بحث هذه المدونة الإلكترونية

2011/02/09

نريد لولا داسيلفا تونسي

مزدحم بالأفكار، لكن سأحاول أن أسوقها على غير منهج سوى منهج الحرية...

 ان يوم 14 جانفي 2011، يوم دوّى صوت الشعب الهادر في وجه رموز القمع والاستبداد ودولة البوليس، هو يوم الاستقلال الحقيقي، الاستقلال الوطني والشعبي، لأن الرئيسالسابق الحبيب بورقيبة ركب على دماء الشهداء الأحرار واستبد بحكم تونس 30 سنة تحت كذبة المجاهد الأكبر... بنرجسيته المفرطة، ثم جاء الرئيس الفأر، سيء الذكر والصيتالرأس المدبّر للخراب التونسي طيلة 23 سنة، هذا الرئيس الهارب الذي قضّى ليلة كالكلب يبحث عن جحر يدفن فيه عفنه، جاءنا بانقلاب عسكري مدبّر... وجثم على صدر الشعبالتونسي تحت كذبة »لا رئاسة مدى الحياة« ولكن يوم 14 جانفي 2011 هتف الشعب التونسي من بن قردان الى بنزرت ضد الظلم والفساد، وقبل الهتاف سالت دماء أحرار هذاالشعب الأبي لتعلن فعلا ان يوم 14 جانفي هو يوم الاستقلال الوطني والشعبي وأطالب من هذ المنبر ان نعلن رسميا عيد الاستقلال التونسي... يوم 14 جانفي 2011.

هذه فكرة أولى...

العدل أساس العمران، هذا ما قاله ابن خلدون، وأعتقد في هذه المرحلة المفصلية من تاريخنا التونسي، أننا اليوم في حاجة الى نوعين من العدل، أولا عدل سياسي طلبه الشعبالتونسي وكل القوى الحيّة، والمتمثل في تشكيل حكومة وطنية مؤقتة لا يوجد فيها وجه من وجوه الفساد والقمع المتورطة مع النظام القمعي السابق، وثانيا العدل الاجتماعيبمعنى الترفيع في أجور العمال والموظفين من جهة والتخفيض في اسعار المواد الاساسية تخفيضا محترما ومدروسا وليس كذاك الذي حاول نظام الرئيس الفأر ان يستغبي بهالشعب يوم الخميس 13 جانفي، وكذلك وفي اطار العدل الاجتماعي يجب ان يتم ايقاف كل الذين كوّنوا ثروات خيالية في عهد النهب والسرقة، هؤلاء يجب التحفظ عليهم وتجميدممتلكاتهم ثم فتح تحقيق بعد اجراء الانتخابات يتكون من هيئة مستقلة وكل من يثبت تورطه يجب ان يحاسب وفقا للقانون، القانون الذي يجب ان يكون عادلا، لأن قوانين فترةالقمع هي قوانين مفصلة على المقاس.

هذه فكرة ثانية...

الاشاعات انتشرت في الهشيم اكثر من نار نيرون في روما واعتقد ان تغذيتها ما زالت متواصلة خدمة لأغراض وأهداف ضد تونس وأعتقد ان ايقاف هذا الطوفان من الشائعاتبيد الجيش الوطني ووسائل اعلامنا المتحررة منذ يوم الجمعة 14 جانفي 2011، يجب اليوم ان يخرج كل مسؤول عسكري يلقي القبض على بقايا النظام المتعفن ويعلن لكل الناسبكل مسؤولية انه تم مثلا القبض على فلان او قتل فلان حتى تهدأ عاصفة الاشاعات... على التلفزة التونسية الوطنية ان تقوم بدورها التاريخي في هذه المرحلة وتقترب فعلا مننبض الشارع فعلا لا قولا حتى تغلق كل المنافذ على القنوات الصائدة في الماء العكر... وأولها القنوات التونسية الخاصة التي تقوم الان بتصفية حساباتها الشخصية من خلالبرامجها وضيوفها وخطابها الموجه في لعبة تواصل قذراتها السابقة، هذا فضلا عن قناة الجزيرة التي استنفرت كل قواها لتيار سياسي لم يعد له اليوم اي مبرر في تونس.

هذه فكرة ثالثة...

إن ما يحدث اليوم على القنوات التلفزية وفي المحلات المغلقة من خصومات واختلافات بين اليمين واليسار، وما نشاهده من هرولة نحو الحقائب الوزارية في الحكومة المؤقتة لنيقدم بالبلاد نحو الديمقراطية الحقيقية، لأنه وببساطة ما حدث يوم الجمعة 14 جانفي 2011 وما سبقه منذ ان أحرق البطل الوطني محمد البوعزيزي جسده من أجل هذا الوطن،قلت ان ما حدث ليس ثورة شيوعية ولا هو ثورة اسلامية وانما هو انتفاضة شعبية على الاستبداد والقمع وبالتالي فان الشعب اليوم يطلب حركة مواطنة حقيقية وهو يرفض ايوصاية ايديولوجية قد تعيده الى خندق القمع والاستبداد بالرأي الواحد...

هذه فكرة رابعة...

إن مطلب الشعب في حل ما كان يسمى بالحزب الحاكم، هو مطلب شرعي نابع من رغبة الشعب في انهاء هذا الحزب الذي قمع احلام الاغلبية الساحقة وفقّر الشعب التونسيوعمل كل ما في وسعه لتعميق اللاتوازن الجهوي والاستبداد بالرأي واقصاء كل نفس ديمقراطي واعتقد ان حله يجب ان يكون قانونيا وجذريا لا بشكل فوضوي يغلب عليه التشفيوتصفية الحسابات، لان تكسير مقراته لن يحل المشكلة بقدر ما سيضاعف تعميقها، ولكن يجب على القضاء المستقل ان يلبي رغبة الشعب وان يحل أصغر شعبة مهنية ويحاسبكل من تورط في قضايا الفساد والرشوة.

هذه فكرة خامسة...

لينعم فرحات حشاد في قبره ولينعم الفاضل ساسي ونبيل البركاتي ومحمد بوعزيزي وغسان الشنيتي وكل من سالت دماؤهم على تراب أرضنا العزيزة ضد القهر والـظلموالاستبداد...

يحيا الشعب...

وتحيا ارادة الشعب...

هذه فكرة سادسة...

فكرتي الاخيرة هي الاهم على الاطلاق في تقديري... انا اليوم أتذكر »ليش فاليزا« رئيس نقابة التضامن البولونية الذي مسك مقاليد الحكم في بولونيا وقدم لشعبه الكثير الكثير...

اليوم أتذكر الرئيس النقابي العمالي البرازيلي »لُولا داسيلفا« الذي ترأس البلاد لمدتين رئاسيتين وحقق في البرازيل تقدما اجتماعيا مهما جدا بل انه أوصل البرازيل الى ان تكونعضوا في مجموعة الثمانية وحقق لها تنظيم كأس العالم لسنة 2014 وايضا الالعاب الاولمبية لسنة 2016 ورغم الاغراءات الا أن »لُولاَ« رفض الترشح من جديد لرئاسة بلاده...واحترم القانون...

إننا اليوم في حاجة الى »لُولاَ« تونسي، في حاجة الى مرشح عمالي لرئاسة البلاد وكم هم كثر عمالنا النقابيون الذين ضحوا ويضحون بالغالي والنفيس من أجل تونس لكلالتونسيين، تونس العدالة الاجتماعية.

المطروح علينا الان وهنا، في تقديري اننا في حاجة ملحة الى اجماع شعبي وحقوقي وسياسي وثقافي على شخصية نقابية وطنية لا تنتمي الى اي حزب سياسي، شخصيةملتصقة بهموم الشعب لا بفئة منه

2011/01/02

معرض الصحافة الوطنية

لستُ‮ ‬أدري‮ ‬كم‮ ‬يحتاج اعلامنا من الوقت والنباهة ليتفطّن إلى أن قارئه ومشاهدهُ‮ ‬ومستمعه قد أفلت من عقاله القديم وفتح نوافذ وأشرع أبوابا على سياقات أخرى منحته إلى حد كبير،‮ ‬ما‮ ‬يُشفي‮ ‬غليله في‮ ‬تقصي‮ ‬المعلومة،‮ ‬ووهبته أبسط شروط الاحترام باعتباره مواطنًا من حقّه الاطلاع على ما‮ ‬يدور حوله من أحداث سواء في‮ ‬بلده أو في‮ ‬العالم‮... ‬بل صارت تمنحه مساحات شاسعة ليساهم من موقعه في‮ ‬نحت الخبر وصياغة المعلومة‮...

لا‮ ‬يزال إعلامنا إلى اليوم،‮ ‬في‮ ‬برجه العاجي‮ ‬يُغنّي‮ ‬لأجنحته ويردّد أغنيته اليتيمة،‮ ‬ويعزف لحنه المجيد،‮ ‬وأقصى ما‮ ‬يقوم به هو تغيير ديكور هذا الأستوديو‮... ‬أو تلوين هذه‮ »‬الـمُنْشَات‮«... ‬أو اقتناء مصدح جديد‮... ‬أمّا الخبر فهو باق على حاله،‮ ‬لا قداسة ولا هم‮ ‬يحزنون‮...‬
وحتّى لا أظل أدور في‮ ‬حلقة مفرغة،‮ ‬فإنّ‮ ‬اطلالة عابرة على تلك الفقرة القارة ضمن برامج اخبارنا التلفزية والاذاعية والصحفية،‮ ‬المعروفة‮ »‬بمعرض الصحافة الوطنية‮« ‬تمثل خير دليل على بهتان الخبر في‮ ‬منابرنا الاعلاميّة وعلى محدوديّة أفق من‮ ‬يسهر على اعداد هذه البرامج وغياب أدنى مجهود في‮ ‬تأثيث‮ »‬معرض الصحافة الوطنيّة‮«...‬
فهذه الفقرة لا تنظر إلا بعين الرضّى ولا تكتب نفسها إلا بقلم أخضر ولا تختار من‮ »‬الصحافة الوطنية‮« ‬إلاّ‮ ‬ما تُدبّجه الايادي‮ ‬المنضبطة للشعار الوطني‮ »‬كل الأمور على خير ما‮ ‬يرام‮«...‬
ثم إن هذه الفقرة لا تستند،‮ ‬سواء في‮ ‬التلفزة أو الاذاعات إلا إلى بعض الصحف المنتقاة بطريقة لا علاقة لها لا بالوطنية ولا بالوطن ولا تنتقي‮ ‬من هذه الصحف الا الأخبار المكتوبة بقلم واحد ويد واحدة ونظرة واحدة‮... ‬وبطريقة مغرقة في‮ ‬الابتذال وعدم احترام المتقبل‮...‬
إنّ‮ ‬فقرة‮ »‬معرض الصحافة الوطنية‮« ‬تثبت بشكل قاطع أن اعلامنا‮ ‬يشبه ذاك الرجل الأعرج الذي‮ ‬دخل الى مضمار السباق وأقنع نفسه بأنّه‭ ‬قادرٌ‮ ‬على بلوغ‮ ‬المقدمة‮... ‬معرضٌ‮ ‬لا‮ ‬يقدّم إلاّ‮ ‬الأخبار الملوّنة والصور المنمّقة تلك التي‮ ‬باتت من تحصيل الحاصل‮...‬
أعتقد أنّ‮ ‬برنامج‮ »‬معرض الصحافة الوطنية‮« ‬الذي‮ ‬تُتحفنا به وسائل اعلامنا‮ ‬يوميّا نسي‮ ‬أنّ‭ ‬يضيف عبارة‮ »‬تونس الشقيقة‮« ‬حتّى‮ ‬يضفي‮ ‬على‮ »‬حشوه‮« ‬صفة المصداقيّة ويجْعَلَ‮ ‬مُتَقَبِّلَهُ‮ ‬مستسيغًا لمادته القيّمة‮...

2010/12/20

محروقاتنا وفواتيرهم

أكّدت المؤشرات الأخيرة لوزارة الصناعة أنّ تونس ستحقّق فائضا في ميزان المحروقات موفى السنة الجارية في حدود نصف مليون طن من النفط (الانتاج 9 مليون طن مقابل استهلاك 5،8 مليون طن).
ويذكر أنّ استثمارات تونس في قطاع التنقيب عن المحروقات وتطوير الحقول تضاعف بأكثر من خمس مرّات بين 2005 و2008 (من 500 مليون دينار إلى 7،2 مليار دينار).
كما بيّن التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي أنّ عائدات تونس من الغاز الطبيعي ازدادت 2،8٪ السنة الفارطة لتصل إلى 2،3 مليون طن وظلّت الاستثمارات المخصّصة لهذا القطاع في مستوى مرتفع لم ينزل دون 9،1 مليون دينار رغم تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية خلال 2009.
رغم هذه "المعطيات الايجابية" و"المؤشرات الهامة" إلا أنّ إمكانية ارتفاع أسعار المحروقات تبقى واردة في كلّ لحظة وهذا ما حصل في موفى الأسبوع المنقضي إذ أعلنت المصالح المختصّة عن زيادة جديدة في أسعار المحروقات كانت على النحو التالي:
ـ البنزين الرفيع بدون رصاص: دينار و370 مليما للتر الواحد
- بترول الانارة: 810 مليم للتر الواحد
- الغازوال العادي: دينار و10 مليم للتر الواحد
- الغازوال الرفيع: دينار و200مليم للتر الواحد
- الفيول الثقيل عدد 2: 420 دينارا للطن الواحد
- غاز البترول المسيل قارورة 3 كيلو غرام: دينار و 860مليما
- قارورة 5 كيلوغرام: ثلاثة دنانير و15 مليما
- قارورة 6 كيلوغرام: ثلاثة دنانير و590 مليما
ـ قارورة 13 كيلوغراما: سبعة دنانير و 700مليم
ـ قارورة 25 كيلوغراما: 27 دينارا و 670مليما
ـ قارورة 35 كيلوغراما: 38دينارا و735 مليما
ـ الطن الواحد للغازالمسيل صبة: 1106 دينار و750 مليما
ـ الطن الواحد للغاز البروبان المسيل ـ صبة: 1138 دينارا و416 مليما.
وللإشارة فإنّ الإحصائيات الواردة في أوّل المقال نُشرت ثاني أيّام عيد الأضحى، أي أنّه لم يمرّ على زمن التصريح بها وزمن الزيادة في الأسعار شهر واحد وهو ما يطرح أكثر من نقطة استفهام، بل نقطة تعجب أمام هذه المفارقة؟
فالمنطق يقتضي حتمًا، وفقا للفائض المعلن عنه وللتطور في قطاع التنقيب، يقتضي في أسوأ الحالات أن تظلّ أسعار المحروقات على ما كانت عليه، على الأقل لمدّة زمنية أطول من شهر وإلاّ فإنّ الشكوك ستطال صحة ومصداقية الإحصائيات المعلن عنها "بكل فخر واعتزاز".
وإذا كانت تونس قد تجاوزت محنة الأزمة الاقتصادية العالمية، وفق هذا التقرير، وكلّ التقارير الرسمية الأخرى، فإنّ المنطق أيضا يفترض أن تظلّ أسعار المحروقات على ما كانت عليه...
ولكن يبدو أنّ النظريّة الوحيدة المعتمدة من طرف وزارة الصناعة هي الزيادة ولاشيء غير الزيادة وهي أكيد نظريّة لا يفهمها إلاّ أصحاب "قصاصات البنزين" ومالكي السيارات الإدارية (قرابة 35٪ سيارات إدارية من أسطول السيارات في بلادنا)...
أذكر أني عندما سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا منذ ثلاث سنين تقريبا تردّدت كثيرا على محطّات البنزين لاقتناء علب السجائر وقد انتبهت إلى وجود لوحات ضوئية مثبتة أعلى مضخات المحروقات لم أشاهدها من قبل لا في تونس ولا في بعض البلدان العربية التي زرتها، وبسؤالي عن هذه الآلات قيل لي أنّها معدّات خاصة بسعر برميل النفط وهي تقوم بعمليات التحيين وقتيا وبناءًا على المعطيات التي تقدّمها تلك اللوحات يتزوّد صاحب السيارة بالبنزين حسب السعر الذي يتوافق مع سعر برميل النفط في ذات اللحظة (طبعًا مع إضافة الاداءات ومعلوم التكرير..).
إن هذا الاختراع يمكّن المواطن من "استهلاك" المحروقات بشكل تتواتر فيه زيادة السعر كما نقصانه، باعتبار تقلّب سعر برميل النفط، وهذا الاختراع يبرهن على مدى احترام تلك الحكومات لمواطنيها وتعاملها معهم بشفافية مطلقة... فإن طالتهم أزمة مالية أعلنوها دون خجل وإن أنعمت عليهم الطبيعة لا يحرمون أحدًا من خيراتها...
فهل نشاهد يومًا ما مثل هذه الآلات تنتصب في محطّات بنزيننا فتريحُ جيوبنا وتقينا شرّ الشكوك والسؤال عن حقنا في ثرواتنا الطبيعية؟

2010/12/18

شعب تونس... منتصر

منذ أعلنت أجهزة الأمن عن تمكنها من العثور على الطفل المختطف المدعو منتصر بن رجب وإلقاء القبض على المختطفين فجر يوم الثلاثاء 7 ديسمبر 2010 تحول هذا الخبر إلى أهم مادة إعلامية في كامل البلاد، إذ تصدّرت صور الطفل المختطف (صور قديمة) أولى صفحات الجرائد، وافتتحت به نشرة الثامنة ليلا أخبار البلاد والعالم بعد أن شهد بيت الطفل أضخم ندوة صحفية في تاريخ الإعلام التونسي (هكذا سمعت على أمواج احد الإذاعات الخاصة التي واكبت حفل استقبال الخبر، لا الطفل، وأحصت عدد الخرفان المذبوحة وعدد زغاريد النسوة...).

ومنذ يوم 7ديسمبر أصيبت وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة والالكترونية بإسهال حبري وإسراف لغوي من خلال المقالات الإخبارية والتحليلية والبرامج التلفزيونية والإذاعية التي عالجت الخبر وأغدقت عليه من التعاليق والتأويلات والاستنتاجات ما لا حصر له... وكل ذلك من اجل إنارة الرأي العام الوطني والعالمي المتعطش لمعرفة أدق تفاصيل هذه الجريمة التي تحولت إلى أسطورة أكبر من موقع ويكيليكس... ومن حريق حيفا...ومن ثلوج أوروبا...

طبعا لكل مواطن الحق في معرفة أخبار البلاد والعالم، ومن واجب كل منبر إعلامي أن يقدم الخبر في آنه ويلم بكل جوانبه، ويتناوله من الزوايا الأكثر قربا من الحقيقة.

وفي علاقة برواية منتصر، الطفل المختطف، وبغض النظر عن تواتر الحكايات واختلاف الروايات وتعدد التأويلات بخصوص حيثيات هذه القضية، فان ما يهمني شخصيا هو "الاهتمام المنظم" الذي أبدته مختلف المنابر الإعلامية، على اختلاف توجهاتها، بهذا "الحدث" العادي، الأمر الذي ذكرني بفيلم "الهروب" للمخرج المصري عاطف الطيب والذي تقمّص فيه الممثل احمد زكي شخصية "المنتصر" (رب صدفة خير من ألف انتصار)... هذا الفيلم الذي كان بطله الحقيقي الإعلام حيث الأمور "دبّرت بليل" ليشغل منتصر الناس ويملأ الدنيا.. ويفسح المجال للسلطة لتدبر أمورها بالليلل. وليبرهن "المنتصران" بأن التعددية الإعلامية إنما هي تعددية كمية لا نوعية في عمومها...

تطابق في الأسماء جعلني أتساءل: ممّا يهرب الشّعب التونسي حتى يركّز كلّ هذا التركيز اللافت على قضية منتصر؟ أو ليست هذه القصة – مع احترامنا لمشاعر عائلته وحقوق منتصر بن رجب الطبيعية وحقوق الطفولة عموما...- إحدى آلاف القصص التي يشاهدها ملايين التونسيين في برامج استثارة العواطف واستفزاز سيول الدموع التي تكاد القنوات تبثها صباحا مساء ويوم الأحد ؟

نعم ذلك هو الخيط الرفيع الرابط بين "هيلولة" الاحتفاء بعودة منتصر والسياق العام لتلك البرامج الرثائية فجميعها هروب ممّا كان أعظم. جميعها مواراة للهموم الحقيقية للشعب التونسي، تجاوز مدروس لارتفاع ثمن المحروقات والقهوة وتجنّب ممنهج لطرح أزمة البطالة وتلاف – عبارة مشتقة من اللفظة العامية "تتليف"- لمشكل التأمين الصحي وإلهاء عن حرقتنا لاحتراق حيفا وعن تشرّد أبناء الأحياء القصديرية بسبب الفيضانات بالمغرب وغيرها من الأمور والأخبار التي كانت قبل انتشار شعار "قناة تلفزية لكل مواطن" تمثل جراحات جماعية ينشغل بها التونسيون ويجدون الوقت الكافي للتفكير الجماعي بشأنها ومحاولة إيجاد الحلول لها وإبداع سبل التحرك حولها.

إذا كان عاطف الطيب واحمد زكي قد أبدعا في فيلم "الهروب" وأبلغا رسالتهما، فان الإعلام التونسي قد أتقن جيدا إخراج فيلم "المنتصر" كعادتنا به واسهم من موقعه "الريادي" في تمرير رسالته التي من اجلها صنع...