كل كاتب مشنوق بنصه، وكل نص على قدر الزيت فيه يضيء. قد يحرق النص كاتبه فيصير لعنته الأبدية، وقد يضيء سبيله فيصير قنديلنا الأبدي نرصد به انسجام الخطوات من تبعثرها في الدرب الحبري الذي يُكابده نصا بعد نص...ونختار بين إحراقه أو الاحتراق به. وربما أفضل تشخيص لمهمة الكاتب/المثقف ذاك الذي قدمه المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد بقوله:" المثقف لا ينزع إلى تهدئة الأوضاع، وهو ليس معززا للإجماع، بل هو شخص يرهن وجوده كله للإحساس النقدي، وهو إحساس يشي بعدم تقبل الصيغ السهلة أو الأفكار الجاهزة أو البراهين الناعمة الملائمة تماما لما تقوله الجهات القوية أو التقليدية، وما تفعله ولا اقصد هنا عدم الرضا السلبي بل الاستعداد الفعال لقول ذلك على الملأ"... وأضيف على هذا الكلام فأقول بأن "الجهات القوية والتقليدية" لا تستعين بآراء المثقف لتقويم سلوكها وتعديل سياساتها بل إنها تعمل جاهدة على تدجينه واحتوائه لتنـزع عنه وظيفة النقد والسؤال والمحاسبة... هي ذي مهمته الأساسية التي لا يتنازل عنها مهما كانت الإغراءات، غير أن تاريخ الكتابة، ومثلما يشهد على الموت المادي والرمزي الذي طال مئات الكتاب وهم يدحرجون كل الإغراءات تحت نعالهم، فهو أيضا يشهد على الآلاف من الذين سقطت أقلامهم تحت نعالهم، ولم نعد نعرف هل هم فوق الأرض أم تحتها... هل هم كتاب أم هم مستكتبون؟ من هذه الزاوية يمكننا أن نقف على "المناوشة" الحبرية التي حصلت مؤخرا بين الشاعر الصغير أولاد أحمد والروائي حسن بن عثمان، حيث أطنب بن عثمان بجريدة الصحافة في توصيف مناخ حرية الإبداع في تونس مستتشهدا بأولاد أحمد فكتب: "شاعر منشق، متمرد، سليط اللسان والقلم... ومع ذلك فإن تونس لم تغمطه حقه ولم تتعرض له بالأذى، إضافة إلى أنها تستلطف تطويحاته السلوكية" فرد عليه الشاعر أولاد أحمد بجريدة الطريق الجديد حيث كتب:" ... ولأن نعوتا مثل هذه تندرج في خانة قلّة الأدب المحض، وفي حفرة التعامل مع اللغة العربية بعقل دارج، وفي هوّة الغيرة المفضوحة من وضعية كاتب مستقل مثلي، افتكّ مساحة حريته بنفسه وبقلمه، بالرغم من الحروب المنظمة ضده بانتظام طيلة ربع القرن الذي نحن بصدد أدائه كلّ بطريقته... فإنني أتجاوز هذه النقطة لأبشّره بما لا يسرّه من أمور الدنيا التي يحبها حبّا جمّا ويستكثر علينا أن نعوّضها بالكتابة على الأقل...". ما حدث بين كاتب "برومسبور" وكاتب "تفاصيل" قد يؤدي إلى أن "تنتفي كل صداقة زائدة عن اللزوم بل ينتفي لزوم الصداقة ذاتها إذ لا صديق للكاتب سوى سلاحه." مثلما أعلن ذلك بصريح العبارة الشاعر ضمن رده على الكاتب (وقد كان ردا فصيحا لن يجدي بعده تعقيب) غير أن انقطاع هذه العلاقة من تواصلها لا يعنيني في شيء، فهي بالأخير لن تكون أكثر من مناوشة ظرفية بين الرجلين وستتحول إلى نادرة بينهما في مجالسهم القادمة، أما ما يعنيني بشكل مباشر فهو هذا السقوط الصاروخي والانحدار الرهيب للعديد من الأقلام التي كبرنا مع نصوصها... وباتت تتهاوي، بكتابتها العرجاء، مثل فقاقيع الهواء والسحابات العابرة ولم تعرف كيف توطن جراحها ولا جراحنا مثلما يفعل المبدعون الحقيقيون. هاهو "حسن" يلتحق بابنه الورقي "عباس" فيفقد صوابه ويُصاب بإسهال حبري في باب "ما قل ودل" وهو يُقر بأن حرية الإبداع جريمة تستوجب العقاب، وأن الوضع الطبيعي للمثقف هو أن يتعرض للأذى ويُجرم من أجل أفكاره أما غير ذلك ففضل ومنّة من السلطان؟؟؟ متناسيا أن فعل التهرئة الإبداعي والمَأسَسَة الثقافية والتهميش المُنظم... أشنع وأبشع؟؟؟ ....... عندما اقترح السلطان على الشاعر عمر الخيام، حسب رواية أمين معلوف في سمرقند، أن يحقق حلم حياته فيمنحه مرصدا فلكيا وبالمقابل يجاور المثقفين فينقل للسلطان أخبارهم ومواقفهم منه، أجابه"دعوني لنجومي". فهل كثير علينا أن يصرخ "مثقفونا" دعونا لنجومنا، وأن يصيروا رموزا للثبات على الموقف في زمن تتحول فيه الأفكار إلى مروحة للهواء المتأكسد...
على العكس تماما من شخصية «زاك» في شرّها وتوترها الدائم وفي حيرتها وقلقها الوجودي، تتسم شخصية الممثل معز القديري بقدر عال من الأخلاق وبالاعتداد بالنفس وخاصة وضوح الرؤية في مشروعه الفني.
معز القديري مثال حيّ لفورة الشباب المتزنة ولإتّقاد طموح جيل يصر على سرقة النجوم اللألاءة وسط الظلمة التي باتت تسور دربه وتمعن في تكريس الاسماء المستهلكة حدّ الهلاك على حساب الطاقات المتناثرة...
عقد من الزمن وأنت على خشبة المسرح، فهل كنت تتهيأ للظهور في التلفزة بالشكل المتميز الذي شاهدناه من خلال دور «زاك» في نجوم الليل»؟
ـ هناك جانبان، جانب الوضعية وجانب الخيار، وكل وضعية تنتج بالضرورة خياراتها، الوضعية الموجودة تتسم بقلة الاعمال الدرامية و التي تكتفي في الغالب الأعمّ بالوجوه المستهلكة، وكأن الدراما التونسية حققت اكتفاءها الذاتي من الممثلين، وهذه الوضعية تحتم على الممثل خيارات معيّنة، فإما ان يعاود دائما المشاركة في اي عملية كاستينغ، أو أن يسعى الى بناء مسيرته بالطرق المتاحة له، أنا شخصيا اخترت ميدان المسرح ولم آت بمحض الصدفة وأخرت وقتي بعد التخرّج من المعهد العالي للفن المسرحي 2003 ثم واظبت على التكوين لمدة 4 سنوات وهو ما سمح لي بالدخول لعالم المسرح كممثل ليكبر الهاجس وأطرق ابواب الاخراج المسرحي وبداية من 2006 أخرجت اول عمل خاص بي وهو مسرحية «هيدروجان» وخلقت اطارا ومنظومة خاصة بي أتحرك ضمنها حاولت من خلالها تحقيق ما أمكنني من إكتفاء ذاتي ابداعي ومن اشباع فني كما حاولت قتل اللهفة على البروز في الشاشة.
تشبثي بطموحاتي مكّنني من خلق مشروع فني لا يشبه احدا سوى معز القديري، وصارت التلفزة بالنسبة لي إما ان تضيف لتجربتي وتتناغم مع مشروعي الفني وإما فلا.
المسرح يعلمك ان تحمل خطابا وأن تقتنع به وتدافع عنه ولذلك لم أكن مستعدا للظهور كوجه لمدة يوم او يومين، كنت أرفض ولازلت الظهور الكمّي أو الظهور لغاية الظهور.
ولكنك ظهرت في أكثر من عمل سينمائي؟
ـ في السينما، ظهرت في فيلم «بين الوديان» لخالد البرصاوي وتقمصت شخصية رئيسية تحمل خطابا وتحكي عن معاناة حقيقية تدفعك للتماهي معها.
كذلك في الافلام القصيرة التي ظهرت فيها مثل «عين وليل» وكذلك في «نسمة وريح» وفي "الضو في البحر» وهذا العمل الاخير يندرج ضمن ما يسمى سينما الفكر، وهي سينما دوغمائيّة نوعا ما وقد لعبت فيه دور حارس القرية الذي يمنع أهلها من الرحيل عنها وكذلك في فيلم «سويعة آذان» لعبت دور منشط اذاعي وكنت حاملا لصوت الشعب...
كل الشخصيات التي قبلت تقمصها لم تكن شخصيات اعتباطية او هامشية بقدر ما كانت شخصيات اشكالية تحمل دائما نقاط استفهام...
الى أن تقمصت شخصية «زاك» في مسلسل نجوم الليل!؟
ـ منذ البدء وفي اطار طبيعي وبظروف مثالية تم لقائي بكاتبة المسلسل ومخرجه، ومنحوني الثقة التامة من خلال الدور، وطبعا تجربتي المسرحية خوّلت لي تقمص الشخصية التي قدمتها.
مروّج المخدرات شخصية حديثة في الدراما التونسية ولذلك تطلب آداؤها جهدا مضاعفا من حيث البحث في اعماقها والنبش في تفاصيلها اليومية حتى تتمكن من معايشتها فعلا.
«مروّج المخدرات» كنا نسمع عن هذه الشخصيّة الاجتماعية وصرنا نشاهدها، بل انها كانت شخصية شبه اسطورية وصنعت الاف الحكايات في المخيال الشعبي وصارت محور حديث الشباب وهذه الخصوصية هي التي تخوّل لمن سيتقمّصها ان يتحمل المسؤولية كاملة في اخراجها على الوجه الذي يجب ان تظهر عليه. شخصية «زاك» سقطت في الجانب المظلم من الحياة، شخصية تعيش حالة قلق وجودي وكوابيس وخوف، هي شخصية تراجيدية بكل المقاييس.
في «نجوم الليل» قدمت الشخصية في حالتها القلقة ولكن ايضا لم ننسى الجانب المشرق فيها، اي محاولة «زاك» التخلص من «محنة المخدرات» ولكن احداث المسلسل حتّمت ان تكون لحظة الوعي هي لحظة نهاية هذه الشخصية.
وهذا الاختيار مقصود طبعا، فالعبرة من شخصية «زاك» تتمثل اساسا في ان العدميّة هي المآل الطبيعي لمن يتجاهل انسيته الكامنة فيه، وان السعادة والرضا عن الذات لا تتحقق الا بالبحث في الذات والغوص في اعماقها.
هناك أسطورة معروفة، هي أسطورة ايزيس عندما جمع كل الآلهة وسألهم: أين يمكن ان نخفي السعادة والحقيقة؟ فاختلفت الآلهة عن موضع السعادة الأمين أهو أعماق البحر أم باطن الأرض أم لا متناهي السماء، الى ان أجابهم ايزيس بأن أعماق الذات البشرية هي المكان الذي يتجاهله الإنسان ولا يبحث فيه وهي بالتالي المكان الاكثر أمانا للسعادة والحقيقة...هذه الأسطورة حاولنا أن نجملها ونقدمها من خلال شخصية «زاك» التي كانت في ظاهرها شريرة في حين كانت في باطنها تعاني الصراع الابدي و التمزّق بين الشر والخير.
يبدو ان للمسرح فضل كبير في شحنك بتلك الطاقة الخلاقة التي تجلت في ظهورك التلفزي حضورا وآداء؟
ـ المسرح هو المخبر الحقيقي لاكتشاف الطاقة الكامنة في كل انسان وهو الذي يمكنك من التحكم في الادوات والقدرة على التركيز لمواجهة الجمهور وجها لوجه من دون مساحيق او آلات تصوير.
كما يوفر لك متعة لا متناهية، هذه الخصوصيّة المسرحية كلما تمكنت منها كلما لازمتك في حلك و ترحالك وبالتالي من الطبيعي ان تجيد توظيفها امام الكاميرا...
المسرح يدرّبنا على العيش الحقيقي بصدق ، وبعفوية الحياة ولا يوهمنا بأن الاقتراب من الشخصية التي نتقمصها يحتم علينا ان نمثل بشكل جيد، ومثلما تقول العرب «أنفذ من السهم الى القلب كلمة صادقة»، بمعنى ان يكون الممثل في خدمة الشخصية لا في خدمة شخصه، وكلما تقلصت نرجسيته امام الكاميرا كلما تماهى مع الشخصية التي يقدمها، وهذه غاية لا يبلغها الا الممثل الذي يحترم مشاهديه.
ولكن هناك العديد من الممثلين القادمين من خشبة المسرح ومع ذلك فشلوا في تقمص أدوارهم التلفزية، فكيف تفسر ذلك؟
ـ ببساطة كل من يفشل في دور تلفزي وهو ابن المسرح فهو بالضرورة لم يستوعب بعد ان المسرح عمل يومي وجهد دؤوب يتطلب الحفاظ على أدواته المسرحية وتطويرها بالثقافة وبالمشاهدة.
الممثّل الذي يقتنع بأنه قادر على لعب كل الادوار هو الممثل الذي بلغ بداية نهايته.
في أمريكا اخترعوا ما يسمى بممثل الاستوديو «Acteur studio» لإيمانهم بأن التمثيل هو بالفعل جهد يومي ولذلك ننبهر بأدوار» روبارت دينيرو» و «ألباتشينو»، فهؤلاء قضوا سنوات من العمل في الاستوديوهات، كذلك «توماس ريتشارد» الذي جمع ممثلين من جنسيات مختلفة من العالم ليتدربوا الساعات الطوال يوميا، وقد شاهدت احد اعمالهم في احدى دوراتهم التكوينية بالحمامات.
الثابت ان نجاح مسلسل «نجوم الليل» تظافرت فيه عدة معطيات لعل ابرزها الكتابة الجديدة؟
ـ أطول مشهد في السيناريو لم يتجاوز الصفحة الواحدة وكأنه كُتب اساسا للسينما بإيقاعه المتسارع، ثم ان المخرج «مديح بالعيد» هو مخرج سينمائي بالاساس وتعامل مع اكبر المخرجين في السينما العالمية وهو ما مكنه من خلق توجه كامل في الكتابة وايضا لا ننسى مدير التصوير" بشير المهبولي"
اجتماع هذا الثلاثي، الكاتبة «سامية عمامي» و المخرج «مديح بالعيد» ومدير التصوير "بشير المهبولي»، وطبعا لا ننسى رغبة قناة حنبعل في تحقيق الاضافة والخروج عن السائد والمألوف، لا يمكنه الا ان ينعكس ايجابا على أداء الممثلين وعلى كامل الفريق التقني الذي أمّن تصوير مشاهد المسلسل.
الكتابة الجديدة قدمت لنا وجوها قديمة بشكل مغاير تماما، وأخرجت منهم في 15 حلقة ما لم نشاهده طيلة سنوات طويلة ولعل المثال الأنسب هشام رستم ومحمد كوكة.
الكتابة الجديدة ايضا ساهمت بشكل ملحوظ في سرعة اندماج الوجوه الشابة مع أدوارها أولا ومع باقي الأدوار ثانيا حتى اننا في هذا العمل لم نعد نفرق بين الوجوه القديمة والوجوه الجديدة، فالكلّ انصهر في كتلة من الابداع والاضافة، وهذا ما انطلقت فيه الدراما السورية والمصرية منذ سنوات قليلة ففي مسلسل باب الحارة لبسام الملا مثلا لا نلاحظ وجود اي فرق بين الممثل الكبير «عبد الرحمان التراشي» وبين الوجوه الجديدة ، فالكلّ اصبح في خدمة الفريق لا في خدمة ذاته.
هناك سؤال يتردد كل سنة، لماذا لا ننتج الاعمال الدرامية الا في رمضان؟ ولماذا مع كل عمل درامي تثار دائما مسألة أحقية هذا الممثل او الآخر من عدمها في التمثيل وهل يمكن اختزال حل المسألة برمّتها في اعتماد بطاقة الاحتراف او ما يسمى الثلثين؟
ـ في علاقة بالانتاج الموسمي، هناك معضلة حقيقية تتمثل في عدم تسويق الانتاج الدرامي التونسي بسبب «الاسطورة» التي صنعها أخوتنا المشارقة والمتعلقة بعائق اللهجة، وهي ليست صحيحة، لأن تجاوزها امر بسيط، فيكفي ان يتعود مشاهد سوري او مصري او خليجي على لهجتنا حتى يتمكن من فهم كامل العمل، اضافة الى ان الراعي الوحيد للأعمال الدرامية هي الدولة التي تضع المليارات كل سنة في انتاج مسلسل او مسلسلين وهذا راجع الى ان المنتجين لديهم حالة من التوجّس والخوف من خوض غمار الانتاج التلفزي، رغم ان توجه الدولة يسعى الي تكثيف العمل الدرامي، لكن الدولة بمفردها لا يمكنها ان تضمن انتاج عشرة اعمال مثلا في السنة، ونلاحظ مثلا في سوريا او مصر غياب القطاع العمومي عن الانتاج فأغلب المسلسلات هي من انتاج خواص وتحديدا رؤوس الاموال الخليجية.
علينا ان نعرف كيف نغري المستثمرين والمنتجين او على الاقل نفتح سوق مغاربية مشتركة ونخلق حركة تبادل درامي بين الاقطار المغاربية الخمسة.
عائدات الاشهار لا تكفي لتكثيف الانتاج الدرامي والعشرة ملايين الذين يشاهدون عملا ما يمكنهم ان يغطّوا تكلفته المالية، قناة نسمة مثلا بدأت تشق الطريق نحو هذه المبادرة ويكفينا اتكالا على مهرجانات الاذاعة والتلفزيون والتحصل على جائزة افضل ممثل شاب!!!
ومسألة بطاقة الاحتراف والثلثين؟
ـ المسألة مرتبطة كما أسلفت الذكر بقدرتنا على فتح سوق حية ومتحركة وساعتها سيغامر المنتج وسنكتشف مخرجين متميزين واكثر من سيناريست سيخرج من صمته وحيرته «الوجودية» ويثبت وجوده وكذلك سينتشل كل ممثل من المقهى ليجد نفسه في موقعه الطبيعي وهو استوديو التصوير.
اما مسألة الثلثين فهي متعلقة اساسا بالمسرح، فالدولة تقدم دعما للمسرح يناهز المليارين سنويا فمن الطبيعي جدا ان تكون هذه العائدات لأصحاب بطاقات الاحتراف اما الموهبون فعليهم بالمثابرة والجهد ليتحصلوا على أحقية ان يكونوا ممثلين محترفين.
الى جانب مشاركتك في مسلسل نجوم الليل، أنت ايضا مخرج مساعد لمسرحية made in tunisia التي لاقت رواجا جماهيريا منقطع النظير، فكيف تقيم هذه التجربة؟ وهل سيؤسس لطفي العبدلي فعلا نهجا جديدا في مسرح الممثل الواحد؟
ـ مسرح «وان مان شو» يبقى رائده الامين النهدي وأعتقد ان هذا النوع يعيش أوجه في السنوات الاخيرة حيث تتالت التجارب من آدم العتروس وجعفر القاسمي ووجيهة الجندوبي وسفيان الشعري وصولا الى لطفي العبدلي، ما أضافته مسرحية «صنع تونسي» هي الكتابة المعاصرة وخلق الفرجة من خلال الاضاءة والموسيقى وحركة الممثل وغياب الديكور والأكسسورات، وايضا عفوية وصدق الممثل الذي جعله قريبا جدا من الجمهور وكذلك طبيعة مضمون النص وحرفية لطفي العبدلي الذي عرف كيف يقوم بعملية جرد وتكثيف لثلاثة عقود من تاريخ تونس وتقلبات المجتمع والتطور الذي حصل للمواطن التونسي، ولذلك فإن المشاهد الذي تابع هذا العمل لم يجد نفسه غريبا عنه وهو ما ضمن كثافة الجمهور حيث سجل دخول احدى عشر ألف متفرج في مهرجان قرطاج وصنفت المسرحية جماهيريا الرابعة بعد عرض صابر الرباعي وشارل أزنفور وأمينة فاخت.
وأعتقد ان أهم ما نجحت فيه المسرحية هو مصالحة الجمهور مع ركح المسرح، وقد يعتقد البعض ان هذا العمل كوميدي بالأساس في حين أن كل الوضعيات الكوميدية في المسرحية تم بناؤها دراماتورجيا على أساس الكوميديا السوداء وبُنيت على إثارة نقاط الاستفهام لدى كل من يشاهدها.
ولن أضيف على ما قاله النوري بوزيد وابراهيم لطيف بأن هذه المسرحية تعبّر عن "ثورة جيل يتمرد على السائد والمألوف ويتجاوز حدود المنطق السائد لصنع منطق جديد يشبه المرحلة التي نعيشها".
بعد اغتصَاب الأرض العراقيَّة وانتهَاك حُرمَات جغرافيا ما بين النهرين، وبعد إعدام الرئيس الشرعي لجمهورية العراق العربية صدام حسين جاء الآن دور اغتصاب التاريخ من خلال السّرقات والنّهب وطمس معالم حضارة بلاد الرافدين في إطار مشهدي سينمائي...
صدّام حسين برؤية صهيو- أمريكية هي ذي ورقة بريطانيا وأمريكا... ورقة الثقافة الغازية... ذلك أن هيئة الإذاعة البريطانية BBCأنتجت قناتها الثانية فيلما عن حياة ومسيرة صدام حسين أخرجه جيم هانلون وأليكس هولمزالذي أسهم أيضا في كتابة السيناريووقد اختارت هذه القناة ممثلا صهيونيا لتقمص شخصية الرئيس العراقي ويدعى «ايغال ناعور» والفيلم بعنوان «بيت صدام».
الفيلم شرعت قناة "نسمة" المغاربية في بثه منذ الأسبوع الفارط على أجزاء، رغم "مناشدة" الهيئة الوطنية التونسية لدعم المقاومة العربية في العراق وفلسطين بالعدول عن بث هذا العمل مثلما طالعنا في الصحف ورغم ما أبداه العديد من المثقفين والمهتمين من رفض لهذا العمل منذ إعلان تصوير أغلب مشاهده في تونس.
شخصيا لا أرى مانعا من بث الفيلم على القناة المذكورة لعدة أسباب أولها أن الفيلم أُنتج وطبيعي أن يُبث، وان لم يبث على هذه القناة فسيُبث على غيرها، وهو قد بُث سنة 2008 على القناة المنتجة له كما أنه متوفر على أقراص ليزرية، وثانيها أن رفض أي عمل من قبوله لا يكون إلا بعد مشاهدته لنُحسن الحكم له أو عليه، وثالثها أن هذا العمل بالذات سيقدم عدة حقائق من حقنا أن نطلع عليها، ولو أننا وددنا لو كانت بعيون موضوعية ولا يهم إن كانت عربية أو غربية... وقد أكد العديد من العراقيين الذين عايشوا صدام حسين عن قرب أمانة نقل الحقائق والأحداث ضمن هذا الفيلم...
طبعا هذا الإنتاج الصهيو - أمريكي لن يخرج عن إطار التشويه والتزييف لمسيرة الرجل وحياته أثناء حكم العراق ولن تكون قراءة الواقع والتاريخ العراقيين وفقا لمعطيات وحقائق الواقع والتاريخ العراقيين إلا بما سيخدم الآلة الصهيونية والعقل الصيهوني لتعزيز استحواذه على مستقبل المنطقة بعد أن أمّن ماضيها المنغرس في فلسطين ولبنان وما جاورهما... وسيكون فيلم «بيت صدام» مثل رواية «أرض الميعاد». ولن يضاهي دور الممثل الصهيوني «ايغال ناعور» دور «أنطونيو كوين» في فيلم «عمر المختار» الذي أخرجه مصطفى العقاد والذي أُغتيل هو الآخر قبل ان يخرج فيلما عن صلاح الدين الايوبي...
إن توظيف الثّقافة كسلاح حربي يمثل استراتيجية قديمة وهي مستمرة إلى الآن لنجاعته وفاعليته، وهو أيضا مستمر هناك، عند الآخر المستعمر ويكفي أن نذكر مدخل نابليون بونابارت لمصر... أما عندنا فالثّقافة كسلاح وجود، مقبورة بأيادينا نحن... لا بأيدي غيرنا... أيادي السلطة الرجعية والسلطة المتواطئة مع الاستعمار....
فالفيلم السياسي والمسرح السياسي والرواية السياسية والشعر السياسي... كلها مُصادرة ومُطاردة من قبل السّلطة السياسيّة فلا غرابة أن يُغتال غسّان كنفاني وناجي العلي، ولا غرابة أن يجنّ محمد شكري ويُنفى عبد الرحمان منيف، ولا غرابة أن يُغتال سعد الله ونوس وأن يُحاكم عاطف الطيّب ويُحاصر مظفر النواب وأحمد عفيفي مطر ومنوّر صمادح... وتظل كاميرا المخرج سابحة في سحابة التظليل والمغالطات والتستر على الفظائع المُرتكبة في كل قطر عربي... وفي تشييد بيت للأذى الدائم للشعب العربي...
وفي المقابل تنخرط الآلة الثقافيّة الرسميّة في تمجيد وأسْطَرَة السيد الرئيس الحاكم بأمره وتمجيد وأسطرة الحزب الحاكم الواحد الأوحد وتوظف كل مدّخرات شعبها وبلادها لترويج فلكلور مشوّه وشعوذة بائسة، وتكرّس ثقافة منبتّة لا تمتلك أفقا ولا استراتيجيا، ويكفي أن نقف على الموجة الجديدة للسينما المصرية أو الإطار العام لمسلسلاتنا التونسية ولبرامج المسابقات والأغاني لنلاحظ عمق الهوّة الفاصلة بين الرؤيا الصهيونية والأمريكية في مجال استثمار الثقافة والرؤيا الثقافية العربية في مجال طمس وردم الثقافة...
أحدث مسلسل «نجوم الليل» الذي بثته قناة حنبعل في النصف الأول من شهر رمضان، نقلة نوعية خاصة على مستوى الصورة، حيث تخلص هذا العمل من الصورة الكلاسيكية الباهتة التي انحسرت فيها جل أعمالنا الدرامية إن لم نقل كلها، كما أن هذا العمل قدم للمشاهد وجوها جديدة وشابة أثبتت جدارتها وقدرتها على التمثيل.
من بين الوجوه الجديدة والشابة التي ساهمت في هذه الدراما كاتبته سامية عمامي التي كان لنا معها هذا الحوار.
لمن لا يعرف كاتبة مسلسل نجوم الليل، كيف تقدم سامية عمامي نفسها للقارئ؟
ـ درست بكلية الحقوق بتونس وتخرجت سنة 1998 بالحصول على شهادة في الدراسات المتخصصة، اختصاص نزاعات المؤسسة، وبعد فترة من التمزق بين حبي للفن بصفة عامة والفن التشكيلي بصورة خاصة وبين التجريب في الكتابة سواء المسرحية أو السينمائية أو التلفزيونية، انطلقت في العمل المسرحي حيث أنجزت مشروع تخرج مع طلبة المعهد العالي للمسرح سنة 2005 بعنوان «مسجل مجهول» وقد فاز بجائزة أفضل مشروع تخرّج وكذلك جائزة الجامعة وكان من تمثيل لبنى نعمان ويسالا النفطي ثم دخلت إلى مجال الاحتراف من خلال عمل مونودراما بعنوان "هيدروجين" حيث كتبت النص وأنجزت الدراماتورجيا وجسّده معز القديري وأخرجه أيضا للمسرح وعرض لأول مرة بفضاء التياترو في تظاهرة «العرض الأول» ثم شاركنا في مهرجان الفوانيس بالأردن، كما قمت بتربص مع المسرح الملكيلمدة سنة ونصف حول «الكتابة الدرامية الجديدة".
ثم كانت لك تجربة أولى مع الشاشة الصغيرة؟
ـ بالفعل كتبت سيناريو سيتكوم، سلسلة كوميدية، بعنوان «الكلوك» وهو مصطلح غربي يطلق على المشتركين في الكراء مع المخرج برهان بن حسونة، وقد قامت بإنتاجه قناة حنبعل وبثته السنة الفارطة في شهر رمضان، وهذا العمل هو الذي ساهم في التعريف بي لإدارة حنبعل، رغم أن التجربة لم تكن مكتملة، إلا أن صاحب القناة السيد العربي نصرة، منحني ثقته واقترح علي تجديد التجربة، فكان لقائي بالسيد المهدي نصرة المشرف على قسم الدراما بالقناة، والذي اقترح علي فكرة وتصور لمسلسل درامي وترك لي حرية الكتابة فيها.
تقصدين فكرة وتصور مسلسل «نجوم الليل»؟
ـ تماما، كانت فكرة وتصور المسلسل الذي تابعه المشاهد التونسي والعربي في الجزء الأول من شهر رمضان والذي كان بعنوان «نجوم الليل»، حيث أنهيت كتابة السيناريو في ظرف شهرين وإحقاقا للحق فإن الفكرة في حد ذاتها كانت الدافع الرئيسي لشحني وحثي على تطويرها وحبك تفاصيلها.
وبما أن فكرة السيد المهدي نصرة كانت فكرة حية و «ابنة الواقع»، فقد فسحت لي المجال للتجريب فيما يسمى الكتابة الجديدة للتلفزة، وهي التي تستعير مفرداتها ولغتها من الكتابة السينمائية المبنية أساسا على الصورة ودلالاتها، وهذا الاختيار هو الذي جعلنا نختار المخرج الشاب مديح بالعيد باعتباره سينمائيا وهو المؤهل للكتابة السينمائية التي أردناها، وهي الكتابة الخالية من "الكليشيهات" التلفزية.
ولكن ما هو دور عبد الحكيم العليمي الذي نطالع اسمه في جينيريك المسلسل؟
ـ الكتابة الأولى أفرزت ثلاثين حلقة، غير أن إدارة القناة، ومن اجل إعطاء حظوظ أوفر للمسلسل، قررت تقليص الحلقات إلى النصف فدعت السيد عبد الحكيم العليمي للقيام بهذه المهمة، وتم التقليص من مشاهد المسلسل.
طيب لماذا كل هذه الدراما المغرقة في السوداوية؟
ـ هو في الحقيقة المسلسل ككل مبني على صراع الخير والشر، صراع الحق ونقيضه، وكل الخيوط الدرامية تمت صياغتها في ظل هذا الصراع، حتى قصص الحب الموجودة في العمل تعيش تحت الحصار، أو هي قصص تحمل فشلها في داخلها.
أؤمن بقولة جبران خليل جبران «الآباء يأكلون الحٌسرم والأبناء يَضْرَسون» لأن شباب اليوم يدفع ضريبة أخطاء الكبار وصراعاتهم.
لا يمكنني أن أنكر بأن مادة المسلسل هي من الواقع المعاش ولكن هي بالأساس تأويل لهذا الواقع.فمثلا عندما أطرح علاقة حب بين شخصين، فإني أتساءل عن كيفية استمرار ذاك الحب، وبالتالي كيف تكون العلاقة بين شخصين مستلبين، فمثلا علاقة "مروى" و "أيمن" هي علاقة روحان ضائعان فالأولى تبحث عن فارس أحلام يأتيها على "هامر" بيضاء وينتشلها من الأحياء الشعبية والثاني مسلوب من حلمه ولاذ بعالم المخدرات ليعيش وهم الحياة، وبالتالي فالعلاقة بين هذين الشخصين لا يمكن أن تكون إلا كارثية.
الصورة السينمائية حققت للمسلسل قيمة مضافة وهي أول تجربة تقريبا في الدراما التونسية ككل؟ ـ هناك تجارب قامت بها التلفزة التونسية، مثل الشريط التلفزي "ولد البسطاجي"ولكن كانت تجارب منعزلة ولم تكن اختيارا من طرف القناة بقدر ما كانت اختيارات فردية من بعض المخرجين، عكس تجربة «نجوم الليل» التي هي بالأساس اختيار مدروس من قبل إدارة قناة حنبعل التي تسعى للرقي بالصورة التلفزية والارتقاء بالدراما الوطنية وجعلها قابلة للانتشار عربيا وعالميا، ولذلك لا نستغرب اختيارها لمدير تصوير المسلسل الشاب بشير المهبولي الذي تلقى تكوينا سينمائيا ودرس فن الصورة في فرنسا، وهو اسم ستذكره الدراما التونسية.
والصورة التي شاهدناها كانت نتاجا لتضافر عدة جوانب منها الجانب التقني، حيث تم استعمال تقنيات فيديو متطورة، والجانب الإخراجي المبني على خلفية سينمائية، ثم جانب الكتابة السيناريستية المعتمدة على البعد السينمائي أكثر من اعتمادها على الكلمة ولذلك عملنا على تكثيف لغة الحوار واختزالها والتعويل على الصورة كلغة مستقلة بذاتها وقادرة على التبليغ.
ولكن أيضا عملية اختيار الممثلين ساهمت بشكل كبير في نجاح المسلسل؟
ـ بالفعل عملية اختيار الممثلين ساهمت في نجاح المسلسل، ويعود ذلك أساسا إلى أن الاختيار كان مبنيا على منطق عدم تقديم الوجوه المستهلكة تلفزيا، فأغلبهم وجوه جديدة، والى جانب هشام رستم وعلي بالنور وفؤاد ليتيم ومحمد كوكة وسامية رحيم وعلي الخميري وغيرهم فإن باقي شخوص المسلسل، وجوه شابة، وحسب رأيي فإن هذا الاختيار يساهم في خلق نوع من «التغريب» الذي يشد المشاهد ويجعله يعيش رحلة اكتشاف، كما انه يتعامل مع الوجوه الجديدة من دون خلفية مسبقة أو تصنيف معين لهذا الممثل أو ذاك، ثم إن هذا الاختيار يساهم في إضفاء واقعية أكثر على الأحداث.
باعتبارك كاتبة المسلسل هل ساهمتي في عملية اختيار الممثلين؟
ـ عملية اختيار الممثلين هي بالأساس وأولا وأخيرا مهمة المخرج ولكن ومثلما هو متعارف عليه فقد كانت هناك مشاورات بيني وبين السيد مديح بالعيد مخرج المسلسل خاصة في الأدوار الأساسية، وعموما لم تكن هناك أية اختلافات بيننا بخصوص الممثلين.
هل تابعتي عملية التصوير وهل كان لك دور فيها؟
ـ حضرت أغلب المشاهد، وساهمت من موقعي كسيناريست، في تحوير بعض المشاهد كلما استوجب الأمر، واعتقد آن تواجد السيناريست أثناء التصوير لا يسبب عائقا في سير العملية مثلما هو سائد لدى العديد من السيناريست أو المخرجين، بقدر ما يساهم في إنجاح تصوير المشاهد، فالسيناريست هو بالأساس مبدع ولكن دوره يتحول إلى دور تقني أثناء التصوير، وكل ما يقوم به هو في خدمة الإخراج.
ولا أجد مبررا لاستمرار الصراع التقليدي بين الكاتب والمخرج بقدر ما أؤمن بأن هذا الصراع يمكن آن يكون «صحيا» وفي صالح العمل الدرامي ككل سواء كان مسرحيا أو سينما أو تلفزيا...
بعد كتابة «نجوم الليل» وبعد تجربة الواقعية التي ما تزال تكبّل الدراما التونسية، ألا تفكرين بكتابة نص مسلسل وثائقي مثلا أو فنطازيا تاريخية، مثل أعمال شوقي الماجري أو بسام الملا؟
ـ بالطبع، فمثل تلك الأعمال توفر متعة لا متناهية خاصة في البحث والكتابة، وهي تشكل نوعا من التحدي باعتبار انك تكتب في «تيمة» تاريخية أو قيمية بأسلوب معاصر وقريب من الناس، أي كيف تجدد التاريخ أو تعيد تصنيفه، ولكن المسألة تبقى إنتاجية بالأساس، نظرا للكلفة المادية العالية لمثل تلك الأعمال.
أنا شخصيا لا أقول بأنني أفكر في كتابة عمل درامي وثائقي مثلا أو في الفنطازيا التاريخية، ولكن أقول بأن لدّي القدرة على الكتابة في هذين النمطين متى طٌلب مني ذلك، ثم إن ما يعنيني أساسا هو «الصراع» الذي تقدمه الدراما، ولا أخفيك سرا بأن لدي ميولات لمَ يسمي «Les Filmes procés» أي تلك التي تقوم على «تيمة» الاستحقاق القانوني.