بحث هذه المدونة الإلكترونية

2011/03/30

قتلنا دكتاتورية فمتى نقتل الثانيتين؟


ربّما تكون عبارة "قتلنا دكتاتوريّة" مُفرطة في طوباويتها، ذلك أنّ هروب بن علي وحلّ حزبه المافيوزي بفروعه الثلاثة، الحزب والبوليس السياسي وأمن الدولة، جميعها لا تُنبئُ باجتثاث الدكتاتورية النوفمبريّة لأنّها تحوّلت إلى هويّة شخصيّة يحملها كلّ من قمع هذا الشعب ونهب ثرواته وكتب "أمجادهُ" الزائفة... وهم كُثّْرٌ.. كُثْرٌ لأنّهم تناسلوا من ابن "العُمدة" إلى ابن "الكاتب"...

فحلُّ "التجمّع" لا يعني انتهاء "التجمعيين"، وحلّ "جهاز البوليس السياسي" و"أمن الدولة" لا يعني انتهاء القمع وغلق باب الانتهاكات، فما حدث منذ 14 جانفي وإلى اليوم هو انتهاء الدكتاتور وبعض رموزه، أمّا الدكتاتوريّة، ذهنية ضربت بجذورها في أعماق البلاد وتغلغلت في صدور "الدكتاتوريين" أكثر من ثلاثة عقود ...

هذه ديكتاتورية أولى قتلناها رمزيّا وعلينا أن نستمرّ لنقضي عليها واقعيّا ونجتث جذورها المتعفنة من أرضنا المبتلة بعرقنا وأفكارنا...

أمّا الدكتاتورية الثانية، فهي قادمة من جلباب الأولى، متلحفة بأساليب ربيبتها و"متحجبة" بغطائها، لأنّها وجه من وجهها، هي دكتاتورية رأس المال.. دكتاتورية نهب الثروات وتعليب عرق العمّال... فهذه الدكتاتورية تركها بن علي جاثمة بكلكلها على الشعب التونسي، تنهب ثرواته وتستنزق قوته وتُقبرُ أحلامه وطموحاته وهي تتجلّى للعيان في المؤسسات العمومية قبل المؤسسات الخاصة، وعاملات وعمّال هذا الشعب الأبي يعرفون جيّدا من يمتص دماءهم ويقتل أحلامهم هنا وهناك في الشرڤية وبن عروس ومساكن وغنوش وصفاقس ومقاطع الرخام وضيعات العنب و.. و... وفي كلّ شبر من أرض تونس، وما فعلته حكومات ما بعد بن علي، أنّها ركزت الضوء على النسخ الرديئة من مؤسسات بن علي، بما فيهم "الطرابلسيّة" وشيبوب ولطيف... وتجاهلت عن قصدٍ أنّ صاحب مقهى مثلا يشغل النادل دون حدٍّ أدنى للأجر الصناعي (الذي يجب مراجعته مراجعة جذريّة) ودون تغطية اجتماعية ودون توفير أبسط شروط السلامة المهنية.

وحتى لا نتجنّى على البرجوازيّة الوطنية التي تمثّل سندًا حقيقيّا في معركة الديمقراطية والحرية وفي توازن الاقتصاد الوطني، فإنّه يجب التنبيه إلى الفئة الطفيليّة تلك التي وفّر لها النظام السابق كلّ أسباب الفساد وتخريب الاقتصاد الوطني وهي إلى اليوم تواصل بكل بسالة الدفاع عن مصالحها الشخصية وتستميت من أجل تأبيد الظلم الاجتماعي...

أمّا ثالث الدكتاتوريّات، فهي الديكتاتوريّة التيولوجيّة بزخمها اللغوي وفائضها العقدي المُلجم لكل امكانات التفكير الحر خارج الأطر والدوائر الضيّقة المرسومة سلفًا، فرغم أنّ ثورة 14 جانفي هي ثورة اجتماعية وثقافية في عمقها استمدّت ارهاصاتها من التنويريين التونسيين ومن روّاد الحركات التّحديثية بما فيها من مقاربات دينيّة جزءًا لا يتجزّأ من الثقافة التونسية ـ لا وعاءً لها ـ رغم هذا العمق يطفو اليوم بشكل حادٍ، خطاب احتوائي تبشيري يعتبر نفسه مسؤولاً عن ايمان الناس... ويصنف الشعب التونسي بمقياس الكفر أو الايمان. هذه الدكتاتورية "المتسامحة" في ظاهرها تعلن حربًا علنيّة على مواطنة التونسية والتونسي وترمي امكانات العقلانية ومكتسباتها بحجرها الأسود.

وطبعا هذه الدكتاتورية مسنودة بسابقتها، بدكتاتوريّة رأس المال المالي من خلال الدعم السوداني والخليجي والجزائري والليبي...

في الأخير، إنّ الصراع هو الذي يتقدّم بالشعوب وبالأمم.. والكينونة لا تستقيم إلاّ بأجنحتها الأربعة: الإله، الانسان، الطبيعة واللغة... وكلّهم يتقاسمون صفة الخلق.

2011/03/11

أقبية وزنازين 9 افريل وبرج الرومي ورجيم معتوق وأدب السجون شواهد:

البوليس السياسي ذهنية وليس ادارة

أرفع قبعتك أيها الوطن

ناجي الخشناوي

يمثل الامن أنبل الوظائف وأهمها في المجتمعات الديمقراطية التي تحترم مواطنيها وتعلي حريتهم، فجهاز الامن بمختلف تفرعاته ومهامه يسهر على تأمين وحفظ سلامة المواطن والمؤسسات ويحفظ هيبة الدولة...

غير ان هذا الجهاز يُسْتَعْمَلُ في الانظمة الديكتاتوية والشمولية كأداة قمع ووسيلة لترهيب المواطنين، وقد مثلت تونس في العهد السابق والذي سبقه ايضا مثالا ونموذجا سيئا في توظيف هذا الجهاز بامتياز لقمع المواطن والمناضل والحقوقي والطالب، واصبح رجل الأمن في ذهن المواطن »الحاكم« بعد ان مثَّل البوليس العصا الغليظة التي ضرب بها نظام بن علي على جسد البلاد طيلة ثلاثة عقود منذ ان كان وزيرا للداخلية حتى اخر يوم له في الاستبداد.

وغير خفيّ ان علاقة التونسي بالبوليس صارت علاقة مشوّهة ومبنية على منطق الكره والرفض اذ تتالت وتنوعت وجوه هذه العلاقة التسلطية بين البوليس السياسي والمواطن التونسي، فمن الملاحقات والمداهمات الى التعذيب في السجون مرورا بالايقافات وتلفيق التهم وصولا الى الرشاوي واستغلال النفوذ والوظيفة لتجاوز القانون والتستر على المخالفين له في عمليات التهريب خاصة عبر الحدود.

وجذور القمع البوليسي ضاربه في تاريخ تونس الحديثة، فمن قمع اليوسفيين الى اغتيال فرحات حشاد واعدام مجموعة الأزهر الشرايطي وقمع النقابيين وتصفية الخصوم السياسيين والناشطين الحقوقيين وخاصة مناضلي حركة آفاق والعامل التونسي ومناضلي »الشعلة« وكل التيارات اليسارية الاشتراكية والقومية مرورا بتصفية العسكريين بتهمة الانتماء الى حركة اسلامية محظورة والتخطيط الى انقلاب عسكري وصولا الى ضرب الرابطة التونسية لحقوق الانسان واتحاد الطلبة وزرع أعين المخبرين والمرشدين داخل وامام الاتحاد العام التونسي للشغل بكل مقراته وايضا كل مقرات المنظمات والجمعيات المستقلة... مثل جمعية النساء الديمقراطيات وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية والفرع التونسي لمنـظمة العفو الدولية والسجل الاسود لهذا الجهاز يطول وقد لا ينتهي...

وحتى لا نظلم اعوان الامن، فإن بعضهم خدم البلاد بكفاءة، ولا زالوا، ولم يتورطوا في ممارسات لا قانونية ولم يستخدموا صفاتهم الوظيفية لقضاء مآربهم الشخصية، بل ان العديد منهم عانى الويلات لإنضباطه ونزاهته وسُلّطت على الكثير منهم عقوبات جائرة كالنُّقل التعسفية وحرمانهم من منحهم واحالتهم على التقاعد الاجباري.

اليوم، وبعد بلاغ وزارة الداخلية للقطع »نهائيا مع كل ما من شأنه ان يندرج بأي شكل من الاشكال تحت منطوق البوليس السياسي من حيث الهيكلة والمهمات«، وبعد الغاء ادارة أمن الدولة وحل التجمع الدستوري الديمقراطي فان صفحة القمع والظلم وانتهاك الحريات الفردية والعامة ستظل تتلاقفها النزعات والرغبات لأن المسألة تتجاوز حل جهاز اداري لم يكن محايدا ابدا عن المشهد السياسي والنقابي والثقافي والاعلامي والاقتصادي...

المسألة ليست بتلك البساطة التي نعلق بها نشاط هذه الادارة او تلك، او ندير مفتاحا في قفل هذا الباب لأنه »باب بلاء وخراب« فالبوليس السياسي لم يجلس الى طاولة وكرسي في مكتب معلوم من مكاتب وزارة الداخلية بقدر ما أخذ شهادة اقامة دائمة في ذهنية التونسي وعقليته.

هذا الجهاز، الذي لم نعرف حجمه الحقيقي الى الآن، يصعب تحديد ملامحه ومعرفة حجم تغلغله في الكيان المجتمعي، اذ ان البوليس السياسي تضخم كالورم في الجسد التونسي وتجاوز ما يعرف بفرق الارشاد لدى الشرطة وفرق الابحاث والتفتيشات لدى الحرس أو »الفرق المختصة« وتجاوز بعض موظفي الدولة / الحزب، من العُمَدِ ورؤساء الشعب الترابية والمهنية، تجاوز أطره المفترضة ليَدُبَّ كالطحلب السام ويعشش في كل مؤسسة وادارة وشارع وحتى البيوت الشخصية لم تسلم من انفاسه وعيونه.

وقد زفت لنا بعض الايادي الثائرة في الايام الاخيرة جملة من »بطاقات الارشاد« التي تكتنز بها مخافر الشرطة ومقرات البوليس و »صُعقْنَا« من حجم »القوادين« والمرشدين المتعاونين مع هذا الجهاز فمن طبيب الاسنان الى الممرض والاستاذ ومدير المدرسة وبائع الدجاج وسائق التاكسي الى الصحفي والطالب الجامعي والكاتب والشاعر... وحتى الفلاحين تم »تجنيدهم« لجمع اخبار الناس وكتابة التقارير عن المواطنين.

كما ان شهادات المناضلات والمناضلين وكتبهم التي بدأت تصدر في الفترة الاخيرة، نذكر منها بالاساس كتب جلبار نقاش وفتحي بالحاج يحيى ومحمد صالح فليس وعبد الجبار المدوري... وغيرهم وثّقت بشكل كبير لِمَ أتاه هذا الجهاز في حق كل نفس تحرري بأساليبه الاخطبوطية وبما كان يوفره له نظام بن علي من تسهيلات وامتيازات، حتى صارت تونس أشبه بسجن كبير...

الثابت ان الخطوة المهمة قد اتخذت، وهي قرار حل جهاز البوليس السياسي وادارة امن الدولة، ولكن الخطوة الأهم هي التي ستتطلب حتما زمنًا طويلا لتحقيقها ـ خاصة ان الزمن النفسي سيمتد وقد يطول اكثر ـ لأن من شبّ على شيء شاب عليه ومن الصعب ان يتخلى عنه، ومن ثقلت موازينه بالقمع واداوته خفت منه نسائم الحرية ومن العسير ان يتنازل عن ذاكرة وسلوك التصقا به كالتصاق الآلم بالجرح واستوطنت دهاليز وسراديب وعيه ولا وعيه... مثلما وطّنوا هم صراخ وألم المناضلات والمناضلين داخل دهاليز وأقبية وزارة الداخلية والسجون.

2011/03/10

القصبة، القبة وحرف الصّاد

ما‮ ‬يحدث اليوم في‮ ‬تونس ما بعد‮ ‬14‮ ‬جانفي‮ ‬من اختلاف في‮ ‬المواقف لا‮ ‬يُمكن أن‮ ‬يُقرأ بمعزل عن المواقع،‮ ‬ذلك أن أرضي‮ ‬هي‮ ‬مبدأي‮ ‬ومكاني‮ ‬هو موقعي‮ ‬منك‮... ‬وشعاري‮ ‬هو هويتي‮ ‬التي‮ ‬تمنحني‮ ‬خصوصيتي‮ ‬واختلافي،‮ ‬ولنا في‮ ‬هذا السياق أشدّ‮ ‬الأمثلة وضوحًا والمتمثل في‮ ‬اعتصام القصبة وحركة القبة فهذان الفضاءان،‮ ‬على ضيقهما الجغرافي‮ ‬يمنحانا أفقًا شاسعًا من التأويل‮ »‬السيميولوجي‮« ‬والدلالي‮ ‬للمفردتين في‮ ‬علاقة بالمواقف المعلن عنها‮...‬

فالقصبة،‮ ‬شنقت رمزية السلطة المستبدة داخل مكاتب الوزارات الوثيرة بالرسومات البيانية على جدران المكان وبالهتافات الصادقة عن حلم جماعي‮ ‬لأغلبية مسحوقة وصلوا فيها الليل بالنهار وتماهوا في‮ ‬وجودهم وموقفهم مع دلالات المكان واحالات‮ »‬القصبة‮«‬،‮ ‬فهي‮ ‬التي‮ ‬تتلاقفها الأمواج ولا تستكين في‮ ‬حركة دائبة تشبه حياة المفقّرين والمهمّشين والمفردين من ثروة البلاد والغارقين في‮ ‬بحر العرق اليومي‮ ‬باعتبارهم قوة العمل المستنزفة‮... ‬وحركة‮ »‬القصبة‮« ‬تفتح على مُطلق الرفض،‮ ‬لهشاشة في‮ ‬الوجود،‮ ‬هي‮ ‬حتمًا هشاشة العمل والأمل‮... ‬هي‮ ‬هشاشة الكائن الذي‮ ‬تحالف عليه‮  ‬رأس المال بجشع صاحبه‮...‬

‮»‬القصبة‮« ‬باعتصام بناتها وأبنائها تماهت مع رمزيتها وكَسَر حرف‮ »‬الصّاد‮« ‬مزلاج الصمت ليدلّ‮ ‬على أن من اعتصموا هناك كانوا صامدين في‮ ‬الوجع وفي‮ ‬الحلم‮.. ‬وجاؤوا من صرّة البلاد ليصرخوا صرخة الصراع من أجل صيرورة عادلة وصائبة وصادقة ومن أجل صباح أجمل من قصيدة‮...‬

أما‮ »‬القبة‮« ‬فمن‮  ‬دلالاتها الثباتُ‮ ‬والاستكانة والرضاء‮... ‬وأيضا في‮ ‬وجه من وجوهها تعني‮ ‬الشعوذة والدّجل،‮ ‬وفضاء‮ »‬القبة‮« ‬في‮ ‬العاصمة جعل منه النظام السابق أرضًا واطئة لترويج ثقافة التصفيق وحملات المساندة‮. ‬القبة اليوم،‮ ‬جعل منها المتمعشون من البرجوازيّة الجشعة مكانًا للمحافظة على ثرواتهم المبنية بعرق العمّال وبحُطام المعطلين عن العمل‮... ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬احتشدت بالأغلبية الصامتة،‮ ‬بباقات زهورهم وربطات عنقهم الزاهية وعطورهم البارسيّة‮.‬

أهل‮ »‬القبة‮« ‬اعلنوا عن موقفهم ورفعوا شعاراتهم دون صراخ‮ »‬شعبوي‮« ‬وكان شعارهم الباطني‮ ‬ذاك الذي‮ ‬قاله شكسبير في‮ ‬مسرحية‮ »‬هاملت‮« »‬سأبقى هكذا أتألم ولا أتكلّم‮«... ‬شعارهم المركزي‮ ‬في‮ ‬تاريخ نهبهم لعرق العمّال ومراكمة الأموال وفي‮ ‬جعل هذا البلد أعرجَ‮ ‬ومُختلاًّ‮ ‬يترنّحُ‮ ‬بين اطباق الكافيار ووجبات‮ »‬الخبز والماء‮«...‬

سنة1989‮ ‬ومن داخل‮ »‬قبة‮« ‬المنزه‮ ‬غنّى الشيخ امام عيسى أغنيته‮ »‬هُمّا مين واحنا مين‮« ‬أغنية سيظل صداها‮ ‬يتردّد في‮ ‬أذن المقهورين والمفَقَّرين وتظلّ‮ ‬نبراسهم في‮ ‬مسيرة هتك حُجب الظلام والظلم‮.‬