة او مثالية خائنة.
* نلاحظ ان المخططات الامريكية والصهيونية باتت تمرر الى العقل العربي عبر العقل ذاته... عبر من يدعون انهم مثقفون ليبراليون... فهل فعلا نحن بحاجة اليوم الى مثقفين ليبراليين ام نحن بحاجة ملحة الى مثقف عضوي منغرس في اعماق واقعه؟
- اعتقد ان كل مثقف ينبغي ان يكون ليبراليا بدرجة او بأخرى خصوصا اذا كان المقصود بالليبرالية هو احترام الحرية واحترام الاخر وافساح المجال لكل الاراء ان تتفاعل وتتحاور في جو من الحرية الذي لا تنغصها أي قيود، ولكن الليبرالية باتت اليوم مدارس وصل بعضها الى حد اعتبار الاستنجاد بالاجنبي في مواجهة انظمة الاستبداد هو موقف ليبرالي فيما تكشف الاحداث مثلا ان هذا المنطق قد سقط مع التجربة العراقية ذاتها فعيب الليبرالي، في هذه الحالة، هنا ليس فقط في تنكره لوطنه ولأمته فحسب بل يكمن عيبه في انه كان ممرا عبرت فوقه دبابات الاحتلال لتقيم ابشع انواع الاستبداد واقصى انواع المجازر واشنع معسكرات التعذيب.
فهذه الليبرالية المراهنة على الاساطيل الخارجية والاباطيل الاستعمارية قد سقطت بمقياس الليبرالية نفسها حتى لا نقول انها سقطت بالمنطق القومي او الوطني او الانساني، ولعله من المفارقات المذهلة ان الكثير من الليبراليين الذين كانوا يملؤون وسائل الاعلام ضجيجا ضد النظام العراقي السابق للاحتلال بحجة استبداديته وديكتاتوريته نجدهم صامتين صمت القبور امام ما يرتكبه المحتل الامريكي وادواته وأعوانه من جرائم في حق الشعب العراقي.
ان هذا الصنف من المثقفين الليبراليين يقع هو الاخر في لعبة ازدواجية المعايير فيفقد مصداقيته ويتضح ان علاقته بالليبرالية لا تختلف عن علاقة الكثير من رافعي الشعارات البراقة، اما المثقف الملتزم بقضايا امته ومجتمعه فهو الليبرالي الحقيقي لانه يدرك ان استقلال الاوطان وحريتها هو المدخل الحقيقي للديمقراطية وحقوق الانسان فتعبير الليبرالية مشتق اساسا من كلمة ( Liberte') أي الحرية فكيف يكون ليبراليا من لا يكون مدافعا عن حرية وطنه وحرية شعبه؟!
أجيال وراء أجيال
لو كنت فرنسيا لمت في فرنسا... ولو كنت كنديا لمت في كندا... ولو كنت يابانيا لمت في اليابان... ولو كنت كوبيا لمت في كوبا... ولكن انا تونسي ومع ذلك لا أحب ولا أتمنى ان أموت في تونس!!!
«أنا» لا تعود عليّ أنا، وإنما هي ضمير ـ ليس حيا ـ يعود لعدد غير قليل من ابناء جلدتنا ولدوا وكبروا هنا وهم الان يكبرون وسيهرمون هناك... ولأكن واضحا فأنا أقصد عيّنة بذاتها من شباب تونس وشاباتها، هم تحديدا ابناء وبنات عدد كبير من «المناضلين» السياسيين والحقوقيين والنقابيين ـ أعرف أغلبهم ـ قاموا «بتهريب» ابنائهم وبناتهم الى الجامعات الغربية والامريكية ليواصلوا تعلمهم ويحصّلوا من الشهادات ما تيسّر لهم، ولهم في ذلك كل الحق، ولكن ما يحزّ في النفس ان العديد من أولئك «المناضلين» الذين صرفوا اعمارهم في السجون والسرية وفي الاعتصامات والمظاهرات من اجل تونس الحلم لأبنائهم وبناتهم وللجيل الذي سيبقى بعدهم، ترى أغلبهم يشجع ابنه أو ابنته على البقاء هناك وعدم التفكير في العودة الى تونس... تراهم يفاخرون ببقاء ابنائهم في باريس ونيويورك ومونتريال والمانيا وغيرها من العواصم ولا تسمعهم يتحدثون الا عن رفاهيتهم هناك وعن حريتهم هناك حتى أقنعوا أنفسهم بأن هذه البلاد ما عادت تصلح لهم وان مناخها أضيق من نشاطاتهم وطموحاتهم فلماذا يعودون؟ ولماذا يؤوبون؟!!
هنا أود أن أسألكم أنتم بالذات، لماذا ناضلتم ولا تزالون؟! لماذا صرفتم أعماركم في النقد والاصلاح وحتى في الحلم بالثورة؟! أليس من اجل ابناكم وبناتكم ومن اجل جيل كامل؟!! هل أفنيتم سنون حياتكم من اجل جيل منذور للهباء والشتات؟!! يا لنفاقكم وخيبتكم ايها المناضلون الثوريون؟!
وحدهم ممن تطلقون عليهم صفة «الشعبيون» يكدون هناك لأجل العودة هنا وبناء مشروع لصالح البلاد... وحدهم صادقون في حب هذه الارض... بل اني اعرف الكثير من الشباب الضائع هنا من «حرق» الى «طاليا» ليعود الى تونس ويبني مشروعا ينقذه من الضياع الذي كان فيه...
وحتى لا أتجنى على احد فاني بالمقابل اعرف عدد قليل جدا جدا من شبان وشابات تغربوا عن تونس وأصروا على العودة اليها بزادهم العلمي والمعرفي الذي حصلوها هناك ولكنهم ـ مع الاسف الشديد ـ يعدون على اصابع اليد...
لن أصف الجيل الذي تربيت على نضاليته بأنه امتهن النضال النخبوي والبورجوازي والفئوي... لن اصفه بذلك لأني بالاخير اظل احترمهم واحترم نفسي باعتباري ثمرة من ثماره... ولكن لست ادري كيف اصف وبماذا اصف صنفا اخطر من الاول من اولئك المناضلون السياسيون والنقابيون والحقوقيون (اقصد كل الحساسيات والاحزاب، حاكمة وتابعة ومعارضة) واقصد بالصنف الثاني عددا كبيرا من «المناضلين» الذين أفنوا اعمارهم في الانصهار في العائلات الحزبية او الحقوقية أو النقابية او المدنية ومع ذلك لم ينجحوا في تكوين عائلاتهم «الدموية» على المبادئ والقيم والشعارات التي رفعوها وآمنوا بها خارج عتبة بيوتهم ومنازلهم اذ نادرا ما تلتقي ابن او ابنة «مناضل» مهتم بالشأن السياسي او النقابي او الحقوقي... فالكل منصرف الى شأنه الخاص... وأي شأن... كرة، مقاهٍ... فضائيات!!!
«أنا» لا تعود عليّ أنا، وإنما هي ضمير ـ ليس حيا ـ يعود لعدد غير قليل من ابناء جلدتنا ولدوا وكبروا هنا وهم الان يكبرون وسيهرمون هناك... ولأكن واضحا فأنا أقصد عيّنة بذاتها من شباب تونس وشاباتها، هم تحديدا ابناء وبنات عدد كبير من «المناضلين» السياسيين والحقوقيين والنقابيين ـ أعرف أغلبهم ـ قاموا «بتهريب» ابنائهم وبناتهم الى الجامعات الغربية والامريكية ليواصلوا تعلمهم ويحصّلوا من الشهادات ما تيسّر لهم، ولهم في ذلك كل الحق، ولكن ما يحزّ في النفس ان العديد من أولئك «المناضلين» الذين صرفوا اعمارهم في السجون والسرية وفي الاعتصامات والمظاهرات من اجل تونس الحلم لأبنائهم وبناتهم وللجيل الذي سيبقى بعدهم، ترى أغلبهم يشجع ابنه أو ابنته على البقاء هناك وعدم التفكير في العودة الى تونس... تراهم يفاخرون ببقاء ابنائهم في باريس ونيويورك ومونتريال والمانيا وغيرها من العواصم ولا تسمعهم يتحدثون الا عن رفاهيتهم هناك وعن حريتهم هناك حتى أقنعوا أنفسهم بأن هذه البلاد ما عادت تصلح لهم وان مناخها أضيق من نشاطاتهم وطموحاتهم فلماذا يعودون؟ ولماذا يؤوبون؟!!
هنا أود أن أسألكم أنتم بالذات، لماذا ناضلتم ولا تزالون؟! لماذا صرفتم أعماركم في النقد والاصلاح وحتى في الحلم بالثورة؟! أليس من اجل ابناكم وبناتكم ومن اجل جيل كامل؟!! هل أفنيتم سنون حياتكم من اجل جيل منذور للهباء والشتات؟!! يا لنفاقكم وخيبتكم ايها المناضلون الثوريون؟!
وحدهم ممن تطلقون عليهم صفة «الشعبيون» يكدون هناك لأجل العودة هنا وبناء مشروع لصالح البلاد... وحدهم صادقون في حب هذه الارض... بل اني اعرف الكثير من الشباب الضائع هنا من «حرق» الى «طاليا» ليعود الى تونس ويبني مشروعا ينقذه من الضياع الذي كان فيه...
وحتى لا أتجنى على احد فاني بالمقابل اعرف عدد قليل جدا جدا من شبان وشابات تغربوا عن تونس وأصروا على العودة اليها بزادهم العلمي والمعرفي الذي حصلوها هناك ولكنهم ـ مع الاسف الشديد ـ يعدون على اصابع اليد...
لن أصف الجيل الذي تربيت على نضاليته بأنه امتهن النضال النخبوي والبورجوازي والفئوي... لن اصفه بذلك لأني بالاخير اظل احترمهم واحترم نفسي باعتباري ثمرة من ثماره... ولكن لست ادري كيف اصف وبماذا اصف صنفا اخطر من الاول من اولئك المناضلون السياسيون والنقابيون والحقوقيون (اقصد كل الحساسيات والاحزاب، حاكمة وتابعة ومعارضة) واقصد بالصنف الثاني عددا كبيرا من «المناضلين» الذين أفنوا اعمارهم في الانصهار في العائلات الحزبية او الحقوقية أو النقابية او المدنية ومع ذلك لم ينجحوا في تكوين عائلاتهم «الدموية» على المبادئ والقيم والشعارات التي رفعوها وآمنوا بها خارج عتبة بيوتهم ومنازلهم اذ نادرا ما تلتقي ابن او ابنة «مناضل» مهتم بالشأن السياسي او النقابي او الحقوقي... فالكل منصرف الى شأنه الخاص... وأي شأن... كرة، مقاهٍ... فضائيات!!!
2008/08/22
بيان حبري ضد الزمن الحربي

من السهل على الواحد منا – نحن السواد الأسود– أن يعثر على عتبة حبرية يشغل بها رأس المساحة الورقية المتبرجة أمام ناظريه، في فستانها الأبيض، ولكن من الصعب عليه أن يجد الوقت الكافي والضروري لفك أزرار الفستان البيضوي والولوج داخل أتون الورقة ومغاورها، فيصيّرها – بعد ساعة أو بعد أيام – حبلى بمتن لغوي نثري أو شعري...
من السهل على الواحد منا - نحن السواد الأسود – أن ينجح في لضم تركيب لغوي على قياس «لا الوقت لنا... ولا الكتابة أيضا» مثلما كانت تلضم بائعة الكبريت – في حكايا الجدات - دموعها عقدا من الزمرد والمرجان...
ببساطة، من السهل على الواحد منا أن يمسك بعنوان قصة قصيرة مثلا وهو يركض خبطا ولطما خلف ذيل حافلة صفراء عجوز. من السهل عليه ذلك، ولكن من الصعب جدا أن ينجح في الحفاظ على حبات الزمرد والمرجان لعقده اللغوي بمجرد أن يحشر داخل العلبة الحديدية الصفراء العجوز اللعينة، إذ تتبخر فكرة القصة مع الروائح العطنة وتبتلعها أحداق العيون المتوثبة على الجيوب والحقائب اليدوية لصبايا الطريق... ويداس المتن السردي بأحذية الركاب المعفرة بأوحال الأرصفة، وتثقب الفكرة بكعب حذاء يرزح تحت وطأة مائة كيلوغرام من لحم أنثوي مترهل...
يمكنك أن تحني ظهرك النحيل، كما قلمك ينحني سيلانا فوق دروب الورقة، يمكنك ذلك، فتمد ذراعك لتلتقط بأطراف أصابعك ما سقط من مرجل جمجمتك هذا الصباح فتجمع نثار المعني وشتات الفكرة وتستجمع ألق صباحك ذاك... فتنجو بجلدك المصهود بالأنفاس المحرقة وبمحفظتك المكتنزة وبفكرة قصتك القصيرة بما حوت من أبطال وأحداث ومكان وزمان وأزمة وانفراج...
تحضنهم جميعا وتهرول نطا وركضا من الباب الخلفي للحافلة الصفراء اللعينة باتجاه أول كرسي وطاولة لم ينخرهما سوس الثرثرة واللغو، فتلقي بجسدك فوق الكرسي وتبسط على خشب الطاولة عتبتك اللغوية لتشرع في رفع أوتاد خيمتك القصصية...
من السهل عليك وأنت - من السواد الأسود – أن تفتح محفظتك العتيقة وصدرك ينشرح لسيلان القهوة الدافئة والتبغ الموشح بالضباب في عروقك، فتكاد تصيّر عين قلمك الراقص بين أصابعك كأوتار كمنجة قرطبية، مثل فوهة بندقية، يطارد حبره وبر المفردات...
من السهل ذلك ولكن من الصعب عليك أن تكتب جملة واحدة في قصتك القصيرة تلك، وأنت مزدحم ب«صباح الخير» و«يومك سعيد» ومكتض بـ«كم الساعة من فضلك؟» أو«ولاعتك لو تسمح»... من الصعب أن تمسك بأول حروف قصتك وسط مقهى «l’univers» (٭)... من الصعب عليك ذلك وأنت محاصر بعقارب التوقيت الإداري وبسخط رئيس التحرير على تأخرك الدائم... من الصعب.... من الصعب...
ولكن من السهل عليك مرة أخرى، وأنت ضاج بأزرار الحواسيب الجامدة داخل مكاتب عملك الباردة، ومشغول بخطى الموظفين رائحة غادية تلوك الوقت والهراء كما يلوك الجمل الكلأ، سهل عليك أن تشحذ قلبك بمساء هادئ في غرفة نومك لتزهق روح متنك السردي اللعين، تشحذ قلبك بالتمني وتشرع في اختيار مطفأة السجائر الأوسع والقطع الموسيقية الأنسب، وتتوعد الانتظار والازدحام والخوف من السرقة... أعداؤك الدائمين المتربصين بك وبقصتك وسط الحافلة الصفراء العجوز اللعينة... تشحذ قلبك ولا تنتبه لغبطة موهومة إلا على هدير محرك الحافلة...
من الصعب إذن عليك، وأنت من السواد الأسود، أن تجد الوقت الكافي والضروري لكتابة مسودة قصة قصيرة طيلة يومك، ولكن من السهل عليك مادمت تصر وتلح على فعل الكتابة، أن تسلسل أحداث قصتك في ليل المدينة...
من السهل عليك أن تتخلص من محنتك الحبرية هذه وأنت محاط بالمطفأة الأوسع وقلبك يتلاشى تحت سطوة الموسيقى الصامتة وساقاك يرفلان في الدفء تحت صوف الغطاء الشتوي... من السهل أن تكتب على الورقة البيضاء من دون أنفاس حارقة ولا روائح عطنة أو كعاب ثاقبة... من السهل... من السهل...
ولكن من الصعب عليك أن تجهز على عتبة الخروج من قصتك هذه وصوت المذيع الأجش يخرم هدوء غرفتك ونقاء فكرتك، وهو يقدم للنظارة الكرام مجموعة قصصية حديثة النشر، هي السادسة لأستاذ جامعي في عقده الثامن...
تطفئ الضوء الخافت وتشعل سيجارة يابسة لتؤنس صمتك أمام ثرثرة المذيع والأستاذ القابعين داخل الصندوق الملون... فتتيقن – وأنت المنهك – أن لا وقت لك وللسواد الأسود إلا للنوم... فتسحب الغطاء الصوفي إلى آخر رأسك وتشرع في كتابة قصتك القصيرة حلما أو كابوسا في انتظار منبه الساعة الخامسة فجرا وهدير الحافلة الصفراء العجوز اللعينة و«صباح الخير»... وفي انتظار عتبة دخول حبرية أخرى لرأس ورقة البارحة تنتظرك لتفك أزرار فستان عرسها الأبيض...
*****************
(٭) اسم مقهى كائن بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية أغلب روادها من الشريحة المثقفة.
2008/08/20
إلى محمود درويش:
هكذا أقرأ يوميات الحزن الفلسطيني
«أحارب... أو لا أحارب؟
ليس هذا السّؤال
المهم أن تكون حنجرتي قويّة»
محمود درويش، الفلسطينيُّ المعتقلُ بالذّكريات داخلَ/خارجَ الوطن المُتكرّر في المذابح والأغاني... الفلسطينيُّ الذي مازال يفكُّ طلاسمَ هويّته المُوزّعة من مطار إلى مطار...
محمود درويش سيموتُ متّهما بالتّجريد وتزوير الوثائق والصور الشّمسيّة، وهو يُصرُّ على رسم شكلَ فلسطين المُبعثرة بين الملفات والمُفاجآت... المُتطايرة على شظايا القذائف وأجنحة العصافير... فلسطين المحاصرة بين الرّيح والخنجر...
اسمُ محمود درويش السّرّيُّ هو بالكامل «محمود درويش»، أمّا اسمه الأصليّ فقد انتزعته سياطُ الشُّرطة وصنوبر الكرمل عن لحمه... وتركت له هويّة تتكئ على الرّيح... وقامة تصقلها المسافات وتذاكرُ السّفر... وممرّاتٌ تحتشدُ بالفراغ... وهو لايزال إلى الآن يحاول أن يذكُر اسمه الأصليّ بلا أخطاء... ويفكّ الحروف والحركات عن اللّحم الحي...
ويحاول أن يكفَّ عن الكلام لكي يصف نفسه...
ومازال أيضا يستجدي فلسطينَ كي تُعلن براءته منها ليكفّ عن الموت... أو تُعلن انتهاء عَقْد الشغف بينهما ليُصبح قادرا على الموت والرّحيل...
«تَنْتَشرينَ في جسْمي كَالعَرَقْ
وتَنْتَشرينَ في جسْمي كَالشَّهْوَة
وتَحْتَلّينَ ذَاكرَتي كَالغُزَاة
وتَحْتَلّينَ دمَاغي كَالضَّوْء
مُوتي... لأَرْثيك
أوْ كُوني زَوْجَتي لأَعْرفَ الخيَانَةَ
مَرَّةً وَاحدَةً»
لم تمت فلسطين درويش... ولم تكن زوجة لمحمود... ورغم ذلك لايزال محمود درويش يشرحُ سُدًى للبوليس تهمة الخيانة الموصوفة التي ترجُم صوتهُ أنَّى ولَّى شعره... أو أين سرَّحَ شَعْرَهُ... لايزال يُدافع عن براءته من خيانة الصمت والمنفى والصّدى...
بين اتهام البوليس بالخيانة ودفاع درويش عن البراءة، طالت حالة احتضاره... وتكاثر من حوله المغنّون والخُطباء، ونبت على جثّته الشّعر والزُّعماء و»كل سماسرة اللّغة الوطنيّّة صفّقوا... صفّقوا... ولتعشْ حالة الإحتضار الطّويلة...مادام المطر يتساقط في الخارج بلا سبب... والقحط ينتشر في الداخل لأسباب كثيرة...»...
تطول حالة الإحتضار بمحمود درويش... وهو لايزال يتحفّز للموت على حافة الحلم كما يتحفّز الشّهيد للموت مرّة أخرى تاركًا لحمهُ مشاعًا للجنود كسطوح المنازل، ليظلّ أبدا صامدا في الهزيمة وعدوّهُ صامد في النّصر... ويواصل حياته كفلسطينيّ يُداعب الزّمن ويلاعبُ الأيّام...
«إنّي أَحْتَفلُ اليَوْمَ
بمُرُور يَوْم عَلَى اليَوْم السَّابق
وأَحْتَفلُ غَدًا
بمُرُور يَوْمَيْن عَلَى الأَمْس
ذكْرَى اليَوْم القَادم
وَهَكَذَا... أُوَاصلُ حَيَاتي»
طوال حالة الإحتضار ومحمود درويش يبحث عن هويّة لشعره فلا يجدها إلاّ عندما يُشاهد يَافَا فوق سطح باخرة، فيعلن ساعتئذ أنّه شاعرٌ كان و في الذّاكرة يبست القصيدة عندما تناهت موسيقى اللّحوم البشريّة، في يَافَا، إلى مسامع مواليد برج الحصار...
وكان درويش/الفلسطيني يرثُ السّلاسل ويمنح هويّته شكلها الطّبيعي : صوت يابسٌ كسارية العَلَم ويَدَيْن فارغتين كالنّشـيد الـوطنيّ وروحٌ منذورة لرغوة السّفن... وربطة عنق تلتفّ حول الرّقبة مثل حبل المشنقـة !!!...
هو ذا محمود درويش... هو ذا الفلسطينيُّ... يسقط من رحم فلسطينيّ ويُحشرُ في نفق «اسرائيليّ» ولكن هل تمتلك الطّفولة والولادة دعوى في المكان ؟
«لَيْسَ المَكَان الذي وُلدْتَ فيه هُوَ دَائمًا وَطَنُكَ،
إلاَّ إذَا كَانَتْ ولاَدَتُكَ جَمَاعيَّةً وَطَبيعيَّةً.
إذَا كَانَتْ الولاَدَةُ فَرْديّةٌ وَاصْطنَاعيّةٌ
فَإنَّ المَكَانَ يَكُونُ مُصَادَفَةً،
وَذَلكَ مَا يُشَكّلُ الفَرْقَ التَّاريخيَّ
بَيْنَ مَحْمُودَ وَيَسْرَائيلَ في مَكَان وَاحد الآنَ.
أَنْ يَتَنَاسَلَ غَُزاةٌ في أَرْض الآخَرينَ
لا يُؤَلّفُ حَقًا وَطَنيًّا لَهُمْ،
وَلَكنْ أَنْ يَتَنَاسَلَ شَعْبٌ في وَطَنه
هُوَ دَيْمُومَةُ الوَطَنيَّة وَشَرْعيَّتُهَا.»
من هذه الوطنيّة والشرعية ذاق محمود درويش طعم عكّا الأوّل : كلّما فتّش عن شيء لم يجده: أُمٌ عادت إلى البروة، حبيبة زُفّت لرجل آخر، وفقر ٌيُلاحقه... وزنزانةٌ وضابطٌ وَقحٌ عوضًا عن أرض وشعب... عكّا كانت آخر حدود العالم وأولى المحاولات والخيبة...
ودرويش لازال إلى الآن يبني فوق الرّمال ما تحملهُ الرّياح... لا قشّر البرتقال فوق طبق من ورق في مقاهي باريس... ولا ملك من الوقت وقتا ، في أقبية الأندلس، ليُسرّح وقته بين الكروم...
«أَيُّهاَ الظَّلاَمُ القَادمُ إلَى المَدينَة
انْهَمرْ... انْهَمرْ
لأَنّي أَعْتَزمُ اللَّيْلَةَ مُغَادَرَةَ وَجْهي الحَافل بالحُدُود
في اتّجَاه قَلْبي،
وَهْوَ المَدينَة الوَحيدَة التي لَمْ تَقَعْ في الأَسْر»
يُغادر درويش وجهه نحو قلبه ليُعلن قصّته والحرائق تنمو على زنبقة... يغادر ليُعلن صورته والصّنوبر ينمو على مشنقة... يعلن درويش قصّته وصورته بعد أن يسرق من جرح الشّهيد القطن ليُلمّع أوسمة الصّبر والإنتظار... لينهمر منه الحبر خلف جداول الدّم...
يُغادر درويش وجهه نحو قلبه بعد أن يتعلّم اللّغات الشّائعة... متاعب السّفر الطّويل... النّوم في القطارات البطيئة و السّريعة والحب في الميناء والغزل المُعد لكل النّساء والشّوق المُعلّب... يغادر وجهه نحو قلبه بعد أن يتعلّم تربية الأمل ومراسم الوداع...
يتعلم درويش كل ذلك ويفشل في نسيان فلسطين... إذ يتفتت وجه المدينة حصًى في اللغة... وتتوزّع شوارعها وأديرتها كنايات واستعارات في لغة درويش وأحرفا ونقطا...
لتطرّز حقول القمح... وتُزهر الورود فوق المقابر...
«إذَا انْفَجَرتْ منْ دمَائي قَصيدَه
تَصيرُ المَدينَةُ وَرْدًا،
كُنْتُ أمْتَشقُ الحُلُمَ منْ ضلّعهَا
وَأُحَاربُ نَفْسي...»
وتُفلس الحَواس على حدود القدس... وحدَها تظلُّ حاسة الدّم يانعة بين أصابع الفلسطيني الذي لا يكون إلاّ شهيدا أو شريدا، حَاملا لقبره بَدلا من خَريطة الأرض وأغَاني الوَطَن...
وتظلّ المُدُنُ اللّقيطة تتدحرجُ على بطن الهَزيمة كل صَباح... ومابَين صباحين يُولدُ صباح جديد للفلسطيني يسميه «الوطن»...
من تحت الأظافر يُولد، من بَين الأنامل تُورقُ كرومه... وفي كََف اليَد المُحترقة تعلو بذرة القمح أعلَََى وأعلى ... وبين المفاصل يُعصَر البرتقَال البرتقاليّ وفوق اللّحم الفلسطينيّ ينمو الزّيتون أخضرا... أخضَرا... ويمتزجُ الدّم مع الحبر فوق التراب/الورق... وتحت كل حجر يكتَََمل قمر. فلا تأتي إلاّ أسطورَة الفلسطيني ولا يَكون إلاّ العرس الفلسطيني حََزينا... حزينا... وللحُزن وجه الفرح في الجليل ويافا والكرمل وعكا والبروة و... ينام على شجر الذكريات ويصحو على وتر المعجزات...
ويُحاصرنا الفلسطيني قاتلا أو قتيلا...
ويجيؤنا درويش بلغة من رخََام وبرق... لغة له منها «وضوح الظل في المترادفات ودقة المعنى»... له منها «التشابه في كلام الأنبياء على سطوح اللّيل»... و»حمار الحكمة المنسيّ فوق التّل يسخر من خرافتها وواقعها»... لغة له منها «احتقان الرّمز بالأضداد... لا التجسيد يُرجعها من الذكرى ولا التجريد يرفعها إلى الإشراقة الكبرى»...
يجيؤنا درويش هنا، يجيؤنا من بلاد على أهبة الفجر إلى بلاد تجلس على صخرة تتنهّد... يجيؤنا من بلاد إلى بلاد ليُذكّرنا أن الحريّة حرّة تكون ويجيء ليُذكّرنا أن وطأة الزمان الفلسطيني لا يزال يتمطّط من حمأة المكان العربيّ...
«سَيَمْتَدُّ هَذَا الحصَارُ، حصَاريَ المَجَازيّ
حتّى أعلم نفسي زهْدَ التَّأَمّل :
مَا قَبْلَ نَفْسي ـ بَكَتْ سَوْسَنة
وَمَا بَعْدَ نَفْسي ـ بَكَتْ سَوْسَنة
وَالمَكَانُ يُحَمْلقُ في عَبَث الأَزْمنَة»
يتحجّر المكان في الزمان إلى الأبد.... يتخلّف الزّمان عن موعده في المكان... ويظلّ الفلسطينيُّ، الفلسطيني التّاريخي لا الجغرافي، يظل مُصابا بداء الأمل، يضع غزالا على مخدعه وهلالاً بين أصابعه ليُخفّف من حزنه...
يظل يربّي الأمل ويسبق كل «المتعاطفين» الذين يُعدّون له قبرا مريحا «يظلّله السنديان وشاهدة من رخام الزمن» يسبقهم ويُزغرد في «عطفهم الكلاميّ الغوغائي الخطابي... يُزغرد ويسألهم من مات ؟... لمن تحفرون هذا القبر ؟... وهذه الشاهدة على من تدلّ ...؟
يسألهم/يسألنا ويمضي نحو النعش يجرحُ خشبه بتهاني ابنه الذي وُلد من الطلقة التي أصابت الجندي الصهيوني... ومن القصيدة التي فجرت سيّارات الغُزاة مجازا وتورية... ومزّقت أوتار عازف الكمان اليهوديّ في مسرحيّة «شالوم عاليخم»... فالشّعر لا يمزح كما التّاريخ الذي سيذكر أن الموت في فلسطين مهنة الرّضيع والشّيخ... مهنة العروس والحبيبة...
في مهب التراب يرتوي اللّحم الفلسطيني وينمو الحزن الفلسطيني كل ثانية... وفي مهب الورق يرتحل محمود درويش في غموض الصور... يترنّح لغة في دوار البحر... وتطير به إلى مجهول الشِّعر الأبديّ من جهتين «أن تنظر وراءك توقظ سدوم المكان على خطيئته... وأن تنظر أمامك توقظ التاريخ... فأحذر لدغة الجهتين.»
وهل تجيء اللّدغة من الجهتين أم من الجهات المليون ؟! هل تأتي اللّدغة من رامبو أم من نيرودا؟! أم تجيء من يافا والقدس العتيق؟! هل يُلدغ من كرنفال الشعر وشهوة النّثر...؟! أنُلدغ من اتفاق أوسلو أم من حَمَّام دم حَمَّام الشَّط ؟!...
إنّنا نُلدغ أبدا من المقاومة الزّاحفة كغيمة مطر و من الحب وهو يُسوّر خطوتنا بـموعد النّرجس وتراتيل بحرية...؟!
حتما انّنا نُلدغُ من الحزن الفلسطيني الطّالع من هتاف الجماهير القادمة من فوهة البندقية والفرح...
إلى محمود درويش :
يدلّنا القلب دائما إلى ما لا ننتظر...
إلى حُمَّى القصائد...
«صَبــَاحَ الذي قيلَ
ليُعـَـادَ أجْمَلَ
تَمَّحي التَّقَاسيــمُ
وَيَبْقَى ابنَ مَنْظُور
فَرحًـــا
مُتَأبِّطًــا لسَانهُ السِّحـْـريَّ
تُرَاقصيـنَهُ
وَتَتَمَايلِينَ عَلَى شَفَتَيْ دَرْويشْ
المَجْـدُ لـهَذَا الدَّرْويش
كَيْفَ صَيَّـرَ الأسْمَــاءَ غُيُومًــا
ليَقْفزَ إليهَا مَتَى شَاءَ
المَجْدُ لَهُ، كلَّمَـا أمْطَرَت
ذَكَرْنَاهُ قَائلين :
هَلْ تُمْطرُ في يَــافَــا؟؟!!
وَهَلْ يَعُودُ البَحَّــارُ آمنًــا؟؟!!
وَقَضَى شعْرُهُ أنْ
نَحْملَ الجُرْحَ سَويًّــا
لنَبْكي قلاَعَنـَـا إذْ تَهـَـاوَتْ
نُقَعْـقعُ بالكَلمـَـات
وَنَسْــألُ :
صَبــَاح الصَّمْــت
أَمـَـا منْ أحـَـد
يَـرُدُّ السَّلاَمَ ؟
صَبـَـاحًــا
لاَ يَهُمُّ إنْ سَألْنَا :
«كَيْفَ تَكـُونُ البِدَايـََـاتُ ؟!»
يُســرى فَراوس
من مجموعة حُمّى القَصَائد
2008/08/15
مسرحية "خمسون" للجعايبي على مسرح قرطاج بتونس :

استنزاف الذاكرة لتوطين الجراح
* التاريخ: خمسون سنة على استقلال البلاد أو ما يشبه...
* المكان : على مرمى خطوات من أقبية وزنازين، وحانات ومقاه عجت ـ ولا تزال ـ بأحلام وآمال وأفكار وأجساد وبقايا أجساد...
* الحدث : أول عرض لمسرحية «خمسون» عن نص لجليلة بكار وإخراج للفاضل الجعايبي.
* الممثلون : جليلة بكار، فاطمة بن سعيدان، بسمة العشي، وفاء الطبوبي، لبنى مليكة، دنيا الدغماني، جمال مداني، معز المرابط، رياض الحمدي، خالد بوزيد، حسني العكريمي مع صوت فتحي العكاري.
* المشاهدون: خمسونيون، أربعينيون، ثلاثينيون، عشرينيون... مثقفون وأشباه، سياسيون ومتملقون، جيل مكرم وجيل مستهدف وما بينهما سوط وأعقاب سجائر... حقد وذغائن وتشف وندم وإصرار...متناقضات لا عد لها ولا حصر.
* إشارات بعيدة وقريبة:ـ استاذة شابة ومتحجبة تفجر نفسها وسط ساحة معهدها.
ـ طالبة عائدة من باريس حيث انتقلت من القناعات العلمانية الى اكتشاف الفكر الإسلامي تتورط مع شبان آخرين في عملية تفجير صديقتها.
ـ شرطة سياسية أخطبوطية تحقق
ـ أب مناضل يساري ينهار وأم حقوقية تحتار تبحث عن أسباب تحجب ابنتها وابتعادها عن قيم والديها.
ـ شباب تائه مرتمي في أحضان صناع حلم بائس.
ـ خمسون سنة تمضي.
ـ ماذا تأسس وماذا تقلص؟
ـ ماذا تحرر وماذا تفجر؟
ـ أفق مسدود أم رجة مرتقبة تنبئ بأمل جديد؟
يتفق الفيلسوف الألماني»ولتر بن يامين» والمنظر الفرنسي «لويس ألتوسير» على أن العمل الإبداعي يظل ناقصا ولا يكتمل إنتاجه إلا في عملية استهلاكه، وما تفضي إليه هذه العملية من علاقة جدلية (dialectique) بين البنيتين التحتية والفوقية في الإبداع ذاته، أي العلاقة بين الإبداع من حيث هو نتاج، ومن حيث هو إيديولوجيا. هذا الاتفاق يتجاوز نظرية «تيوفيل غوتييه» القائمة على مقولة «الفن للفن» (lصart pour lصart) ويقوضها تماما، ليؤكد على أنه لا وجود لفن خارج دائرة الايدولوجيا، وأن الايدولوجيا تتسرب وتنفذ الى المتقبل /المرسل إليه عبر التعبيرة الفنية ذاتها، وللإشارة فإن الايدولوجيا حسب تعريف «لوسيان غولد مان»«هي رؤية مشوهة لا جدلية ولا تاريخية لأنها تنبع من أوهام مركزية الأنا الأنانية» فلا تعيش الايدولوجيا إلا في ظل الصراعات مما يكسبها بعدا سوسيولوجيا ثقافيا عائما (flottant).
هذه العلاقة الملتبسة والمعقدة بين الرؤيتين الفنية والإيديولوجية، يمكن لأي عقل يشتغل على موضوعاته بفطنه وحدس نسبيين، ويمارس أسلوبه وفق قاعدة عقلانية وأرضية ابستيمية محض تخول له نقد/نقر المعنى في وجهه الأصيل وفق قراءة كاشفة (lecture décapante) لذاك الركام الهائل من الأسئلة ونقاط الاستفهام والاستنكار والتعجب التي تناثرت كالشظايا المنفلتة من الأحزمة الناسفة وسط المسرح البلدي، لتغور عميقا في ذاكرة الجيل المكرم في مسرحية «خمسون» للجعايبي وبكار من جهة، وراهن ومستقبل الجيل المستهدف من خلال الخطاب المسرحي الذي قدمته مسرحية خمسون من جهة ثانية.
* نص غير بريء...أسئلة وأسئلة وأسئلة لا توصل إلا الى هذيان محموم، وإرباك معرفي، ولا تماسك أنطولوجي... أسئلة مدوية بحجم الانفجار المدمر، والمقوض لكل بناء مهزوز من الداخل... أعواد ثقاب حارقة تلقى هنا وهناك، لتشعل حرائق قادمة من رماد خمسين سنة مثخنة بخسارات، وخيبات، وانكسارات، واحباطات، توسدها جيل وأكثر: يوسفيون، جماعة العامل التونسي، ترتسكيون، ماويون، وطنيون، شعلة، أحزاب سرية وأخرى علنية، نقابيون شرعيون وآخرون منشقون، أصوليون ومتطرفون... إخوان ورفاق...
ديمقراطيون وليبراليون وشيوعيون ومسلمون... في تغييب لحركة فيفري وحركة آفاق... وأحداث الخبز... وغيرها من الاحداث الفارقة في تاريخ البلاد...
ذاكرة أجساد وبقايا أجساد: ذاكرة شاعر وسياسي وقواد ونادل وحقوقي وتقدمية وعاهرة وروائي وطالب وطالبة وبوليس ومرشد... حركات وحلقات ونقاشات وخلايا ومناشير ومؤامرات وذكْرٌ وصلوات ومجالس وعظ وارشاد... تكتيك وإستراتيجية وتحالف الضد بالضد... آمال وأحلام.... جميعها انفرطت مثل حبات عقد أميرة من الزمن الغابر، فأججت وأضرمت لدى ذاك الجمهور «النوعي» الذي حضر أول عرض لآخر انتاجات «فاميليا « مسرحية «خمسون» أو «أجساد رهينة»، والذي ألفى نفسه مورطا من حيث يعلم ولا يعلم في أحداث صنعتها خطاه هو وجسده هو وفكره هو طيلة ما يربو عن نصف قرن كامل من تاريخ تونس الحديثة... تاريخ بلد الحبيب والغريب...
«خمسون» الفاضل الجعايبي وجليلة بكار أكدت، بشكل أو بآخر، ما سبق أن حدده الفيلسوف ميشال فوكو ضمن كتابه»المعرفة والسلطة» من أن «التاريخية التي تجرفنا وتحددنا، هي تاريخية حربية لا لغوية، والعلاقة علاقة سلطة لا معنى»، فصراع الأضداد، أو صراع الهويات، الهويات الرسمية المصلوبة في أزيائها الرسمية والهويات المتمردة المارقة عن الأطر والأسيجة الحديدية والدوغمائية، هو العمود الذي تراكمت فوقه خمسون سنة من تاريخ النضال والقمع، من تاريخ السياسة والثقافة من جهة، وتاريخ الاستبداد والجهل من جهة مقابلة وفق عملية تبادل رمزية (La valeur dصéchange symbolique) تارة تأخذ شكل المهادنة والمخاتلة أو المسايرة، وطورا آخر تشتد حدة القمع والردع والنضال والاستبسال من كلا القوتين، ليظل، حسب الجعايبي وبكار، الجلاد هو الراقص فوق الجثث المشلولة أو المعطوبة الأحلام والقوى دائما وأبدا حتى فوق خشبة المسرح، انه «قدّور» القادر والمقتدر في كل آن وأوان وفي كل ركن وزاوية، والقامع هو المنتصر... فحتى لعبة الضوء المعتمدة فوق الركح، ذاك الركح الخالي من أي ديكور أو تزويق في إشارة راشحة الى الخلاء المعمم، تعلن عن طبيعة العلاقة أو النظرة القائمة بين القامع والمقموع من جهة، وبين المكرم والمستهدف من جهة ثانية، فالضوء في مسرحية «خمسون» دائما ما يٌرسل بطريقة عمودية (ثلاثية أو ثنائية أو أحادية) ونادرا جدا ما يٌستخدم بطريقة أفقية.
* هل نتحمّل وزر هزائمكم ؟«خمسون» اجترحت بما فيه الكفاية وأكثر، أسئلة ونقاط استفهام وتعجب واستنكار، لم تترك المجال لجيل ما بعد نصف قرن من «الاستقلال»، إلا أن يرفع شعارا واضحا وقاطعا وصارما :» أيها الأساتذة إن شيخوختكم توازي شيخوخة ثقافتكم....» شعار لا أخال أن الجعايبي وبكار ورفاق درب الخمسين سنة الماضية، لم يسمعوا به أبدا، لأنهم رفعوه هم أيضا إبان اشتعال جذوة التمرد داخل أسوار جامعة السربون في ماي 1968 .
الجيل القابل للتحول من ضفة لأخرى... والانتقال من فكر الجدل والمادة (بطلة المسرحية التي فجرت نفسها أستاذة فيزياء) الى تهويم اللاهوت والميتافيزيقا بمجرد أن تطأ قدما شارون عتبة مسجد الأقصى، هو ذاته وعينه الذي أنجز مسرحية «خمسون»: بسمة، لبنى، دنيا، جمال، معز، رياض، خالد، حسني... وهو الذي ملأ نصف المسرح البلدي ولا يزال... كيف يمكن لتاريخ من تمرس بآليات التحليل المادي الجدلي والذي آمن بالديالكتيك وبأن الصراع أبو الأشياء، أن يقدم طرحا ميكانيكيا بسيطا يفتقد لأي مبرر منهجي أو مسوغ منطقي؟ كيف تتحول أستاذة فيزياء ماركسية ابنة ماركسي وحقوقية في ظرف أربعين يوما الى كائن متطرف في التفكير والفعل...أهي أيام العدة والإنقلاب الإيديولوجي في عرف «الكبار»؟!!!
أي أفق كان ؟ وأي مستقبل سيأتي ؟ من هي الجماعات الضاغطة ومن هي الجماعات المضغوط عليها ؟ هل الانفجار لا يكون إلا باسم الإسلام تحديدا وليس باسم الدين عمومـا ؟ هل يمكن أن تتراجع الروح الرفاقية أمام المد الاخواني وتسقط أمام بعض الأشعار الصوفية ؟ هل الثقافة لا تقدم إلا في الجبة الفلكلورية ؟ هل الخطاب الأصولي هو شجرة المنتهى ومصير من فاتهم أن يكونوا خمسينيون ؟
إن متواليات العبث والعبثية، والسواد والسوداوية التي صارت تطوقنا من كل المنافذ والجهات، في المعاهد والجامعات... في المقاهي والحانات... في مكاتب العمل وعلى أرصفة الشوارع... أمام شاشات التلفزات الملونة والمسطحة... على أعمدة الصحف والمجلات... كلها وغيرها كافية لأن تجعل الكائنات المترنحة تتورط في خطابها والانجراف في تيارها... ولكنها غير مبررة لأن تجعل البديل الفني والفكري يسقط في براثينها ويكرر مقولاتها من حيث يعلم ولا يعلم، حتى وان كان الخطاب خطاب تذكر لا خطاب استشراف...
هي ذي اضمامة أسئلة ونقاط استفهام وتعجّب أولى تقفز عشوائيا ودون ترتيب منهجي، بعد أوّل مشاهدة لـ»خمسون»، وحتما ستتناسل عنها أسئلة ونقاط أخرى، كتلك التي تجول الآن لدى كل من شاهد العرض، سواء من «شيوخ» الجيل السابق أو من «شباب» الجيل الراهن...
2008/08/04
ريحة البلاد
لا أخال تونسية واحدة أو تونسيا واحدا، كبيرا كان أم صغيرا، يمكنه أن يتوه عن رائحة البلاد في جهاتها الأربع... رائحة الفل والياسمين تعبق في ضواحي العاصمة، رائحة السمك تتماوج على الموانئ، رائحة المواد الكيمياوية تخنق السماء في المناطق الصناعية والمنجمية، رائحة الحشائش تسري في الصدور على المرتفعات والجبال... رائحة البنزين في الطرقات السيارة وغير السيارة... رائحة الكتب القديمة، رائحة البن والخبز... وطحالب البحر وروائح العرق تسقي الأراضي الفلاحية...
روائحنا التي ننام ونصحو عليها... روائحنا التي كبرت معها حواسنا وصارت ألصق بنا من جلدتنا... نحب بعضا منها، نتقزز من أخرى ونشتهي البعض الآخر من تشكيلة الروائح التونسية الخالصة...
كل هذه الروائح وغيرها مما نسيت أو تجاهلت، كلها تعنيني وأحبها أكثر حتى من «باتريك زوسكيند» في روايته «العطر»... ومن دون استثناء فقد بتُ أكره وأمقت أغنية الراحل محمد الجموسي «ريحة البلاد» التي أصبحت النشيد الرسمي لمهاجرينا وعمالنا بالخارج... الكل في المطارات والموانئ التونسية يرفعها شعارا للتعبير عن شوقهم لتراب تونس ورائحتها... وأنا لا أتعارض مع أحاسيسهم تلك لأنني عشتها بالفعل وأعرف ما معنى غربة وسفرا وغيابا...
ولكن، يا عمالنا المهاجرين ويا من تدرّون العملة الصعبة ويا من عرفتم وشاهدتم تفاصيل الحضارة والحداثة... رفقا بنا عندما تؤوبون لأرضكم تقضون فيها اشهرا أو أياما معدودة... رفقا بشواطئنا وطرقاتنا... رفقا برائحتنا التونسية التي صارت تتبخر كلما عدتم... تتبخر بفعل استهتاركم في طرقاتنا... بفعل تفاخركم وتباهيكم المبالغ فيه واللامبرر... رفقا بشبابنا الذي تحرضونه ـ من حيث لا تقصدون ربما ـ على ركوب قوارب الموت... رفقا بجيوبنا تخرّبونها كل صائفة بالأورو... رفقا بأنفسكم فلن تسكنها الا الرائحة التونسية على عطنها ودبقها...
روائحنا التي ننام ونصحو عليها... روائحنا التي كبرت معها حواسنا وصارت ألصق بنا من جلدتنا... نحب بعضا منها، نتقزز من أخرى ونشتهي البعض الآخر من تشكيلة الروائح التونسية الخالصة...
كل هذه الروائح وغيرها مما نسيت أو تجاهلت، كلها تعنيني وأحبها أكثر حتى من «باتريك زوسكيند» في روايته «العطر»... ومن دون استثناء فقد بتُ أكره وأمقت أغنية الراحل محمد الجموسي «ريحة البلاد» التي أصبحت النشيد الرسمي لمهاجرينا وعمالنا بالخارج... الكل في المطارات والموانئ التونسية يرفعها شعارا للتعبير عن شوقهم لتراب تونس ورائحتها... وأنا لا أتعارض مع أحاسيسهم تلك لأنني عشتها بالفعل وأعرف ما معنى غربة وسفرا وغيابا...
ولكن، يا عمالنا المهاجرين ويا من تدرّون العملة الصعبة ويا من عرفتم وشاهدتم تفاصيل الحضارة والحداثة... رفقا بنا عندما تؤوبون لأرضكم تقضون فيها اشهرا أو أياما معدودة... رفقا بشواطئنا وطرقاتنا... رفقا برائحتنا التونسية التي صارت تتبخر كلما عدتم... تتبخر بفعل استهتاركم في طرقاتنا... بفعل تفاخركم وتباهيكم المبالغ فيه واللامبرر... رفقا بشبابنا الذي تحرضونه ـ من حيث لا تقصدون ربما ـ على ركوب قوارب الموت... رفقا بجيوبنا تخرّبونها كل صائفة بالأورو... رفقا بأنفسكم فلن تسكنها الا الرائحة التونسية على عطنها ودبقها...
2008/07/30
جيل الهباء
لو كنت فرنسيا لمت في فرنسا... ولو كنت كنديا لمت في كندا... ولو كنت يابانيا لمت في اليابان... ولو كنت كوبيا لمت في كوبا... ولكن انا تونسي ومع ذلك لا أحب ولا أتمنى ان أموت في تونس!!!
«أنا» لا تعود عليّ أنا، وإنما هي ضمير ـ ليس حيا ـ يعود لعدد غير قليل من ابناء جلدتنا ولدوا وكبروا هنا وهم الان يكبرون وسيهرمون هناك... ولأكن واضحا فأنا أقصد عيّنة بذاتها من شباب تونس وشاباتها، هم تحديدا ابناء وبنات عدد كبير من «المناضلين» السياسيين والحقوقيين والنقابيين ـ أعرف أغلبهم ـ قاموا «بتهريب» ابنائهم وبناتهم الى الجامعات الغربية والامريكية ليواصلوا تعلمهم ويحصّلوا من الشهادات ما تيسّر لهم، ولهم في ذلك كل الحق، ولكن ما يحزّ في النفس ان العديد من أولئك «المناضلين» الذين صرفوا اعمارهم في السجون والسرية وفي الاعتصامات والمظاهرات من اجل تونس الحلم لأبنائهم وبناتهم وللجيل الذي سيبقى بعدهم، ترى أغلبهم يشجع ابنه أو ابنته على البقاء هناك وعدم التفكير في العودة الى تونس... تراهم يفاخرون ببقاء ابنائهم في باريس ونيويورك ومونتريال والمانيا وغيرها من العواصم ولا تسمعهم يتحدثون الا عن رفاهيتهم هناك وعن حريتهم هناك حتى أقنعوا أنفسهم بأن هذه البلاد ما عادت تصلح لهم وان مناخها أضيق من نشاطاتهم وطموحاتهم فلماذا يعودون؟ ولماذا يؤوبون؟!!
هنا أود أن أسألكم أنتم بالذات، لماذا ناضلتم ولا تزالون؟! لماذا صرفتم أعماركم في النقد والاصلاح وحتى في الحلم بالثورة؟! أليس من اجل ابناكم وبناتكم ومن اجل جيل كامل؟!! هل أفنيتم سنون حياتكم من اجل جيل منذور للهباء والشتات؟!! يا لنفاقكم وخيبتكم ايها المناضلون الثوريون؟!
وحدهم ممن تطلقون عليهم صفة «الشعبيون» يكدون هناك لأجل العودة هنا وبناء مشروع لصالح البلاد... وحدهم صادقون في حب هذه الارض... بل اني اعرف الكثير من الشباب الضائع هنا من «حرق» الى «طاليا» ليعود الى تونس ويبني مشروعا ينقذه من الضياع الذي كان فيه...
وحتى لا أتجنى على احد فاني بالمقابل اعرف عدد قليل جدا جدا من شبان وشابات تغربوا عن تونس وأصروا على العودة اليها بزادهم العلمي والمعرفي الذي حصلوها هناك ولكنهم ـ مع الاسف الشديد ـ يعدون على اصابع اليد...
لن أصف الجيل الذي تربيت على نضاليته بأنه امتهن النضال النخبوي والبورجوازي والفئوي... لن اصفه بذلك لأني بالاخير اظل احترمهم واحترم نفسي باعتباري ثمرة من ثماره... ولكن لست ادري كيف اصف وبماذا اصف صنفا اخطر من الاول من اولئك المناضلون السياسيون والنقابيون والحقوقيون (اقصد كل الحساسيات والاحزاب، حاكمة وتابعة ومعارضة) واقصد بالصنف الثاني عددا كبيرا من «المناضلين» الذين أفنوا اعمارهم في الانصهار في العائلات الحزبية او الحقوقية أو النقابية او المدنية ومع ذلك لم ينجحوا في تكوين عائلاتهم «الدموية» على المبادئ والقيم والشعارات التي رفعوها وآمنوا بها خارج عتبة بيوتهم ومنازلهم اذ نادرا ما تلتقي ابن او ابنة «مناضل» مهتم بالشأن السياسي او النقابي او الحقوقي... فالكل منصرف الى شأنه الخاص... وأي شأن... كرة، مقاهٍ... فضائيات!!!
«أنا» لا تعود عليّ أنا، وإنما هي ضمير ـ ليس حيا ـ يعود لعدد غير قليل من ابناء جلدتنا ولدوا وكبروا هنا وهم الان يكبرون وسيهرمون هناك... ولأكن واضحا فأنا أقصد عيّنة بذاتها من شباب تونس وشاباتها، هم تحديدا ابناء وبنات عدد كبير من «المناضلين» السياسيين والحقوقيين والنقابيين ـ أعرف أغلبهم ـ قاموا «بتهريب» ابنائهم وبناتهم الى الجامعات الغربية والامريكية ليواصلوا تعلمهم ويحصّلوا من الشهادات ما تيسّر لهم، ولهم في ذلك كل الحق، ولكن ما يحزّ في النفس ان العديد من أولئك «المناضلين» الذين صرفوا اعمارهم في السجون والسرية وفي الاعتصامات والمظاهرات من اجل تونس الحلم لأبنائهم وبناتهم وللجيل الذي سيبقى بعدهم، ترى أغلبهم يشجع ابنه أو ابنته على البقاء هناك وعدم التفكير في العودة الى تونس... تراهم يفاخرون ببقاء ابنائهم في باريس ونيويورك ومونتريال والمانيا وغيرها من العواصم ولا تسمعهم يتحدثون الا عن رفاهيتهم هناك وعن حريتهم هناك حتى أقنعوا أنفسهم بأن هذه البلاد ما عادت تصلح لهم وان مناخها أضيق من نشاطاتهم وطموحاتهم فلماذا يعودون؟ ولماذا يؤوبون؟!!
هنا أود أن أسألكم أنتم بالذات، لماذا ناضلتم ولا تزالون؟! لماذا صرفتم أعماركم في النقد والاصلاح وحتى في الحلم بالثورة؟! أليس من اجل ابناكم وبناتكم ومن اجل جيل كامل؟!! هل أفنيتم سنون حياتكم من اجل جيل منذور للهباء والشتات؟!! يا لنفاقكم وخيبتكم ايها المناضلون الثوريون؟!
وحدهم ممن تطلقون عليهم صفة «الشعبيون» يكدون هناك لأجل العودة هنا وبناء مشروع لصالح البلاد... وحدهم صادقون في حب هذه الارض... بل اني اعرف الكثير من الشباب الضائع هنا من «حرق» الى «طاليا» ليعود الى تونس ويبني مشروعا ينقذه من الضياع الذي كان فيه...
وحتى لا أتجنى على احد فاني بالمقابل اعرف عدد قليل جدا جدا من شبان وشابات تغربوا عن تونس وأصروا على العودة اليها بزادهم العلمي والمعرفي الذي حصلوها هناك ولكنهم ـ مع الاسف الشديد ـ يعدون على اصابع اليد...
لن أصف الجيل الذي تربيت على نضاليته بأنه امتهن النضال النخبوي والبورجوازي والفئوي... لن اصفه بذلك لأني بالاخير اظل احترمهم واحترم نفسي باعتباري ثمرة من ثماره... ولكن لست ادري كيف اصف وبماذا اصف صنفا اخطر من الاول من اولئك المناضلون السياسيون والنقابيون والحقوقيون (اقصد كل الحساسيات والاحزاب، حاكمة وتابعة ومعارضة) واقصد بالصنف الثاني عددا كبيرا من «المناضلين» الذين أفنوا اعمارهم في الانصهار في العائلات الحزبية او الحقوقية أو النقابية او المدنية ومع ذلك لم ينجحوا في تكوين عائلاتهم «الدموية» على المبادئ والقيم والشعارات التي رفعوها وآمنوا بها خارج عتبة بيوتهم ومنازلهم اذ نادرا ما تلتقي ابن او ابنة «مناضل» مهتم بالشأن السياسي او النقابي او الحقوقي... فالكل منصرف الى شأنه الخاص... وأي شأن... كرة، مقاهٍ... فضائيات!!!
2008/07/15
كأني اشبه ظلكم
إذا رأينا شرطيا يقود مجرما إلى السجن
فلنتريث لكي نعرف من هو الشرطي ومن هو المجرم
جبران خليل جبران
عاد هيثم إلى الهذيان من جديد
كان صوته يأتي من بعيد, من أعماقه, وهو يصيح وينادي دون توقف " كل شيء بخمسمايا. فرصة وربي فرصة". عندما ركله الشرطي بحذائه ركلتين متتاليتين بعنف على بطنه استفاق مذعورا وتذكر أنه موقوف منذ ساعتين في مركز الشرطة. تماسك قليلا. استوى على الكرسي الخشبي, وبدأت أنفاسه تنتظم شيئا فشيئا وعندما رفع يديه ليمسح العرق المتصبب من جبينه, أحس بسائل ساخن متخثر تحت أذنه اليسرى. مرر أصابعه بحذر فوق السائل المنساب على عنقه فاختلط الدم المتخثر بالعرق وببعض الأوساخ المتجمعة فوقها من جراء الغبار الذي أحدثته عجلات السيارات وأرجل المارة أين كان يعرض بضاعته فوق " كردونة " في نهج الدباغين.
تذكر البضاعة. أين هي ؟ وتذكر الأموال التي استدانتها أمه من صاحب المصنع الكبير, الذي تشتغل في بيته غسالة, من أين سيرجعها ؟ وهو الذي وعد أمه أنه سيأتيها في المساء بالسلفة ومعها بعض الخضار والدواء لعينها, الذي انتهى منذ شهر وأيضا سيعطيها ثمن قارورة الغاز مثلما اتفق معها ليلة البارحة.
عندما كان يتذكر ما حصل له قبل ساعتين حينما هجمت سيارة "الحاكم" الزرقاء على الباعة المنتصبين شمالا ويمينا فوق الأرصفة المهترئة في نهج الدباغين, وفرقتهم يمينا وشمالا وهم يهرولون ويركضون باتجاه الأزقة والمنافذ ويختبئون داخل الدكاكين والمقاهي, بعضهم يحضن ما تبقى معه من بضاعته التي تبعثرت وسط النهج, والبعض الآخر يحمل "كردونته" بكلتا يديه ويحاذر في الجري بها وسط الجموع المتراكضة, خوفا من سقوطها, وآخرون لم يحملوا شيئا لشدة رعبهم وذهولهم من الطريقة المباغتة لهجمة الحاكم.
كان لفيف منهم يتتبع حركة صديقهم هيثم وهو يتهاوى على مؤخرة رأسه ويسقط فوق بضاعته التي تكسرت تحته وتحت أحذية رجال "الحاكم". كان البعض ينظر إلى المشهد وهو يلعن الحاكم وأبو الحاكم. وكان البعض الآخر ينظر باشمئزاز وقرف شديدين لقسوة هؤلاء "البشر". وهناك في الركن القصي لمقهى الدباغين تسمر صبيان يتداولان على عقب سيجارة وهما ينظران بشماتة لما يحدث لصديقهم هيثم لأنه سبقهم إلى المكان الذي رغبا الانتصاب به صباحا.
عندما كان يتذكر كل هذه المشاهد فاجأه صوت الشرطي الجالس فوق الطاولة وهو يضع ساقيه فوق الكرسي المحاذي لها. سأله بصوت غليظ من أين أتيت بالبضاعة يا ابن الزانية ؟
قفزت مباشرة إلى ذهن هيثم صورة أمه وهي جاثمة على ركبتيها, محنية الظهر , وسط فيلا الحاج إسماعيل, تمسح القاعة الفسيحة تارة وطورا تحك الجدران العالية. تذكر حالتها هذه وأجاب متلعثما بصوت مبحاح لكثرة صياحه في نهج الدباغين
اشتريت البضاعة بعرق أمي. بصبرها وشقائها وقلة نظرها. لقد باعت قوتها, كل قوتها, من أجل أن أشتري البضاعة
رفع الشرطي إحدى ساقيه من على الكرسي وضغط بها على بطن الصبي الفارغة ثم أمسكه بكلتا يديه من شعره الملبد وصاح في وجهه فتناثر بصاقه على عيني هيثم وأنفه قلت لك من أين أتيت بالبضاعة يا سارق يا ابن السارقة ؟
أنا لم أسرق أحدا. أنا لست سارقا, لقد اشتريت البضاعة من عند... من عند...
تلعثم هيثم ثانية وارتبك ثم صمت تماما وأغمض عينيه. نزل الشرطي البدين من فوق الطاولة واتجه صوب الباب. أغلقه بعنف ثم عاد إلى هيثم وصفعه صفعتين قويتين وبصق في وجهه الشاحب ملئ فمه.
_ من عند من ؟ انطق و إلا سأقطع لك هذا اللسان. وأمسكه من شدقيه بشدة ثم دفعه إلى الخلف بعنف.
كان هيثم كثيرا ما يسمع من عند أصدقائه الباعة في نهج الدباغين, عن غلظة "رجال الحاكم" وقسوتهم ووحشية معاملتهم. كما حدثه بذلك رفيقه الطالب سامي الذي تعرف عليه أيضا في نفس النهج, حيث كان يأتي كل يومين تقريبا رفقة بعض الطلبة, من كليات مختلفة أين يجلسون الساعات الطوال في مقهى النهج, وقد تطورت علاقة هيثم بسامي خاصة بعدما قدم الصبي ذات مرة للطالب نظارات شمسية دون مقابل لما اشترى من عنده ولاعة وعلبة سجائر مستوردة (مندية) وأجندة وحاملة مفاتيح وحافظة أوراق دفعة واحدة, فكان كل مرة يمر بالدباغين يعرج على نصبة هيثم وفي بعض الأحيان عندما يكون مفلسا يستلف من عنده ثمن كأس شاي أو ثمن بعض السجائر, ثم بدأ يعطيه كل مرة كتابا يقرأه أو مجلة يطالعها, عادة ما تكون سياسية أو أدبية, ثم بدأ يصطحبه بانتظام مرة كل أسبوع إلى بيته بباب الخضراء, حيث يطلعه على عدة كتيبات وصحف لم يسمع بها من قبل وأوراق... و كانت في بادئ الأمر تخيف الصبي ثم بدأ يتعود عليها فيما بعد لإحساسه أنها تتحدث عنه هو بالذات وعن أصدقائه الباعة بل وحتى عن أمه وأمثالها دون نفاق أو كذب, حتى أنه أصبح ينتظر بلهفة وبشغف كبيرين يوم يرافق سامي إلى بيته لعلمه أن هناك خبرا جديدا أو فضيحة أخرى سيطلع عليها.
ويذكر هيثم أن سامي سلمه مرة كراسا صغير الحجم من دون عنوان وقال له أن ذاك الكراس سيعلمه كيف يتعامل مع أسئلة "الحاكم" وكيف يحسن الجواب حين يقع في قبضتهم. ولكن هيثم في وضعه هذا, والدم ينزف منه ويختلط بالعرق والدموع والمخاط, كيف له أن يستحضر تلك القواعد التي قرأها ؟وهل فعلا ستنقذه من هذا الموقف ومن هذا الوضع المزري ؟ ألن تزيد الأمر سوءا وتعقيدا ؟ألن يتفطن الشرطي إلى طريقة إجابته ويشك في أمره فيضاعف عقابه ويضع رفيقه في ورطة ؟.
ماذا سأفعل ؟ كيف سأجيب هذا البدين, عديم الشفقة والرحمة ؟ ولكن ماذا لو قلت له الحقيقة كاملة, هل سيصدقني ويطلق سراحي ويعيد لي بضاعتي ؟ ... لا. لا تهم البضاعة, المهم سراحي قبل أن ينزل الليل وأتأخر عن أمي... لا يهم ثمن البضاعة, المهم سراحي, ستتوسل أمي للحاج إسماعيل لكي يخصم لها السلفة من مرتبها البائس, أو ستقترح عليه أن تشتغل عند ابنته في الليل بعد أن تنهي شغلها في الفيلا الكبيرة, لا يهم ستتعب أكثر ويزداد ظهرها تقوسا وستهترئ أصابعها من رغوة الصابون... لا يهم سوف أعوضها عن كل شقاء ومهانة تلحقها مني ومن هذه الأيام الزانية... سأتدبر أمري ثانية... سأستلف وحدي من عند سامي أو من عند أحد الأصدقاء من نهج الدباغين أشتري لها الدواء والخضار وقارورة الغاز وسأشتري لها أيضا قرطاس حنة لتزين بها أصابع قدميها ويديها. أعرفها إنها تحب الحناء كثيرا. إنها تذكرها بليالي الحب الخضراء مع أبي رحمة الله عليه...
لا يهم الثمن الآن, المهم سراحي وعودتي إلى بيتي.
أشعل الشرطي سيجارة جديدة ونفث دخانها نحو السقف, ملقيا عود الثقاب المشتعل في وجه الصبي, وصرخ فيه بأعلى صوته
_ من عند من اشتريت البضاعة يا قذر ؟.
وضع هيثم يده على رقبته المتسخة وكاد يقول للشرطي أنا لست قذرا. أنت القذر, بل أنت خنزير متعفن ولكنه تمتم بصوت خفيض متقطع
الحقيقة. الحقيقة اشتريتها من عند شرطي يشتغل في الميناء , وهو يسكن قريبا من حينا, تعرفت عليه مرة عندما أعنته على إغلاق باب المستودع الذي اكتراه من عند عم سالم منذ سبعة أشهر ليضع فيه بعض الأدباش المستعملة والأشياء القديمة مثلما قال.
عقد الشرطي حاجبيه وزم شفتيه وبدا, لهيثم, وكأنه يبتسم خلسة ثم أدار كرسيه إلى الحائط ربما ليستر ضحكته أو لينتشي بها بعيدا عن عينيه. زم شفتيه وقال له وهو لا يزال يدير ظهره إلى الحائط
عم سالم شنيب جزار حي السلام الذي يبيع لحم الحصان والحمير ؟ ثم ضحك هذه المرة بصوت مسموع.
ارتبك هيثم وتلعثم وهو يتذكر عم سالم الجزار وشنبه الطويل المفتول بدقة وبطنه المنتفخة تحت قميصه المبقع بالدم والمزرر حتى نصفه الفوقي دائما, صيفا وشتاءا, وتذكر أيضا صبيحة, تلك المرأة المطلقة... صبيحة التي كان لا يمارس عادته السرية إلا وهو يستحضر صورة مؤخرتها الرجراجة ونهديها المنتصبين دائما رغم تقدمها في السن... صبيحة التي كانت تشتري اللحم من عند الجزار أكثر من الأستاذ خالد مدرس العربية بمعهد الحي ورغم أن هذا الأخير يقدم دروس تدارك لأبناء الميسورين في بيوتهم ليلا وأيام الآحاد وفي العطل, فإن صبيحة المطلقة تشتري اللحم أكثر منه. لقد كانت كثيرة الضحك مع عم سالم ويبدو أنها كانت سخية عليه بلحمها الأبيض مثلما هو سخي معها باللحم الأحمر, لحم الحمير والأحصنة.
تذكر هيثم الجزار وبدا و كأنه يسأل نفسه : من أين يعرف هذا الشرطي ذو النجمتين عم سالم ؟ أهو من زبائنه ؟ أم تراه أمسكه سابقا متلبسا مع صبيحة ؟ هل يعرف شرطي الميناء ؟...
قطع الشرطي سيل الأسئلة المتدفق داخل رأس هيثم وقال له بنبرة هادئة
هل تدخن يا سار... ؟
ثم أردفه بسؤال ثان
ما اسمك ؟
أجابه هيثم بسرعة عن اسمه ونسي بنفس السرعة استغرابه ودهشته من تبدل لهجة الشرطي, بمجرد أن سمعه يسأله عن الدخان
أعاد السؤال
هل تدخن يا سي هيثم ؟
لم ينتظر إجابته وإنما قدم له سيجارة ومده بمنديل ورقي ليجفف به العرق ويمسح عن عنقه الدم ومن وجهه بقايا البصاق المختلطة بالدموع والمخاط.
التقط هيثم السيجارة بلهفة قبل أيأخذ المنديل. أشعلها بارتباك وسحب منها نفسا عميقا وطويلا, ثم زاد نفسا ثانيا وثالثا بنفس الشراهة وكأنه يعوض الساعتين اللتين ظل فيهما موثوق اليدين في مركز الشرطة.
تركه الشرطي يدخن قليلا ثم سأله بعد أن قام من كرسيه المقابل
اسمع يا هيثم انس الآن كل ما حدث لك في المركز ولا تهتم لأمر البضاعة التي تكسرت فسوف تعوض عنها بضعفها, فقط كن متعاونا معي ولا تخف مني فلن أضربك ثانية.
وضع علبة السجائر فوق الطاولة بعد أن سحب واحدة وأشعلها ثم قال
أمك تبيع قوة عملها لتشتري أنت البضاعة. جيد. كلام جميل بل كلام علمي ولكن هل تبيع قوة عملها أم قوة مؤخرتها
ود هيثم لو كانت في يده الآن عصا غليظة ليدكها في مؤخرة هذا الخنزير النتنة.
واصل الشرطي سؤاله
هل تعرف من قال أن العامل يبيع قوة عمله ؟
قفزت إلى مخيلة الصبي فورا صورة كارل ماركس وصورة لينين المعلقتين في بيت رفيقه سامي بباب الخضراء ومرت أمام عينيه عدة عناوين لكتب اقتصاد واقتصاد سياسي كان قد قرأها في بيت سامي وناقشاها سوية, ولكنه لم يكن مستعدا للإجابة عن سؤال الشرطي, بل إنه لن يكون مهيأ أبدا مهيئا للإجابة عن مثل هذه الأسئلة لأي كان, لا الآن ولا غير الآن. إنه لن يخون رفيقه حتى لو قتله الشرطي وكل "الحاكم" ضربا ولطما وركلا... حتى لو فتحوا له رأسه الصغير... واتلفوا كل بضاعته وحتى لو قدم له الشرطي علبة السجائر كاملة وعوضه عن بضاعته بأضعافها فلن يخون "الروح الرفاقية" التي جمعته بسامي وباقي الرفاق الذين عرفهم في باب الخضراء وفي مقهى الدباغين وفي أماكن مختلفة.
أموت ولا أنطق بحرف واحد. نطقها في سره وخرس.
طال صمته وذابت السيجارة من دون أن ينتبه إليها إلا عندما أحرقت طرفي إصبعيه, حينها تفطن للشرطي القابع أمامه فخرج من مخيلته التي أخذته إلى أزقة باب الخضراء ليعود إلى مخفر الشرطة.
رفس عقب السيجارة المحترق تحت حذائه وتجرأ وطلب سيجارة ثانية.
بعد أن أشعلها والتهم منها نفسين متتاليين قال متلعثما
_ صدقني سيدي أنا لا أعرف شيئا, لا عامل ولا قوة عمل, فقط أعرف أن "كل شيء بخمسميا" وأعرف أن أمي تنتظرني الآن وتنتظر الدواء لعينيها وأموال السلفة وبعض الخضار وثمن قارورة الغاز إن أمكن ذلك. صدقني سيدي هذا كل ما أعلمه. والله هذه هي الحقيقة.
وبدا وكأنه سينتحب.
طيب. حسنا.
أردف الشرطي ذي النجمتين ثم صمت قليلا وكأنه يرتب أفكاره. قام من فوق كرسيه المقابل لهيثم وأخذ علبة السجائر. فتحها ببطء وأشعل سيجارة ثم استدار من خلف الصبي وعاد إلى كرسيه وراء الطاولة, وشرع يتكلم وكأنه يواصل حديثا سابقا وكان هذه المرة يركز نظراته الحادة إلى عيني الصبي الصغير
اسمعني جيدا يا هيثم, دعنا الآن من قوة العمل وكارل ماركس ودعنا من نهب البروليتاريا واضطهادها واحتكارات البرجوازية وجشعها وانس أنك متهم بالبيع الموازي والانتصاب العشوائي من دون رخصة.
صمت قليلا. سحب من سيجارته أنفاسا متتالية ثم واصل كلامه
ما دمت تعرف قوة العمل فالأكيد أنك تعرف عقوبة مخالفتك وتعرف أنك ستسجن على الأقل ستة أشهر وتدفع خطية مالية ضعف قيمة بضاعتك وتعرف أيضا أننا سنحجزها هنا عندنا وسنقتسمها فيما بيننا
احجزوا البضاعة يا سيدي واتركني أعود إلى أمي
نطق هيثم الجملة الأخيرة وكأنه يتوسل الشرطي القابع أمامه, وتقافزت إلى مخيلته صور السيارات الفارهة والفيلات العالية وسط الحدائق الشاسعة وتخيل مالكيها رائحين غادين بين الطباخ والجنان والسائق والحارس الشخصي والليلي والمنظفة و... أليسوا هم الذين يجب أن يحجز سمومهم المستوردة ؟ أليسوا هم الذين يجب أن يحاكمهم لما اقترفوه في حق بلاد كاملة ؟...
قطع الشرطي شرود هيثم قائلا
اسمع جيدا يا هيثم ستأخذ كل بضاعتك وتعود إلى حضن أمك قبل مجيء الليل, بل سنمنحك مع بضاعتك رخصة للانتصاب والبيع بنهج الدباغين ومعها أيضا مبلغا محترما من المال لتقتني بها بضاعة أخرى وتوسع نصبتك وتجارتك. فقط كن متعاونا معنا.
صمت قليلا ثم أضاف
نريدك أن تأتينا فقط بأخبار رفيقك سامي لا أكثر ولا أقل
فلنتريث لكي نعرف من هو الشرطي ومن هو المجرم
جبران خليل جبران
عاد هيثم إلى الهذيان من جديد
كان صوته يأتي من بعيد, من أعماقه, وهو يصيح وينادي دون توقف " كل شيء بخمسمايا. فرصة وربي فرصة". عندما ركله الشرطي بحذائه ركلتين متتاليتين بعنف على بطنه استفاق مذعورا وتذكر أنه موقوف منذ ساعتين في مركز الشرطة. تماسك قليلا. استوى على الكرسي الخشبي, وبدأت أنفاسه تنتظم شيئا فشيئا وعندما رفع يديه ليمسح العرق المتصبب من جبينه, أحس بسائل ساخن متخثر تحت أذنه اليسرى. مرر أصابعه بحذر فوق السائل المنساب على عنقه فاختلط الدم المتخثر بالعرق وببعض الأوساخ المتجمعة فوقها من جراء الغبار الذي أحدثته عجلات السيارات وأرجل المارة أين كان يعرض بضاعته فوق " كردونة " في نهج الدباغين.
تذكر البضاعة. أين هي ؟ وتذكر الأموال التي استدانتها أمه من صاحب المصنع الكبير, الذي تشتغل في بيته غسالة, من أين سيرجعها ؟ وهو الذي وعد أمه أنه سيأتيها في المساء بالسلفة ومعها بعض الخضار والدواء لعينها, الذي انتهى منذ شهر وأيضا سيعطيها ثمن قارورة الغاز مثلما اتفق معها ليلة البارحة.
عندما كان يتذكر ما حصل له قبل ساعتين حينما هجمت سيارة "الحاكم" الزرقاء على الباعة المنتصبين شمالا ويمينا فوق الأرصفة المهترئة في نهج الدباغين, وفرقتهم يمينا وشمالا وهم يهرولون ويركضون باتجاه الأزقة والمنافذ ويختبئون داخل الدكاكين والمقاهي, بعضهم يحضن ما تبقى معه من بضاعته التي تبعثرت وسط النهج, والبعض الآخر يحمل "كردونته" بكلتا يديه ويحاذر في الجري بها وسط الجموع المتراكضة, خوفا من سقوطها, وآخرون لم يحملوا شيئا لشدة رعبهم وذهولهم من الطريقة المباغتة لهجمة الحاكم.
كان لفيف منهم يتتبع حركة صديقهم هيثم وهو يتهاوى على مؤخرة رأسه ويسقط فوق بضاعته التي تكسرت تحته وتحت أحذية رجال "الحاكم". كان البعض ينظر إلى المشهد وهو يلعن الحاكم وأبو الحاكم. وكان البعض الآخر ينظر باشمئزاز وقرف شديدين لقسوة هؤلاء "البشر". وهناك في الركن القصي لمقهى الدباغين تسمر صبيان يتداولان على عقب سيجارة وهما ينظران بشماتة لما يحدث لصديقهم هيثم لأنه سبقهم إلى المكان الذي رغبا الانتصاب به صباحا.
عندما كان يتذكر كل هذه المشاهد فاجأه صوت الشرطي الجالس فوق الطاولة وهو يضع ساقيه فوق الكرسي المحاذي لها. سأله بصوت غليظ من أين أتيت بالبضاعة يا ابن الزانية ؟
قفزت مباشرة إلى ذهن هيثم صورة أمه وهي جاثمة على ركبتيها, محنية الظهر , وسط فيلا الحاج إسماعيل, تمسح القاعة الفسيحة تارة وطورا تحك الجدران العالية. تذكر حالتها هذه وأجاب متلعثما بصوت مبحاح لكثرة صياحه في نهج الدباغين
اشتريت البضاعة بعرق أمي. بصبرها وشقائها وقلة نظرها. لقد باعت قوتها, كل قوتها, من أجل أن أشتري البضاعة
رفع الشرطي إحدى ساقيه من على الكرسي وضغط بها على بطن الصبي الفارغة ثم أمسكه بكلتا يديه من شعره الملبد وصاح في وجهه فتناثر بصاقه على عيني هيثم وأنفه قلت لك من أين أتيت بالبضاعة يا سارق يا ابن السارقة ؟
أنا لم أسرق أحدا. أنا لست سارقا, لقد اشتريت البضاعة من عند... من عند...
تلعثم هيثم ثانية وارتبك ثم صمت تماما وأغمض عينيه. نزل الشرطي البدين من فوق الطاولة واتجه صوب الباب. أغلقه بعنف ثم عاد إلى هيثم وصفعه صفعتين قويتين وبصق في وجهه الشاحب ملئ فمه.
_ من عند من ؟ انطق و إلا سأقطع لك هذا اللسان. وأمسكه من شدقيه بشدة ثم دفعه إلى الخلف بعنف.
كان هيثم كثيرا ما يسمع من عند أصدقائه الباعة في نهج الدباغين, عن غلظة "رجال الحاكم" وقسوتهم ووحشية معاملتهم. كما حدثه بذلك رفيقه الطالب سامي الذي تعرف عليه أيضا في نفس النهج, حيث كان يأتي كل يومين تقريبا رفقة بعض الطلبة, من كليات مختلفة أين يجلسون الساعات الطوال في مقهى النهج, وقد تطورت علاقة هيثم بسامي خاصة بعدما قدم الصبي ذات مرة للطالب نظارات شمسية دون مقابل لما اشترى من عنده ولاعة وعلبة سجائر مستوردة (مندية) وأجندة وحاملة مفاتيح وحافظة أوراق دفعة واحدة, فكان كل مرة يمر بالدباغين يعرج على نصبة هيثم وفي بعض الأحيان عندما يكون مفلسا يستلف من عنده ثمن كأس شاي أو ثمن بعض السجائر, ثم بدأ يعطيه كل مرة كتابا يقرأه أو مجلة يطالعها, عادة ما تكون سياسية أو أدبية, ثم بدأ يصطحبه بانتظام مرة كل أسبوع إلى بيته بباب الخضراء, حيث يطلعه على عدة كتيبات وصحف لم يسمع بها من قبل وأوراق... و كانت في بادئ الأمر تخيف الصبي ثم بدأ يتعود عليها فيما بعد لإحساسه أنها تتحدث عنه هو بالذات وعن أصدقائه الباعة بل وحتى عن أمه وأمثالها دون نفاق أو كذب, حتى أنه أصبح ينتظر بلهفة وبشغف كبيرين يوم يرافق سامي إلى بيته لعلمه أن هناك خبرا جديدا أو فضيحة أخرى سيطلع عليها.
ويذكر هيثم أن سامي سلمه مرة كراسا صغير الحجم من دون عنوان وقال له أن ذاك الكراس سيعلمه كيف يتعامل مع أسئلة "الحاكم" وكيف يحسن الجواب حين يقع في قبضتهم. ولكن هيثم في وضعه هذا, والدم ينزف منه ويختلط بالعرق والدموع والمخاط, كيف له أن يستحضر تلك القواعد التي قرأها ؟وهل فعلا ستنقذه من هذا الموقف ومن هذا الوضع المزري ؟ ألن تزيد الأمر سوءا وتعقيدا ؟ألن يتفطن الشرطي إلى طريقة إجابته ويشك في أمره فيضاعف عقابه ويضع رفيقه في ورطة ؟.
ماذا سأفعل ؟ كيف سأجيب هذا البدين, عديم الشفقة والرحمة ؟ ولكن ماذا لو قلت له الحقيقة كاملة, هل سيصدقني ويطلق سراحي ويعيد لي بضاعتي ؟ ... لا. لا تهم البضاعة, المهم سراحي قبل أن ينزل الليل وأتأخر عن أمي... لا يهم ثمن البضاعة, المهم سراحي, ستتوسل أمي للحاج إسماعيل لكي يخصم لها السلفة من مرتبها البائس, أو ستقترح عليه أن تشتغل عند ابنته في الليل بعد أن تنهي شغلها في الفيلا الكبيرة, لا يهم ستتعب أكثر ويزداد ظهرها تقوسا وستهترئ أصابعها من رغوة الصابون... لا يهم سوف أعوضها عن كل شقاء ومهانة تلحقها مني ومن هذه الأيام الزانية... سأتدبر أمري ثانية... سأستلف وحدي من عند سامي أو من عند أحد الأصدقاء من نهج الدباغين أشتري لها الدواء والخضار وقارورة الغاز وسأشتري لها أيضا قرطاس حنة لتزين بها أصابع قدميها ويديها. أعرفها إنها تحب الحناء كثيرا. إنها تذكرها بليالي الحب الخضراء مع أبي رحمة الله عليه...
لا يهم الثمن الآن, المهم سراحي وعودتي إلى بيتي.
أشعل الشرطي سيجارة جديدة ونفث دخانها نحو السقف, ملقيا عود الثقاب المشتعل في وجه الصبي, وصرخ فيه بأعلى صوته
_ من عند من اشتريت البضاعة يا قذر ؟.
وضع هيثم يده على رقبته المتسخة وكاد يقول للشرطي أنا لست قذرا. أنت القذر, بل أنت خنزير متعفن ولكنه تمتم بصوت خفيض متقطع
الحقيقة. الحقيقة اشتريتها من عند شرطي يشتغل في الميناء , وهو يسكن قريبا من حينا, تعرفت عليه مرة عندما أعنته على إغلاق باب المستودع الذي اكتراه من عند عم سالم منذ سبعة أشهر ليضع فيه بعض الأدباش المستعملة والأشياء القديمة مثلما قال.
عقد الشرطي حاجبيه وزم شفتيه وبدا, لهيثم, وكأنه يبتسم خلسة ثم أدار كرسيه إلى الحائط ربما ليستر ضحكته أو لينتشي بها بعيدا عن عينيه. زم شفتيه وقال له وهو لا يزال يدير ظهره إلى الحائط
عم سالم شنيب جزار حي السلام الذي يبيع لحم الحصان والحمير ؟ ثم ضحك هذه المرة بصوت مسموع.
ارتبك هيثم وتلعثم وهو يتذكر عم سالم الجزار وشنبه الطويل المفتول بدقة وبطنه المنتفخة تحت قميصه المبقع بالدم والمزرر حتى نصفه الفوقي دائما, صيفا وشتاءا, وتذكر أيضا صبيحة, تلك المرأة المطلقة... صبيحة التي كان لا يمارس عادته السرية إلا وهو يستحضر صورة مؤخرتها الرجراجة ونهديها المنتصبين دائما رغم تقدمها في السن... صبيحة التي كانت تشتري اللحم من عند الجزار أكثر من الأستاذ خالد مدرس العربية بمعهد الحي ورغم أن هذا الأخير يقدم دروس تدارك لأبناء الميسورين في بيوتهم ليلا وأيام الآحاد وفي العطل, فإن صبيحة المطلقة تشتري اللحم أكثر منه. لقد كانت كثيرة الضحك مع عم سالم ويبدو أنها كانت سخية عليه بلحمها الأبيض مثلما هو سخي معها باللحم الأحمر, لحم الحمير والأحصنة.
تذكر هيثم الجزار وبدا و كأنه يسأل نفسه : من أين يعرف هذا الشرطي ذو النجمتين عم سالم ؟ أهو من زبائنه ؟ أم تراه أمسكه سابقا متلبسا مع صبيحة ؟ هل يعرف شرطي الميناء ؟...
قطع الشرطي سيل الأسئلة المتدفق داخل رأس هيثم وقال له بنبرة هادئة
هل تدخن يا سار... ؟
ثم أردفه بسؤال ثان
ما اسمك ؟
أجابه هيثم بسرعة عن اسمه ونسي بنفس السرعة استغرابه ودهشته من تبدل لهجة الشرطي, بمجرد أن سمعه يسأله عن الدخان
أعاد السؤال
هل تدخن يا سي هيثم ؟
لم ينتظر إجابته وإنما قدم له سيجارة ومده بمنديل ورقي ليجفف به العرق ويمسح عن عنقه الدم ومن وجهه بقايا البصاق المختلطة بالدموع والمخاط.
التقط هيثم السيجارة بلهفة قبل أيأخذ المنديل. أشعلها بارتباك وسحب منها نفسا عميقا وطويلا, ثم زاد نفسا ثانيا وثالثا بنفس الشراهة وكأنه يعوض الساعتين اللتين ظل فيهما موثوق اليدين في مركز الشرطة.
تركه الشرطي يدخن قليلا ثم سأله بعد أن قام من كرسيه المقابل
اسمع يا هيثم انس الآن كل ما حدث لك في المركز ولا تهتم لأمر البضاعة التي تكسرت فسوف تعوض عنها بضعفها, فقط كن متعاونا معي ولا تخف مني فلن أضربك ثانية.
وضع علبة السجائر فوق الطاولة بعد أن سحب واحدة وأشعلها ثم قال
أمك تبيع قوة عملها لتشتري أنت البضاعة. جيد. كلام جميل بل كلام علمي ولكن هل تبيع قوة عملها أم قوة مؤخرتها
ود هيثم لو كانت في يده الآن عصا غليظة ليدكها في مؤخرة هذا الخنزير النتنة.
واصل الشرطي سؤاله
هل تعرف من قال أن العامل يبيع قوة عمله ؟
قفزت إلى مخيلة الصبي فورا صورة كارل ماركس وصورة لينين المعلقتين في بيت رفيقه سامي بباب الخضراء ومرت أمام عينيه عدة عناوين لكتب اقتصاد واقتصاد سياسي كان قد قرأها في بيت سامي وناقشاها سوية, ولكنه لم يكن مستعدا للإجابة عن سؤال الشرطي, بل إنه لن يكون مهيأ أبدا مهيئا للإجابة عن مثل هذه الأسئلة لأي كان, لا الآن ولا غير الآن. إنه لن يخون رفيقه حتى لو قتله الشرطي وكل "الحاكم" ضربا ولطما وركلا... حتى لو فتحوا له رأسه الصغير... واتلفوا كل بضاعته وحتى لو قدم له الشرطي علبة السجائر كاملة وعوضه عن بضاعته بأضعافها فلن يخون "الروح الرفاقية" التي جمعته بسامي وباقي الرفاق الذين عرفهم في باب الخضراء وفي مقهى الدباغين وفي أماكن مختلفة.
أموت ولا أنطق بحرف واحد. نطقها في سره وخرس.
طال صمته وذابت السيجارة من دون أن ينتبه إليها إلا عندما أحرقت طرفي إصبعيه, حينها تفطن للشرطي القابع أمامه فخرج من مخيلته التي أخذته إلى أزقة باب الخضراء ليعود إلى مخفر الشرطة.
رفس عقب السيجارة المحترق تحت حذائه وتجرأ وطلب سيجارة ثانية.
بعد أن أشعلها والتهم منها نفسين متتاليين قال متلعثما
_ صدقني سيدي أنا لا أعرف شيئا, لا عامل ولا قوة عمل, فقط أعرف أن "كل شيء بخمسميا" وأعرف أن أمي تنتظرني الآن وتنتظر الدواء لعينيها وأموال السلفة وبعض الخضار وثمن قارورة الغاز إن أمكن ذلك. صدقني سيدي هذا كل ما أعلمه. والله هذه هي الحقيقة.
وبدا وكأنه سينتحب.
طيب. حسنا.
أردف الشرطي ذي النجمتين ثم صمت قليلا وكأنه يرتب أفكاره. قام من فوق كرسيه المقابل لهيثم وأخذ علبة السجائر. فتحها ببطء وأشعل سيجارة ثم استدار من خلف الصبي وعاد إلى كرسيه وراء الطاولة, وشرع يتكلم وكأنه يواصل حديثا سابقا وكان هذه المرة يركز نظراته الحادة إلى عيني الصبي الصغير
اسمعني جيدا يا هيثم, دعنا الآن من قوة العمل وكارل ماركس ودعنا من نهب البروليتاريا واضطهادها واحتكارات البرجوازية وجشعها وانس أنك متهم بالبيع الموازي والانتصاب العشوائي من دون رخصة.
صمت قليلا. سحب من سيجارته أنفاسا متتالية ثم واصل كلامه
ما دمت تعرف قوة العمل فالأكيد أنك تعرف عقوبة مخالفتك وتعرف أنك ستسجن على الأقل ستة أشهر وتدفع خطية مالية ضعف قيمة بضاعتك وتعرف أيضا أننا سنحجزها هنا عندنا وسنقتسمها فيما بيننا
احجزوا البضاعة يا سيدي واتركني أعود إلى أمي
نطق هيثم الجملة الأخيرة وكأنه يتوسل الشرطي القابع أمامه, وتقافزت إلى مخيلته صور السيارات الفارهة والفيلات العالية وسط الحدائق الشاسعة وتخيل مالكيها رائحين غادين بين الطباخ والجنان والسائق والحارس الشخصي والليلي والمنظفة و... أليسوا هم الذين يجب أن يحجز سمومهم المستوردة ؟ أليسوا هم الذين يجب أن يحاكمهم لما اقترفوه في حق بلاد كاملة ؟...
قطع الشرطي شرود هيثم قائلا
اسمع جيدا يا هيثم ستأخذ كل بضاعتك وتعود إلى حضن أمك قبل مجيء الليل, بل سنمنحك مع بضاعتك رخصة للانتصاب والبيع بنهج الدباغين ومعها أيضا مبلغا محترما من المال لتقتني بها بضاعة أخرى وتوسع نصبتك وتجارتك. فقط كن متعاونا معنا.
صمت قليلا ثم أضاف
نريدك أن تأتينا فقط بأخبار رفيقك سامي لا أكثر ولا أقل
2008/07/11
بصمات
نادرا ما تترك بعض البرامج التلفزية بصمة ايجابية عند المشاهد، ذلك ان اغلب البرامج تتميز بالظرفية والآنية التي تسوّر خطابها وصورها بزمنها مهما طال، وقليلة جدا هي البرامج التي تنفلت من عُقال الشاشة ليتناثر صداها ووقعها على ألسن الناس في البيوت وعلى الارصفة وفي المقاهي والنوادي...
ولا أخال ان برنامج «الرابعة» الذي قدمه الزميل الاعلامي عادل بوهلال اثناء البرمجة الشتوية لقناة حنبعل الا حبّة للبرامج التلفزية التي افتقدناها على أثيرنا الوطني وبتنا نلهث خلفها على مختلف القنوات الاجنبية...
«الرابعة» قد تكون فكرتها غير مبتكرة ولكن أعتقد ان تخطيط الساهرين عليها وبالاخص مقدمها عادل بوهلال هو الذي رفدها بتيمة «الأثر» أو هو الذي منحها التفاصيل الدقيقة للبصمات التي لا تمّحى، ومن دون اطراء او اسراف لغوي يمكن لأي مشاهد تابع اكثر من حلقة من برنامج «الرابعة» ملاحظة توفر جملة من القرائن الثقافية أولا والجمالية ثانيا والتقنية ثالثا التي مثلت مشكاة «الرابعة» ونبراس عادل بوهلال مدة برنامجه.
فالمقدم / المنشط متمكن من فنون تسيير الحوار وفطنٌ في إلقاء الاسئلة و «توريط» ضيوفه وجرّهم نحو هدف الحلقة وزاويتها التي يختارها هو طبعا...
أما جماليا فان برنامج «الرابعة» ارتقى الى حد كبير بمستوى الخطاب التلفزي التونسي عموما وهذا طبيعي باعتبار ان ضيوف البرنامج هم من الميدان الاعلامي ولهم ما يكفي من معلومات وخبرة وهم قريبون من نبض التونسي وخطواته...
وتقنيا أثبت برنامج «الرابعة» ان المهم هو العقل وليس الآلات والتجهيزات فبأفكار الفريق التقني الشاب عاش المشاهد مع كل حلقة «تنفيسة» تقنية ومشهدية بعيدة كل البعد عن الكاميرا الثابتة والكلاسيكية وديكورات الخشب والبلور التي أورثتنا خطابا خشبيا وهشا كالبلور...
البرنامج وبغض النظر عن مفاتيحه المنطقية (الشفافية والمصداقية والتلقائية والمسؤولية والقرب من الواقع) وبغض النظر عن كون مواضيع البرنامج معادة أو مستهلكة فانه ـ وبشهادة المئات على الأقل ممن استمعت الى آرائهم وردود أفعالهم ـ تمكن فعلا من تحويل وجهة الخطاب التلفزي الممجوج وكذلك من «إجبار» الكثير من المسؤولين على متابعته وتقصي بصماته وآثاره على الاقل لتدارك ما كان مخفيا ومنسيا ومسكوتا عنه...
ولا أخال ان برنامج «الرابعة» الذي قدمه الزميل الاعلامي عادل بوهلال اثناء البرمجة الشتوية لقناة حنبعل الا حبّة للبرامج التلفزية التي افتقدناها على أثيرنا الوطني وبتنا نلهث خلفها على مختلف القنوات الاجنبية...
«الرابعة» قد تكون فكرتها غير مبتكرة ولكن أعتقد ان تخطيط الساهرين عليها وبالاخص مقدمها عادل بوهلال هو الذي رفدها بتيمة «الأثر» أو هو الذي منحها التفاصيل الدقيقة للبصمات التي لا تمّحى، ومن دون اطراء او اسراف لغوي يمكن لأي مشاهد تابع اكثر من حلقة من برنامج «الرابعة» ملاحظة توفر جملة من القرائن الثقافية أولا والجمالية ثانيا والتقنية ثالثا التي مثلت مشكاة «الرابعة» ونبراس عادل بوهلال مدة برنامجه.
فالمقدم / المنشط متمكن من فنون تسيير الحوار وفطنٌ في إلقاء الاسئلة و «توريط» ضيوفه وجرّهم نحو هدف الحلقة وزاويتها التي يختارها هو طبعا...
أما جماليا فان برنامج «الرابعة» ارتقى الى حد كبير بمستوى الخطاب التلفزي التونسي عموما وهذا طبيعي باعتبار ان ضيوف البرنامج هم من الميدان الاعلامي ولهم ما يكفي من معلومات وخبرة وهم قريبون من نبض التونسي وخطواته...
وتقنيا أثبت برنامج «الرابعة» ان المهم هو العقل وليس الآلات والتجهيزات فبأفكار الفريق التقني الشاب عاش المشاهد مع كل حلقة «تنفيسة» تقنية ومشهدية بعيدة كل البعد عن الكاميرا الثابتة والكلاسيكية وديكورات الخشب والبلور التي أورثتنا خطابا خشبيا وهشا كالبلور...
البرنامج وبغض النظر عن مفاتيحه المنطقية (الشفافية والمصداقية والتلقائية والمسؤولية والقرب من الواقع) وبغض النظر عن كون مواضيع البرنامج معادة أو مستهلكة فانه ـ وبشهادة المئات على الأقل ممن استمعت الى آرائهم وردود أفعالهم ـ تمكن فعلا من تحويل وجهة الخطاب التلفزي الممجوج وكذلك من «إجبار» الكثير من المسؤولين على متابعته وتقصي بصماته وآثاره على الاقل لتدارك ما كان مخفيا ومنسيا ومسكوتا عنه...
2008/07/09
ونصيب الاتحاد
من بين الملاحظات التي تقدم بها النائب محمد الدامي خلال مناقشة ميزانية وزارة الاتصال، والتي شملت صلوحية وتركيبة المجلس الأعلى للاتصال وجمعية الصحفيين وتكثيف الحوارات ومنابر النقاش بالإذاعة والتلفزة الوطنية، وتشريك الأحزاب الوطنية ومنظمات المجتمع المدني... وغيرها من النقاط الدقيقة والحساسة بالنسبة لقطاع يمثل وجه البلاد ومرآتها في الداخل والخارج على حد السواء... من بين تلك الملاحظات القيمة، استوقفني تنصيص النائب على تمكين الاتحاد العام التونسي للشغل من استرجاع حصته الإعلامية بالإذاعة الوطنية «بما يعود بالفائدة على كافة الشغالين بالبلاد» مثلما ذكر، وهو أمر لا يختلف تونسيان حول ضرورته في ما نعلم.
«صوت الشغالين» هو عنوان البرنامج الإذاعي الذي كان يٌبث على موجات إذاعتي تونس الوطنية وصفاقس الجهوية حتى سنة 1985، وقد كان يمثل نافذة مهمة بين المنظمة الشغيلة وكافة شرائح المجتمع التونسي، إذ كان برنامج «صوت الشغالين»، الإخباري بالأساس، يرفد طرق التواصل بين هياكل الاتحاد وقواعده العمالية وكان يساهم بشكل كبير في الإعلام النقابي، فإلى جانب البلاغات والبيانات والنشريات الداخلية والجهوية ومنشورات قسم الدراسات بالاتحاد وطبعا جريدة «الشعب» لسان الاتحاد العام التونسي للشغل ، كان برنامج «صوت الشغالين» جسرا أثيريا بين الاتحاد والعمال التونسيين في تلك الفترة.الآن، ومنذ 1985 تاريخ توقّف البرنامج الإذاعي عن البث، والاتحاد لم يتوقف عن التواصل بقواعده ومنخرطيه وأصدقائه في كل شبر داخل الجمهورية التونسية وخارج حدودها، مستعملا في ذلك شتى الوسائل المتاحة والممكنة، كالشبكة العنكبوتية والهواتف المحمولة وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة، وما موقع جريدة الشعب الالكتروني إلا دليلا قاطعا على السعي الجدي لمنظمة العمال لتكون دائما على أهبة الحدث والمعلومة.وعلى نجاعة ومردودية هذه الطرق والوسائل التقليدية والحديثة، فان حق الاتحاد العام التونسي للشغل في استرجاع، بل في استحداث برامج إذاعية تبث على أكثر من موجة ومحطة إذاعية (الوطنية، الشباب، جوهرة، تطاوين، صفاقس، المنستير، الكاف...) ولمَ لا حصة تلفزية خاصة بأنشطة وفعاليات الاتحاد وبالعمل النقابي عموما، هو حق يجب أن يٌؤخذ بعين الاعتبار والحرص في أقرب الآجال إن لم نقل في مفتتح السنة الجديدة.وبغض النظر عن مسالة أحقية نصيب الاتحاد العام التونسي للشغل من هذه المؤسسة الإعلامية، ذات الصبغة الوطنية، والتي هي أيضا من نصيب ومن حق كل الأحزاب المعارضة والجمعيات الحقوقية، بغض النظر عن ذلك، فإن التوازن الإعلامي والإخباري والتنشيطي الذي ستكتسبه هذه المؤسسة سينتشلها حتما من بوتقة وذهنية الخطاب الواحد الأوحد ومن منطق الاستحواذ المجاني واللاقانوني على المؤسسات الوطنية.كما أن النقلة النوعية التي يٌمكن أن تحدثها وسائل الإعلام والاتصال الوطنية لن تتحقق أبدا مادام المشهد أحادي البعد والصوت أحادي الوجهة والصورة كذلك أحادية الخطاب والتوجه، وما نفور المشاهد والمستمع والقارئ لمختلف وسائل الإعلام الوطنية وهروبه منها، بل وتندره واستهزائه بها وسحب ثقته من مصداقيتها، إلا حجة دامغة وبرهانا قاطعا على فظاعة الوجه الواحد مهما حاول أن يتجلى في أبهى حلله...ثم إن الثقل الرمزي والمادي الذي يمثله الاتحاد العام التونسي للشغل وطنيا وإقليميا وعربيا وعالميا ،يجعل من حصته الاعلامية بديهة ومسلمة لا تنازع حول ضرورتها، وأعتقد أنني لن أكون لا حالما ولا طوباويا اذا ما قلت وكتبت انه كان من الأجدى ان نكتب ونتحدث عن محطة اذاعية وقناة فضائية خاصتين بالعمال ومنظمتهم، خاصة ان تاريخ المنظمة وحاضرها يزخران بإحتياطيّ ثقافي وابداعي ونضالي وفكري ثري ولها من الرموز الوطنية والمحطات التاريخية ما يؤثث أثيرا مأثورا، ومن الغُبن ان نلتقط كلمة الاتحاد العام التونسي للشغل عرضا وبصورة برقية وخاطفة بل وبشكل موسمي واحتفالي مرة في الاذاعة واخرى في التلفزة الوطنية.
«صوت الشغالين» هو عنوان البرنامج الإذاعي الذي كان يٌبث على موجات إذاعتي تونس الوطنية وصفاقس الجهوية حتى سنة 1985، وقد كان يمثل نافذة مهمة بين المنظمة الشغيلة وكافة شرائح المجتمع التونسي، إذ كان برنامج «صوت الشغالين»، الإخباري بالأساس، يرفد طرق التواصل بين هياكل الاتحاد وقواعده العمالية وكان يساهم بشكل كبير في الإعلام النقابي، فإلى جانب البلاغات والبيانات والنشريات الداخلية والجهوية ومنشورات قسم الدراسات بالاتحاد وطبعا جريدة «الشعب» لسان الاتحاد العام التونسي للشغل ، كان برنامج «صوت الشغالين» جسرا أثيريا بين الاتحاد والعمال التونسيين في تلك الفترة.الآن، ومنذ 1985 تاريخ توقّف البرنامج الإذاعي عن البث، والاتحاد لم يتوقف عن التواصل بقواعده ومنخرطيه وأصدقائه في كل شبر داخل الجمهورية التونسية وخارج حدودها، مستعملا في ذلك شتى الوسائل المتاحة والممكنة، كالشبكة العنكبوتية والهواتف المحمولة وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة، وما موقع جريدة الشعب الالكتروني إلا دليلا قاطعا على السعي الجدي لمنظمة العمال لتكون دائما على أهبة الحدث والمعلومة.وعلى نجاعة ومردودية هذه الطرق والوسائل التقليدية والحديثة، فان حق الاتحاد العام التونسي للشغل في استرجاع، بل في استحداث برامج إذاعية تبث على أكثر من موجة ومحطة إذاعية (الوطنية، الشباب، جوهرة، تطاوين، صفاقس، المنستير، الكاف...) ولمَ لا حصة تلفزية خاصة بأنشطة وفعاليات الاتحاد وبالعمل النقابي عموما، هو حق يجب أن يٌؤخذ بعين الاعتبار والحرص في أقرب الآجال إن لم نقل في مفتتح السنة الجديدة.وبغض النظر عن مسالة أحقية نصيب الاتحاد العام التونسي للشغل من هذه المؤسسة الإعلامية، ذات الصبغة الوطنية، والتي هي أيضا من نصيب ومن حق كل الأحزاب المعارضة والجمعيات الحقوقية، بغض النظر عن ذلك، فإن التوازن الإعلامي والإخباري والتنشيطي الذي ستكتسبه هذه المؤسسة سينتشلها حتما من بوتقة وذهنية الخطاب الواحد الأوحد ومن منطق الاستحواذ المجاني واللاقانوني على المؤسسات الوطنية.كما أن النقلة النوعية التي يٌمكن أن تحدثها وسائل الإعلام والاتصال الوطنية لن تتحقق أبدا مادام المشهد أحادي البعد والصوت أحادي الوجهة والصورة كذلك أحادية الخطاب والتوجه، وما نفور المشاهد والمستمع والقارئ لمختلف وسائل الإعلام الوطنية وهروبه منها، بل وتندره واستهزائه بها وسحب ثقته من مصداقيتها، إلا حجة دامغة وبرهانا قاطعا على فظاعة الوجه الواحد مهما حاول أن يتجلى في أبهى حلله...ثم إن الثقل الرمزي والمادي الذي يمثله الاتحاد العام التونسي للشغل وطنيا وإقليميا وعربيا وعالميا ،يجعل من حصته الاعلامية بديهة ومسلمة لا تنازع حول ضرورتها، وأعتقد أنني لن أكون لا حالما ولا طوباويا اذا ما قلت وكتبت انه كان من الأجدى ان نكتب ونتحدث عن محطة اذاعية وقناة فضائية خاصتين بالعمال ومنظمتهم، خاصة ان تاريخ المنظمة وحاضرها يزخران بإحتياطيّ ثقافي وابداعي ونضالي وفكري ثري ولها من الرموز الوطنية والمحطات التاريخية ما يؤثث أثيرا مأثورا، ومن الغُبن ان نلتقط كلمة الاتحاد العام التونسي للشغل عرضا وبصورة برقية وخاطفة بل وبشكل موسمي واحتفالي مرة في الاذاعة واخرى في التلفزة الوطنية.
2008/07/08
قصة قصيرة
زوجـا حذاء
من يتحمل مسؤولية واحد يتحمل مسؤولية اثنين
حنا مينه
استأنف رسم الأرقام فوق الورقة الفضية التي انتزعها من العلبة الحمراء، بعد أن أشعل اخر سيجارة كانت بداخلها ظل يركّب ثمن كل قطعة تقفز إلى ذهنه، ويجمعها مع سابقاتها فوق الورقة الصغيرة ثم يشكل صورتها لون خشب بيت النوم مثلا, نوع التلفاز, حجم الثلاجة, شكل طاولة المطبخ وعدد مقاعدها, عدد الأطباق والكؤوس والفناجين... حتى صيغة الدعوات كتبها في ذهنه، واختار شكل مظاريفها وألوانها.بدأت مساحة البياض فوق الورقة الفضية تتضاءل وظل ذهنه هائما وسط الفضاءات التجارية الكبرى ومحلات الأثاث المشهورة كان يتنقل من محل إلى اخر ويناقش الأسعار والأثمان مع التجار والباعة، ولم يستفق إلا على أزيز القلم ينكسر فوق صلابة خشب طاولة المقهى أين كان يجلس.أسقط القلم في جيب قميصه وأخذته ابتسامة شاحبة نحو الركن الأيسر للمقهى ليلمح أصابع فتى ـ في عمره تقريبا ـ تتشابك مع أصابع عجوز سائحة وفوق طاولتهما تذكرتا سفر ـ على ما يبدوـ وزجاجتا بيرة.طوى الورقة الفضية بأصابعه الخشنة ودسّها في العلبة الحمراء، الفارغة ثم نهض وخرج. ألقى علبة السجائر المملوءة بالخشب والأطباق والدعوات في أول حاوية فضلات اعترضته ثم قطع الشارع العريض باتجاه الإسكافي الرابض أمام صندوقه الأزرق منذ أن جاء إلى هذه المدينة. دفع له ما تبقى في جيبه من قطع نقدية ليستلم زوجي الحذاء بعد أن تفحصهما جيدا. وضعهما داخل كيس بلاستيكي أسود ثم دلف إلى شارع عريض اخر.كان ينظر إلى زوجي حذائه البني وفي عينيه كل الغبطة, فزوجا الحذاء تزاوجا إلى الأبد دون حاجة إلى أثاث أو دعوات أو ابتسامات شاحبة.
من يتحمل مسؤولية واحد يتحمل مسؤولية اثنين
حنا مينه
استأنف رسم الأرقام فوق الورقة الفضية التي انتزعها من العلبة الحمراء، بعد أن أشعل اخر سيجارة كانت بداخلها ظل يركّب ثمن كل قطعة تقفز إلى ذهنه، ويجمعها مع سابقاتها فوق الورقة الصغيرة ثم يشكل صورتها لون خشب بيت النوم مثلا, نوع التلفاز, حجم الثلاجة, شكل طاولة المطبخ وعدد مقاعدها, عدد الأطباق والكؤوس والفناجين... حتى صيغة الدعوات كتبها في ذهنه، واختار شكل مظاريفها وألوانها.بدأت مساحة البياض فوق الورقة الفضية تتضاءل وظل ذهنه هائما وسط الفضاءات التجارية الكبرى ومحلات الأثاث المشهورة كان يتنقل من محل إلى اخر ويناقش الأسعار والأثمان مع التجار والباعة، ولم يستفق إلا على أزيز القلم ينكسر فوق صلابة خشب طاولة المقهى أين كان يجلس.أسقط القلم في جيب قميصه وأخذته ابتسامة شاحبة نحو الركن الأيسر للمقهى ليلمح أصابع فتى ـ في عمره تقريبا ـ تتشابك مع أصابع عجوز سائحة وفوق طاولتهما تذكرتا سفر ـ على ما يبدوـ وزجاجتا بيرة.طوى الورقة الفضية بأصابعه الخشنة ودسّها في العلبة الحمراء، الفارغة ثم نهض وخرج. ألقى علبة السجائر المملوءة بالخشب والأطباق والدعوات في أول حاوية فضلات اعترضته ثم قطع الشارع العريض باتجاه الإسكافي الرابض أمام صندوقه الأزرق منذ أن جاء إلى هذه المدينة. دفع له ما تبقى في جيبه من قطع نقدية ليستلم زوجي الحذاء بعد أن تفحصهما جيدا. وضعهما داخل كيس بلاستيكي أسود ثم دلف إلى شارع عريض اخر.كان ينظر إلى زوجي حذائه البني وفي عينيه كل الغبطة, فزوجا الحذاء تزاوجا إلى الأبد دون حاجة إلى أثاث أو دعوات أو ابتسامات شاحبة.
2008/07/05
حوار مع الباحث خالد الحداد

مؤلف كتاب «بورقيبة والإعلام» الباحث والصحفي خالد الحداد (الجزءالاول):
النضال النقابي عاضد السياسيين والمهنيين في فرض هامش أوسع للحرية الاعلامية
يعتبر كتاب «بورقيبة والإعلام: جدلية السلطة والدعاية» للزميل الصحفي والباحث خالد الحداد وثيقة مهمة للوقوف على الجوانب الخفية في تمثلات وكيفية ممارسة الرئيس الأسبق للجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة للإعلام والاتصال.
فبحث خالد الحداد الذي نال به شهادة الماجستير في علوم الإعلام والاتصال نهض متنه على تدرج منهجي وعلى كم هائل من المعلومات والحقائق والوثائق المبوبة ضمن زاوية بحث الرجل المتمثلة في السياسة الإعلامية للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وخطته الاتصالية التي انتهجها قبل وبعد نيل الاستقلال التام وقد رفد خالد الحداد بحثه بجداول إحصائية وشهادات قيمة لوزراء وكتاب دولة وعاملين في الميدان الإعلامي من الذين عايشوا الفترة البورقيبية، وفيه أيضا انتقى الباحث اضمامة مرجعية لخطب ألقاها الرئيس الحبيب بورقيبة تناولت مسألة الإعلام والاتصال، إلى جانب نماذج من المقالات الصحفية التي نشرها الرئيس بورقيبة.
ونظرا لقيمة هذا المنجز التأريخي والتحليلي الذي ينضاف إلى المكتبة التونسية والعربية ارتأينا أن نقف مع الزميل الباحث خالد الحداد على أهم ما قدمه ضمن مؤلفه في هذا الحوار.
*«لو أني تركت الصحافة تفعل ما تريد لخرجت من الحكم في غضون ثلاثة أشهر» هل يمكن أن نعتبر مقولة نابليون هذه التي صدرت بها مؤلفك هي الخلاصة التي توصلت إليها في بحثك حول تعامل بورقيبة
مع الإعلام؟
ـ نعم ، هذا القصد موجود ، فرجل الحكم في أيّ نظام سياسي يسعى إلى الهيمنة والمسك بدواليب الشأن الإعلامي كسعيه للهيمنة على سائر الشؤون والمجالات حتّى يضمن سيطرته ويتجنّب وقوع أيّ نوع من القلاقل، فنواميس مختلف المجتمعات والشعوب والحضارات أقرّت هذا المدّ التسلّطي والرقابي من الدولة بمختلف أجهزتها ومكوّناتها وعلى اختلاف تلويناتها وتشكّلاتها على سائر مناحي الحياة الّتي هي تحت سيطرتها وفي حدودها الترابيّة والجغرافيّة، وليس الإعلام فقط هو المستهدف بالحصار بل كذلك مناحي الإبداع الفكري والثقافي والتنظّم الجمعياتي والسياسي وغيرها هي كذلك وستظل تحت أعين الرقيب.
والحالة تلك وخوفا من كلّ الانفلاتات والاهتزازات الّتي قد تقوّض كيان الدولة وتمسّ بسلطان الحاكم كان وما يزال الإعلام محلّ التضييق والخنق والتشويه والتوجيه، أنا هنا لا أُعطي حكما عامّا شاملا ولكن حتّى في الأنظمة الّتي تلحّفت برداء الديمقراطيّة والحداثة يُمكننا لو تفحّصنا مليّا التكوينة الإعلاميّة والاتصاليّة بها وطريقة دورانها أن نجد أثرا للدولة فيها وفي أيّ بلد من بلدان العالم سواء عبر التمويل أو الإغراء والرشوة أو الضغط الضرائبي أو غيره ، هناك مداخل عديدة للسلطة السياسيّة والتنفيذيّة حتّى تلج رحى العمليّة الاتصاليّة والإعلاميّة وتفعل فيها الفعل الّذي تشاء وتريد.
أمّا لماذا كلّ هذا التوجّس والخوف من الإعلام، فلأنّه قادر على كشف المستور واختراق التعتيم ونقل الأخبار والأحداث على نطاق واسع ، ولأنّه كذلك قادر على تحليل المعطيات وتنزيلها في سياقاتها الصحيحة ، بلغة أوضح الإعلام لمّا يكون حرّا بإمكانه أن يُشكّل الرأي العام ويضبط ثقافة الناس ووعيهم بالأحداث والمستجدّات، أي أنّه من هذا المنطلق بإمكانه أن يُهدّد وجود رجال السلطة والحكّام، لذا تعبّر مقولة نابليون إلى درجة كبيرة جدّا عن هذا المعطى الأساسي والهام.
الإعلام في منطلقه هو سلطة قائمة الذات أو هو يجب أن يكون كذلك، أي أنّه شيء آخر مختلف عن السلطات الأخرى الّتي عرفتها المجتمعات الديمقراطيّة الحديثة، وشيئا فشيئا لم يعُد مصطلح السلطة الرابعة معبّرا عمّا أضحى للإعلام من قوّة تأثير بالغة الأهميّة وسط هذا الانفجار الإعلامي والاتصالي الرهيب بل أصبح مجالا حيويّا واسعا تسعى كلّ القوى للسيطرة عليه والحدّ من تلك السلطة المتزايدة الّتي أضحى يمتلكها في التأثير على بقية السلطات التنفيذيّة والقضائيّة والتشريعيّة حتّى أصبح الإعلام على حدّ تعبير تشومسكي صانعا للإجماع الوطني وحتّى الإقليمي والدولي في كلّ المجالات والميادين.
والمخيف اليوم والمزعج حقّا، هو هذا التمازج بين السلطة السياسيّة وسلطة رأس المال، السلطة السياسيّة تعقدُ العلاقات والصفقات مع رأس المال وتضمن له مصالحه ومنافعه في مقابل أن يقوم هذا الأخير بالقبض على المقود الإعلامي، وأسألك هنا: من يملك اليوم السيطرة على الإعلام في العالم؟ لتجيبني بالتأكيد: إنّهم الرأسماليّون وكبار رجال المال والأعمال في العالم ومن ورائهم الساسة، يتبادلون الأدوار والمهمّات لغاية مشتركة هي السيطرة والهيمنة وحماية النفوذ.
وأُريد أن أُذكّر هنا بأنّني في نهاية بحث «بورقيبة والإعلام» وجدت نفسي أمام إشكاليّة بحثيّة جديدة، وهي: كيف يمكن لرجل السياسة أن يتمثّل مفهوما حداثيّا للإعلام والاتصال ويُترجمه في الواقع من خلال ترك المجال واسعا لحريّة التعبير والإعلام المستقلّ والحال أنّ ذلك قد يُقصيه عن موقع القرار والقيادة ويفقده الزعامة ويجرّده من كلّ «سلطاته» ؟ لأنّ سياساته وقراراته وممارساته ستكون حينها عرضة للنقد والتقويم والتحليل.
* هل يمكن أن نقول أنك بهذا المنجز حاولت أن تجيب عن سؤال الدكتور منصف وناس (كيف يمكن أن نقرأ بورقيبة؟) وسؤال الدكتور عبد الجليل بوقرة (من هو بورقيبة؟)؟
ـ ما أقوله أنّني أجبت عن السؤال الأوّل وقدّمت محاولة للإجابة عن السؤال الثاني، سؤال الدكتور منصف ونّاس سؤال يهمّ منهجيّة البحث بما فيها من آليات ونظريات ومراحل بحثيّة ، هذا قٌمت به في البحث حيث جمعت بين الدراسة التاريخيّة والبحث الوثائقي وتحليل مضامين الخطاب السياسي وعاضدتُ كلّ ذلك بمجموعة من الأحاديث مع وزراء وكتاب دولة للإعلام وصحافيّين عايشوا الحكم البورقيبي وأخضعت كلّ ذلك إلى مقاربات نظريّة دقيقة وواضحة وأقمت للبحث إشكاليّة محوريّة وعددا من الفرضيات منذ البداية مكّنتني من الوصول إلى ما توصّلت إليه من نتائج واستنتاجات، والمهمّ في هذا الجانب أنّ مسألة ذاتيّة ساعدتني على تطبيق تلك المنهجيّة العلميّة الّتي ينشدها الدكتور ونّاس وهي أنّني بعيد عن أيّ التصاق مصلحي وشخصي بفترة الحكم البورقيبي ، أي أنّني ولجتُ دراستي الجامعيّة بما فيها من وعي سياسي ونضج فكري وثقافي وتلمّس لخيوط البدء في هذه الحياة المتداخلة زمن انتهاء ذلك الحكم وبداية حكم سياسي جديد في البلاد وانفتحت على الحياة السياسيّة والإعلاميّة وكنت عاملا فيها بعد زوال حكم الرئيس بورقيبة، هذا مهمّ جدّا ليست لي أيّة صلة بالمرحلة الّتي درستها ربّما إلاّ الولادة ومرحلة الابتدائية والثانويّة ولا تجمعني بمختلف أطرافها مسائل عميقة أو صداقات متطوّرة، ومن المعلوم أنّ العلاقة الحميميّة بموضوع البحث هي من العوائق الابستومولوجيّة الّتي تحول دون الموضوعيّة العلميّة كما وضّح ذلك غاستون باشلار، إذ لا يُمكن للمرء أن يكون بالشرفة ويرى نفسه مارّا بالشارع، لذلك انطلقت في البحث دون أفكار أو ارتسامات مُسبقة أو نوايا مبيّتة تجاه هذا الشخص أو ذاك أو هذا التيار أو غيره مثلما يعمُدُ إليه البعض ممّن صنعوا الأحداث وكانوا في مواقع القرار والفعل والمشاركة ثمّ كتبوا لاحقا بعد غيابهم عن تلك المواقع ما به يُبرّرون نقاوتهم وبراءتهم من أخطاء تجربة كانوا هم من المشكّلين لأهمّ مفاصلها أو يتّهمون غيرهم بما لم يكن فيهم وكشفت منتديات مؤسّسة التميمي للذاكرة الوطنيّة هذه الحقيقة، وربّما هذا ما دعا الدكتور ونّاس إلى الإقرار بوجود قراءات مختلفة ومتباينة «قراءات لا تكاد تلتقي، بل هي متفرّقة تماما، فهي إمّا مدحيّة مُسرفة في المدح، وإمّا نقديّة مُوغلة في النقد، وإلى الإقرار كذلك بغياب قراءات معتدلة وموضوعيّة»رؤية الدكتور ونّاس أقدّر أنّها منطلقة من ذلك التوصيف الّذي ذكرته ، والّذي فعلته أنّني سعيت وبصرامة علميّة رعاها الدكتور مصطفى حسن الّذي أطّر هذا البحث ودعّمها عضوا لجنة المناقشة الدكتور يوسف بن رمضان والدكتورة سلوى الشرفي ( الّذين أتوجّه إليهم بهذه المناسبة بتحيّة تقدير)، إلى تجاوز الغياب الّذي أشار إليه الدكتور منصف ونّاس، وذلك عبر قراءة اجتهدت قصارى جهدي أن تكون معتدلة وموضوعيّة لمسألة في غاية الدقّة والأهميّة، قراءة لها ضوابط منهجيّة ونظريّة دقيقة أي ليس فيها مدح مجاني ولا فيها كذلك نقد مبيّت.
هناك اليوم منهجيات واضحة للبحث العلمي وهناك نظريات للدراسة الأكاديميّة يُمكن أن نطبّقها على أيّ فترة أو مرحلة تاريخيّة وعلى أيّ تجربة في أيّ دولة من الدول، نفس المنهجيّة ونفس أدوات البحث الّتي عالجت بها التمثّل البورقيبي يُمكن أن تطبّق ـ مثلا ـ بنفس العناوين وبنفس الخطوط وبنفس الضوابط على الخطاب والممارسة الإعلاميّة في تونس بعد 1987 ، ولكن الاختلاف ربّما سيكون في النتائج لأنّ الفترة ليست الفترة والمرحلتان لهما خصائص ورؤى مختلفة في العديد من الجوانب وبالأخص منها حسب تقديري في مفاهيم الخطاب السياسي الرسمي وفي التشابكات الّتي انتهى إليها المشهد الإعلامي ككلّ ، وهذا الأمر يتطلّب كما يبدو لي بحثا جامعيّا آخر.
أمّا سؤال الدكتور بوقرّة فمن الصعب الإجابة عنه ،لأنّ شخصيّة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة بما فيها من خصائص وميزات ستظلّ في حاجة للدراسة والتمحيص ومن العسير تحديد رؤية متكاملة لهذه الشخصيّة الفذّة والنادرة شأنها ككلّ شخصيات الزعماء والقادة الكبار الّذين ترشّحهم معطيات الواقع دون سواهم لمثل تلك المهمّات المستعصية والمعقّدة في قيادة شعب ما أو أمّة في ظرف تاريخيّ خاص ، أنا أؤمن بوجود ظواهر تاريخيّة لم تستوف إلى حد الآن البحث ولا تخضع لمنهج آلي أو مقاربة نهائيّة ، وقصارى جهد الباحثين فيها تقديم اجتهادات تأويليّة.
لو تتتبّع مثلا مسيرة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ستجد فيها الكثير من الغرابة انعكست مراحلها المختلفة على شخصيّة الرجل، حتّى أنّك في العديد من الوضعيات تجد نفسك وكأنّك أمام شخصيات متعدّدة لبورقيبة، فهو الليّن والمسامح وهو القويّ العاصف الّذي لا يعرف شفقة ، وهو رجل الحوار وهو رجل القمع ورفض الآخر ، وهو الرجل المدافع عن الحريات وحقوق الإنسان وهو رجل أصدر قرارات لتنفيذ العشرات من أحكام الإعدام وعرفت فترات من حكمه محاكمات قاسية وغير إنسانيّة، هو رجل خدم البلاد في العديد من الجوانب التنمويّة والتعليميّة والثقافيّة والانتصار لتحرير المرأة ولكنّه كذلك كان الرجل الّذي حرم البلاد الّتي يحكمها من الديمقراطيّة والتعدّديّة وحرمها من الاستفادة من مساهمات لخيرة من نخبها وكفاءاتها السياسيّة والفكريّة والنقابيّة لفترات طويلة ومتعاقبة حيث لم تخل عشريّة من عشريات الحكم البورقيبي من المحاكمات والاعتقالات والمطاردات ،وهو الرجل الّذي دعا إلى العلمانيّة ولكنّه حافظ على جوهر الدّين ولم يُحطّمه كليّا، وهو كذلك الّذي كافح لاستقلال البلاد وطرد المستعمر ولاحقا من أجل بناء الدولة التونسيّة الحديثة والمستقلّة ثمّ أدخلها نهاية حكمه إلى مأزق خطير كاد يعصف بالأخضر واليابس، كيف يُمكن لي أن أجيب عن تساؤل:من هو بورقيبة ؟ أينما تضعه تجده، وربّما تلك سمة من سمات الزعماء والعظماء والقادة التاريخيّين.
ولكن المطّلع على بحثي يُمكنه أن يُلامس محاولة لرصد التمثّلات الّتي كانت للرئيس الراحل بورقيبة حول الإعلام ، وهي تمثّلات لم ترتق بحسب ما توصّلت له في البحث إلى مفاهيم الاتصال الحديث القائمة على جعل الإعلام مجالا للجدل وتباين الآراء والمقاربات وفضاء للمناظرة،إعلام للجميع لهم فيه حقّ التعبير والكلام ، كما بحثت عن أسباب وجود فترات إعلاميّة تعدّديّة ومضيئة في فترة الحكم البورقيبي متناقضة مع تلك التمثّلات لأجد أنّ الضغط الّذي مارسته عدّة قطاعات منها الإعلام المهني والنضال السياسي والنقابي وأطراف خارجيّة وكذلك تداعيات الأزمات الاجتماعيّة فرضت وجود تلك المحطّات المشرقة مثل «ربيع الإعلام» في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وأٌلاحظ هنا أنّ التمثّل البورقيبي جعل من حريّة الإعلام بابا للتنفيس عن حالات اجتماعيّة متدهورة ومتّسمة بالاضطراب والمخاطر ووجد في»حريّة الإعلام» مخرجا مرحليّا لتلك الأزمات.
وفي المحصلة فإنّ هوامش الجدل الإعلامي الّتي تواجدت في بعض فترات الحكم البورقيبي لم تكن نابعة عن تمثّلات الرئيس بورقيبة بل كانت في غالب الأحيان نتيجة لعوامل خارجة عن تلك التمثّلات ، وذلك ما أبقى في تقديري مقولة «الحريّة الإعلاميّة» حبيسة الظرف التاريخي وأهواء الرئيس بورقيبة ولم تخرج المبادرات الّتي تمّ الإعلان عنها في بعض الفترات عن مستوى «القرار السياسي العابر» والكلام الإيديولوجي والدعائي، وهو ما يفسّر تساقط تلك المبادرات وتهاويها حتّى تلك الّتي كانت صادرة عن جهاز الدولة نفسها مثل مبادرة «الانفتاح» في ثمانينات القرن الماضي، وما توصّلت إليه في البحث أنّ الإرادة السياسيّة البورقيبيّة لم تكن في أيّ فترة من الفترات ترغب في ترسيخ روح الجدل داخل المشهد الإعلامي بصفة فعليّة وحقيقيّة، كما أنّ مضامين الجدل الإعلامي لم يكن مسموحا لها بولوج عدد من الميادين الحساسّة ذات الصّلة خاصّة بانتقاد نظام الحكم وبرامجه. وحتّى وإن أكّدت الدراسة النوعيّة للممارسة الإعلاميّة طيلة الحكم البورقيبي وجود نظامين إعلاميين الأوّل أحاديّ والثاني تعدّديّ فإنّ الدراسة الكميّة القائمة أساسا على ضبط المدى الزمني لكلا النظامين تشير إلى هيمنة وسيطرة النظام الأحادي وظرفيّة ومحدوديّة النظام التعدّدي، كما أنّ المقارنة بين التمثّلات والممارسات دفعت إلى الإقرار بأنّ العديد من المفاهيم المتواترة في الخطاب البورقيبي حول الإعلام بقيت دعائيّة ولم تعرف التجسيد على أرض الواقع.
* لو تجمل لنا أهم نقاط الاختلاف في تعامل بورقيبة مع الإعلام لما كان زعيما وطنيا ثم لما صار رئيسا للجمهورية التونسية؟
ـ إنّ مقاربة علاقة بورقيبة بالإعلام تمثّلا وممارسة والتدرّج في متابعة تطوّر هذه العلاقة وتنوّعها تبرز أنّ الحبيب بورقيبة قد وعى بصفة مبكّرة بأهمّية الوسيلة الإعلاميّة في خدمة الأهداف والغايات وبالقوّة التأثيريّة والتوجيهيّة للإعلام ، وعدّد بورقيبة في الكثير من خطبه فضائل «الإعلام» على الحركة الوطنيّة التونسيّة، فعبر الصحافة تمّ تبليغ هموم التونسيّين تحت سلطة المستعمر الفرنسي، وعبرها كذلك تمّت المناداة بحقّ البلاد في الاستقلال، كما ساهمت المقالات الصحفيّة في إثراء الجدل بين النخب التونسيّة وبينهم وبين نظرائهم في فرنسا والعالمين العربي والغربي، كما أنّ أطر وهياكل إدارة وتحرير الصحف والجرائد كانت مهدا للدفاع عن الهويّة الوطنيّة التونسيّة ومنطلقا لتنظيم العمل الكفاحي والتحريري.
وأدّى «الاتصال المباشر بالجماهير والمواطنين» الّذي آمن به بورقيبة طويلا إلى تكوين حزام شعبي واسع حول أقطاب النخبة السياسيّة والثقافيّة والنقابيّة ممّا ساهم في إذكاء روح المقاومة ومن ثمّ تقوية الضغط على المستعمر الفرنسي وإخضاعه في الأخير إلى مطالب التحرّر والاستقلال، ولا بُدّ هنا من الإشارة إلى تعويل الزعيم بورقيبة كثيرا على الصحافة والإعلام الأجنبي لضمان التأييد الدولي للقضية الوطنيّة ، إذ كتب في عديد الصحف الفرنسيّة على وجه الخصوص وأدلى بحوارات إذاعيّة هامّة جدّا من أبرزها الحوار مع المذيع منير شمّا في مقرّ إذاعة الـ» بي بي سي» في لندن سنة 1950 وهو الحوار الّذي كاد يتسبّب في قطع العلاقات الفرنسيّة البريطانيّة.
ولكن ما إن امتلك بورقيبة زمام الأمور بين يديه حتّى انقلب عن تلك المواقف والقناعات ، ولم يكن غريبا أن يكون أوّل وزير مستقيل من حكومة الاستقلال هو كاتب الدولة المكلّف بالإعلام البشير بن يحمد ، وتتالت الضغوطات على الصحف، وأبرزتُ في البحث أنّ عدد الصحف والدوريات التونسيّة بدأ في التناقص مع تقدّم مسيرة الدولة التونسيّة عمّا كان عنه حتّى زمن الاستعمار نفسه ، وهذه من المفارقات الغريبة الّتي تحمل الكثير من الدلالات ، فإذا كانت الصحافة التونسية وكما ضبط ذلك الباحث جمال الزرن تعدّ 51 عنوانا سنة 1937 و 25 عنوانا سنة 1950 و17 عنوانا فجر الاستقلال ، فإنّها بعد الاستقلال وبسبب ضغوط الرئيس بورقيبة على حرية الصحافة تقلّص عددها فمن 7 يوميات ناطقة باللغة العربية قبل الاستقلال لم تعمر إلا صحيفتان يوميتان بعد الاستقلال، أما الأسبوعيات والدوريات الّتي كان يُناهز عددها العشرين لم يبق منها سنة 1965 سوى خمسة عناوين يتيمة فقط ، فجريدة «الزهرة» أعرق الصحف وأوّل يومية تونسية مستقلة والتي تأسّست سنة 1890 اختفت سنة1959 ، كذلك الشأن بالنسبة إلى صحيفة الطليعة
وAfrique Action qeCG Tribune de progrès فقد عرفت العديد من الأطوار انتهت بالسيطرة عليها وتسليمها إلى الوزير الأسبق محمّد الصياح سنة 1963 لتُمارس سياسة دعائيّة للزعيم الأوحد وترسم ملامح فردانيّة لنضال شعب بأسره من أجل طرد المستعمر، ففي سنة 1958 عارضت الجريدة الّتي كان يديرها حينها محمّد المصمودي والبشير بن يحمد محاكمة الطاهر بن عمّار، فاهتزّ بورقيبة وسارع بطرد المصمودي من الديوان السياسي للحزب برغم العـلاقة القويّة الّتي كانت بينهما، ولاحقا وبسبب المقال الشهير الصادر في عدد 12 سبتمبر 1961 الّذي تطرّق إلى ظاهرة الحكم الفردي
Le pouvoir personnel الّتي بدأت قيادات الدول العربيّة المستقلّة في انتهاجه أبعد بورقيبة بن يحمد واضطرّه إلى الهجرة، كما قرّر بورقيبة وبسبب نفس المقال طرد المصمودي من الديوان السياسي للحزب للمرّة الثانية ، كما حاصر بورقيبة جريدة «الصباح» بسبب ما أبدته من ميل للزعيم صالح بن يوسف وحجب عنها تمويلات الدولة والحزب مدّعيّا خروجها عن الإجماع الوطني في حين أنّها كانت تعبّر عن رؤية معيّنة من مسألة الاستقلال وطبيعة العلاقة الّتي يجب أن تكون مع الدولة الفرنسيّة. وفي الكتاب شهادات معبّرة عمّا تعرّض له الإعلام في العهد البورقيبي من تكبيل ومراقبة وحصار وتدخّل في شؤونه (عبد الحميد بن مصطفى وصلاح الدين الجورشي) ، وحتّى الإعلام الرسمي نفسه ـ مثل وكالة تونس إفريقيا للأنباء والإذاعة والقريب من الحزب الحاكم مثل جريدة «بلادي» ـ كان يتعرّض إلى صنوف من التوجيه والانتقاء والصنصرة والرقابة المكثّفة ( وحيد براهم وبلحسن بن عرفة). الرئيس بورقيبة ونتيجة لهواجس السلطة والزعامة والتفرّد في الحكم وقيادة البلاد كان يرفض وجود إعلام تعدّدي فيه الرأي والرأي الآخر ، وكان يعتبر كلّ من ينتقد فلسفته في الحكم مناوئا ومعاديّا ووصف في إحدى خطبه مقالات البشير بن يحمد بأنّها «سفاسف» ، ولاحق أمنيّا وقضائيّا مجموعة «الطليعة « و Tribune de progrès وغيرها من الصحف ، وقصر فهمه لأهداف الإعلام على أهداف معيّنة هي الدعاية لبرامج الحكم، وفي تقديري فأنّ بورقيبة لم يتمثّل الإعلام والاتصال كشيئين منفصلين عن أجهزة الدولة بل اعتبرهما أحد هذه الأجهزة ، إن لم يكونا أبرزها على الإطلاق ومن المهمّ هنا الإشارة إلى أنّ الحكومة التونسيّة لم ينقطع عنها ومنذ تشكّلها في 15 أفريل 1956 وإلى 6 نوفمبر 1987 كاتب دولة أو وزير مكلّف بالإعلام تماما كالحقائب الوزاريّة السياديّة.
وبحسب رأيي فإنّ بورقيبة قد تمثّل الوسيلة الإعلاميّة كأداة لتنفيذ برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي محدّد لطرف وحيد هو «الدولة» وطالما أنّه كان يعتقد أنّه والدولة سواء في قولته الشهيرة L'Etat c ' est moi فقد غاب عنه الإيمان بأهمية التفاعل والتواصل بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين وبقيت النظرة إلى «الإعلام» محكومة بهواجس الخوف من «الآخر» والسعي إلى الحدّ من فرص وجوده على المسرح الإعلامي. ومن خلال ما توفّر من وثائق فإنّ بورقيبة قصر ذكر مفهوم «الاتصال» كمرادف للإعلام التقليدي والاتصال المباشر بالشعب ولم يستوعب المفهوم في توسّعه وانفتاحه وجدله وتعدّد أطراف بث «الرسالة الإعلاميّة» أي بمفهومه الديمقراطي والحداثي كفضاء ومجال للجدل السياسي والتفاعل والمناظرة، وهذا في نظري ما يُمكن أن يبرّر استمراريّة التدخّل الرقابي والقمعي للسلطة السياسيّة في الميدان الإعلامي منذ فجر الاستقلال وإلى مغيب الحكم البورقيبي دون انقطاع، إذ شهدت عقود الحكم البورقيبي الثلاثة ـ وإن بدرجات متفاوتة ـ العديد من القرارات والإجراءات الهادفة إلى تعطيل «الجدل الإعلامي والاتصالي» وإيقافه كلّما حاول الانطلاق.
2008/06/30
تراتيل بحرية (قصة قصيرة)
"... ثم رأيت البيت المعمور, فإذا هو قلبي"ابن عربي
أصل الخرافات هاتف شوق... وأوّل الأساطير موعد مع اللاّمنتظر, ترتّبه مفارقات عجيبة, مخاتلة ومباغتة, لا تترك لك فرصة لاستيعاب ما سيحلّ بك ولو بعد دقيقة واحدة من الزّمن اللاّممسك. توليفة عجائبيّة تدفعك للتواطؤ مع لون الجدران مثلا,
مع رائحة الممرّات أو خذلان أزرار المصعد الآلي, مع أحذية النّزلاء وألوان ربطات العنق... ومع صوتها... صوتها هي النّازلة من سلالم الطّوابق العليا إلى بهوك السّفلي... هي الّتي تطوف بك وتجعلك تركب ظهر الصّدف المرتّبة بنظام سريالي وأنت تركض كطفل من أسفل إلى أعلى... من بهو الاستقبال إلى شرفة الغرف... من الأرضي إلى السّماوي...
صدفة تجد رأسك مثقلة بالبيرّة في قاعة استقبال أحد النّزل الفخمة, وعلى غير موعد يطفح قلبك بسكون البحر الفجريّ, وبزغب صرّتها الحليبيّة بإحدى شرفات الطّوابق العليا, حينها تفقد أصابعك واحدا واحد. لا يهمّ إن كان خنصرا أو بنصرا
المهمّ أنّه غار في الصلصال المسكون باضطراب الأنفاس وتقطّع اللّهاث... ويضيع المتبّقي من جسدك المرهق في ارتجاف الشّهقات الخجولة.
... إعترضها في الممرّ الطّويل الممتدّ من باب المصعد الآلي إلى خارج جناح النّزل بالطّابق السّادس. تركها تنهي حديث مجاملة مع أحد النّزلاء, يبدو أنّه كان داخل تلك العلبة الآلية, مثلما يحدث غالبا في مثل هذه الأماكن.
سألها عن رقم الغرفة الّتي حجزت لها من طرف إدارة النّزل, فأجابته أنّها الغرفة رقم 1711.
ابتسم وهو يقول:
ـ جيّد. إذن سيفصلنا جدار واحد هذه اللّيلة. جيّد جدّا.
ـ لماذا, هل حجزت الغرفة رقم 1710 أم 1712 ؟
ـ الأولى, الأولى. غرفة 1710 .
ناولته المفتاح وهي تهمس بدلال:
ـ دلّني على الغرفة إذن, لأرى سمك الجدار الفاصل بيننا.
تباوسا خلسة في الممرّ وهما يمدّان الخطى نحو الغرفة.
لم يضمر أيّ شيء في ذهنه. ولا هي. كان هو مشتّتا بين زجاجات البيرّة الّتي تركها فوق المنضدة ببهو النّزل حذو مضيّفه , وبين جثّة الرّجل الّذي يقاسمه غرفته رقم 1710 , وبين الفسحة البحريّة الّتي تواعد عليها معها قبل ساعة, أمّا هي فكانت سعيدة لتخلّصها من دعوة صديق لها لشرب قهوة خارج النّزل بضاحية سيدي بو سعيد, متعلّلة بالإرهاق والتّعب.
كانا هكذا, هو مشتّت وهي سعيدة, إلى أن ألفيا نفسيهما داخل عرفة مرتّبة بعناية فائقة... غرفة بابها مغلق على النّزلاء, ونافذتها البلّوريّة مفتوحة على الأفق البحري الممتدّ إلى آخر البصر... غرفة معدّة مسبقا للرّقص على خوان نحاسي من جمر الشّهوات المصهودة...
قطع الصّمت قائلا:
ـ تركت بيرّتي والأصدقاء فوق الطّاولة بالبهو.
فأجابته دون تفكير:
ـ تخلّصت من دعوة ثقيلة مع صديق قديم.
ـ والفسحة البحريّة معي. هل نسيتها أم هل ستتخلّصين منها هي الأخرى؟
ـ لو نزلنا إلى أسفل لرآني صديقي، وأنا الّتي أوهمته بتعبي ورغبتي في النّوم.
ـ إذن سأدعوك لفسحة بصريّة على البحر من نافذة غرفتك.
صمتت قليلا ثمّ سألته بصوت مغناج:
ـ وزجاجتك الطّيّبة, كيف تتنازل عنها؟
سحب الجزء المتبقّي من ستارة فستقيّة اللّون كانت تغطّي بلّور النّافذة إلى آخر ركن الغرفة, ثمّ سحب سيجارة من علبته وأشعلها وهو ينظر إلى ضوء القمر الّذي بدأ ينكسر على ماء البحر, و قال لها :
ـ سأشرب البحر بدل البيرّة. ما رأيك؟
لم تكن في حاجة كبيرة إلى فطنة استثنائيّة لتعرف أنّه الآن يستفزّ ذكائها وحواسّها معا, أو هو يراهن عليهما كما يوهمها دائما. كانت متأكّدة تماما أنّه يعني ما يقول...أنّه سيشرب البحر... وكانت هي البحر... بحره.
لم تقل شيئا. تقدّمت منه, وهو لا يزال واقفا أمام النّافذة. سرّحت بصرها في الزّرقة اللاّمتناهية وهي ترسم بأصابعها خطوطا عموديّة وأخرى أفقيّة على امتداد المساحة البلّوريّة المتاحة أمام يديها, ثمّ مسكت السّيجارة من يده. سحبت منها نفسا ممتلئ قبل أن تعجن نصفها في قعر المطفأة بتلذّذ خفيّ, ثمّ التصقت به وبدءا يسكران سويّة وهما يتطاوقان ويتمايلان وسط الغرفة كتوأمي فراش يكابدان لحظة خروجهما من الشّرنقة.
ظلاّ هكذا برهة من الزّمن إلى أن أسقطهما السّكر فوق السّرير, جذبها إليه وبدأ يغوص في أعماق البحر...وكان البحر يبتلعه مرّة... ويلفظه أخرى.
أسند قلبه على زندها الرّخامي الملمس وصار عندها كالغريق النّاجي, لا يني يمسح بلسانه طحالب صرّتها مدّا, وجزرا يهمس في أذنيها بحروف متعثّرة بلسانه, وهو يمرّر شفتيه متلمظا صدفتيها الحليبيّتين ويمزمزهما كحبّتي زبيب, ويقول لها:
ـ ملح البحر يصير سكّرا في لساني, يا بحري السكّري.
تتبسم في حياء مصطنع, وهي تسحب اللحاف الأبيض إلى حدود صدرها الناهد وتهمس له :
- كفى. كفى الآن, انك ستبتلع البحر بأكمله ولن تسكر أبدا أيها الرحمان الرجيم.
ضحك الاثنان وتباوسا من جديد ثم رفعها من خصرها إليه وعاودا الوقوف قدام نافذة الشرفة المطلة على البحر المتلألئة مياهه تحت ضوء القمر. ظلا ساكنين ينظران إلى البحر طويلا... طويلا حتى تبدت لهما خيوط الشمس مارقة عن الأفق البعيد خيطا خيطا, وتشرع في امتصاص ضوء القمر الفضي ومحو ظلمة السماء المرقطة بحفنة نجوم لا تزال منثورة هنا وهناك وكأنها تزاحم في كبرياء موهوم أشعة الشمس.
تركها لتأخذ حماما صباحيا وترتب شعرها وزينتها وتعيد لجسدها تماسكه, بعد أن تواعدا على احتساء قهوة الصباح ببهو النزل بعد نصف دقيقة.
دلف إلى الغرفة رقم 1710, غرفته المفترضة في جذاذات النزل. وجد جثة الرجل كما تركها البارحة, شخيرها يتكسر على الجدران البيضاء, وعلى النافذة الستائر الفستقية تحجب زرقة البحر.
أخذ بسرعة حماما باردا أنعش جسده ثم حمل حقيبته الجلدية وربطة عنقه في يديه ونزل خفيفا إلى بهو النزل أين ألقى جسده فوق أريكة مركونة تحت أحد الأبواق المثبتة في السقف.
ارتخى بثقله لينتظر قدومها وأخذ يدندن مع صوت فيروز المنهمر عليه من السقف - :" شايف البحر شو كبير... كبر البحر بحبك يا حبيبي...".
لم يطل انتظاره فبمجرد أن وضع النادل زجاجة البيرة فوق المنضدة الرخامية أمامه حتى تناهى له صوت شهقة مدوية تأتي من جهة المصعد الآلي للنزل.
رفع بصره فإذا هي تنظر إلى الزجاجة المنتصبة أمامه ويدها على صدرها.
أصل الخرافات هاتف شوق... وأوّل الأساطير موعد مع اللاّمنتظر, ترتّبه مفارقات عجيبة, مخاتلة ومباغتة, لا تترك لك فرصة لاستيعاب ما سيحلّ بك ولو بعد دقيقة واحدة من الزّمن اللاّممسك. توليفة عجائبيّة تدفعك للتواطؤ مع لون الجدران مثلا,
مع رائحة الممرّات أو خذلان أزرار المصعد الآلي, مع أحذية النّزلاء وألوان ربطات العنق... ومع صوتها... صوتها هي النّازلة من سلالم الطّوابق العليا إلى بهوك السّفلي... هي الّتي تطوف بك وتجعلك تركب ظهر الصّدف المرتّبة بنظام سريالي وأنت تركض كطفل من أسفل إلى أعلى... من بهو الاستقبال إلى شرفة الغرف... من الأرضي إلى السّماوي...
صدفة تجد رأسك مثقلة بالبيرّة في قاعة استقبال أحد النّزل الفخمة, وعلى غير موعد يطفح قلبك بسكون البحر الفجريّ, وبزغب صرّتها الحليبيّة بإحدى شرفات الطّوابق العليا, حينها تفقد أصابعك واحدا واحد. لا يهمّ إن كان خنصرا أو بنصرا
المهمّ أنّه غار في الصلصال المسكون باضطراب الأنفاس وتقطّع اللّهاث... ويضيع المتبّقي من جسدك المرهق في ارتجاف الشّهقات الخجولة.
... إعترضها في الممرّ الطّويل الممتدّ من باب المصعد الآلي إلى خارج جناح النّزل بالطّابق السّادس. تركها تنهي حديث مجاملة مع أحد النّزلاء, يبدو أنّه كان داخل تلك العلبة الآلية, مثلما يحدث غالبا في مثل هذه الأماكن.
سألها عن رقم الغرفة الّتي حجزت لها من طرف إدارة النّزل, فأجابته أنّها الغرفة رقم 1711.
ابتسم وهو يقول:
ـ جيّد. إذن سيفصلنا جدار واحد هذه اللّيلة. جيّد جدّا.
ـ لماذا, هل حجزت الغرفة رقم 1710 أم 1712 ؟
ـ الأولى, الأولى. غرفة 1710 .
ناولته المفتاح وهي تهمس بدلال:
ـ دلّني على الغرفة إذن, لأرى سمك الجدار الفاصل بيننا.
تباوسا خلسة في الممرّ وهما يمدّان الخطى نحو الغرفة.
لم يضمر أيّ شيء في ذهنه. ولا هي. كان هو مشتّتا بين زجاجات البيرّة الّتي تركها فوق المنضدة ببهو النّزل حذو مضيّفه , وبين جثّة الرّجل الّذي يقاسمه غرفته رقم 1710 , وبين الفسحة البحريّة الّتي تواعد عليها معها قبل ساعة, أمّا هي فكانت سعيدة لتخلّصها من دعوة صديق لها لشرب قهوة خارج النّزل بضاحية سيدي بو سعيد, متعلّلة بالإرهاق والتّعب.
كانا هكذا, هو مشتّت وهي سعيدة, إلى أن ألفيا نفسيهما داخل عرفة مرتّبة بعناية فائقة... غرفة بابها مغلق على النّزلاء, ونافذتها البلّوريّة مفتوحة على الأفق البحري الممتدّ إلى آخر البصر... غرفة معدّة مسبقا للرّقص على خوان نحاسي من جمر الشّهوات المصهودة...
قطع الصّمت قائلا:
ـ تركت بيرّتي والأصدقاء فوق الطّاولة بالبهو.
فأجابته دون تفكير:
ـ تخلّصت من دعوة ثقيلة مع صديق قديم.
ـ والفسحة البحريّة معي. هل نسيتها أم هل ستتخلّصين منها هي الأخرى؟
ـ لو نزلنا إلى أسفل لرآني صديقي، وأنا الّتي أوهمته بتعبي ورغبتي في النّوم.
ـ إذن سأدعوك لفسحة بصريّة على البحر من نافذة غرفتك.
صمتت قليلا ثمّ سألته بصوت مغناج:
ـ وزجاجتك الطّيّبة, كيف تتنازل عنها؟
سحب الجزء المتبقّي من ستارة فستقيّة اللّون كانت تغطّي بلّور النّافذة إلى آخر ركن الغرفة, ثمّ سحب سيجارة من علبته وأشعلها وهو ينظر إلى ضوء القمر الّذي بدأ ينكسر على ماء البحر, و قال لها :
ـ سأشرب البحر بدل البيرّة. ما رأيك؟
لم تكن في حاجة كبيرة إلى فطنة استثنائيّة لتعرف أنّه الآن يستفزّ ذكائها وحواسّها معا, أو هو يراهن عليهما كما يوهمها دائما. كانت متأكّدة تماما أنّه يعني ما يقول...أنّه سيشرب البحر... وكانت هي البحر... بحره.
لم تقل شيئا. تقدّمت منه, وهو لا يزال واقفا أمام النّافذة. سرّحت بصرها في الزّرقة اللاّمتناهية وهي ترسم بأصابعها خطوطا عموديّة وأخرى أفقيّة على امتداد المساحة البلّوريّة المتاحة أمام يديها, ثمّ مسكت السّيجارة من يده. سحبت منها نفسا ممتلئ قبل أن تعجن نصفها في قعر المطفأة بتلذّذ خفيّ, ثمّ التصقت به وبدءا يسكران سويّة وهما يتطاوقان ويتمايلان وسط الغرفة كتوأمي فراش يكابدان لحظة خروجهما من الشّرنقة.
ظلاّ هكذا برهة من الزّمن إلى أن أسقطهما السّكر فوق السّرير, جذبها إليه وبدأ يغوص في أعماق البحر...وكان البحر يبتلعه مرّة... ويلفظه أخرى.
أسند قلبه على زندها الرّخامي الملمس وصار عندها كالغريق النّاجي, لا يني يمسح بلسانه طحالب صرّتها مدّا, وجزرا يهمس في أذنيها بحروف متعثّرة بلسانه, وهو يمرّر شفتيه متلمظا صدفتيها الحليبيّتين ويمزمزهما كحبّتي زبيب, ويقول لها:
ـ ملح البحر يصير سكّرا في لساني, يا بحري السكّري.
تتبسم في حياء مصطنع, وهي تسحب اللحاف الأبيض إلى حدود صدرها الناهد وتهمس له :
- كفى. كفى الآن, انك ستبتلع البحر بأكمله ولن تسكر أبدا أيها الرحمان الرجيم.
ضحك الاثنان وتباوسا من جديد ثم رفعها من خصرها إليه وعاودا الوقوف قدام نافذة الشرفة المطلة على البحر المتلألئة مياهه تحت ضوء القمر. ظلا ساكنين ينظران إلى البحر طويلا... طويلا حتى تبدت لهما خيوط الشمس مارقة عن الأفق البعيد خيطا خيطا, وتشرع في امتصاص ضوء القمر الفضي ومحو ظلمة السماء المرقطة بحفنة نجوم لا تزال منثورة هنا وهناك وكأنها تزاحم في كبرياء موهوم أشعة الشمس.
تركها لتأخذ حماما صباحيا وترتب شعرها وزينتها وتعيد لجسدها تماسكه, بعد أن تواعدا على احتساء قهوة الصباح ببهو النزل بعد نصف دقيقة.
دلف إلى الغرفة رقم 1710, غرفته المفترضة في جذاذات النزل. وجد جثة الرجل كما تركها البارحة, شخيرها يتكسر على الجدران البيضاء, وعلى النافذة الستائر الفستقية تحجب زرقة البحر.
أخذ بسرعة حماما باردا أنعش جسده ثم حمل حقيبته الجلدية وربطة عنقه في يديه ونزل خفيفا إلى بهو النزل أين ألقى جسده فوق أريكة مركونة تحت أحد الأبواق المثبتة في السقف.
ارتخى بثقله لينتظر قدومها وأخذ يدندن مع صوت فيروز المنهمر عليه من السقف - :" شايف البحر شو كبير... كبر البحر بحبك يا حبيبي...".
لم يطل انتظاره فبمجرد أن وضع النادل زجاجة البيرة فوق المنضدة الرخامية أمامه حتى تناهى له صوت شهقة مدوية تأتي من جهة المصعد الآلي للنزل.
رفع بصره فإذا هي تنظر إلى الزجاجة المنتصبة أمامه ويدها على صدرها.
2008/06/27
درجة اولى (قصة قصيرة)
هناك قاطرة للبكاء تقل المغنين والحالمين ألغيت ...* مظفر النواب
ألقى بجسده داخل العربة وهو يلهث دون أن يتثبت منها, بعد أن فاجأته صافرة القطار منذرة بانطلاق الرحلة. أنزل الحقيبة الثقيلة من فوق ظهره وركنها حذوه, فوق الكرسي الفارغ, ثم رفع رقبته إلى الأعلى حيث يندفع الهواء باردا من مكيف العربة.لما انتظمت أنفاسه شرع يتفرس ملامح المسافرين المنتشرين داخل العربة الواسعة. لم يكونوا كثرا: سائحة متوسطة العمر مشغولة بتفاصيل الطريق وأزرار آلة التصوير الرقمية تداعبها تارة أمام صواري المراكب المتناثرة فوق ماء البحر وطورا نحو قرص الشمس الذاهبة في حمرتها إلى أسفل زرقة الماء وشاب يلاحق إيقاع الموسيقى المنبعثة من سلكي آلة التسجيل المثبتين في أذنيه, وامرأة تطالع مجلة باللغة الفرنسية.كانوا ثلاثة وهو رابعهم صامتين وسط عربة القطار الواسعة والمكيفة وكانت باقي المقاعد شاغرة المقاعد كانت من الجلد الخالص وسليمة من آثار التخريب أو التمزيق وفي طرف كل مقعد ثٌبتت مطفأة سجائر.ـ إذن التدخين مسموح به في هذه العربة.أشعل سيجارة وعاد يمشط العربة ببصره عله يعثر على خربشة بالقلم فوق أحد المقاعد أو تصادفه مُلصقة اشهارية ممزقة الأطراف فوق البلور المفتوح على الخارج.توقف القطار في المحطة الأولى. انزلق باب العربة على اليمين والشمال ولم يصعد أحد, وإنما تناهى إلى سمعه ضجيج وصياح تعالى من ذيل الثعبان الحديدي.في المحطة الثانية نزلت السائحة وصعدت فتاة تحتضن بين ذراعيها جروا أبيض اللون ومن عنقه تدلت قلادة ذهبية. ظل ينقًل بصره بين صدرها الناهد وذيل الجرو الملتصق بإحدى حلمتيها برهة من الزمن ثم فتح حقيبته وأخرج سكينا ومقصا. وضعهما فوق المقعد بجانبه، وعاود النظر إلى الفتاة... ثم شرع في تجميع وترتيب زهرات الفل والياسمين و يلفها بالخيط الأبيض الرفيع، بحركات بهلواني. سريعة ودقيقة.عندما كان مشغولا بما بين أصابعه لم يتفطن إلى مراقب التذاكر وهو يدخل من الباب الخلفي للعربة ويتجه نحوه مباشرة بعد أن وزع ابتسامته للفتاة وتحيته للشاب والمرأة.ـ التذكرةـ تفضلسحبها من جيب سترته وهو يغلق حقيبته كيفما اتفق ويجمع حبات الياسمين والفل المتناثرة فوق ركبتيه.ـ ماذا تفعل هنا ؟ إنها تذكرة درجة ثانية.ـ لم انتبه, فاجأني القطار فصعدت من أول باب مفتوح.توقف القطار في المحطة الثالثة. نزل مراقب التذاكر حاملا الحقيبة المملوءة بأزهار الياسمين والفل وهو يتبعه من الخلف ويتوسله أن يخلي سبيله.بعد أن خرج من مخفر الشرطة أين حجزت حقيبته بما حوت، قطع السكة في اتجاهها العكسي. اقتطع تذكرة للعودة من حيث جاء وغاب طيفه في الضجيج المتعالي أمام العربة درجة ثانية.
ألقى بجسده داخل العربة وهو يلهث دون أن يتثبت منها, بعد أن فاجأته صافرة القطار منذرة بانطلاق الرحلة. أنزل الحقيبة الثقيلة من فوق ظهره وركنها حذوه, فوق الكرسي الفارغ, ثم رفع رقبته إلى الأعلى حيث يندفع الهواء باردا من مكيف العربة.لما انتظمت أنفاسه شرع يتفرس ملامح المسافرين المنتشرين داخل العربة الواسعة. لم يكونوا كثرا: سائحة متوسطة العمر مشغولة بتفاصيل الطريق وأزرار آلة التصوير الرقمية تداعبها تارة أمام صواري المراكب المتناثرة فوق ماء البحر وطورا نحو قرص الشمس الذاهبة في حمرتها إلى أسفل زرقة الماء وشاب يلاحق إيقاع الموسيقى المنبعثة من سلكي آلة التسجيل المثبتين في أذنيه, وامرأة تطالع مجلة باللغة الفرنسية.كانوا ثلاثة وهو رابعهم صامتين وسط عربة القطار الواسعة والمكيفة وكانت باقي المقاعد شاغرة المقاعد كانت من الجلد الخالص وسليمة من آثار التخريب أو التمزيق وفي طرف كل مقعد ثٌبتت مطفأة سجائر.ـ إذن التدخين مسموح به في هذه العربة.أشعل سيجارة وعاد يمشط العربة ببصره عله يعثر على خربشة بالقلم فوق أحد المقاعد أو تصادفه مُلصقة اشهارية ممزقة الأطراف فوق البلور المفتوح على الخارج.توقف القطار في المحطة الأولى. انزلق باب العربة على اليمين والشمال ولم يصعد أحد, وإنما تناهى إلى سمعه ضجيج وصياح تعالى من ذيل الثعبان الحديدي.في المحطة الثانية نزلت السائحة وصعدت فتاة تحتضن بين ذراعيها جروا أبيض اللون ومن عنقه تدلت قلادة ذهبية. ظل ينقًل بصره بين صدرها الناهد وذيل الجرو الملتصق بإحدى حلمتيها برهة من الزمن ثم فتح حقيبته وأخرج سكينا ومقصا. وضعهما فوق المقعد بجانبه، وعاود النظر إلى الفتاة... ثم شرع في تجميع وترتيب زهرات الفل والياسمين و يلفها بالخيط الأبيض الرفيع، بحركات بهلواني. سريعة ودقيقة.عندما كان مشغولا بما بين أصابعه لم يتفطن إلى مراقب التذاكر وهو يدخل من الباب الخلفي للعربة ويتجه نحوه مباشرة بعد أن وزع ابتسامته للفتاة وتحيته للشاب والمرأة.ـ التذكرةـ تفضلسحبها من جيب سترته وهو يغلق حقيبته كيفما اتفق ويجمع حبات الياسمين والفل المتناثرة فوق ركبتيه.ـ ماذا تفعل هنا ؟ إنها تذكرة درجة ثانية.ـ لم انتبه, فاجأني القطار فصعدت من أول باب مفتوح.توقف القطار في المحطة الثالثة. نزل مراقب التذاكر حاملا الحقيبة المملوءة بأزهار الياسمين والفل وهو يتبعه من الخلف ويتوسله أن يخلي سبيله.بعد أن خرج من مخفر الشرطة أين حجزت حقيبته بما حوت، قطع السكة في اتجاهها العكسي. اقتطع تذكرة للعودة من حيث جاء وغاب طيفه في الضجيج المتعالي أمام العربة درجة ثانية.
2008/06/26
حوار مع عم خميس زليلة صاحب بابور زمر

...هو الذي كان يجمع أعقاب السجائر من على أرصفة الشوارع والأنهج والأزقة الباردة ليدخنها بشراهة أسطورية... وهو الذي كان ينبش المزابل والحاويات الحديدية هنا وهناك بحثا عن فتات الخبز اليابس ليقضمها رفقة القطط والكلاب السائبة... وهو الذي هرب من ثكنة الجيش الفرنسي بسيارة مصفحة ليحكم بالإعدام مرتين وينجح في الإفلات من تنفيذ العقاب...هو عم خميس كما يحلو لكل رفاقه وأصدقائه أن ينادونه... وهو أيضا المولدي زليلة مثلما هو مسجل بدفاتر الحالة المدنية ببلدية أولاد يانق بجزيرة قرقنة ذات 27 ديسمبر 1917....عم خميس هو الذي عمل كناسا بشركة السكك الحديدية ثم تطوع في الجندية سنة 37 بجيش الباي... والمولدي زليلة هو الذي ناضل في صفوف الحزب الشيوعي وأسس جريدة العامل التونسي والمهاجر بمدينة قرونوبل الفرنسية... قبل أن ألتقيه، وإلى زمن غير بعيد كنت أؤمن بأن قيمة الحياة لا تكمن في الامتداد وطول الأعوام، بل تكمن أساسا في كيفية استخدامها وتوظيف عمر الواحد منا بالشكل الأنسب لامتلاك ناصية حياته... بعد أن عرفته وجالسته لأيام معدودات لم تتجاوز الثلاثة، لم أتراجع عن إيماني هذا، وإنما تعلمت منه أيضا أن العمر الطويل هو الذي يكتنز سر الحياة ومكنوناتها...
وأنت تدخل سنتك التسعين، كيف يمكنك أن تقدّم مسيرتك لقراء الشعب ؟
ـ في ميلادي ، عندما كان عمري ستة سنوات لم أكن جميلا ووسيما فتكوّنت لدي عقدة نقص، ممّا جعلني أنعزل عن أصدقائي وصرت ميّالا لمصاحبة الرجال الكبار والذين تعلّمت من مجالستهم الكثير من خبايا الدنيا، كما أن كل الرجال الذين تعرّفت عليهم في صغري أحبّوني لأنّى كنت أروي لهم ملخصات عن بعض الكتب التي كانت تقع بين يدي مثل سيرة عنترة ابن شدّاد وسيرة سيف بن ذي يزن، فصار لدي فائض من الكبرياء والأنفة يلازمني إلى يوم الناس هذا.كما كنتُ في صغري أدافع عن الحيوانات وعن المرأة والمرضى والصغار والعمّال والفقراء والمهمّشين، فتكوّنت لدي روح نقابية منذ نعومة أظافري، ثم تشكّل وعيي النقابي بعد ثورة أكتوبر ، وبدأت الأفكار تتحرّك في إتجاهات ثلاث (الميناء والسكك الحديدية والترامواي).ثم قدمتُ إلى تونس العاصمة سنة وصرت من جلاّس مقهى الأندلس أين تعرّفت إلى أبو القاسم الشابي ومحمد زين العابدين السنوسي، ثم اشتغلتُ في السكك الحديدية أين بدأ يتشكّل لديّ الوعي السياسي باحتكاكي بالعمّال الإيطاليين، ثم انتميت إلى الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الذي كان يرأسه الحبيب بورقيبة، ومن الأشياء الطريفة التي أستحضرها الآن أنّني طعنتُ رفيقي محمد نصير بخنجر لأنه ظل في شق عبد العزيز الثعالبي فسُجنتُ لمدّة شهرين.أثناء ثورة الأمير عبد القادر الخطابي في المغرب اعترتني رغبة شديدة في الدخول إلى الجيش لتحريض الناس على العصيان والتمرّد على المستعمر الفرنسي وتطوّعتُ فعلا في الجيش الملكي التونسي، وإثر حوادث بباب سويقة استقلتُ من الجيش وكان ذلك قبل أفريل ، ولئن لم يقع القبض عليّ أثناء تلك الأحداث إلاّ أنّني وقعتُ في قبضة البوليس الفرنسي اثر تلك الأحداث وسُجنتُ لمدّة شهرين داخل السجن المدني، ولأنّني فُتنتُ بثورة عبد الكريم الخطابي فقد تطوّعت مرّة ثانية في الجيش الفرنسي إبان الحرب العالمية الثانية ( ـ ) لأهرب منه عندما صعدت حكومة «بيتان» وكانت آنذاك عقوبة الهروب من الجيش الفرنسي تعادل الإعدام، فظللتُ مختفيا من عام إلى نهاية .بعد ذلك انخرطت في الإتحاد النقابي للعمال التونسيين (USTT) وحينها تعرّفتُ على جورج عدّة وعلي جراد وحسين السعداوي وهم المؤسسين الأوائل للحركة الشيوعية في تونس، وقبلها سقطت عني عقوبة الإعدام بعد أن سلّمتُ نفسي للسلطات الفرنسية ووقف آنذاك إلى جانبي الحزب الشيوعي التونسي (P C T) والذي كان قويا في تلك الفترة باعتبار وجود خمس وزراء شيوعيين في حكومة شارل ديغول في فرنسا أثناء الحرب، فسُجنتُ لمدّة سنة واحدة بدلا من تنفيذ حكم الإعدام في، وهي السنة التي أُستُشهد فيها الزعيم النقابي فرحات حشّاد، حشاد الذي اختلفتُ معه على الإنتماء للإتحاد العام التونسي للشغل والإنسحاب من الحزب الشيوعي التونسي. ثم عدتُ إلى الجيش ومن الطرائف التي حصلت لي أنّني عندما كنت مُطاردا من طرف الجيش الفرنسي، كنت أمثّل في مسرحية بعنوان «البهبار» والتي ألفها حمّادي بسيّس وكانت تروي فظاعات السفاح الإيطالي موسيليني والذي تقمّص شخصيته في المسرحية الهادي السملالي.في تلك الفترة تنامى لدي الحس القومي خاصة مع بداية هجرة اليهود للإستيطان بالأراضي الفلسطينية وتملكتني الرغبة في الفرار من الجيش والإلتحاق بالثوار الفلسطينيين، وفعلا هربتُ من الجيش بعد أن استوليتُ على سيارة مصفّحة وقليلا من السلاح، ولكن قبل أن أتجاوز الحدود التونسية باتجاه التراب الليبي التحق بنا الجيش الفرنسي فقتل أصدقائي الثلاثة وهربت أنا إلى جزيرة جربة أين إلتقيتٍ بمحمّد محجوب الذي ساهم في تهريبي إلى التراب الليبي، ومنه وصلتُ إلى مرسى مطروح بمصر حيثُ تدرّبتُ هناك على نفقة الجامعة العربية ثم انتقلت إلى سوريا ومنها إلى لبنان ثم عدتُ إلى ليبيا وقضيت بها سنتين لأعود بعدها إلى تونس ولايزال حكم الإعدام قائما بشأني باعتباري هربتُ بسيارة مصفحة من الجيش الفرنسي، ومع ذلك سقط عني حكم الإعدام للمرّة الثانية وسُجنتُ لمدّة سنة واحدة قضيتها بسجن أفريل.
ثــم عشـت سـنوات الإسـتقلال وبنـــاء الـدول الـوطنـيـة ؟
قبل الحديث عن الإستقلال أودّ أن أذكّر أن الثوّار الذين أخرجوا المستعمر الفرنسي من التراب التونسي هم من الإتحاد العام التونسي للشغل وهو الذي موّل أيضا الحركة الثورية آنذاك رغم معارضة الحبيب بورقيبة.في تلك الفترة دخلتُ مستكتبا للجامعة التونسية لقدماء المحاربين، وكنت أيضا رئيسا لودادية قدماء محاربي فلسطين والتي كان مقرّها بسيدي علي عزّوز، كما بدأت أكتبُ في الصحافة، وكان أول مقال لي أثناء الحكومة المؤقتة سنة وكان قدحا في حكومة بورقيبة الداخلية، كنت قد أوردته بعنوان «قليلا من الواقعية أيها الواقعيون» ، وكانت أول مقالة لي باللغة العربية في صحيفة «الصباح» بعنوان «صاحبة الجلالة، الصحافة» وكتبت عن قضية تونس والجزائر وكتبت في جريدة العمل وقد صُنفت على أساس أنني يوسفي من شق صالح بن يوسف، وتعرضت لاعتداء بالخنجر من قبل الشق البورقيبي ومن المصادفات أني أنقذت من اعتدى علي في وقت لاحق.سافرت الى فرنسا أول مرة يوم 17 نوفمبر 1957 وهناك تعرفت على الماويين والتروتسكيين ثم تعرفت الى المناضل الهاشمي بن فرج وكان العمل مع حركة آفاق وقمنا بحركة عمالية حيث أصدرنا جريدة العامل التونسي ( عند الاشارة لجريدة العامل التونسي تدخل رفيق محاوري المناضل الهاشمي بن فرج ليؤكد على أن جريدة «العامل التونسي» بطابعها التهكمي وباقترابها من الهموم الحقيقية التونسية، كان يمكن لها أن تستمر الى اليوم لولا تدخل البعض من السياسيين التونسيين الذين رأوا أن هذا الأسلوب شعبوي ولا ينطلق من قاعدة ايديولوجية واضحة وكانوا سببا في توقفها عن الصدور!!!)كما كنت ألقي خطابات في جامعة السربون تعرفت على توفيق الجبالي ومحمد ادريس وحسن كركر ورجاء فرحات وجلبار النقاش والهاشمي الطرودي، باختصار جماعة سجن برج الرومي، وأيضا محمد فليس ونورالدين بلهوان ومحمد بن جنات وسيمون بن عثمان ... ثم كوّنا جريدة المهاجر بمدينة غرونوبل، وأيضا الاذاعة الحرة...
هذه التجربة النضالية في فرنسا، كانت استتباعا لأغنية «بابور زمّر « التي أداها الفنان الهادي قلة ، أليس كذلك؟
ـ بالفعل كتبت أغنية «بابور زمّر « وأنا على سطح باخرة «مدينة تونس» باتجاه فرنسا حيث التقيت بالفنان الهادي قلة في مدينة «فانسان» وقد كان آنذاك الهادي قلة يتعلم العزف، فلحن كلمات «بابور زمّر» وصار يؤديها في الجامعات والتجمعات العمالية وأخذت رواجا كبيرا وأنا الى الآن آخذ حقوق تأليف أغنية «بابور زمّر» من فرنسا. ...
وعلاقتك بالرسم هل بدأت في فرنسا أم هنا من قرقنة؟
ـ عندما عدت الى قرقنة سنة 1978 بعد أن خرجت الى التقاعد بسبب المرض وعدت أقوم بنحت الطين ثم صرت أرسم الكاريكاتور ثم رسمت عدة لوحات على الرمل وعلى الجبس وعلى البلور، مثل صورة فرحات حشاد وكنت قد أهديت آنذاك كل أعمالي الى متحف العباسية بقرقنة.
وكيف كانت فكرة هذا المعرض الذي تقيمه الآن بفضاء التياترو؟
ـ الفضل يعود الى المناضل الهاشمي بن فرج الذي بذل قُصار جهده لإنجاز هذا المعرض، وأيضا للمسرحي توفيق الجبالي، وأود هنا أن أشكر رفيقي الهاشمي بن فرج الذي عرفني في فرنسا على الشيخ امام عيسى والشاعر أحمد فؤاد نجم وحمادي العجيمي ومحمد بحر وهو الذي كان همزة وصل بيني أنا والهادي قلة الذي قدم له أغنيتي «بابور زمّر» . كما أود أن أشكر الدكتور حاتم بن ميلاد الذي هو الآن بصدد إنجاز شريط وثائقي حول مسيرتي.
عم خميس لاحظت في هذا المعرض انحيازك التام أولا الى فئات الشعب المفقّر وثانيا الى أسلوبك التهكّمي أو الكاريكاتوري؟
ـ أعشق فن الكاريكاتور لإنعدام القيود والضوابط ولقدرته على إخراج الفكرة بالشكل الأقرب لواقعها، وهذا العشق ليس غريبا علي لأني كنت من أصحاب محمد بيرم التونسي وجون كوكتو وسيمون دي بوفوار. أما عن انحيازي الى المهمشين والمفقرين فهذا أمر بديهي وطبيعي ولا يتطلب تعليق على ذلك . وأنا ـ مثلما لاحظت من خلال معرضي ـ منحاز بالدرجة الأولى الى المرأة المضطهدة ، ولذلك كان أول معرض لي بنادي الطاهر الحداد في الثمانينات، أنا ابن الطبقة المفقرة، هامشي ولا أجد نفسي خارجا عنها، لذلك كتبت ورسمت عن العمال والنساء والمعاقين وكل الذين ينتمون لحزب الفقر . وأيضا وهذا المهم أني وجدت نفسي في الشعر والرسم لأني أعتبرهما من الفنون الحرة والفنون المنغرسة في الارض، في الطبقة المضطهدة والمحرومة. كل المساحة المتبقية أنت حرّ في تحبيرها بما تشاء؟ـ أمنيتي أن أموت وأنا خميس زليلة، ذاك الفقير المهمش ، أمنيتي أن يكافح الشباب ويناضل لأجل الأغنية ، للوحة ، للركح وللشاشة ، أمنيتي أن يستبسل الشباب لأجل حياة أفضل...
2008/06/25
أمين عام المؤتمر القومي العربي خالد السفياني:

مشروع أمريكي لتحويل الصراع العربي الصهيوني الى صراع عربي فارسي
في إطار أحياء الاتحاد العام التونسي للشغل لذكرى النكبة الفلسطينية تمت دعوة الأستاذ المحامي المغربي خالد السفياني الأمين العام للمؤتمر القومي العربي لإلقاء محاضرتين عن القضية الفلسطينية والأوضاع العربية، حيث ألقى محاضرة أولى بالمنستير ومحاضرة ثانية بصفاقس.
وقد انتهزتا وجوده هنا في تونس لإجراء حوار معه وتقديم لمحة للقراء عن المؤتمر القومي العربي وعن مشروعه النهضوي وكذلك للتطرق لبعض التطورات الحاصلة في المنطقة العربية.
* باعتباركم أمينا عاما للمؤتمر القومي العربي، كيف تحددون مفهوم القومية العربية في هذه المرحلة خاصة بعد التطورات الجيوسياسية والتحالفات الراهنة في المنطقة العربية؟ـ في البداية كانت القومية العربية تنطلق من اعتبارها انتماء عرقيا وكانت تشكل أحد مكونات الأمة لكن في نفس الوقت المكون الذي يعتبر إن من حقه الهيمنة الفكرية والسياسية كان يعتبر نفسه أن من واجبه قيادة العمل القومي في الأمة وهذا ما أدى إلى الانشطار والى إساءة تطويق الفكرة القومية في جوهرها، بينما الآن ومنذ تأسيس المؤتمر القومي العربي بتونس منذ 19 سنة أعطي لمفهوم القومية العربية بعد جديد حيث وقع تأسيس هذا المؤتمر من طرف شخصيات تنتمي إلى مختلف مكونات الأمة العرقية والمذهبية والدينية والسياسية... وأصبحت القومية العربية ذلك الوعاء الذي يضم مختلف أبناء الأمة بمختلف انتماءاتهم التي تؤمن بالمشروع النهضوي العربي وان اختلفت رؤيتها في بعض الجزئيات أو بعض القضايا داخلية كانت ام عربية، وفي هذا الإطار كان توجه المؤتمر وهو يطمح ان يكون مرجعية فكرية عربية يطلق الحوار العميق والهادئ بين كل مكونات الأمة ويضع على عاتقه خلق آليات هذا الحوار، وقد تم تأسيس المؤتمر القومي الإسلامي، ولئن كان المؤتمر القومي العربي يضم العديد من القيادات الماركسية والليبرالية والقومية التقليدية والإسلامية فانه عمل على تأسيس هذا الإطار أي المؤتمر العربي الإسلامي من اجل خلق حوار وتنسيق الجهود بين القوميين واليساريين والليبراليين وبين الإسلاميين بمختلف مكوناتهم في الأمة وهو المؤتمر الذي لعب دورا جوهريا في ردم جزء كبير من الهوة التي كانت تفصل بين هذه المكونات التي كانت نتيجتها الطبيعية الاقتتال الداخلي واضعاف جبهة مقاومة أعداء الأمة.
* وعلى المستوى الجماهيري كيف يتفاعل المؤتمر مع هذا المكون الأساسي؟ـ عمل المؤتمر القومي العربي على تأسيس العديد من الإطارات المتخصصة والتي ضمت في صفوفها مختلف مكونات الأمة العربية ويطمح المؤتمر من خلال تجربته الطويلة إلى أن يكون مرجعية شعبية بالإضافة إلى هدفه الأساسي بأن يكون مرجعية فكرية، وهو يحرص أن يكون ضمن أعضائه فعاليات وقيادات فكرية وسياسية وميدانية حتى يستطيع تحقيق هذه الأهداف، وان كان الانتماء للمؤتمر ليس انتماء للأحزاب والمنظمات الثقافية الحقوقية والمدنية، لان العضوية فيه عضوية شخصية مع تأكيد أن المؤتمر القومي العربي ليس حزبا سياسيا ولا يطمح أن يكون كذلك ولا يمكن أيضا ان يصبح حزبا وبذلك فالمهام التي يطرحها سواء فكرية كانت أو ميدانية يبقى على أعضائه في كل الساحات والميادين العمل على تنفيذها وإنجازها.
* هل يمكن إذن أن نتحدث عن قومية حديثة متجاوزة للقومية التقليدية بعد إنجاز المؤتمر القومي العربي خاصة في المستوى التنظيري؟ـ في مستوى التنظير وفي مستوى التنظيم لا يمكن إلا أن نتجه هذا الاتجاه الحديث المتجاوز للتشرذم ويعمل على إرساء مفهوم نهضوي جامع والذي لا يتنكر للفكر القومي التقليدي لكنه لا يظل حبيسا لنظرية من نظرياته او لممارسة من ممارساته ويكفي أن نعرف ان كل مكونات العمل القومي توجد داخل المؤتمر إلى جانب بقية المكونات الأخرى اليسارية منها والليبرالية والإسلامية، ففي المؤتمر القومي العربي نجد بعثيي (سوريا والعراق) وقوميين عربا بالإضافة إلى بقية المكونات، وفي المؤتمر كذلك عرب وأمازيغ وأقباط ودروز ومسلمون شيعة وسُنة وفيه المسيحيون... وهذا التنوع والاتجاه نحو بلورة وإنجاز المشروع النهضوي العربي، وهذا الاحتضان الجامع لكل مكونات الأمة هو ما يمكن تسميته بالقومية الحديثة.
* وعلى مستوى القيادة والتوجيه هل تجاوزتم ذهنية القائد الفرد والمنظّر الواحد؟
ـ من قبل كان القائد الفرد والحزب القائد وكان التفكير والتوجيه محصور فيهما. الآن لا يمكن أن يكون العمل إلا جماعيا، ففي المؤتمر القومي العربي تجد مفكرين وسياسيين وميدانيين وإعلاميين... ومسودة المشروع النهضوي العربي وضعت منذ سنوات وأثيرت بشأنها نقاشات وحوارات متعددة فكانت المسودة الثانية وتلتها مسودة ثالثة وكل ذلك نتيجة لعملنا الجماعي، وقريبا ستطرح المسودة الرابعة لهذا المشروع في الساحات العامة لتصل إلى مشروع متكامل، فالمشروع ليس فرديا ولا يمكن تبنيه من احد ما وهذا وجه من وجوه العمل الحديثة.
* هل يمكن أن تقدموا لنا الخطوط لهذا المشروع؟ـ المشروع ينبني على أسس ستة هي التحرير والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري، وهي مبادئ متكاملة وليست مجزأة لتحقيق واحدة قبل أخرى، وهو عمل متكامل لتحقيق هذه الأطراف التي نعتبرها خلاص الأمة من الاستعباد الداخلي والخارجي.
* كيف ترون واقع المنطقة العربية بين المشروع الأمريكي الصهيوني ومشروع ما يسمى بالمقاومة والممانعة؟ـ أود أن أشير في هذه المرحلة الراهنة إلى انه يجب أن نكون واعين حتى نفهم ما يجري ونتفاعل معه، فما يجري الآن هو فرز واضح بين مشروعين الأول أمريكي صهيوني والثاني المقاومة والممانعة، وكل ما يجري يدخل تحت هذين المشروعين لان هناك اصطفافا من بعض الانظمة العربية والنخب في دائرة المشروع الأول وهناك اصطفاف ثان في إطار مشروع المقاومة والممانعة وهذا ما يفسر ما يجري في فلسطين والعراق والصومال ولبنان والسودان وغيرهم من بؤر التوتر.
* كيف تنظرون لآليات وأهداف كل مشروع على حدة؟ـ إن الوضع الذي وصفته سابقا يفسر الآليات التي يحاول المشروع الأمريكي الصهيوني خلقها لتنفيذ أ هدافه سواء تعلق الأمر بافتعال وتعميق الصراعات العربية ـ العربية أو الصراعات القطرية أو الدفع بالأمة إلى صراعات مذهبية ودينية (عرب / أكراد) (عرب / أمازيغ) (سُنة / شيعة) وكذلك تحويل الصراع من صراع عربي أمريكي صهيوني إلى صراع عربي فارسي وكذلك الإيهام بأن أمريكا قدر لا مفر منه مثلها مثل الكيان الصهيوني وان على العرب الخضوع والاستسلام لهذا القدر، وكذلك محاولة قلب المفاهيم كأن تصبح مقاومة الاحتلال والدفاع عن الكرامة إرهابا ويصبح الاحتلال والاستيطان عملا دفاعيا، وكذلك محاولة الإيهام بأن رفض الاعتراف بكيان عنصري إرهابي يعتبر معاداة للسامية وما على الجميع إلا الاعتراف به والتطبيع معه، وكذلك من أهداف هذا المشروع الإيهام بأن لا مفر من اجل التحرر من الاستعباد الداخلي إلا بالاستنجاد بالقوى الخارجية وهو ما بدأنا نسمعه لدى العديد من الأنظمة والنخب العربية...
* وبالنسبة لمشروع المقاومة والممانعة، كيف ترون واقعه وآفاقه؟ـ المشروع القائم على المقاومة والممانعة يتجذر يوما بعد يوم في أعماق أبناء الأمة، فهو المشروع الذي يعتبر ان المقاومة هي الطريق إلى الخلاص (مقاومة سياسية او مسلحة) ضد المحتلين وعملائهم والذي يرى في ما تقوم به الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني عنوانا لمحاولة إرساء نظام إرهاب دولي، والذي يعتبر ان لا مكان للكيان الصهيوني وان فلسطين ارض للقاء كل الحضارات والأديان والأعراق، وانه لا محيد عن انهيار المشروع الصهيوني وعن بناء فلسطين، وهو الذي يرى أيضا ان أخطر ما يمكن ان يفكر فيه المواطن العربي هو التطبيع والاستقواء بالأجنبي ويؤمن ان الصراعات الوطنية تحلها القوى الوطنية بمختلف توجهاتها وانتماءاتها، وان ألف ممارسة قمعية من طرف حاكم وطني خير من صفعة واحدة من أجنبي، وهي التي ترى أيضا ان أمريكا والكيان الصهيوني ليسا قدرا ولعل اكبر دليل على ذلك انتصار المقاومة اللبنانية على الكيان الصهيوني واعتبار المنظرين الأمريكيين هزيمة سياسة دولتهم في العراق هي بداية الانهيار.
* تحدثتم عن مشروعين فقط في المنطقة، في حين أود ان أذكركم بأن هناك مشروعا ثالثا وهو المشروع الاورو متوسطي الذي يستهدف بصفة خاصة المنطقة المغاربية وبصفة عامة المنطقة العربية، فكيف ترون هذا المشروع؟ـ المشروع الاورمتوسطي هو وجه آخر للمشروع الأمريكي الصهيوني وهو تكرار لآليات سابقة ولدت ميتة لأنها حملت نفس الأهداف (الاستعمار ونهب الثروات) مثل مشروع برشلونة والشرق الأوسط الاقتصادي والشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد وكل هذه الآليات هدفها وضع حد للتفكير في جسم عربي واحد ووحدة جغرافية واقتصادية وقيمية واحدة وإدخال الكيان الصهيوني الى الجسم العربي من خلال تشبيك العلاقات معه وتعميق الهيمنة الغربية على العرب.
أوروبا تدخل موحدة والعرب يدخلون أجزاء وأقطارا مقطعة الأوصال ولذلك فقد كان موقفنا واضحا من رفض أي مشاركة في هذا الاتحاد إذا حضر الكيان.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)