بحث هذه المدونة الإلكترونية

2012/08/21

من "صفر فاصل" إلى "خمسين فاصل"

ربما من بين أهم النتائج التي أفرزتها التجربة الانتخابية التي عشناها بعد الإطاحة بالدكتاتورية السابقة، حالة التشتت والانقسام التي أصابت مختلف الأطياف السياسية ذات الأفق التقدمي والتنويري، بل يمكن تسميتها نتيجة النتيجة، فلولا التشتت بين مختلف الأحزاب والتيارات والعائلات الايديولجية المشتركة في حد أدنى من الديمقراطية لما كانت النتائج بتلك الشاكلة، وربما تلك النتيجة هي التي جعلت القوى الديمقراطية والتيارات اليسارية التونسية تسعى لبناء "جبهة سياسية مفتوحة" عساها تفلح في وضع حد لحالة التشرذم التي تشقها ومواجهة نزعة التيار اليميني لاحتكار الحياة السياسية. وحالة تشتت اليسار التونسي‮ ‬بمختلف فصائله وأحزابه وتياراته هي‮ ‬حالة تاريخية بامتياز،‮ ‬فرغم أن اليسار التونسي‮ ‬لم‮ ‬يجلس في‮ ‬الجهة اليسرى للبرلمان بصفته كتلة موحدة منذ نشأة المؤسسة البرلمانية في‮ ‬تونس فهو لم‮ ‬يلتق خارجها أيضا كتلةً‮ ‬موحّدةً‮ ‬ذات هدف مشترك وان برزت بعض التحالفات في‮ ‬السبعينات والثمانينات فهي‮ ‬لم تفلح في‮ ‬رفع أوتاد خيمة تتسع لجميع فصائل اليسار التونسي‮ ‬من ماركسيّين لينينيّين وماويّين وتروتسكيّين وغرامشيّين على ما أظن‮... ‬وهذا‮ ‬يبدو أمرا طبيعيا ومفهوما ذلك أن تاريخ تونس الحديث لم‮ ‬يفرز منعرجا حاسما من شأنه أن‮ ‬يمنح المدرسة اليسارية باشتراكييها وشيوعييها فرصة الالتقاء على أرضية صلبة‮... ‬فهذا القطب الإيديولوجي‮ ‬والسياسي‮ ‬لم‮ ‬ينتظم‮ ‬يوما في‮ ‬جهاز واحد ولم‮ ‬يجمعه نظام قيمي‮ ‬واضح، وبالطبع تفرقت وجهات منتسبيه من مقر إلى آخر وتوزعوا بين النشاط العلني‮ ‬في‮ ‬الأحزاب المعترف بها أو النشاط السري‮ ‬لمن لم‮ ‬يحصُل على تأشيرة نشاط‮... في هذا الإطار تم الإعلان مؤخرا عن تشكيل جبهة شعبية ضمت 12 حزبا يساريا وشخصيات مستقلة، تشكلت "بديلا عن الاستقطاب المغشوش بين الائتلاف الحاكم والفصائل الليبرالية التي تدعي بحكم تواجدها خارج السلطة كونها تمثل بديلا عن حكومة الترويكا". وهي جبهة تهدف إلى "تحقيق أهداف الثورة في الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية في شكلها الشعبي وليست الديمقراطية الليبرالية التي لا تخدم، كما كانت دوما، غير البورجوازية ورجال الأعمال والمتنفذين مالا وجاها وتحقيق المساواة والعدالة الثورية في جميع مستوياتها سواء بين المرأة والرجل أو بين الفئات الشعبية وبين الجهات". خاصة أن التونسيين "لم يجنوا من ثورتهم سوى مزيد من التفقير والتهميش والاستبلاه والتسويف". لا يختلف تونسيان في أن التجربة السياسيّة في تونس كانت مشوّهة ومشلولة لأسباب يعلمها القاصي والداني ويمكن أن نُجملها في دكتاتورية الحكم في "جمهورية" ما بعد الاستقلال بنسختيها البورقيبيّة والنوفمبريّة... والتجربة السياسية موصولة حتمًا بالوعي السياسي، هذا الذي انحسر طيلة نصف قرن فيما يُعرف بالطبقة السياسية في مختلف تلويناتها وخطوطها، بمعارضتها وموالاتها، وهو ما ساهم في غلق قنوات التواصل بين "الطبقة السياسيّة" والقواعد الجماهيرية المعنية بالشأن العام فظلت تلك الجماهير طيلة حكم بورقيبة وبن علي "بضاعة مٌعلَّبة" تُباع وتُشترى زمن "المسرحيات الانتخابية" السابقة... ورغم عدم التخلّي عن سياسة القطيعة بين ما اصطلح عليه بالنخبة وبين الشعب، ورغم تعدّد المؤشرات السلبيّة والسالبة لمواطنة المواطن، فإنّ التجربة السياسية التي سيُقدم عليها الشعب التونسي من خلال المشاركة في ثاني انتخاب بعد الإطاحة بالنظام النوفمبري تحمل في عمقها عديد المؤشرات الممكنة للقطع مع سياسة الوصاية والاستحواذ على إدارة الشأن العام... ويكفي اليوم أن يجلس كل مواطن إلى نفسه ويسأل كيف سأختار من يمثلني ولماذا؟ هذا طبعًا بعد أن يكون قد آمن بأن صوتًا واحدًا من شأنه أن يحدّد وجهة هذا الوطن والكف عن الاستخفاف بقيمة الصوت الواحد... وبالتالي بقيمته إنسانا أولا ومواطنا ثانيا.... وهي الدرجة الأولى للدخول في التجربة السياسيّة... بوعي بسيط، ولكنَّه عملي في مرحلتنا الراهنة... إن هذه الجبهة وغيرها من الجبهات المتأصلة في الديمقراطية والمؤمنة فعلا بالعدالة الاجتماعية والحريات قد تأتي ثمارها على عكس التحالفات الظرفية التي تشكلت قبل الانتخابات (مثل القطب الديمقراطي الحداثي، الائتلاف الديمقراطي المستقل، ائتلاف 23 أكتوبر، تحالف الأربعة) واتسمت في مجملها بنزعتها البراغماتية المتمثلة في الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد، في حين أن التحالفات الجديدة تبدو تحالفات إستراتيجية ذات عمق سياسي ورؤية بعيدة المدى تعلي المصلحة الوطنية فوق كل المصالح الحزبية وتنأى عن التقسيمات العددية البائسة التي ابتدعتها حركة النهضة من قبيل "جماعة صفر فاصل" وهي التي تذكرنا بمصطلحات النظام النوفمبري من قبيل "الشرذمة الضالة".

2012/08/09

مصطفى بن جعفر في بيت الطاعة

بعد أن انخرط رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر مع جماعة "سيف الحق على من لا يرى الحق" واستبسل في "قرع" مطرقته في وجه "الكفار والملحدين والعلمانيين" من نواب المجلس الوطني التأسيسي ونائباته، ها هو يترك "رأسه" خارجا ويدخل خاشعا، صاغرا، حاني الظهر، مطأطئ الرأس قبة المجلس... ففي انسجام تام مع التهافت السلطوي، يدخل رئيس المجلس الوطني التأسيسي مطمئنا إلى بيت الطاعة، محاطا بنائبات ونواب حركة النهضة، يدخل متأبطا فصلا جديدا لينسف به حجرا آخر من "جدار الحريات" الذي "رفعته" سواعد بنات تونس وأبنائها على مدى عقود، فبعد المصادقة على "قانون تجريم المسّ بالمقدسات" المهدّد للحريات العامة والفردية والذي سيعيد، تحت عنوان جديد، منظومة الرقابة والقمع التي انتهجها نظام المجاهد الأكبر وصانع التغيير وكبّلا بها كل الطاقات الإبداعية إلا من أبى واستكبر، وبعد الصمت المقيت أمام إصرار "نائبات ونواب" حركة النهضة على عدم استقلالية الجهاز القضائي ليظل مرتعا لهم وعصا غليظة يسلطونها على قناة نسمة وصحفي التونسية وسفيان الشورابي وغيرهم وصولا إلى أحفاد حشاد، نقابيي صفاقس الموقوفين من أجل إصرارهم على استكمال أهداف الثورة... بعد هذين الفصلين هاهي قبة باردو تزفّ لنساء تونس "بشرى" عبوديتهن في دستور "الجمهورية الثانية" بعد أن شرعت حركة النهضة تمهيدا لذلك في تطبيق "دونيتها" وهي تفصل بين النساء والرجال في ندواتها وتحض أئمتها في المساجد لدعوة الرجال إلى الزواج بأربع نساء، وتكره العازبات على الزاوج بتظاهرة الزواج الجماعي وتفرض اكتساح الحجاب للتلفزة العمومية لتقمع حرية اللباس والتعدد وتفرض زيّا موحدا على التونسيات، وتفتح رياضا لبراعم تونس فتخنق طفولتهن بالنقاب والحجاب... هاهو الفصل 28 المُذلّ للثائرات الحرّات العزيزات اللّواتي صمدن في المصانع والمعامل وتشققت أياديهن في المزارع والبساتين، للواتي بحّت حناجرهن في الصفوف الأمامية للمسيرات والمظاهرات المندّدة بقمع الحريات وبالاستبداد... يطلع علينا بإجماع نساء النهضة دونما خروج عن القطيع أو تغريد بعيدا عن السرب... تماما كما الدمى لا تتحرك إلا بخيوط من خلف الستار... هاهن نساء بلادي يخذلن نساء بلادي، ويقفن ألفا قاطعة في وجه تاء التأنيث يرفضن مبدأ المساواة بين الجنسين ويكتفين بدورهن كزوجات وأمّهات تحت مسمى التكامل الذي ابتدعنه تلافيا لمنطق المواطنة بما هي تساوٍ في الحقوق والواجبات... وإن كنت لا أستغرب مواقفهن تلك لانسجامها مع أدبيات الحركة التي نصبتهن بالمجلس التأسيسي وسياساتها منذ نشأتها، وأيضا لاتساقها مع ثقافة التأييد و"انصر أخاك ظالما أو مظلوما " التي عودننا بها، فإني أستغرب الصمت المريب لرئيس المجلس وهو أحد مؤسسي الرابطة التونسية لحقوق الإنسان بما يعنيه ذلك من إرث نضالي للرابطة من أجل تكريس حقوق الإنسان في كونيتها أي بعيدا عن تعلات الخصوصية الثقافية والدينية وفي وحدتها أي لكل إنسان دون تمييز على أساس الجنس أو اللون أو العرق أو الدين... أستغرب موقف بن جعفر من هذه التراجعات الخطيرة وأسأله حينئذ لكي تكون على هذا التهاون بحقوق نصف المجتمع التونسي وتطلعاته بأي مطرقة ضُرِبت يداك ؟ وأسأله أيضا من أجل ماذا تدخل صاغرا بيت الطاعة؟ هل برئاسة مكذوبة ومنكوبة وعدت؟ وإن كان ذاك هو ثمن ما للتونسيات والتونسيين من حقوق عليك فانظر فيما فعلته الأيادي العابثة برئيسنا الحالي لكي تُدرك بَخْسَ ما وُعدت به فهُنْتَ من أجله.

2012/08/02

أموال المفقرين وآمالهم بين عبد الاله بنكيران وراشد الغنوشي

في الوقت الذي يترجل فيه الداعية السلفي "نشأت أحمد محمد إبراهيم" من السيارة الفاخرة "رولز رويس" التي يبلغ سعرها 340 ألف دولار أمريكي (500 مليون) بمدينة "مساكن" من ولاية سوسة لإلقاء "محاضرة" بعنوان "نعمة الصبر وفوائد الابتلاء بالفقر"، لم يتردد رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران في "إطلاق سراح" ناهبي المال العام المغربي عندما نزل ضيفا على القناة القطرية (الجزيرة) في برنامج "بلا حدود"، قائلا أن فلسفته في القضاء على الفساد هي "عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه"! وفي نفس الوقت أيضا مثل "قانون العودة للعمل والتعويض للأشخاص المنتفعين بالعفو التشريعي العام وأولي الحق منهم" مسألة ذات أولوية في مؤتمر حركة النهضة الأخير... رغم الوضع الاقتصادي المتأزم في تونس... رئيس حزب العدالة والتنمية الإسلامي عبد الإله بنكيران رفع الراية البيضاء في وجه المستكرشين المغربيين الذين أثروا على حساب عرق المفقرين، حيث يعلن من جهة أولى تراجعه عن كشف لوائح المستفيدين من الفساد الاقتصادي والمالي المغربي، ومن جهة ثانية يشن "حربا استباقية" على جيوب البسطاء والمفقرين والمعدمين خوفا من هزيمة سياسية قد تلحق بحزبه، ضاربا بذلك عرض الحائط الحديث النبوي الشريف الذي يقول:" هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد". أما شباب حركة النهضة في تونس وقيادييها فقد وضعوا الشعب التونسي برمته في سلة "الخيانة" عندما طالب هذا الشعب "بعقلنة" التعويض المادي خاصة في هذا الظرف العصيب الذي يعيشه المواطن البسيط (قطع الماء، عمال مطرودون، غلاء الأسعار...) وقد بلغ الأمر بشباب حركة النهضة أن كتبوا نصا تقول احد فقراته:"الشعب التونسي الذي صدق فعلا أنه شعب عظيم"! هكذا يتم تكريم الشعب التونسي من طرف حركة النهضة التي ضربت عرض الحائط (مثل حزب العدالة والتنمية المغربي) قول الرسول محمد "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله". ففي الوقت الذي تترك فيه الحكومة بن علي طليقا في السعودية وأمواله مخزنة في البنوك الأوروبية، وفي الوقت الذي تُحاك فيه الصفقات مع رجال الأعمال الفاسدين والمورطين في تخريب الاقتصاد التونسي... وفي الوقت الذي تُمضي فيه الحكومة على القروض الكبرى من أمريكا وقطر والسعودية وتركيا... وفي الوقت الذي تغض فيه الحكومة عن الاداءات المتخلدة بذمة رؤوس الاموال وتستفرد بالشعب المسكين من خلال وزارة المالية وومضتها الشهيرة حول البناء الجماعي للوطن بدفع الاداءات المتخلدة لدى الفقراء والبسطاء... أمام هذه الوضعيات يصير الشعب التونسي "خائنا" عندما ينتفض ضد تأبيد الفقر والتهميش! إن سياسة "مع أو ضد" التي انتهجتها حركة النهضة إبان حملتها الانتخابية ضد كل القوى الديمقراطية باعتبارها "كافرة وعلمانية وملحدة" هي نفس السياسة التي تعتمدها الحكومة ضد وسائل الإعلام باعتبارها أيضا "كافرة ومعارضة للحكومة" وهي نفس السياسة التي تنتهجها اليوم ضد الشعب التونسي برمته! متناسية أن جزءا كبيرا من هذا الشعب هو الذي طالب بسن العفو التشريعي العام، وهو الذي قال إن التعويض لمساجين الرأي العام من صميم العدالة الانتقالية، على أمل أن يكون صوت "الحكمة الشعبية" أعلى من صوت "اغتنام الفرص" (ألم يقل عادل العلمي إن التعويضات بمثابة الغنيمة!) ولم تدعو حكمة الشعب التونسي في صرف التعويضات إلا إلى تحقيق أهداف الثورة من تنمية عادلة وحل مشكلة البطالة وإقرار نظام جمهوري ديمقراطي ثم تكون التعويضات للمساجين... فهل يعني هذا خيانة شعبية وهل يبرر هذا الموقف السخرية من الشعب واعتباره "تافها" بعد ان صارت عظمته "كذبة" في نظر شباب النهضة وقيادييها! إن التعويضات الحقيقية هي تلك التي تفتح المدارس والمعاهد والكليات، هي التي تفتح المستشفيات وتعبد الطرقات السيارة، هي التي توفر كل مرافق الحياة الكريمة لأبسط مواطن تونسي في أعماق البلاد، هي التي تستصلح الأراضي المهملة، وهي التي تخلق مواطن الشغل للمعطلين عن العمل وتخرج المفقرين من حالة العدم واليأس الوجودي، ولكن ما دام هناك داعية سلفي وهابي يترجل من "الرولز رويس" ليلقي ما يسمونه "محاضرات" تدعو إلى " نعمة الصبر وفوائد الابتلاء بالفقر" فان كل عاقل في هذا البلد سيكون ضمن خانة "أعداء الثورة"!

2012/07/28

مفتاح لطفي العبدلي وصديد وزارة الداخلية

قد تبدو العلاقة المتوترة بين الفنان المسرحي لطفي العبدلي ووزارة الداخلية بعد رفض هذه الأخيرة حماية العروض المسرحية التي يقدمها العبدلي في المهرجانات الصيفية، قد تبدو ظاهرة معزولة أو كما نعتها وزير الثقافة "زوبعة في فنجان"، غير أن الأمر اكبر من ذلك بكثير، لأن الفنان التونسي والمبدع بصورة عامة لم يخرج بعدُ من وضع الهشاشة والتهميش والمحاصرة الذي كان عليه رغم استماته في فك عزلته الإجبارية التي وضعه فيها النظام السابق، ورغم محاولاته الجادة الاقترابَ من الواقع التونسي وتأسيس ثقافة تقدمية وتنويرية تقترب من "أيقونة الثورة التونسية" أو ما يُسمى "ثورة"، غير أن المفاتيح التي يسعى الفنان إلى أن يفتح بها الأقفال المضروبة على الأفواه والعقول تصطدم في كل مرة بالحواجز القديمة والمتاريس التي تربى عليها جزء كبير من هذا الشعب... وبأطنان من الصديد... إن مثل هذه العلاقة المتوترة والاعتداءات التي تأتي في صورة ظواهر معزولة، ما انفكّت تتحوّل من خلال تواترها إلى ما يشبه خُطة مُمَنْهَجة تستهدف المكتسبات الثقافية والمدنية المتحققة بفضل نضالات المثقفين والمبدعين التونسيين، لا منة أو مزية من أي نظام سابق لا البورقيبي ولا النوفمبري، وما يجعل من هذا الوضع الفضائحي شبيها بالخطة الممنهجة هو ردّ فعل الحكومة المؤقتة إزاء هذه الاعتداءات إذ غالبا ما تتراوح بين التجاهل التام لها أو التقليل من خطورتها أو إصدار بيانات عابرة لا تتلوها إجراءات رادعة، و هو ما يعطي الانطباع لدى المعتدين بأنّهم غير معنيين بقوانين الجمهورية ولا باحترام رموزها، بل هم محميون من قبل أجهزة الدولة... ولذلك تتالت الاعتداءات (المخرج السينمائي النوري بوزيد والمسرحي رجب المقري، ومجموعة أولاد المناجم، فرقة أجراس، اقتحام قصر العبدلية، اقتحام قاعة السينما آفريكارت... والقائمة قد تطول إن لم تكن جاهزة سلفا) غير أن الخطير في ما يحدث الآن وهنا، للمسرحي لطفي العبدلي هو أن "المعتدي عليه" مؤسسة رسمية مخول لها حماية المجتمع التونسي برمته أفرادا وجماعات وفقا للقانون المنظم للحياة العامة لا لمزاج المسؤولين، إذ يبدو أن أجهزة الدولة تخلت عن الصمت والتجاهل أمام اعتداء السلفيين على المبدعين لتلتحق بهم "رسميا" وتقف ضد الفن والفنانين، وما يؤكد هذا الموقف السلبي الرسمي هو عدم الرد على التصريحات الإعلامية للطفي العبدلي والمشاهد المصورة في القنوات التلفزية، والتي تُظهر بما لا يدع للشك مجالا أن وزارة الداخلية تخلت عن دورها في حماية العروض الفنية للطفي العبدلي وعلى الجمهور الذي يواكب عروضه والذي يعد بالآلاف! وربما يكون المثل المُنطبق على هذا الموقف المخجل من مؤسسة رسمية هو "رب عذر أقبح من ذنب" ذلك أن موقف الوزارة، أو شق واسع منها، وفق تصريحات لطفي العبدلي يعود إلى النقد الذي يوجهه العبدلي إلى هذه المؤسسة (لا ضدها) ! ووفق هذا "المنطق"، ومثلما رفضت وزارة الداخلية حماية عروضه بتعلة النقد، فان لطفي العبدلي عندما يتجه إلى طبيب سيرفض علاجه، أو عندما يقيم ندوة صحافية ستقاطعه وسائل الإعلام أو عندما يمتطي الطائرة لعرض مسرحي بالخارج سترفض الديوانة عبوره أو عندما يذهب إلى احد المطاعم سيرفض النادل تقديم الوجبة له.... وهكذا حتى يجد لطفي العبدلي نفسه أمام "عزرائيل" عندما يطلب الموت (اللطف عليه) سيرفض منحه ذلك ليكون منسجما مع سياسة الحكومة التونسية المؤقتة في الصمت والتواطؤ حد القتل الرمزي والمعنوي لكل بارقة أمل... ولكل نفس حر يتوق إلى تأسيس تونس أخرى... ربما ما يجعل هذه "الوضعية" أكثر بؤسا هو الموقف الباهت لوزارة الثقافة، فمسؤولها الأول اعتبر أن الأمر "زوبعة في فنجان" وهو تماما ما نسمعه من الحكومة برمتها إذ تعتبر دائما أن الإعلام يهول الأمور! كما أن مدير مهرجان نابل، وتحت شعار "كل الأمور على ما يرام"، صرح في بداية عرض لطفي العبدلي أن الأمن موجود ويحمي الجمهور، غير انه طلب الأمن في منتصف العرض بعد تهاطل الحجارة على المدارج والركح! قد يموت لطفي العبدلي ولكن فنه ومسرحه لن يموت... هذا ما لا تعرفه العقول المتحجرة القادمة من وراء الأسيجة الدوغمائية والمغاور المظلمة... وهذا ما لم تستسغه بعد المؤسسات الرسمية في تونس...

2012/07/04

هل تَعدلُ حركة النهضة عن النظام البرلماني؟

جثم النظام الرئاسوي على الشعب التونسي طيلة نصف قرن من الزمن، إذ أن النظامين السابقين، البورقيبي والنوفمبري، لم يكرسا أدنى مستويات النظام الرئاسي، بل استأثر الحبيب بورقيبة بالسلطة التنفيذية مطوعا السلطتين الثانيتين لزبانيته، وسار على خطاه بن علي طيلة 23 سنة بعد أن صنع ديكورا برلمانيا من خلال المجالس التي تم إنشاؤها والتي يقوم بتعيين أعضائها وفقا لمنسوب الولاء وكانت تمهد له الطريق التشريعي والقانوني ليبسط هو نفوذه وسيطرته، فكان الهيكل برلمانيا ووظيفيا النظام رئاسويا. والنظام الرئاسي، ليس نظاما "بائسا"، بل هو من بين الأنظمة التي تضمن الفصل التام بين السلطات حسب نظرية مونتسكيو، ولكن الانحراف به هو الذي يجعله نظاما مؤسسا للدكتاتورية والاستئثار بالسلطات الثلاثة معا، وهو ما حصل في تونس في المرحلتين السابقتين. ورغم أن فرنسا "مرجعنا السياسي"، قد اختارت النظام شبه الرئاسي مع الجمهورية الخامسة، كما تبنته مختلف دول أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين، وهو نظام يشترك فيه رئيسا الدولة والحكومة حيث يتم اختيار رئيس الدولة من قبل الشعب وكذلك يكون رئيس الحكومة مسؤولا أمام أعضاء البرلمان الذي يمكنه أن يعزل رئيس الحكومة ويحاسبه، رغم "محاسن" هذا النظام، فأن الأطراف السياسية التونسية قبل انتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي وبعده ما تزال مختلفة حول طبيعة النظام الذي سيتم اعتماده، ولم يكن خافيا على أحد استماتة حركة النهضة أو "حزب الأغلبية" كما يحلو لمناصريها تسميتها، في الدفاع عن النظام البرلماني خاصة بعد أن استأثرت بقرابة 45 بالمائة من مقاعد المجلس التأسيسي، وهي المقاعد التي مكنتها من تعيين السيد محمد منصف المرزوقي رئيسا مؤقتا للجمهورية بعد "مسرحية" انتخابات البرلمان... وذات مقاعد الأغلبية، بتراخ مفضوح من حزبي التكتل والمؤتمر، هي التي جعلت من السيد حمادي الجبالي رئيسا مؤقتا للحكومة والذي تعدت صلاحياته كل الحدود خاصة بعد تجاوز مؤسسة رئاسة الجمهورية في قضية البغدادي المحمودي. وما إصرار حركة النهضة على تكريس النظام البرلماني إلا لبسط نفوذها وسيطرتها من جديد على أجهزة الدولة بالتمام والكمال وهو ما هي ماضية فيه، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هل ستعدل حركة النهضة عن النظام البرلماني بعد أن أطلق الباجي قائد السبسي ما سماه "نداء الوطن"؟ خاصة أن كل المؤشرات تدل على أن هذه الحركة/الحزب ستجمع شتات الجهاز القديم إلى جانب التحالف مع بعض القوى الليبرالية والحداثية، وستسخر كل طاقتها وتجربتها للفوز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات القادمة لتضمن بذلك كتلة موازية لكتلة النهضة في البرلمان ولتحد من الهيمنة البرلمانية لنواب الحركة الإسلامية، وربما لذلك استنفرت حركة النهضة (متخفية وراء اقتراح نواب حزب المؤتمر من أجل الجمهورية) لإصدار قانون يقصي التجمعيين من ممارسة الفعل السياسي بعد أن تم إقصاؤهم من الترشح لانتخابات المجلس التأسيسي الوطني في 23 أكتوبر 2011 بسن المرسوم عدد 15 كما أن افتعال بعض الأحداث لإرباك المسار الديمقراطي وضمان سلاسة الانتقال نحو أفق أكثر عدالة وتقدم، كلها سيناريوهات تصب في مربع الهيمنة على المشهد السياسي والاستحواذ على مفاصل الدولة. ومن الأهمية بمكان أن لا نغفل نتائج الانتخابات المصرية ومدى تأثيرها على اختيار حركة النهضة للنظام البرلماني، فالفارق بين محمد مرسي وأحمد شفيق ضئيل ويطرح إمكانية فشل الإسلاميين في مصر في الانتخابات القادمة، وفي سياق الانتخابات المصرية لا يمكن أن نغفل تصريح رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أمام السفارة المصرية بتونس حيث قال "مثلما فشل أحمد شفيق في مصر سيفشل في تونس" في إشارة بليغة للباجي قائد السبسي، باعتبار أن أحمد شفيق يمثل فلول النظام السابق وكذلك ينتمي الباجي قائد السبسي وأبرز قيادات "نداء تونس" إلى النظام التونسي السابق، إذ يبدو أن قادة حركة النهضة على وعي تام بالمنافس الانتخابي القادم الذي لن تفلح معه محاولات التشتيت والتشويه باسم الدين مثلما حصل للأحزاب المتنافسة في انتخابات المجلس التأسيسي، لأن الهيكل التنظيمي الجديد للباجي قائد السبسي سيعتمد على "الإرث" السابق وسيلتف حوله جزء مهم من الشعب التونسي. ومن المرجح أن تثير حركة النهضة، المستفيد الرئيسي من الانتخابات السابقة، طبيعة الحكم الذي سيُعتمد في تونس حال الانتهاء من صياغة الدستور بعد أن تناقش قيادتها وكوادرها وأعضائها حظوظ النجاح بالاغلبية في المرحلة المقبلة... من عدمه... ناجي الخشناوي

2012/05/23

مقاولات صحفية

يبدو أن مصطلح "الصحافة المؤسسة" قد دخل طور الانقراض من أوسع أبوابه، بعد أن تم "تحرير سوق الإعلام" بشكل غير معلن، وفُتح الباب على مصراعيه للأفراد والمؤسسات التجارية ذات الغطاء الإعلامي للاستثمار والاتجار في السياق الصحافي... بذهنية المرابين... فمثلما تفيض اليوم الفضاءات التجارية الكبرى والأسواق المنظمة والموازية بالسلع القابلة للتلف والإتلاف بعد أول استعمال، تفيض سوق الصحافة بالمقالات والحوارات والتحقيقات والأخبار التي لا طعم ولا رائحة لها، وتنتصب أكشاك الإعلام لتبيعنا معلباتها الفاقدة للصلاحية، أو منتهية المفعول بعد أول عرض لها، وتنتصب "حضائر" الصحافة هنا وهناك فتستعر حمى المقاولات وينشط سوق البيع والشراء ويتناسل الوسطاء والسماسرة للتسريع ببيع المنتوج الوفير وعقد الصفقات دائما وأبدا... إن كل صحفي مشنوق بنصه، وكل مقال على قدر الزيت فيه يضيء. قد يحرق المقال بكاتبه فيصير لعنته الأبدية، وقد يضيء سبيله فيصير قنديلنا الأبدي نرصد به انسجام الخطوات من تبعثرها في الدرب الإعلامي الذي يُكابده مقالا بعد مقال...ونختار بين إحراقه أو الاحتراق به. بين الإحراق والاحتراق تسير اليوم بعض الصحف اليومية والأسبوعية في سياق واحد هو سياق البيع والشراء، ولكل "مقال" ثمنه من هذا أو من ذاك، حتى تدربت أنوفنا على شم رائحة هذا المقال ومن يقف خلفه بماله قبل أن نعثر على معلومة أو خبر صحفي قد ينيرنا أو يفتح لنا سبيلا من سبل هذه البلاد الذاهبة نحو حتفها. وربما أفضل تشخيص لمهمة الصحفي المحترم/لا المحترف ذاك الذي يرهن وجوده كله للإحساس النقدي، وهو إحساس يشي بعدم تقبل الصيغ السهلة أو الأفكار الجاهزة أو البراهين الناعمة الملائمة تماما لما تقوله الجهات القوية أو التقليدية، تلك "الجهات القوية والتقليدية" التي لا تستعين بآراء الصحفي لتقويم سلوكها وتعديل سياساتها بل إنها تعمل جاهدة على تدجينه واحتوائه لتنـزع عنه وظيفة النقد والسؤال والمحاسبة... هي ذي مهمته الأساسية التي لا يتنازل عنها مهما كانت الإغراءات، غير أن تاريخ الصحافة، ومثلما يشهد على الموت المادي والرمزي الذي طال مئات الصحفيين وهم يدحرجون كل الإغراءات تحت نعالهم، فهو أيضا يشهد على الآلاف من الذين سقطت أقلامهم تحت نعالهم، ولم نعد نعرف هل هم فوق النعال أم تحتها... هل هم كتاب أم هم مستكتبون؟. ربما يتم اختزال هذه الظاهرة من القراء في "تصفية حسابات" بين هذا الرأسمالي وذاك، أو بين هذا الجهاز وذاك، ولكن الثابت والمؤكد أن الأداة التي يتم استعمالها هي الأخطر من هذا الرأسمالي أو ذاك، فقد ينتهي واحد من الاثنين، ولكن الأخطر أننا بصدد إعادة إنتاج "صحافة المجاري" وبصدد تكريس القلم المستأجر الذي يكتب تحت وقع الدينار، ويبدو أننا لم نعد بحاجة إلى "القائمة السوداء" فيكفينا ما يتنازع عنه المهرجين، الصغار منهم والكبار، في هذا السرك الذي لا ينتهي لنعرف من هذا ومن ذاك...

2012/05/02

النهضاويون والباجيون

بين النهضاويين والباجيين (نسبة للباجي قائد السبسي) قد تتقهقر البلاد بعيدا في الاستبداد من جديد، فهذا الاستقطاب الثنائي الذي يطوق الزمن التونسي الآن، من خلال انتشار الإسلاميين فوق الكراسي الوزارية والمكاتب الإدارية من جهة، والعودة المنظمة للتجمعيين في جبة الدستوريين من جهة ثانية يجعل البلاد تسير في اتجاهين اثنين أحلاهما مر. فالإسلاميون، بتفرعاتهم النهضوية والسلفيات المتعددة، انقضوا على البلاد بعد انتخابات 23 أكتوبر، حيث "احتلت" النهضة الواجهة، وتركت الشوارع الخلفية للسلفيين، أما التجمعيون فقد منحهم تراخي الحكومات المتعاقبة، الزمن الكافي لإعادة ترتيب بيتهم من الداخل والتشكل في مرحلة أولى ضمن أحزاب مختلفة الأسماء متشابهة المرجعية، وفي مرحلة ثانية ها هم يلتفون حول مبادرة "نداء الوطن" التي أطلقها الباجي قائد السبسي، والتي "أوقعت" عديد الأحزاب ذات التوجه اليساري والشخصيات الحقوقية في "شراكها" باسم الوسطية والاعتدال... الأكيد أن للسياسة شروطها و"حكمتها" في تبرير "التبدل" و"التفسخ" و"التماهي" و"الذوبان"، ولكن الأكيد أن رجل السياسة الفطن لا يمكنه أن "يتورط" في مثل هذه المبادرة دون أن يطرح أكثر من نقطة استفهام، لعل أهم هذه النقاط تلك التي تسائل "الدستوريين/البورقيبيين" عن دورهم طيلة فترة حكم "التجمعيين" وإهانتهم للحبيب بورقيبة وصمتهم على قبر ذاكرة الرجل وذاكرة جيل بناء الدولة الحديثة؟ بينما لا يمكن أن ننسى الرسالة الشهيرة، التي وجهها المناضل الوطني جورج عدة (أحد ضحايا بورقيبة ذاته) لبن علي يدعوه فيها إلى فك عزلة الزعيم بورقيبة وإخراجه من الإقامة الجبرية. لماذا بزغ "الحب البورقيبي" فجأة بعد أن أسقط المفقرون والمهمشون والمعطلون عن العمل نظام بن علي؟. أما نقطة الاستفهام الثانية، والتي لا تقل أهمية عن الأولى، فهي تلك التي تسأل عن مدى تخلص التجمعيين من الدكتاتورية والانتهازية والفساد، الصفات التي صارت ألصق بهم من جلدتهم؟. الثابت أيضا أن اختلاط التجمعيين بالإسلاميين والعكس بالعكس، هي حقيقة راسخة لا يمكن أن ينكرها أحد، ولكن هل يعني هذا أن البلاد محكوم عليها بأن تُشنق بحبلهما دون سواهما؟ أليس من حق المواطن أن يتجه إلى المؤسسات العمومية دون خوف من المظلة السياسية؟. إن السباق السياسي هو في الأخير سباق مصالح ومواقع لا سباق مواقف ومبادئ، وربما الأخطر في هذا السباق هو التشبث بالاطلاقية وبنظرية "أنا ربكم الأعلى"، فهذا وزير نهضاوي يقول بأن "أفضل حكومة عرفها التاريخ الحديث لتونس هي حكومة حمادي الجبالي"، وهذا "كاتب دستوري" يكتب مقالا على أعمدة الصحف يصف فيه "نداء الوطن" للباجي قائد السبسي بأنه "نداء الزمن.". إن الوسطية الموهومة من جهتي النهضاويين و"الباجيين"، لا تعني "الإسلام المعتدل" لدى النهضة، ولا "الإسلام التونسي" لدى "الباجيين"، بل الوسطية لدى المواطن التونسي الذي يدفع الضرائب حتى على أنفاسه، تعني له تحقيق العدالة الاجتماعية بعيدا عن الاستغلال الفاحش لأصحاب المال الذين "غرفوا" عرق العمال بحماية بن علي. وتعني الوسطية كذلك، تحقيق الكرامة الإنسانية الحقيقية للمواطن التونسي باعتبار صفته المواطنية بعيدا عن تصنيفه الديني. أما السؤال الذي لا يمكن تجاوزه، فهو الذي يقول: متى كانت الثورات تنتهي إلى الوسطية؟ إن "الثورة" لا تندلع إلا لتقطع بشكل جذري مع الوجه المظلم للماضي، هذا الوجه الذي رسمته في تونس أيادي الدستوريين باستبدادهم والتجمعيين بفسادهم والنهضاوين بعنفهم.

2012/04/27

جولة داخل القصر الرئاسي:عندما تتنازع الجدران التاريخ والسلطة

الحبيب بورقيبة، زين العابدين بن علي، محمد الغنوشي، فؤاد المبزع ومحمد المنصف المرزوقي... رئيسان كادا يكونان دائمين لولا موت المجاهد وعزل "الثورة" للدكتاتور... وثلاثة رؤساء مؤقتين، الأول نام ليلة واحدة على بند الدستور 56 ليجد نفسه بعد ذلك أمام حاكم التحقيق، والثاني عاد إلى مناطق الظل والصمت والثالث يمارس الآن صلاحياته التي اختارها... خمسة أسماء تداولت على كرسي الحكم في تونس ما بعد الاستعمار الفرنسي... وكانت لهم الإقامة بين جدران قصر قرطاج وأروقته وغرفه الفسيحة وحدائقه الغناءة المطلة على البحر الأبيض المتوسط... أسماء تنازعت فيما بينها صفاتهم الشخصية التي تراوحت بين كاريزما "الدكتاتور المتنور" والإفراط في النرجسية... ولكن أيضا الهوس بالفن والتاريخ... أما "الدكتاتور الجاهل" فجدران القصر الرئاسي لا تذكر من "عهده" سوى كاميرات التجسس ووقع أحذية الوشاة والمخبرين... أما الثالث فألتبست عليه في "ليلة القصر الوحيدة" كوابيس الفصلين 56 و57 من الدستور التونسي وإصرار الشعب على افتكاك حريته... في حين اكتفى الرابع بالنوم العميق على الأرائك الوثيرة وتسريح قدميه المترهلتين بين أشجار القصر وزهوره... لينسحب في صمت كما جاء... وها هو الخامس يفتح الباب الموصد لنكتشف "بعضا" من ملك الشعب التونسي الذي يخشى حتى أن يمر أمام القصر... ويعيد للجدران بعضا من تاريخ هذا الوطن... ****** رفقة السيدة اسمهان يوسفي (دكتورة التاريخ المعاصر وتشتغل الآن في الدائرة الثقافية بالقصر) ورفقة السيد وسام التليلي (مخرج سينمائي وملحق بالدائرة الثقافية بقصر قرطاج) كانت لنا جولة داخل جزء كبير من قصر قرطاج الرئاسي مساء يوم الثلاثاء 24 أفريل 2012 للتعرف على بعض من تفاصيل هذا المبنى الذي منه تستمد تونس سيادتها وترسم نظامها. كان الدخول من أحد الأبواب الجانبية من جهة نزل أميلكار، وكانت أولى المعلومات متضاربة حول المساحة الجملية للقصر (18 أو 34 هكتار)، ولكن الثابت مثلما تعلمنا بذلك السيدة اسمهان يوسفي أن المهندس المعماري الذي اشرف على تصميم وبناء القصر هو "أوليفيي كوكو" الذي طلب منه الحبيب بورقيبة تحويل الحديقة الشاسعة إلى قصر رئاسي، لتنطلق أشغال البناء سنة 1960 ولتتواصل إلى نهاية 1969 وكان البناء على ثلاثة مراحل وتم تشييد القصر حسب نمط معماري عربي أندلسي تونسي، وقد ترك المهندس "كوكو" الفيلا الصغيرة التي كانت متواجدة بالحديقة والتي تحولت فيما بعد إلى "بيت الحكمة"، أما الجزء الأول من البناء فقد انطلق بالمسرح الأنيق المتواجد بقلب القصر. ****** يحتم علينا تاريخ بناء القصر أن نصف المسرح أولا باعتباره أول جزء تم بناؤه (1964)، رغم أن بداية الجولة انطلقت من بهو الرؤساء، كما أن الدهشة و"الفرحة" التي بدت على وجوهنا ونحن نكتشف أن قصر قرطاج يحمي بين جنباته أيقونة معمارية هي "مسرح قرطاج" الذي "ألح" الحبيب بورقيبة على تشييده، وهو الذي كان "مهووسا" بالمسرح وبمتابعة الأعمال المسرحية خاصة لعلي بن عياد في المسرح البلدي، غير أن المسرح الذي بناه بورقيبة داخل القصر، كان مسرحا "بورجوازيا" من خلال توزيع مقاعده (120 مقعد)... هذا المسرح الذي يفوق أناقة ورفعة ذوق من المسرح البلدي، ظل طيلة 23 سنة، زمن الدكتاتورية النوفمبرية، ظل صامتا ولم يقف على خشبته سوى ثلاثة أسماء، من "مثقفي" البلاط و "سيادته" (رفض مرافقنا ذكر الأسماء). فوق المسرح توجد قاعة سينما مجهزة بكاميرات من صنف 35 مم و16 مم وهي الآن تشهد عملية صيانة من طرف السيد وسام التليلي الملحق بالدائرة الثقافية. ****** عودا على بدء، دخلنا القصر من الباب الرئيسي حيث بهو الرؤساء، وهو عبارة عن قاعة فسيحة تنتصب على جدرانها لوحة عملاقة للحبيب بورقيبة والى جانبها لوحة فيها الآية القرآنية "إن ينصركم الله فلا غالب لكم" ولوحة متوسطة لزبير التركي (رسم لنادل مقهى)، وقبلهما توجد لوحتان كبيرتان الأولى مكتوب فيها بلون ذهبي نص "قرار المجلس القومي التأسيسي في إعلان الجمهورية" ممضى من قبل رئيس المجلس جلولي فارس، واللوحة الثانية مكتوب فيها نص "بروتوكول الاتفاق التونسي الفرنسي المتعلق باستقلال تونس" في عشرين مارس 1956 ممضى عن تونس من قبل الطاهر بن عمار وعن فرنسا وزير الخارجية كريستيان بينو. وتنتصب فوق رخام القاعة عديد الطاولات وفوقها مزهريات الورد والتحف، أما السقف فله زخرفة إن وُصفت ستفقد رونقها مثلها مثل مختلف الثريات المتدلية كعناقيد العنب... دخلنا "رواق البايات" الطويل والمفروش بسجاد احمر وتكسو جدرانه الستائر الأنيقة إلى جانب بعض الجداريات من السيراميك المثبتة في الجدران والمكسوة بالمنمنمات الفارسية، ولكن أهم ما علق على الجدران تلك الصور العملاقة جدا لكل من علي باش باي والمشير محمد باشا باي 2 ومحمد الصادق باشا باي وكل البايات الذين حكموا الايالة التونسية. وفي جدران الرواق "حُفرت" بعض الأماكن لتحفظ التحف النادرة والهدايا الرئاسية والأوسمة والنياشين وكذلك القطع الأثرية الأصلية. على الجهة اليمني للرواق دخلنا "قاعة عليسة" وهي الفضاء الذي كانت تستقبل فيه وسيلة بورقيبة سيدات المجتمع وزوجات الرؤساء والوزيرات، وبعدها نجد "قاعة ابن خلدون" وهي المكتبة التي وشحها الحبيب بورقيبة بالكتب والمراجع والمصادر، واستغلها بن علي وعائلته "مكمنا" آمنا لما طالت أيديهم من أموال وذهب ومخدرات... ****** دخلنا "مغارة الحبيب بورقيبة"، حيث التحقت بنا السيدة نائلة محجوب وصيفة القصر الرئاسي (المسؤولة الأولى عن القصر)، وهي التي كان لها الفضل الكبير في حفظ جزء من تاريخ تونس ذاك الذي كتبه الحبيب بورقيبة، ففي تلك "المغارة البورقيبية" (قاعات أنيقة) تعثر على كنز تاريخي، فيه من الصور الشخصية والعائلية والرسمية وصور لعديد الزعماء والرؤساء والمناضلين، وفيه عدد لا يحصى من التحف والقطع الأثرية والهدايا وأغلب متعلقات بورقيبة (أحذية، سرج الحصان الذي كان يمتطيه، طربوشه، شهادات، تماثيل شخصية، قصائد كُتبت في بورقيبة، سجادات، آلات تصوير، قطعة قماش من غطاء الكعبة الشريفة....). ومن بين ما كان يحتفظ به بورقيبة في مكتبه الخاص صورة للزعيم الوطني فرحات حشاد مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى جانب صورة كبيرة لأحمد التليلي وبالمثل لمحمد علي الحامي... ومن بين القطع التاريخية التي حفظتها ذاكرة القصر الرئاسي بقرطاج محفظة هدية من الاتحاد العام التونسي للشغل بمناسبة انعقاد المؤتمر السادس عشر. المغارة التاريخية أيضا انتصبت فيها مكتبة تراصت فوق رفوفها ألبومات الصور وأرشيف سمعي بصري وورقي ومجموعة كبيرة من الأفلام المحفوظة في العلب (35 و16 مم)، والتي سيتم الاعتناء بها ورقمنتها، كما لا يفوت الزائر لهذا القصر أن شعار الجمهورية التونسية موجود في كل ركن وبكل الأحجام... قاعات رئاسية وأخرى شرفية... قاعات موصدة وأخرى مفتوحة... أروقة ممتدة وأعمدة رخامية منتصبة ونوافذ عالية تطل على البحر وعلى الحدائق المحيطة بالقصر... أرائك وطاولات ومزهريات في كل ركن... ثريات تتدلى وأخرى تلتصق بالجدران... مضخمات صوت متبثة في قاعة الرئيس الرسمية وكذلك في القاعة التي تجتمع فيها الحكومة... كل هذا كان في جزء من القصر الرئاسي لقصر قرطاج ذاك الذي استقبل بورقيبة طيلة ثلاثين سنة ولما انتقل إلى مقبرة آل بورقيبة بالمنستير ظلت أنفاسه تتحرك بين الرفوف والجدران... وذات القصر هو الذي اغتصبه بن علي من الشعب ذات 7 نوفمبر 1987 ومكث فيه 23 سنة إلى أن لفظته الجدران... وهو ذات القصر الذي يستقبل بعد 14 جانفي 2011 والى حدود الآن الدكتور محمد المنصف المرزوقي باعتباره رئيسا مؤقتا، والذي نتمنى أن لا يخرج منه إلى المقبرة أو يلفظه القصر إن فكر في الوثب على سلطة الشعب... فالجدران تعرف أن السلطة يمكن أن تتحول إلى تسلط ودكتاتورية، والتاريخ لا يمكن أن ندخله إلا مرة واحدة، عكس القصور التي ندخلها متى شئنا.

2012/04/23

المناضل والإعلامي الطاهر بن حسين صاحب قناة الحوار التونسي هذا هو تكتيك حركة النهضة مع وسائل الإعلام القديمة والجديدة

داخل مقر قناة «الحوار التونسي» كان اللقاء مع المناضل والإعلامي الطاهر بن حسين. الحركة كانت دؤوبة بين الفنيين والصّحافيين، أخذنا رُكنًا مع صاحب القناة وحاولنا أن نقترب من شخصيته وهواجسه وطموحاته الإعلاميّة والسياسيّة. فكان هذا الحوار:
• باعتباركم تمثّلون جزءًا من المشهد الإعلامي، كيف ترون انعكاس «الثورة» التونسيّة على هذا القطاع؟ ـ أوّلا أودّ أن أذكّر أنّ قناة «الحوار التونسي» ليست وليدة لثورة 14 جانفي، ربّما ارتبطت القناة قانونيًّا بتاريخ الثورة، ولكن تاريخيّا كانت موجودة من قَبْلُ، وتحديدا منذ سنة 2006. أمّا بخصوص المشهد الإعلامي فالثابت أنّ التطوّر حصل فقط على المستوى الكمّي (صحف جديدة واذاعات وقنوات تلفزية) لكن في العمق لم يتغيّر شيء، فعندما نرى اليوم وسائل الاعلام التي تريد خلق رأي عام بعد الثورة، هي نفسها وسائل الاعلام النوفمبريّة وخاصّة القنوات التلفزية، ولم يعد خافيًّا اليوم أنّ القنوات التي ساهمت في تكريس استبداد النظام السابق هي ذاتها التي تعمل اليوم على خلق وتوطيد الاستبداد الجديد، فالقناة التي ترتمي في أحضان النهضة اليوم هي التي كانت في أحضان بن علي بالامس، ولذلك أقول إنّ مثل هذه القناة وغيرها ستلعب دورًا قذرًا جدًّا في إعادة منظومة الاستبداد. التاجر لا يمكنه أن يدافع عن الحريّات بل يدافع عن رأس ماله المالي، ولذلك ارتمت هذه القناة في أحضان النهضة والثانية في أحضان الليبراليين لتأمين الربح المادي ضاربين عرض الحائط رسالة الاعلام الحقيقيّة، انظر مثلاً جريدة «لوموند» أو «ليبيراسيون» فهما لم تتغيّرَا ولم يبدّلا خطهما التحريري. ما نلاحظه اليوم من منسوب «الحريّة» في علاقة بملفات الفساد مثلاً أو نقد الحكومة يدخل في ما أسميه «الابتزاز». أذكر أنّ صاحب قناة تونسيّة خاصّة طلب من رجل أعمال 500 مليون لئلاّ يكشف تورّطه مع النظام السابق، وهذه الممارسات تذكرنا مثلا بالصحافة اللبنانية التي أثرت بطريقة الابتزاز، وهي طريقة لا يتفطّن إليها المشاهد، والابتزاز هنا متبادل فالحكومة الحاليّة تبتز أحد القنوات الجديدة التي لم تحصل على ترخيص رسمي للبثّ، ولكنّها ستحصل عليه بمجرّد أن تؤدّي «مهمّتها» في تجميل صورة الحكومة الحاليّة والمساهمة في تأبيدها. • هل يمكن أن تعتبر هذه الفترة (2013/2011) شبيهة بفترة (89/87) في علاقة بالانفتاح الإعلامي؟ ـ في فترة انقلاب بن علي على بورقيبة كان الناس يعتقدون أنّ هناك كابوسًا انزاح وصدّق الناس أنّ بن علي سيستمرّ في نهج الحريّات في الفترة الأولى وأنّه سيطبق ماجاء به بيان 7 نوفمبر، ولكن أعتقد أنّ فترة 88/87 خلت من منطق الابتزاز بين السلطة والحكومة على عكس ما نعيشه اليوم مع حركة النهضة. اليوم تُعْتَبَرُ شروط المنافسة مختلّة بين وسائل الاعلام، فهل يعقل أنّ النظام السابق أغدق المليارات على القنوات الخاصّة ونطالب اليوم أن تنافسها قنوات جديدة حصلت على رخصة عمرها أشهر معدودة! لقد تمّ خلق كلّ الظروف التي تمنع أي تغيير حقيقي وجذري، وهي عمليّة مقصودة ومدروسة خاصّة من حركة النّهضة، فالقنوات القديمة تضغط على خطّها التحريري بفسادها السابق وأمّا القنوات الجديدة فستضيق عليها الخناق لتتوقّف من تلقاء نفسها. • كيف ترون إذًا شروط محاسبة الاعلاميين المتورّطين مع النظام السابق؟ ـ المصيبة الكبرى ان الهيئة العليا لاصلاح الاعلام انها مكوّنة من فنّيين وليس من سياسيين والثورة سياسية بالاساس وليست فنية وربّما لذلك غلب السياسيون اهل الاختصاص، كل اعضاء الهيئة نزهاء لكنهم للاسف ليسوا سياسيين. هناك من اثرى في زمن بن علي، ومن خان ميثاق الشرف الصحافي ومحاسبتهم يجب ان تكون سياسية بالاساس ومن المفترض ان يعيد صاحب القناة و«باعث القناة» الاموال الطائلة المنهوبة من عرق المواطن باسم الاشهار وكذلك على كل من أخلّ بشرف المهنة ان ينسحب من المشهد الاعلامي ولكن أكرّر واقول للاسف إن خيوط الاستبداد حبكت بين الحكومة وذات الوجوه الاعلاميّة المتورطة سابقًا وهذا ليس بالغريب عن طرف رفض الثورة وطرف ثان لم يشارك في الثورة بل سطا عليها وعندما نتذكّر ان العلم التونسي لم يُرفرف يوم 20 مارس 2012 بشكل رسمي سنعرف كيف تتعامل هذه الحكومة مع الوطن ومع الثورة. •اذن علينا ان ننتظر ثورة جديدة من قِبل الاعلاميين؟ ـ بالفعل يجب ان تُقام ثورة داخل قطاع الاعلام فنسبة 90 بالمائة من الوجوه والاقلام التي نراها اليوم لا يجمعها سوى قاسم مشترك اسمه «قلة الحياء» فنفس الاسم الذي كنّا نراه ونسمعه يكتب ويمجّد بن علي نراه اليوم يتحدث عن «المخلوع» وعن "النظام البائد" ولو كنت مكان واحد من هؤلاء إمّا ان انتحر او أغادر البلاد، ولكن ما حدث العكس تمامًا، بل ان هذه الاسماء صارت تُزايد على المناضلين والشرفاء الذين لم يصمتوا زمن بن علي فهل يُعقل مثلاً أن يقول «سمير الوافي» لابراهيم القصاص أين كنت في السابق، هل هناك وقاحة أبعد من هذه السلوك؟! •لنعد إلى قناتكم، الحوار التونسي، التي بدأت في افتكاك نسبة مهمّة من المشاهدين، كيف تقيمون أداءها اليوم؟ ـ القناة موجودة منذ 2006 ولم تتخل عن خطها التحريري النضالي ودورها اليوم يتوقف على عزيمتي وتطوعي لصرف آخر مليم في جيبي لان وجود قناة الحوار التونسي اليوم ليس ترفًا بل هو ضرورة وضرورة وطنية، واعتقد اننا في القناة نملك ثروة رمزية تتمثل في ايمان الفريق العامل بالقناة برسالة الاعلام بغض النظر عن الجانب المادي (رغم أن رواتبهم اكثر من رواتب قناة حنبعل مثلاً او نسمة) وكذلك اليوم بدأنا نلمس تعاطف الرأي العام الوطني مع القناة وتزايد اهتمامهم ببرامجها لان المواطن وجد صورته في القناة دون تزييف او تجميل، كما ان الاحتجاجات العمالية ننقلها كما هي دون تشويه مثلما تفعل بعض القنوات الاخرى بايعاز من الحكومة لتشويه صورة الاتحاد العام التونسي للشغل رغم ان نفس الاضرابات والاعتصامات كانت تنتظم في حكومة الباجي قائد السبسي مثلاً. •وماذا عن رأس مال القناة؟ ـ لا أخفيك سرّا ان قلت ان التعاطف الذي تلقاه القناة اليوم من عموم المواطنين قد مهّد الطريق لتعاطف بعض رجال الاعمال الوطنيين الغيورين على هذا الوطن ومن ذلك ان رصيدنا المالي تعزّز بوجود خمسة من رجال الاعمال وهو ما سينعكس ايجابا على القناة خاصة في الجانب التقني (الصورة، الاضاءة، الصوت، المعدات، الفريق الصحافي...) كما ان اليوم لدينا بعض الوعود بالاشهار، وفي ظرف اسابيع ستكون برمجتنا جاهزة ومتنوعة. اليوم معركة القناة تتعلق بجودة الصورة اما المضمون وخطنا التحريري فذاك هويتنا التي انطلقنا بها ولن نتنازل عنها أو نغيرها. •ربما لذلك قناتكم مستهدفة بشكل مباشر من قِبل السلطة؟ ـ بالفعل خطنا التحريري يقضّ مضجع السلطة لأنّه يكشف جانبا كبيرا من زيفها واستبدادها وتملقها فهل تعرف مثلا ان المرزوقي الرئيس المؤقت اليوم أخرج سنة 8 جويلية 2008 بيانا يكتب فيه بالحرف الواحد ان «قناة الحوار التونسي هي المتنفس الوحيد للمعارضة» واليوم عندما ينظم ندوة صحافية يستدعي فيها حنبعل ونسمة والتونسية والقناة الوطنية ويستثني قناة الحوار التونسي! أما المحاصرة الأمنية وافتكاك المعدات وتهشيمها فكله يدخل في المحاولة اليائسة لتطويعنا وتدجيننا كبقية القنوات باعتبار الاعلام ـ وفق رئيس الحكومة ـ هو اعلام حكومي وليس عمومي حتى لا نقول انه إعلام سلطاني! في دوز منعوا فريق القناة من التصوير مع المرزوقي وكذلك في جندوبة منعنا حمادي الجبالي من التصوير وفي بنزرت ثم منعنا ايضا من التصوير... بينما قناة التونسية لا تملك رخصة ومع ذلك تصور في كل الاماكن وتستدعي من تشاء من الوزراء. •لنعد الى الشأن السياسي الوطني، كيف تقيمون الأداء الحكومي الى حد الآن؟ ـ لا يمكن الحكم على الاداء الحكومي في ظرف 100 يوم مثلما نسمع اليوم، لكن يمكن بالمقابل الحكم على التوجه العام لهذه التشكيلة المؤقتة ودعني اقول انه توجه للسطو على السلطة خاصة ان الانتخابات القادمة سوف لن تكون في صالح حركة النهضة لعدم كفاءتها في ادارة الشأن العام للبلاد ولما أظهرته من لهفة على كرسي الحكم بكل الطرق، الى جانب عدم ايفائها بالوعود الانتخابية وربما هذا الفشل هو الذي سيخلق كتل سياسية اخرى اقدر ان تكون في حدود الخمس (الاسلاميون ـ القوميون ـ الليبراليون ـ اليساريون ـ الوسطيون) وهذا امر صحي وضروري، واعتقد ان الاسلاميين سيأخذون حجمهم الطبيعي والذي لن يتجاوز 15 بالمائة في اقصى الحالات. •ولكن هل تعتقدون ان هذه الاطراف ستستوعب اللعبة الديمقراطية وتجنب البلاد الدخول في «حرب اهلية» خاصة أن بوادرها بدأت تظهر من خلال عنف (الميليشيات) على المواطنين؟ ـ تلقائيا، لا اعتقد ذلك، اما الحرب الاهلية فمستبعدة لانه تاريخيا لا تقوم الا في وجود قطبين يصعب ان ينتصر الواحد على الآخر، لكن المسيرة التي هي بصدد التشكل الآن في تونس قد تجنبنا الوقوع في ذلك، وهذا ايضا يتوقف على اقتناع النهضة بعدم التعنت عندما تكتشف حجمها الحقيقي، وربما لذلك تستميت اليوم الحكومة في إلجام تحركات السياسيين ومنع المواطنين من التظاهر وارضاخهم لمنطقهم، منطق «قل ما تشاء ونحن نفعل ما نشاء» والنهضة اليوم بصدد منع السياسة على غيرها واستثمار مواقع قيادييها المؤقتة. •ولكن أين دور طرفي الترويكا، التكتل والمؤتمر امام هذا التمشي؟ ـ بكل بساطة اقول انهما لعبة يبد حركة النهضة خاصة انهما اظهرتا عدم انتمائهما الى الطبقة السياسية المناضلة والمترفعة عن الانتهازية. •لنعد الى التكتلات السياسية ألا ترون اننا بصدد الدخول في استقطاب ثنائي خاصة امام تواصل حالة التشرذم التي يعيشها اليسار؟ ـ بصراحة اعتقد انه في تونس لا يوجد يسار سياسي بل هي نخبة مثقفة تستلهم من الايديولوجية اليسارية ولكن من ناحية الاستقطاب الثنائي، انا لا أراه كذلك ربما عقائديا يجوز الاستقطاب الثنائي ولكن سياسيا هناك عدة تكتلات. ثم ان الحملة التي تشنها النهضة اليوم على التجمعيين هي حملة مفضوحة ويائسة ، فهل يعقل ان يمارس السياسة من فجّر الفنادق والقى الزجاجات الحارقة ويقصى مثلا رئيس شعبة!

2012/03/22

قيس رستم في أول معرض شخصي بعد الثورة: الخط ده خطي

موسيقى الألوان والأشكال، هي الصفة التي يمكن إطلاقها على معرض قيس رستم "ببراءة" تكوينها وتشكيلها، وبما وقعه من سيمفونية متجانسة ومتناغمة في الحركات والوضعيات والتبدلات التي قد تبدو للعين المجرّدة نمطية، هجينة حينا، محبّبة حينا آخر، في حين أنّها تغور بعيدا في مداراتها التي تناسلت منها تلك اللوحات المنتصبة هناك بفضاء ألف ورقة، مدارات مشحونة بزخم ثوري جمالي... ومدججة بألوان المسرح والرقص والإيقاعات الموسيقية.
بعد أن شاهدها كل من الفاضل الجعايبي وجليلة بكار وهشام رستم ولطفي الحافي في مرسمه، أخرج الرسام التونسي والسينوغرافي والموسيقي قيس رستم 17 لوحة زيتية للعموم مفتتحا بها أول معرض شخصي له بعد الثورة التونسية يوم 17 مارس الجاري بمكتبة وفضاء الفنون "ألف ورقة" بالمرسى بالضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية. لوحات قيس رستم، امتد زمن انجازها من شهر فيفري 2011 إلى موفى شهر جوان من نفس السنة، وعن ظروف انجاز هذا المعرض يقول قيس رستم " تركت الناس في شارع الحبيب بورقيبة ينهون مشوارهم الثوري وأغلقت باب مرسمي لأنجز ثورتي الشخصية بين الخطوط والألوان...". أسرار تأسيسيّة وشيفرات أوليّة "فكها" قيس رستم بمفرده داخل مرسمه، فوق المساحات البيضاء التي بسطها أمامه ليقدّمها لنا نوتات موسيقية لتشكيل جسدي يرقُص على إيقاع ريشته وفكرته كما تأججت بداخله... فبين الامتلاء والفراغ تعبُرُ الخطوط والأشكال، الدائرية والمربعة، المستقيمة والمتعرجة... تعبر ملفوفة داخل ألياف القماش المُبقّع بالألوان والتّعرجات... تعبر واحدة واحدة، تارة نحو السواد الفاقع وأخرى نحو البياض الهيوليّ، وثالثة نحو باقي الألوان... تاركة أثرها هي وحدها ولا شيء سواها... ترتخي لتنتصبَ وتتمدّدُ لتنحسر... تنتعشُ لتنتكسَ... تنمو وتتشكّلُ وفقا لقانون الأصابع التي تحرك الريشة... أجساد يبعثر قيس رستم أطرافها وتفاصيلها فتنتصب كبيرة في هذه اللوحة حد الاستيلاء على كل مساحتها، أو صغيرة في تلك اللوحة حتى لا تراها العين... ملتحفة بالألوان في وضعيات منفردة أو محتشدة، وكأنها تعبر عن حالات وحركات مخصوصة، وكأن قيس رستم يذكرنا بأن أجسادنا هي بمثابة الإيقاع من الموسيقى... أو هي بمثابة الألوان من اللّوحة... متماهية فينا مثلما هي الإيقاعات كينونة الموسيقى وهويّتها، ومثلما هي الألوان حديث اللّوحة وبوحها... هل هناك فعلا جسدُ مُتخيّل أو محلوم به خارج جسدي أنا ؟ أم أن هناك جسد يتناسل من جسد آخر ولا يفصل بينهما إلاّ رعشتي في العالم سواء كانت باللّغة أو بالموسيقى أو بالصورة أو بالنّحت أو بالرّسم...؟ سؤال يستفز المتجول داخل فضاء "ألف ورقة" وهو يتنقل من لوحة إلى أخرى حيث الأجساد مُنبثقة من طينة لونيّة ومن ريشة مارقة وفالتة، هي ريشة قيس رستم، المدجج بالموسيقى والرقص، وهو الملحن وعازف الإيقاع وكذلك السينوغرافي المحنك ولعل مسرحيتا "خمسون" و"يحي يعيش" تشهدان على قدرة قيس رستم في التصميم المتكامل والفني للعناصر المشهدية. يقول قيس رستم "المسرح والموسيقى كان لهما انعكاس كبير على ألوان لوحاتي، خاصة من ناحية التحكم في الفضاء ومجاراة نسق الريشة وكذلك الإيقاع الحي في كل رسم" وهذا الانعكاس يلمسه زائر المعرض من خلال الوضعيات المختلفة للأجساد المتعدّدة في وحدتها، إذ أنها توزّعت في الألوان بين الملائكيّة والشيطانيّة... بين الآدمية والجنيّة... بين الإنسية والحيوانية... وضعيات تتجسّد في تلك التناقضات ولا تخضع لنواميسها الطبيعية والتشكيلية، بقدر ما تنفلتُ من قبضتها الهندسيّة نحو مرافئ بعيدة وعميقة، أبعدُ وأعمقُ من التعبيريّة الباهتة الشاحبة، لكأنّها منظومة حسيّة مُبتكرة تُعبّر عن شكل إقامة قيس رستم في آنه ومكانه وطبعا وفقا لجسده هو دون شريك أو رقيب، ما عدا اللغة، تلك التي تطوق لوحاته بحروفها التي تنتصب هنا كبيرة وهناك صغيرة... حروف لاتينية تتشكل منفردة في هذه اللوحة ومجتمعة في كلمات في لوحة أخرى... تفتح لوحات قيس رستم الباب واسعا للتأويل وقراءة الرسائل المشفرة التي أراد الرسام إرسالها للمتقبل غير أن الرسام ذاته يقول بكل وثوق "لا رسالة لي من هذا المعرض ولا الذي قبله." ولكن اللوحات المعروضة تكتنز بالرسائل الجمالية والسياسية، فجماليا يكسر الرسام كل القيود الممكنة على الأشكال المنتظمة والمستقيمة في الذهن ويقدمها في تعرجاتها المستحيلة وكأنها ترفض الانصياع لضوابط الهندسة والقياسات وحدود الفضاء، حتى أن بعض اللوحات التي توهم بارتفاع القضبان في إحالة على السجن تكسر تلك الضوابط الصارمة للقضبان، وهو ما ينعكس إيجابا على البعد "السياسي" لهذه اللوحات لأنها لا تعبر فقط عن الحالة الثورية التي تعيشها تونس بل هي تحرض، ربما في لا وعي قيس رستم، تحرض على المضي قدما في الثورة وفي السياق الثوري المؤسس لإقامة أجمل في العالم... وهذه الثورية الكامنة في لوحات قيس رستم تتأتى من "تيمة" الالتزام التي يعيشها الرسام، إذ يقول "الرسم التزام يومي مثله مثل الموسيقى والمسرح، غير أن الرسم يفرض علي التزاما مضاعفا لاني اعبر من خلاله عن الموسيقى والمسرح معا...".

2012/03/21

مسرحية "نجمة وهلال" الشعر والسياسة على خشبة المسرح

ستون عاما مرت على تاريخ 52، تاريخ السيناريو المسرحي، غير أن الأسماء التي تذكر في المسرحية تجد صدا لنضالاتها وكتاباتها في الراهن التونسي اليوم فرحات حشاد، الحبيب بورقيبة، الطاهر الحداد، محمد علي الحامي، بلقاسم القناوي، أبو القاسم الشابي، لزهر الشرايطي، الساسي الأسود... أسماء تذكر في المسرحية وتعبر فضاء المنطوق والمسموع لترحل بمشاهديها نحو أزمنة مفصلية من تاريخ تونس وحياة أفرادها... سحر الرياحي وهاجر سعيد والمنجي الورفلي وعبد السلام الجمل ولزهر الفرحاني ومحمد العوادي وأحمد بلطيف وعبد السلام البوزيدي ونور الدين الهمّامي وعبد الفتاح الكامل، عشرة مسرحيين (8 رجال وامرأتان) يتناوبون على ركح المسرح بقاعة المونديال (تونس العاصمة) وسط ديكور فقير، تطوقهم اضمامة من أغاني تراث المناجم في الشمال الغربي ويجمعهم خيط ناظم لكل حكاياتهم الشخصية والجماعية هاجسهم التوحد أمام بطش المستعمر الفرنسي، والتحرر من عبودية الاستغلال. تزور صحفية فرنسية من أصل تونسي (زينة) قرية جبلية في الوسط في ربيع 1952 بحثا عن شاعر (هلال) قرأت له أشعاره، وانقطعت أخباره وكتاباته منذ سنين. تحاول إجراء تحقيق صحفي عن الشاعر وعائلته وعن مؤلفاته، ولكنها تفاجئ بإختفاءه وإنكار القرية لوجوده فيها. في الأثناء تتزايد المواجهة بين المقاومين التونسيين والمستعمر الفرنسي ويسعى "العمدة" إلى طرد الصحفية بعد أن اكتشفت تورّطه مع المستعمر الفرنسي في عمليات وشاية بالمناضلين، ومع تزايد الصراع تتوصّل الصحفية إلى اكتشاف حقيقة مقتل الشاعر من طرف المستعمر بتواطؤ من العمدة. أحداث تم بناؤها مسرحيا انطلاقا من قراءة المخرج سامي النصري للرواية الشعرية "أمس منذ ألف عام" للشاعر عادل المعيزي التي يتحدث فيها عن تجربة شاعر مع القبلية التي ينتمي إليها والتي تنكره لأنه يأتي على المسكوت عنه ويتكلم ويجاهر بما لا يجرؤ عليه أهل القبيلة. يبدو النص في ظاهره بسيطا، مثله مثل الإخراج الذي أراده سامي النصري بسيطا دون مؤثرات تقنية معقدة، حيث تنفتح أولى مشاهد المسرحية بآهات جنائزية ومواويل مغرقة في البدوية يؤديها أول ممثل يتقدم رويدا إلى منتصف الركح الذي اقتصر ديكوره على نافذتين ضخمتين يرتفع أمامهما ستار احمر. يتوقف المغني عن ترديد الآهات ليقدم للجمهور تأطيرا زمنيا (1952) ومكانيا (تونس عموما ومدينة القلعة الجرداء بالشمال الغربي تحديدا) غير أن لغة النص تأتي في جبة الشعر القائم أساسا على السجع والإيقاع الموسيقي، ثم ينفتح الركح لعدد آخر من الممثلين يؤدون دور عمال المناجم، بأزيائهم المعروفة ذات اللون الأزرق الداكن، يتحركون فوق الخشبة بشكل متناغم بين نواح وغناء جنائزي وشعارات سياسية من قبيل (عرقك يا خدام) (اطلب حقك يا خدام) (اتحاد اتحاد) ليكتشف الجمهور أن سبب حالتهم تلك هو موت عامل معهم برصاص المستعمر. المقاومين، الحرّاس، الجندرمة... إلى جانب النصّ الحواري متداخلا مع التكثيف المشهدي الكوريغرافي والاعتماد على الحركات القوية والسريعة هو من عناصر المسرحية وهو ما جعل العرض يشبه حالة استنفار لا يقطعها إلاّ تأثيثات الصمت أو ثبات الحركة الغنائية أو الموسيقية، وخلق إيقاع مشهدي تمثيلي حركي وسريع. ورغم أن دخول الصحفية فوق الخشبة واستئثارها بالنصيب الأوفر من الحوار فان التوجه "الملحمي" الذي يربط في مستوى الأداء بين القصّ أو سرد الأقوال، وبين التمثيل أي سرد الأحوال والوضعيات عن طريق الفعل الذي يقدّم الأحداث، لم يخفت، خاصة أن النص يقدم معطيات تاريخية من وقائع وأسماء من التاريخ التونسي. ينقسم النص في مسرحية نجمة وهلال (120 دقيقة) إلى مستويين، أوّل درامي حاول رصد العلاقات بين الشخصيات ومن خلالها مجموع الأحداث التي تتعلّق بها وكشف حيثياتها، أي الجانب الاجتماعي في سلوكها وفي تعالقها. ومستوى ثان تعلّق بالسرد أو القصّ الذي يقدّمه راو أو قاصّ قد يكون حينا الشخصية أو الممثّل ذاته رصد الوقائع المتعلّقة بالمكان والزمان، وكشف أبعاد الجغرافيا والتاريخ المتضمنيين للخرافة والمتعالقين معها، مثل رصد أسلوب الحياة وعلاقة الشخصيات بنمطها، والظروف التاريخية التي حفت وساهمت في ظهور الصراعات. الشعر التقى مع الغناء ضمن هذه المسرحية ليكونا روح العرض حيث تم الاعتماد على مقاطع شعرية في سياقين متكاملين، أول حديث من ديوان الشاعر عادل المعيزي، و ثان من الشعر الشعبي وخاصة التراثي منه، والمتعلّق بالشعر الذي قيل أو ألّف خاصة حول رجال الكفاح المسلّح في تونس مما خلق وحدة هامة للمسرحية بين المستوى التاريخي والمستوى الدرامي وجعل الفرجة مفتوحة على محايثة المعنى والأحداث، وفي نفس الوقت إعطاء تصوّر حيوي وصادق عما يحدث. هو ذا عرض"هلال ونجمة" حاول أن يفتح ملف السلطة السياسية وحدودها وتشعب مكوناتها في فترة من تاريخ تونس قد لا تختلف اليوم في طبيعة الصراع الدائر رغم اختلاف من يؤدي ادوار طرفي الصراع. وهذا السياق السياسي ليس غريبا عن المخرج المسرحي سامي النصري الذي اقترن اسمه بالفاضل الجعايبي خاصة بعد مشاركته في مسرحية خمسون التي مثلت محطة فارقة في تاريخ المسرح التونسي المعاصر، بطرحها للمسكوت عنه سياسيا في تونس وبما أتت به من تجديد على مستوى الإخراج والكتابة المسرحية، وأيضا بما أثارته آنذاك من إحراج حقيقي لنظام بن علي الذي حاصرها ومنع أولى عروضها، وهو تقريبا ما حصل لمسرحية سامي النصري التي أنجزت منذ 2010، غير أن ممثليها لم يصعدوا على أي ركح إلا بعد أن سقط نظام بن علي الذي لم تمنح وزارة الثقافة في عهده دعما لهذا العمل باعتباره يقدم نصا ثائرا ويحيل على التمرد والرفض بشكل مباشر لا مواربة فيه، أو هو نص ينتمي إلى ما يصفه سامي النصري بالمسرح السياسي القريب من المواطن والذي لا يكون بعيدا عن فهمهم وتصوراتهم وأفكارهم.

2012/03/12

هل يدخل الطاهر الحداد المجلس التأسيسي متأبطا كتابه:امرأتنا في الشريعة والمجتمع؟

تعيش تونس، منذ انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، صراعا معلنا بين قوى سياسية تريد "أسلمة" المجتمع وقوى مدنية تريد المضي قدما في مسيرة الحداثة والعلمانية، ويحتدم الصراع الآن مع كتابة دستور الشعب الذي افتتح "الربيع العربي"، وخاصة حول مصادره، أهي الشريعة الإسلامية أم حقوق الإنسان الكونية، أم ارثنا الثقافي والسياسي الذي منه كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" للطاهر الحداد، الذي كان مصدرا في كتابة مدونة الأحوال الشخصية. تنشيط الذاكرة التونسية في سياق الصراع المعلن بين قوى سياسية تريد "أسلمة" المجتمع التونسي وبين من يريد المضي قدما في مسيرة الحداثة والعلمانية، وفي خضم الحراك السياسي منذ انتخاب المجلس الوطني التأسيسي من أجل كتابة دستور مدني يليق بالثورة التي افتتحت "الربيع العربي"، والجدل القائم اليوم بين أعضاء المجلس حول مصادر الدستور الجديد، أهي الشريعة الإسلامية أم حقوق الإنسان الكونية، أم ارثنا الثقافي والسياسي الذي منه كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" للطاهر الحداد، الذي كان مصدرا في كتابة مدونة الأحوال الشخصية، في هذا الإطار يعيد المثقف التونسي وصاحب دار صامد للنشر والمناضل الحقوقي ناجي مرزوق، يعيد إصدار كتاب الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" في نسخة أنيقة، مساهمة منه في تنشيط ذاكرة القارئ التونسي اليوم وهو يخوض معركة تحقيق أهداف الثورة التي من أبرزها المحافظة على حقوق المرأة التونسية وتعزيزها، وهي التي باتت مهددة (في القرن الواحد والعشرين) لا من الساسة الرجال بل حتى من بنات جلدتها ممن بتن ينظرن لتعدد الزوجات والزواج العرفي وختان البنات وارتداء النقاب... وكأن المرأة التونسية، وبعد أن كانت في الصفوف الأمامية إبان الإطاحة بدكتاتورية النظام السابق، تجد نفسها محاصرة بمقولة "الحداد على النساء مناصرات الحداد" رغم أن من يرفع هذا الشعار الغوغائي لا يعرف أن الطاهر الحداد كتب في مؤلفه أن: "الإسلام ليس هو المسؤول عن المصير البائس الذي انتهت إليه المرأة في المجتمع." المحافظون القدم الجدد وصفه طه حسين فقال عنه "لقد سبق هذا الفتى عصره بقرنين". هو الذي ألف كتاب "العمال التونسيون والحركة النقابية" سنة 1927، غير أن المُصلح التونسي الطاهر الحداد اشتهر بكتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الصادر سنة 1930 والذي بسببه جردته الزيتونة من شهادته العلمية واتهمته بالكفر والإلحاد والزندقة وطالبت بمنعه من حق الزواج وطردته من عمله، وأصدرت كتابين ردا على كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، هما كتاب "الحداد على امرأة الحداد" وكتاب " سيف الحق على من لا يرى الحق"... مات الطاهر الحداد وعمره لم يتجاوز 36 سنة، بعد أن حاصرته جيوب الردة والأصولية والرجعية في زمانه، (مثل السلفيون اليوم وحركة النهضة) وهو الذي كان طلائعيا ورائدا من رواد عصر النهضة مثل قاسم أمين وعلي عبد الرازق وأبو القاسم الشابي وطه حسين... وكان كتابه لبنة في مشروع النهضة العربية التي انطلقت من سؤال "لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن المسلمون؟". الحداثة التونسية الأولى لئن ضيقت الزيتونة الخناق على الطاهر الحداد فإن حركة الإصلاح والحداثة في تونس لم تتجاوزه، بل استندت إلى مواقفه وأفكاره بخصوص المرأة عند تدوين مجلة الأحوال الشخصية (1956)، المجلة الرائدة في حقوق المرأة في تونس، تلك التي جمعت فصولها بين الاجتهاد الفقهي وفكر الحداثة إلى جانب الاتفاقيات الدولية الضامنة لحقوق الإنسان ومنها حقوق المرأة، هذه المجلة التي كان من بين مصادرها كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" للطاهر الحداد، تلاقي اليوم نوعا من الهجوم العنيف المغلف بخطاب يبدو ظاهريا يحترم أهم ركيزة من ركائز تونس الحديثة. الكتاب في نسخته الجديدة عن دار صامد للنشر والتوزيع، قدمت له الدكتورة آمنة الرميلي الوسلاتي التي تدرس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، ويحتوي إلى جانب المقدمة، مقدمة الطاهر الحداد والقسم التشريعي (المرأة في الإسلام، الزواج، الطلاق، الزنى) والقسم الاجتماعي (السلطان العائلي، البؤس الاجتماعي، التطور الحديث، التعليم الرسمي) وخاتمة الكتاب، وهو كما تقول الدكتورة آمنة: "يحق لهذا الكتاب أن يوجد بين أيدي القراء دائما وأن يحيّن نشره والتعليق عليه بين جيل وآخر..."، لأن هذا المنجز يمثل علامة من علامات الصراع الذي دار ومازال بين قوى المحافظة والتقليد من جهة وقوى التحرر والحداثة من جهة ثانية، ولأنه يطرح بين طياته محاولة بناء علاقة جديدة بين التونسي ودينه على أسس العقلانية. كأن الحداد بيننا الآن وهنا ومن الأفكار البارزة التي طرحها الحداد ضمن هذا الكتاب، والتي تلقى صدى اليوم، موقفه من مسألة الحجاب، إذ يقول في كتابه:"ما أشبه ما تضع من النقاب على وجهها منعا للفجور بما يوضع من الكمامة على فم الكلاب كي لا تعض المارين." وكان من جملة ما دعا إليه الحداد في كتابه تحرر المرأة من القيود التي تكبلها داخل مجتمعها، وطالب بالطلاق المدني وأن لا يكون من حق الرجل فقط وإنما يعود ذلك إلى القضاء، كما عبر الطاهر الحداد عن رفضه المطلق لتعدد الزوجات معتبرا هذه الظاهرة سنّة سيئة موروثة من أيام الجاهلية، ودعا إلى أن تمارس المرأة الرياضة وأن تقبل عليها مجاراة لأختها الأوروبية، ومن بين ما دعا إليه في كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" إقرار المساواة بين الجنسين في التمتع بحق التعليم المجاني والإجباري. كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع، كان استشرافيا بخصوص العلمانية ومدنية الدولة، فرغم أن مصطلح العلمانية لم يكن مطروحا في زمانه، إلا أن الطاهر الحداد اقترب من مفاهيمه وآلياته ومقاصده من خلال دعوته لرفع يد المحاكم الشرعية عن الطلاق وأحكامه التي تنظم وضعية المرأة المطلقة آنذاك، ودعا إلى الحد من تدخل المؤسسة الدينية في حياة الناس وبالذات في شؤون المرأة. الطاهر الحداد نادى في كتابه إلى رد الاعتبار للاجتهاد ومعاودة فتح أبوابه والعودة مباشرة إلى التعامل مع النص القرآني، وهي الرؤية التي يواصلها اليوم الكثير من المفكرين والمهتمين بالفكر الديني في تونس مثل محمد الطالبي وهشام جعيط وعبد المجيد الشرفي وألفة يوسف ورجاء بن سلامة وغيرهم. "يصيح" الطاهر الحداد في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" في وجه التونسيات والتونسيين كاتبا: "إيه أيها التونسيون، ما أكبر فضيحتنا بين أمم العالم التي تسعى للحياة والعزة من طريقهما الموصل! فنحن مازلنا حتى الساعة معجبين بما ترك لنا تاريخنا الأسود من عقائد وميول ننسبها للإسلام زورا لنتقي بذلك صدمة الحق الغلاب". لئن رحل عنا الطاهر الحداد، فإن فكره مازال حيا بيننا، سندا للمرأة التونسية والعربية، مثلما كانت قصائد أبو القاسم الشابي سندا لشباب الثورة ولكل التونسيات والتونسيين الذين أسقطوا ديكتاتورية بن علي، والأكيد أنهم لن يتأخروا عن إسقاط أية ديكتاتورية جديدة قد تقفز من الخلف، خاصة وأن فكر الحداد يقدم خطوط المشروع الحداثي التونسي الكبرى ويرفع من الشعارات ما يمثل قاسما مشتركا بين مختلف العصور مثل الحرية والمساواة والقانون المدني والعدالة الاجتماعية... وهي القيم التي قامت من أجلها الثورة التونسية...

2012/03/10

مقال تحت الطلب

لأنه كان في البدء إعلاميا يساريا متطرفا، ثم صار إعلاميا يعاوده الحنين إلى اللون البنفسجي، ثم صار إعلاميا كافرا فخائنا لوطنه، سجى القلم في درج مكتبه بالبيت وخرج إلى الشارع الطويل ليكتب مقالا تحت الطلب يستجيب لإعلام الثورة، إعلام الأغلبية التي كانت في الصفوف الأمامية للثورة إبان اندلاعها. لقد أراد أن يكتب مقالات تحت الطلب مساهمة منه في تحقيق أهداف الثورة... وينأى عن ذاك الإعلام الذي لا يفعل سوى تشويه المسيرة المظفرة للحكومة المؤقتة... ذاك الإعلام الأعور الذي لم ير أهداف الثورة تتحقق مثلما حلم به كل تونسي وكل تونسية، وهي أهداف تعزز انتقالنا الديمقراطي السلمي، وتجعل من تونس بلدا رائدا في الثورات السلمية الحديثة مثلما كانت رائدة في المدنية... فكان أول مقال له فرصة للتذكير بأهم أهداف الثورة المتحققة مع الحكومة المؤقتة: من أهداف ثورتنا أن يصير كل مواطن قادر على قراءة أخبار البلد في الصحف والجرائد بعد "الفجر" حتى لا يعكر صفونا "المغرب"... ومن أهداف الثورة أن نوقف الفيضانات العارمة بالشمال الغربي بواسطة جدار سميك من عُلب الحليب والعجين. ومن أهدافها أن نختن فلذات أكبادنا حتى نؤدي دينا لنا في عنق كل تونسي للشيخ عبد العزيز ابن الباز، كدنا ننساه لولا مقال شيخنا الراشد. من أهداف الثورة التونسية أن نترك عصابة فرت بثروة البلد ونستبدلها بطائرة تأتي من حيث تنعم ذات العصابة، محملة بالأغطية الصوفية. من أهداف الثورة أن نعرف أن في تونس مدينة اسمها مكثر لم تضرب بجذورها في التاريخ الحديث ومقاومة المستعمر في الجبال، بل بزغت فجأة من برنس منصفنا. ومن أهم أهداف الثورة التونسية أن نطيع "منقذنا" الجديد ونتماهى مع بعضنا البعض مثل "دجاج الحاكم". من أهداف الثورة أن نهدي سحب سماء تونس وغيومها المدرارة لتمطر في قطر أو في السعودية. من أهداف الثورة التي أن نخيط كفنا للشعب السوري في فندق من فئة تسعة وتسعين نجمة ونرفع تابوتا مغطى بالعلم الأمريكي لجثة شقيق عربي. من أهداف الثورة أن نمنح أبناءنا رصاصا حيا بدلا من الدمى الصينية ليلعبوا مع جيرانهم على حدودنا الغربية والشرقية... وقريبا في أحياء العاصمة... من أهداف الثورة أن نضيف عيدا لترسانة أعيادنا، نحتفل فيه مرة في السنة بشراء البصل لطبخه ويكون فرصة للعائلات للتزاور وتبادل رؤوس البصل... من أهداف ثورتنا أن نستبدل المركز الوطني للأرشيف بحديقة غنًاء أسوة بمن استبدل سجن 9 أفريل بشجيرات دفلى، حتى لا نرهق مسيرتنا الجديدة بتلك الأسماء المتبجحة... من أهداف ثورتنا أن يصير كل مواطن قادر على قراءة أخبار البلد في الصحف والجرائد بعد "الفجر" حتى لا يعكر صفونا "المغرب"...

2012/03/03

"بؤس الثورة" للطاهر أمين: البلاغة الثورية الرخيصة

في 112 صفحة من الحجم المتوسط كثف الكاتب التونسي والباحث في علوم الإسلاميات الطاهر أمين ضمن منجزه الممهور ببؤس الثورة، كثف ما يعتمل برأس المثقف التونسي والعربي على حد السواء ما حفرته الثورات العربية في ذاكرته ومما قد تفتحه من سياقات وجودية في هذه المنطقة الجغرافية التي باتت تشبه مرجلا لا يتوقف عن الغليان. كتاب "بؤس الثورة" الصادر منذ أيام عن مطبعة فنون الطباعة بتونس، لا يمكن تصنيفه ضمن الكتابات التأريخية للثورة التونسية أو الثورات القائمة الآن في بعض الدول العربية، وهو لا يخضع إلى جنس أدبي محدد، بقدر ما ينزع إلى الانفتاح عن الكتابة الحبرية الممشوقة برؤية ثاقبة تنهل من المعين الفلسفي والتاريخي لمفهوم الثورة وتأرجحها بين السيرورة والصيرورة. المنجز الجديد للطاهر أمين يمكن تصنيفه فيما يطلق عليه أمبرتو ايكو الأثر المفتوح، فكرة وكتابة، حيث اشتغل فيه كاتبه اقتناص اللحظات الفارقة في المسار الثوري وتكثيفها كتابيا ليخرجها عل شكل شذرات تفيض بالدلالات والعبر التي يمكن أن يقف عليها القارئ، وقد أبان الكاتب عن قدرة فائقة في استدراج القارئ إلى مدارات السخرية والتشكيك في هذه الثورة التي "يعيشها العربي بتفاؤل أسطوري غير مسبوق." ويبدو هذا الكتاب للوهلة الأولى وكأنه تداعيات حرة لكاتب مأزوم "لم ينتفع" من "خيرات الثورة"، غير أن قراءة متأنية للمتن ستكشف لنا أن "الثورة ليست إلا الإطار الأنسب لتعميق المعرفة بالذات" مثلما ينبهنا لذلك الكاتب، وهو المنطق الذي يطمح من خلاله الطاهر أمين أن يكون منجزه محاولة جادة للنظر في مرايا الثورة المتعددة،وربما لذلك تعددت المراجع الفلسفية والمعرفية التي اعتمدها الكاتب مثل ملحمة التكوين السومرية البابلية وحشد هائل من الفلاسفة والمفكرين على غرار ميشال سيوران وغوستاف فلوبير وأديب ديمتري وكارل ماركس وهيجل وأنجلز والروائية جورج صاند وسان سيمون وعبد الرحمان الكواكبي وشليغل وجورج جاك دانتون وجان كوندرسيه وماكس فيبير ومكيافيللي وروبيسبيار ونيتشه وميشال فوكو وانطونيو غرامشي... وحالة البؤس التي يلحقها الكاتب بالثورة (وهي في وجه من وجوهها بؤس الدولة العربية) مأتاها أن ربيع الثورات العربية ليس إلا وجها من وجوه الأزمة العميقة التي تعاني منها الديمقراطية في العالم، فمأزق غياب الديمقراطية في العالم هو الذي "يشرع" للغرب تدخله في الشأن السياسي العربي اليوم، ولذلك يصف الكاتب ما يحدث الآن وهنا بأنه "فتوحات يفتخر بها الغرب"، غير أن السؤال الجوهري الذي ينبثق من هذه المعادلة المختلة هو من سيحمل عن العرب ارث الاستبداد الشرقي الذي شكل "إضافتهم" الحضارية؟ بعد أن أخرج الغرب "الإنسان الطيب" من "مارستان الأفكار الحديثة" وفق نظرية نيتشه. الطاهر أمين يطرح ترسانة ضخمة من الأسئلة ذات الصلة بطبيعة هذا الربيع الثوري معتبرا أن ما نعيشه الآن ليس إلا حروبا أهلية بغطاء ثوري، ويبحث عن قرينة عقلانية عن أن ربيع الثورات العربية هو نتاج "الصحوة الإسلامية" منبها في ذات الوقت إلى أن الخاسر الأكبر هو التسامح في ظل تعاظم دور الدين مستقبلا واستحواذ "العربي الفصيح" عن الروح الثورية المفتقدة، التي تجتهد الليبرالية في تأبيد حالة الفقد والتضليل، وهو لذلك يحرضنا على التحرر من أكاذيب الليبرالية والإفلات من اقتصاد السوق وسلعنة الإنسان لئلا نقع في "تثوين" ربيع الثورات العربية وتحويل الثورة إلى صنم يباع في السوق الاستهلاكية، وهي التي صارت مفتوحة إلى ما لا نهاية بفضل انفجار تقنيات التواصل والاتصال. الثورة الفرنسية مثلت في الكتاب "بؤرة" قارة يعود إليها الكاتب كلما أراد الإمعان في السخرية من الثورات العربية، خاصة فيما تعلق بتلك التسمية التي أطلقها شيوخ النظام السابق "ثورة الشباب"... وبغياب المشروع الثقافي المتكامل عن "ربيع الثورات العربية". يُكثف الطاهر أمين في هذا المنجز يأسه وتشاؤمه المفرط مما يحدث في هذه الصحراء القاحلة في صورة كاريكاتورية شبه فيها "ربيع الثورات العربية" بشريط هوليودي: السيناريو مكتوب بإحكام، ولكن المونتاج الرديء الذي قام به عربي مهاجر، لا يسمح بالتوصل إلى أفكار جديدة، خاصة وأن المتطفلين والغوغائيين يتناسلون بفضل ما يسميه الكاتب "صحافة الدجل الثوري" المحرضة على وجود أكثر من كلب حراسة من أجل الإيهام بأنها في خدمة الثورة، وهي، أي صحافة الدجل الثوري، لم تخرج من مستنقع البحث في فضائح الانحطاط الأخلاقي لأنظمة الحكم السابقة التي كانت يحرص على تجميل قبحها. في خاتمة كتابه، لا يجد الطاهر أمين، بدا من تسريب بارقة أمل بعد أن يغرق قارئه في "طوفان تشاؤمي" ويحيلنا على سؤال جوهري على لسان أدونيس الذي كتب في مؤلفه "الثابت والمتحول" ليس الجوهري أن نصنع الثورة، بل الجوهري كيف نعيشها ونستخدمها، وفي أفق هذه الجوهرية يتحرك شيء من القلق والخوف: كيف نُبقي الثورة لخدمة الإنسان، لتفجير طاقاته، لتهيئة الإمكانات القصوى لتفتحه وتحرره؟.

بيتنا من الزجاج

عندما انتفضت الفئات المفقرة والمهمشة في المناطق المنسية وجدوا دور الاتحاد مفتوحة لهم، تحميهم من آلة البوليس وتشحنهم بالأغاني والأناشيد، وتمنحهم ما تيسر من حليب وماء وخبز... عندما ارتبك النظام السابق وحاول أن "يُقحم" الاتحاد في كرة النار التي أشعلها في البلاد، كان موقف النقابيين واضحا لا لبس فيه: ارحل أنت وعصابتك... فما عاد لك مكان بيننا... وعندما اخرج ذات النظام جوقته لحياكة مسرحية بائسة ليلة رقصته الأخيرة كانت دور الاتحاد تتأهب للإضراب العام الذي حول دماء الشهداء حبلا طويلا يلف رقبة رؤوس الفساد ليفروا فرادى وجماعات إلى وجهات متفرقة... دخلنا في انفلات امني، وتناسل المجرمون من السجون ومن الشوارع الخلفية لينهبوا ويحرقوا ويجعلوا الرعب خبزنا اليومي، فكانت دور الاتحاد فضاء للجان حماية الثورة وتجند أبناء الحامي وحشاد لدفع الخوف بعيدا عنا وتأجيج الأمل في الصغير قبل الكبير... قفزت الحكومة الأولى من جبة النظام الفاسد فوقف الاتحاد على الضفة الأخرى وقال أن لا مكان لمن تورط في قتل الأبرياء وتأبيد الظلم والاستبداد، ولم يقف الاتحاد صامتا أمام هذه الحكومة بل أشعل جذوة النضال لإسقاطها وإنهاء حلقة جديدة من المنظومة السابقة... جاءت حكومة الباجي قائد السبسي، بقرار فردي من فؤاد المبزع، ولم تكن هيبة الدولة إلا الحمار القصير الذي سيواصل مسيرة قطع الأفق الثوري الذي حلم به الشعب، فكانت مرة أخرى دور الاتحاد أرضا خصبة لمواصلة المد الثوري فكان الإعلان عن انتخاب المجلس التأسيسي وحل الحزب الحاكم سابقا وحل البرلمان ومجلس المستشرين... وكان أيضا للاتحاد الدور الايجابي في إمضاء اتفاقيات قطاعية هامة لفائدة العمال والموظفين... دخلت الأحزاب السياسية والقوائم المستقلة في سباق الانتخابات وتأججت حمى الوعود الطوباوية، فقرر الاتحاد أن يكون بمنأى عن هذا السباق، لإيمانه العميق بان دوره الحقيقي في هذه البلاد هو البعد الاجتماعي والاقتصادي، ولم يتأخر في ذات الوقت عن دعم كل نفس ديمقراطي... لإيمانه بان العدالة الاجتماعية لا تتحقق إلا في مناخ ديمقراطي مبني على الحوار لا على الإقصاء والاستحواذ بالرأي... انتصرت الأحزاب التي استباحت كل الوسائل، لتنقض على عنق البلد وتشرع في نسف ارث حضاري ومدني باسم الأغلبية، فاحترم الاتحاد هذا "الوهم" وواصل نضاله الميداني إلى جانب العمال والمهمشين والمحرومين، ديدنه في ذلك مبادئ رواده ومؤسسيه وما أتاحته الثورة من إمكانات جديدة لمراكمة المكاسب الاجتماعية والمادية لمنظوريه... ساهم بدستور اجمع الخبراء والجامعيون على عمقه وجدته وطرح مشروع مجتمعي مبني على العدالة الاجتماعية والتقسيم العادل لثروات البلد والفصل بين السلطات... واحترام الحريات الفردية والعامة... هكذا ظل الاتحاد العام التونسي للشغل يتحرك في بيت من الزجاج الناصع، لم يحترف لا المواربة ولا الإيهام، ولم يلق حجرا على أي طرف كان... غير أن الأوصياء الجدد على الشعب التونسي لم يتقنوا سوى إلقاء الحجر تماما مثلما يلقي الفاشلون أخطائهم على الغير... لن أقول بأن من يسعى لتهشيم زجاج بيت النقابيين ستدمى أقدامه، ولكن أقول بأن هذا البلد لا يحتاج إلا إلى بيوت من زجاج...

2012/02/24

"اصدقاء سوريا": الصداقة الموقوتة تحت سقف مؤقت

لا تطرح نقاط الاستفهام والتعجب من "هرولة" الحكومة المؤقتة التونسية وتسهيل الإجراءات التنظيمية لإيجاد "حل" إزاء الأزمة السورية، من جزء كبير من الشعب التونسي والمعارضة السياسية والمجتمع المدني فقط، وإنما تطرح دوليا وخاصة من الطرف الروسي والصيني.
باستثناء روسيا والصين والهند ولبنان، ستلتقي عشرات الدول العربية والأجنبية، إلى جانب حضور الأمين العام للأمم المتحدة، يومي الجمعة والسبت (24 و25 شباط الجاري) بالضاحية الشمالية لتونس العاصمة لتدارس الحلول الممكنة للازمة السورية في إطار ما سمي "مؤتمر أصدقاء سوريا" الذي أعلن عن انعقاده وزير الخارجية في الحكومة التونسية المؤقتة رفيق عبد السلام بوشلاكة منذ أسبوعين تقريبا، وهو المؤتمر الذي يثير العديد من الانتقادات خاصة في الداخل التونسي من طرف الأحزاب السياسية المعارضة (حركة البعث القطر التونسي ، حركة الشعب المؤتمر التأسيسي الموحد للتيار القومي التقدمي ، حزب العمال الشيوعي التونسي ، حركة الوطنيين الديمقراطيين ، حزب العمل الوطني الديمقراطي ، حزب الطليعة العربي الديمقراطي والاتحاد الديمقراطي الوحدوي التونسي وحركة التجديد والحزب الديمقراطي التقدمي) ومن طرف العديد من مكونات المجتمع المدني والحقوقي والنقابي (الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد العام لطلبة تونس)، إلى جانب شق واسع من الشعب التونسي، وقد عبرت هذه الأطراف عن رفضها المطلق لان تكون تونس بوابة لتدويل الأزمة السورية في أكثر من مناسبة لعل أبرزها عندما استضافت الحكومة المؤقتة ما يسمى المجلس الانتقالي الوطني السوري بقيادة برهان غليون وعندما أعلنت أيضا قرار طردها السفير السوري من الأراضي التونسية، حيث انتظمت عديد الوقفات الاحتجاجية بتونس العاصمة وأمام السفارة السورية بالعاصمة وأمام مقر المجلس التأسيسي وفي العديد من المحافظات الداخلية على غرار محافظة صفاقس ثاني اكبر المدن التونسية. وتجمع عديد القراءات السياسية أن الحكومة التونسية المؤقتة قد فتحت غرفة ولادة قيصرية لاستقبال "الجنين" المشوه، القادم من دولة قطر بعد أن نمى في رحم اسطنبول، خاصة بعد أن كشف عديد الدبلوماسيين العرب عن تمويل سفارة قطر بتونس لهذا المؤتمر وتكفل طاقمه بتنظيم أدق التفاصيل، ومن خلال التعبئة الإعلامية من طرف الفضائية القطرية "الجزيرة" والفضائية السعودية "العربية" ووسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية. هذا فضلا عن طبيعة العلاقة المتينة بين محمد المنصف المرزوقي الرئيس المؤقت لتونس وهيثم مناع رئيس التنسيقية السورية اللذان أسسا في باريس الرابطة العربية لحقوق الإنسان. المؤتمر الذي سيُعقد على مستوى وزراء خارجية دول الجامعة العربية (التي استحوذ عليها مجلس التعاون الخليجي) والإتحاد الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي وبعض الأطراف الدولية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، كما سيشارك في أعماله مندوبون عن فصائل المعارضة السورية ومنها "المجلس الوطني السوري"، و"هيئة تنسيق قوى التغيير الديمقراطي"، و"المجلس الوطني الكردي السوري" كمراقبين، نفت قيادة حركة النهضة الإسلامية، وتحديدا زعيمها الأول راشد الغنوشي، نفى أن هذا المؤتمر سيشرع لتدويل الأزمة السورية والتدخل العسكري، دون أن ينفي الاعتراف بالمجلس الوطني السوري، وهو ما لا تستبعده عديد الأطراف المهتمة بالملف، وخاصة المعارضة التونسية التي تعتبر أن مؤتمر "أصدقاء سوريا" سيكون محطة لإعلان "ضرورة" إرسال قوات حفظ سلام عربية ودولية إلى الأراضي السورية، مستندة في ذلك (المعارضة التونسية) إلى التضارب الصارخ بين راشد الغنوشي وصهره وزير الخارجية فيما يتعلق بالاعتراف بالمجلس السوري وبالتدخل العسكري، كما أن العديد من الملاحظين والمتتبعين لسياسة حركة النهضة الإسلامية الحاكمة في تونس يربطون الموقف من سوريا بطبيعة العلاقة الجديدة مع الكيان الصهيوني خاصة بعد تصريحات قيادييها من أن تونس لا تمانع من إنشاء علاقات طيبة مع "إسرائيل" وبان الحركة لن توافق على إدراج فصل في الدستور التونسي يجرم التطبيع. من بين العناوين البارزة في صحافة المعارضة التونسية العنوان الذي تصدر الصفحة الأولى لجريدة "صوت الشعب" الناطقة باسم حزب العمال الشيوعي التونسي، في الأيام الأخيرة والذي يقول "في لعبة الشطرنج: البيادق تتحرك أولا" وهي إشارة بليغة عن طبيعة العلاقة بين المشروع الأمريكي القطري السعودي من جهة والحركات الإسلامية فيما يسمى ربيعا عربيا، وعلى رأسهم حركة النهضة الإسلامية في تونس.

2012/02/22

عمار منصور يترك السجن الكبير

لن نسمع مجددا قهقهاته العالية، ولن نراه يناقش بصوت عال مسائل السياسة والثقافة، وهو ينثر ابتساماته وامتعاضاته يمنة ويسرة أينما جلس أو مشى... سوف لن تصعد السجائر مجددا إلى فمه، لا السوائل ولا اللغة... سيجف حبر عمار منصور عن تأثيث مدينته المشتهاة "تحت السور" اللغوي الذي رفعه عاليا على صفحات الجرائد اليومية والأسبوعية، سيتخفف عمار من ثقل الشوارع الخلفية ومن الثرثرة اللغوية التي تحيط به، وسيتمدد إلى جانب نور الدين بن خذر ومحمد بن جنات وأحمد عثمان وعبد الحفيظ المختومي ويشاطرهم طريق الحلم بتونس أجمل وأفضل، وهم الذين تركوا بذرة الاتقاد تتسامق بداخلنا. إجلالا لمسيرته النضالية والإبداعية نعيد نشر بعض المقتطفات من الحوار الذي خصنا به الفقيد عمار منصور. من كان ينتظر أن يتكلم عمار منصور في يوم ما عن تجربته السجنية وتجربته الشعرية وموقفه من أدب السجون في تونس بشقيه، أدب المسؤولين السياسيين، وأدب الرفاق، رفاق حركة آفاق، رفاق سجن 9 أفريل ... كنت دائما أراه متوغلا في صمته وتأمله، ولم أكن أنتظر ـ كغيري ربّما ـ أن يتحدث إليّ في أكثر من جلسة واحدة لولا إصرار أحمد حاذق العرف. فكان أن خص الملحق الفكري "منارات" بجريدة الشعب بأهم وأطول حوار أجري معه، وهو الذي لا يجري الحوارات إلا نادرا . ❊ من مساوئ الذاكرة الجمعية أنها تتجاهل أو تتناسى من يساهمون في صنع التاريخ في صمت ... أنت كنت واحدا ممن ناضل في صمت ويبدو أنك تمرّ في صمت أيضا؟ ـ نحن لا نتخاصم على "تركة" تاريخية. أنا لا أتحدث عادة عن السجن في علاقاتي الشخصية والمهنية ولذلك فالكثير من الناس يستغربون دخولي السجن. أعتقد أن التجربة أو المحنة التي مررت بها لم أخضها من باب الطموح الشخصي الضيق، وإنما من باب القناعات الفكرية والوجودية بالأساس وبدرجة أقل سياسية. لذلك أعتقد، ولا أدّعي، أن ما قمت به ليس (مزية) على هذه البلاد أو على أي شخص كان، وإنما أعتبرها محاولة بسيطة لإرضاء ضميري الحائر إلى درجة العذاب والذي لا يزال كذلك إلى الآن، معذب من عديد القضايا الوجودية سواء محلية أو قومية أو أممية وأعتقد أنها تشكل بؤرة التوتر في حياتي إلى اليوم، ولربما على هذا الأساس، فإن تجربتي السجنية، وكذلك الأشعار التي كتبتها وأنا داخل السجن لم يطّلع على بعض جوانبها ـ بل لم يسمع بها كثير من الأصدقاء والزملاء إلا فيما شذّ وندر ـ إلى درجة أن بعض الناس يستغربون تمام الاستغراب إذا ذكر بعضهم أن فلانا شاعر أو كان سجينا سابقا. كأنني دفنت نفسي بنفسي أو كأني خرجت من سجن لأدخل إلى آخر. أمقت الافتعال والتصنّع وقد أكون مخطئا في هذا وقد يعود ذلك إلى حكم سلبي مطلق على تجربتي من ألفها إلى يائها ولكنه في الحقيقة يشكل احتراما فعليا لتلك التجربة. ❊ ولكن كل المناضلين أو لنقل جلهم خاضوا تجاربهم أيضا انطلاقا من قناعاتهم، كما أنهم يحترمون تجاربهم فعليا دون تصنع أو تكلف؟ ـ إذا كان الأمر كذلك مع كل السجناء السياسيين السابقين دون استثناء فهذا أمر مشرف لهم ومشرف للوطن. ❊ طيب، لنعد إلى قابس وما قبل قابس؟ ـ إنها عودة "إلى الوراء" زمانيا لأكثر من نصف قرن (1955) حينما كانت الحركة الوطنية في تونس والعالم العربي في أوج فعلها التحرري أذكر أنني (ولم أكن قد التحقت بعدُ بالمدرسة الابتدائية بقرية المنصورة) استمعت ذات صباح إلى ضوضاء رهيبة وعلمت فيما بعد أنها مظاهرة ضد الاستعمار الفرنسي فلم أشعر إلا وأنا أختطف من أميّ أداة حادة كانت تستخدمها في نسج الصوف وقفزت من سطح الدار وخرجت لألتحق بجموع المتظاهرين . لقد نشأت في مناخ وطني متحرك خاصة وان أبي نفسه محمد بن منصور قد كان من أول مؤسسي شعبة الأعراض بالجنوب التونسي والتي كانت لها علاقة وثيقة بالمقاومين مثل بلقاسم البازمي والساسي الأسود والطاهر الأسود والحبيب شقرة. أذكر أن والدي كان يعطيني سلة لأجلب له الفلفل من بستاننا لأعطيه للفلاڤة خلسة. عندما التحقت بالتعليم الابتدائي تشبعت بالأناشيد الوطنية التونسية والعربية، وهناك قصائد أحفظ منها الكثير الى الآن للشابي وحليم دموس وحافظ إبراهيم واحمد شوقي وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي ... في مرحلة الثانوي بالمعهد المختلط بقابس (62 / 63) تعرفت على عدد كبير من التلاميذ من مختلف ولايات الجنوب أذكر منهم سجناء سياسيين فيما بعد مثل عمار الزمزمي ونور الدين بعبورة وبولبابة بوعبيد، أما محمد معالي فكان زميلي من فترة التعليم الابتدائي وتعرفت أيضا على التلميذ أحمد حاذق العرف الذي أضحكنا كثيرا على شخصية ( شلُكْة ) وهو قيّمٌ عام . هذه الفترة كانت أخصب فترة من حيث المطالعة فقد كنا نتداول الكتب أكثر من تداول الجوعى للخبز . في ظرف ثلاث سنوات قرأنا مئات الكتب . ❊ إلى أي الاتجاهات أخذتك الكتب؟ ـ حملتني الأفكار إلى نثر نقاط الاستفهام وطرح الأسئلة وتوليد الأسئلة من الأسئلة. في تلك الفترة اطلعت تقريبا على المدونة الأدبية والنقدية العربية بالخصوص من الجاهلية حتى مجلة آداب لسهيل إدريس ثم دخلت عالم الأدب الفرنسي. ❊ وأيضا حملتك إلى ظلمة السجون؟ ـ يمكن أن يكون ذلك صحيحا بنسبة كبيرة، فجدتي رحمها الله سمعت أنني نشرت قصيدة في إحدى الجرائد اليومية فلم تفرح بل حزنت وتوقعت مصيرا غير سار لحفيدها عمّار، ولعل هذا ما جعل عمار يرثيها في قصيدة مطولة عندما أدركتها الموت وهو في السجن. وكان قد بعث لها في إحدى رسائله سلاما لكنه لم يصل (بلّغتكُ السلام فلم يصل ). في خضم عالم القراءات وفورة الحركات التحررية الوطنية في كافة أنحاء العالم وخاصة بعد هزيمة 67 اتصلنا بالفكر الماركسي عن طريق نصوص مبرمجة في كتب الفلسفة أولا ثم عن طريق مترجمات مشرقية لكلاسيكيات الماركسية، وفي تلك الفترة، وأنا بين البورقيبة والناصرية واليوسفية والماركسية انتقلت الى الجامعة التونسية والتحقت بكلية الآداب والعلوم الانسانية ( 9أفريل) بعدما تحصلت على شهادة الباكالوريا في الفلسفة والآداب الأصلية . في الكلية درست الآداب العربية، وفي شوارع العاصمة انفتحت الآفاق رحبة. كنت أتصوّر قبل الالتحاق بالكلية أن صفة طالب تعني بالضرورة صفة ثائر، ومن البداية تعرفت على عدد كبير من الطلبة سرعان ما تجاوبنا معا لتشابه مراجعنا وقراءاتنا وخلفياتنا الفكرية وطموحاتنا. في تلك الفترة تعرفت على "الشيخ" الهاشمي الطرودي وكان شابا ذكيا وحركيا ومن خلاله تعرفت على الرفيق محمد بن جنات الذي كان يتقد حماسا ويتمتع بنوع من الكاريزماتية والنجاعة العملية، ثم أصبحت أسكن معهما في نهج أحمد التليلي. منذ سنتي الأولى كنت عضوا في اتحاد الطلبة وكنت أيضا في التنظيم السري (آنذاك) لحركة آفاق بعد أن حسمت أمري من اختلاط البورقيبة واليوسفية والناصرية والماركسية لصالح الأخيرة. عشت وساهمت من بعيد في مؤتمر قربة وحركة فيفري 72 وحركة ماي 73 . ❊ ليلة 18 نوفمبر 1973 دخلت السجن؟ ـ قُبض عليّ. لم أدخل طوعا إلى السجن. أُدخلت إلى سجن 9 أفريل في الزنزانة رقم 6 ومنها إلى الزنزانة عدد 17 (قد تكون الزنزانة عدد 5 فعذرا على الذاكرة المهترئة) قبلها بقينا تقريبا ثلاثة أشهر في مكاتب ودهاليز وزارة الداخلية التي كان على رأسها الطاهر بلخوجة آنذاك . أثناء الاستنطاق تعرضت كغيري من الرفاق إلى تعذيب شديد اكتسى مظاهر متعددة لعل أشنعها التعليق على طريقة "الهيلكوبتر" وهي طريقة بلغنا إنها مستوردة من أمريكا اللاتينية حيث تُربط يدا السجين وساقاه بإحكام شديد ويتم تعليقه على عمود ثابت وتوضع على فمه "كمامة" فتصير قدماه إلى أعلى ورأسه إلى أسفل ويتداول عليه جلاّدان بالهراوة وهي أنواع متعددة هي الأخرى (الهراوة المطاطية والهراوة الخشبية) ومن أبرز الجلادين الذين أحتفظ الآن بأسمائهم محسن ولد الصغيرة وثان ينادونه "سكابا" وثالث اسمه نور الدين ولا أذكر لقبه ولكن أذكر جيدا انتشاءه بالتعذيب بالغناء نكاية فينا. من بين أشكال التعذيب أيضا ضرب العضو التناسلي للسجين بعصى مطاطية مما جعلني أتبوّل الدّم سبعة أيام متتالية وانتفخت رجلاي ويداي وتقيحت، وفقدت أظافري وطيلة فترة زمنية لم أعد قادرا على الذهاب الى دورة المياه إلا بمساعدة شرطيين بالزي ممن كانوا يتولون حراستنا بعد الجلادين وكان بعض هؤلاء لا يخفى تعاطفه معنا خاصة وان منهم شباب تلمذي شارك في حركة فيفري 1972 واضطر للالتحاق بسلك الأمن لأسباب قاهرة . ظللت أكثر من شهرين لم يلمس الماء جلدي حتى أن بعض الحشرات كالقمل والبق بدأت تعشش في فُرُشِنَا وأجسادنا ويوم نُقلنا الى "دوش" السجن المدني بـ 9 أفريل لم تدم حصة التطهير تلك أكثر من خمسة دقائق بحيث أن الأوساخ تحيّرت ولكنها بقيت بأجسادنا ممّا ضاعف من وسخنا وآلامنا، وكأن "الدوش" كان نوعا من أنواع التعذيب بل هو كذلك. أشعلوا النار في شعر عانتي، عشت على "الراڤو" لمدة شهر تقريبا ومع ذلك فقد كنا صامدين أمام القمع والتعذيب داخل دهاليز وزارة الداخلية بحيث كنا نؤلف الأناشيد الثورية ونلحنها وننشدها بكل قوة ليلا نهارا مما يثير الهلع في صفوف الحراس وموظفي الداخلية الكبار ومن الأناشيد التي ألفتها وأنا في الزنزانة وأَنْشَدَهَا الكثير من الرفاق السجناء وانتشرت داخل وزارة الداخلية . كتبتُ (إلى اللقاء، إلى اللقاء يا أيها الرفاق / سوف النضال يجمع شملا بعد الفراق / سنلتقي سنلتقي في جبهة النضال / في حزبنا حزب الملايين من العمال...) وهي معارضة لنشيد كنا حفظناه في التعليم الابتدائي يقول مطلعه "الى اللقاء، الى اللقاء يا أيها الإخوان"... ❊ إذن كنت تكتب داخل زنزانتك؟ قبل الدخول الى السجن كانت لي تجارب شعرية ومحاولات عديدة انطلقت من التعليم الابتدائي ولكنها في بداية التعليم الثانوي بدأت تتبلور في اتجاه رومنطيقي صوفي وقد نالت بعض قصائدي جائزة الجمهورية على مستوى الشبيبة المدرسية في مناسبتين متتاليتين أذكر منهما قصيد »ثورة مجنون« ونشرت عدة قصائد في الصحف (جريدة الصباح، مجلة فكر) ثم لما التحقت بالجامعة وتحديدا كلية الآداب والعلوم الانسانية 9 أفريل في السنة الدراسية 69 / 70 تعرفت على العديد من الشعراء الطلبة مثل المرحوم الطاهر الهمامي والمنصف الوهايبي والطيب الرياحي وبدأنا نتصل بكثير من النقاد والشعراء المعروفين الذين بدأوا يؤسسون لما يسمى بالطليعة الأدبية مثل إبراهيم بن مراد ومحمد الصالح بين عمر والحبيب الزناد وسمير العيادي وأحمد مختار الهادي فضلا عن أحمد حاذق العرف وشاعر آخر نسيت اسمه كان يشتغل في الحرس الوطني!!! (عذرا تذكرت اسمه، خالد التومي ). وقد تزامنت هذه الموجة "الطليعة" مع انهيار نظام أو سياسة التعاضد مع أحمد بن صالح فبقدر ما كنا مستائين من سياسة احمد بن صالح التجميعية المفرطة وغير المبنية على وعي الفلاحين، كنا نتعاطف معه وحرصنا على حضور محاكمته باعتبار انه لم يكن المسؤول الأول عن تلك السياسة الفاشلة، وفي خضم تلك الأحداث كتبت أنا والمنصف الوهايبي أول قصائد جماعية بمجلة »فكر« والملاحظ هنا أن هذه المجلة تفتحت في تلك الفترة بالذات على الطليعة ونشرت الكثير من النصوص الجريئة، كما كتبنا مجموعة قصائد جماعية أيضا سنة 1970. أذكر مقطعا من قصيدة كتبتها دفاعا عن بن صالح باعتباره مظلوما أقول فيها : ( حياتكم أفيون / وفكركم عاطل / فحكمّوا المجنون / وحاكموا العاقل.... وأذكر مقطعا آخر يعبّر عن تبرّم الناس من الوعود التي لم تتحقق إلا من خلال أبواق الدعاية: (عُوّدتُ بالخضوع / عُوّدتُ بالقناعة / عُوّدتُ أن أرتقب الموعد ألف ساعة / وكنت حينما أجوع / أقتاتُ من برامج الإذاعة). هذا قبل السجن، ولعل هذه الأشعار والأفكار هي التي أفضت بي الى السجن. ❊أنا سألتك عن الكتابة داخل الزنزانة؟ ـ في البداية مُنعت عنا الأقلام والأوراق والكتب ورغم ذلك كتبت برماد السجائر على أوراق علب الدخان ومختلف أنواع الأوراق الأخرى ومن ذلك قصيدة ـ وقد ضاعت ـ عنوانها »قائمة الممنوعات« أقول فيها (ممنوع ممنوع... الحاكم يحكم والشعب قطيع... مكتوب بالحبر... مكتوب بالطين على كل جبين... يدق بناقوس الإنذار... كلما التقى اثنان... وكلما تحركت شفتان) هذه القصيدة كان يقرؤها الرفيق نور الدين بن خضر رحمه الله وهو ملقى على بطنه في أوج الشتاء بصوت مرتفع وجهوري ليبلغها إلى باقي سجناء السجن المدني عبر الفجوة التحتية لباب الزنزانة (صوته إلى الآن يرن في أذني ). ❊ كيف كانت تصلكم الكتب؟ وهل تذكر بعض العناوين التي قرأتها داخل زنزانتك؟ ـ أثناء مرحلة كاملة في السجن المدني بدأنا نناضل نضالا مريرا من اجل المطالبة بالكتب والأقلام والأوراق، خضنا إضرابات جوع من أجل الحق في المراسلة والكتابة والقراءة وبعد عدة إضرابات جوع تمكنّا من حق الكتابة لأفراد عائلاتنا لكن الكتب لم يسمح لنا بها إلا بعد إضرابات جوع عسيرة ومضنية، ولم نتحصل على الكتب إلا بعدما تم نقلنا إلى برج الرومي . وقد زوّدنا الرفاق من خارج السجن ومن خارج البلاد أيضا بعناوين محترمة من الكتب في مجالات متعددة تتراوح بين التسلية مثل الروايات البوليسية والروايات العالمية بل أمهات الروايات العالمية من الروسية إلى الألمانية والأنڤليزية والفرنسية والعربية وروائع الشعر العالمي فضلا عن الكتب السياسية وتحديدا الماركسية منها، بما فيها رأس المال لكارل ماركس وديالكتيك الطبيعة لأنجلز . ❊ والكتابة داخل الزنزانة؟ ـ منذ بداياتي الشعرية الأولى، وأنا فتى اقترن، الشعر عندي بالمعاناة والحياة بحيث إنني كنت ـ ومازلت ـ أعجز تمام العجز عن الفصل بين القول والفعل. فالشعر عندي ليس مجرّد معالجة لسانية أو استيهاميّة للوجود وإنما كان مغامرة أخوضها بقولي ووجداني وفعلي ولذلك فقد كنت متأثرا بالشعراء الفرسان والمتصوفين حتى البطولات الإنسانية المثالية التي كثيرا ما كان يسخر منها بعض النقاد "الموضوعيين" بل وحتى الأساطير والرموز ...كنت أتمثلها واقعا لا ينفصل عن الجسد ولعل هذا ما حدا بي الى مواصلة الكتابة في السجن باعتبارها فعل مقاومة وإيمان وصدق ... وقصائدي التي كتبتها على أوراق السجائر ولا أقصد أوراق علبة السجائر بل لفافة السيجارة، كنت أحرم نفسي من لذة التدخين وأتلف التبغ لأغنم ورقة السيجارة وأصيرها ورقة كتابة قابلة للتهريب خارج السجن... وتمكنت بهذه الطريقة من "تهريب" مجموعتين شعريتين إحداهما بعنوان "إلى تونس" بفضل المرحوم نور الدين بن خذر وقد استرجعتها حالما خرجت من السجن أما الثانية فقد هُربت الى باريس بفضل المرحوم أحمد بن عثمان وقد استرجعتها مؤخرا بفضل زوجته سيمون للوش وأنا الآن بصدد الإعداد لنشر هذه القصائد في كتاب واحد سيكون حسب اعتقادي معبرا فعلا عن عمار منصور في عمر الشابي . ببساطة لأنني لن أغير فاصلة واحدة فيما كتبته داخل السجن وعمري لم يتجاوز الخامسة والعشرين وسأنشر الكتاب بتاريخه وخطه . ❊ لماذا كل هذا الإصرار على عدم تغيير أية فاصلة ممّا كتبت رغم أنك الآن خارج السجن وعمرك تجاوز الستين؟ ـ القضية ليست قضية عمر، وإنما هي مسألة وعي. وأنا شخصيا أستنكر وأمقت الوعي المابعدي أي ذاك المبني على منطق تبريري كأن أقحم أو أفرض وعي رجل الستين أو السبعين على فورة ذاك الشباب الذي ما زال يتحسس طريقه وهو في العشرينات... هل هو أنا أم أنا هو؟! أبدا لا أدري ولكن كل ما أحب وكل ما أغار عليه هو ذلك الكائن الذي قد يكون أنا وقد يكون الآخر، ليس من ملكي الشخصي وانما يعكس وعيا محددا في قترة تاريخية محددة لا سبيل الى تزويقها أو التلاعب بها. أنا أغار على ذلك الشخص الذي كنته وإذا ما زوقته أو جمّلته أو خنته فمعنى ذلك أنني اعتديتُ على كرامته كذات متصلة بي ومنفصلة عني في ذات الوقت . ❊ هل تعني بالوعي الما بعدي كتابة مذكرات ما بعد السجن؟ ـ مذكرات ما بعد السجن لم تكتب في السجن وان كانت لها علاقة بالسجن... ذلك أن المذكرات التي تُكتب آو تدوّن بعد مرور الاختبار أو التجربة بسنوات عديدة (قد تتجاوز عشرات السنين) وبعد انتقال صاحبها من تجربة إلى تجربة قد تكون مناقضة للأولى... وهذا يؤدي حتما إلى تلبيس وتلفيق وترقيع وتشويه التجربة الأولى بحيث يعمد البعض إلى تطويع وعي مضى لشروط وعي حاليّ فيُغفل أشياء ويهمل أحداثا ويُجمّل ما يريد تجميله ولو كان قبيحا إلى غير ذلك من المخاتلات النفسية كأن يخون الإنسان نفسه، أو يخون وعيه وأقول يخون لأنه عاجز عن التجاوز الحقيقي... وهذا المسار إذا ما انسقنا فيه سنكون في قلب العبث. لكن إذا كان النص المكتوب في السجن ( بحشيشه وريشه ) هو المنشور الآن فلا سبيل إلى المغالطة والتحذلق أو التقبيح. ذلك هو أنا مثلما كنت ماضيا... فهل معنى ذلك أن ذلك الماضي هو أنا حاضرا وتلك مسألة أخرى... التجربة السجنية قد تكون دافعا لكتابة أدب السجون ويكون جيدا وإنساني ولكنه ينبغي أن لا يُحسب تماما من أدب السجون ... أدب السجون أدبٌ مدّمرٌ وليس أدب بلاغة ومجاز وشعارات... وإذا أردنا التعميم فإن الأدب هو أدب سجون أو لا يكون لأن كل أديب يبحث عن حرية ما... والكلمة دائما تريد أن تتحرّر من سجن ما، من وضع ما... وأعتقد أن الكتابة فعل تحرّر وهي كذلك ولا ينبغي تقديس كل ما كُتب في السجن أو كل ما كُتب عن السجن خارج السجن، فليس كل من دخل السجن أديب ولا كل أديب دخل السجن... ❊ ولكن الهاجس التوثيقي والجانب التأريخي مهم؟ ـ طبعا التجارب السجنية بصفة عامة ليست بالضرورة تجارب إبداعية أدبية وإنما هي وثائق في تاريخ مجتمع... تعبر عن صراع سياسي ما في مرحلة ما... عن وعي حضاري معين... المهم أن يعي كلٌ دورهُ.. ولا سبيل الى الخلط بين مستويات متباعدة... ❊ ألهذا لم تدوّن مذكراتك السجنية على غرار البعض من رفاقك؟ ـ مذكراتي السجنية هي تلك القصائد التي كتبتها في السجن فقط، أما مذكراتي ما بعد السجن فهي مسألة أخرى تهم وعيي اليوم تاريخيا وحضاريا وفلسفيا... أي أنها تشكل مقارباتي الحالية لمجمل القضايا التي نعيشها وطنيا وإقليميا وعالميا... ❊ ولكن اليوم، وعلى الأقل في تونس، أدب السجون بات يُمثل عنصرا مهما في المدونة المكتوبة؟
ـ أدب السجون، أو غيره، ينبغي أن يكون أدبا قبل أن يكون أي شيء آخر. فإذا كان أدبا قبلناهُ وقرأناه وبجلناهُ، أما أن يكون مجرّد مذكرات ما بعديّة أو مزايداتٌ تبريرية فهذا أمرٌ يتجاوزنا ( لاحظ كثرة المذكرات وخاصة من المسؤولين السياسيين السابقين ...). أما عن رفاقي الذين اكتووا بنفس النار التي اكتويتُ بها فمازالوا في البداية... وإن الكتب التي أصدروها مازالت تُعدُ على قيد الأصابع (جلبار نقاش، فتحي بالحاج يحي، محمد صالح فليس في انتظار آخرين كثر...) فما أنجز لدينا من آثار قليلة لم يُشكل بعد أدب سجون... فأدب السجون في نهاية الأمر لا يكون إلا من أدب التحرّر والحرية، وهذا ما نحن في أشد الحاجة إليه. أجرى الحوار: ناجي الخنشاوي (تونس)

2012/02/18

المغرب الكبير:وحدة الشعوب ابقى من وحدة الحكومات

تمتد الحدود بين الدول الخمس للمنطقة المغاربية، وتنتصب الحواجز الديوانية والأمنية في مختلف نقاط العبور، غير أن حركة الشعوب لا تتوقف، بل هي في تزايد مستمر مؤسسة لعلاقات إنسانية واقتصادية بالأساس . تشهد مسيرة توحيد المغرب الكبير (تونس، الجزائر، المغرب، ليبيا وموريتانيا) تعثرا بدأت إرهاصاته الأولى تظهر بعد اشهر قليلة من تأسيس اتحاد الدول المغاربية يوم 17 فيفري 1987 غير أن النقابيين في تونس، واصلوا، رفقة إخوانهم في بقية الدول، تأمين نجاح هذه المسيرة ولو من الناحية النقابية وهم يناضلون إلى اليوم من اجل تجسيد هذه الوحدة لإيمانهم بإمكانية تحققها على خلاف الحكومات التي لم تساهم إلا في مزيد رسم الحدود بين الأشقاء، وحصر الوحدة المغاربية في خطاب رسمي مفرط في الديبلوماسية، وفي هذا الصدد اشتغل النقابيون في تونس، إلى جانب الحقوقيين والجمعيات النسوية المستقلة، على تذليل الصعوبات التي من شأنها عرقلة اللقاءات المغاربية وترتيب البيت النقابي بين كافة ممثلي المنظمات النقابية في الدول المغاربية، مما مهد لصياغة ميثاق اجتماعي مغاربي موحد وبلورة مرجعية نقابية مغاربية مشتركة ساهمت في توحيد المواقف في المؤتمرات واللقاءات الدولية والتعامل كقطب مغاربي خاصة أمام النقابات الأوروبية والأمريكية. إن دور الاتحاد العام التونسي للشغل في إنجاح مسار الوحدة والاندماج المغاربي يعود إلى فترة الأربعينيات من القرن الماضي، حيث دعا الزعيم فرحات حشاد مؤسس الاتحاد، أول منظمة نقابية في المغرب الكبير وفي الوطن العربي عموما، دعا إلى توحيد نقابات شمال إفريقيا لتعزيز الكفاح التحرري ضد المستعمر الفرنسي والاسباني والايطالي، وقد تجسمت دعوة فرحات حشاد ورواد الحركة النقابية التونسية في ما يعرف بميثاق طنجة، الذي مهد لتأسيس الاتحاد النقابي لعمال المغرب العربي، والذي مقره الآن في تونس. هذا الاتحاد المغاربي كان له دور كبير في مسيرة الانعتاق من ربقة المستعمر بتوحيد صفوف المقاومة على الحدود بين الدول (خاصة بين تونس والجزائر وليبيا) ثم كان له دور هام في بناء الدولة الحديثة وتركيز أسسه وهو يواصل اليوم نضالاته من اجل الحريات العامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية خاصة وان كلفة "اللامغرب" باتت تثقل كاهل شعوب المنطقة. كما أن الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى جانب الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والجمعية التونسية للبحث والتنمية حول المرأة والفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية ورابطة كتاب تونس الأحرار وجمعية "راد ـ أتاك" المناهضة للعولمة والاتحاد العام لطلبة تونس وجمعية المعطلين عن العمل، الفيدرالية الدولية من أجل المواطنة بين الضفتين واتحاد العمال التونسيين المهاجرين بباريس، كانوا من أول الداعين إلى تأسيس منتدى اجتماعي مغاربي مع بقية مكونات المجتمع المدني المغاربي المستقل، ورغم الحواجز التي رفعتها الأنظمة والحكومات في وجه نشطاء المجتمع النقابي والمدني والحقوقي فإنهم نجحوا في عقد المنتدى الاجتماعي المغاربي حيث توحدت سهام النقد ضد العولمة النيوليبرالية، واشتغل المشاركون ضمن ورشات المنتدى في مختلف دوراته على سبل إيجاد الحلول التنموية التي تحد من نزيف البطالة والفقر والمديونية في المنطقة المغاربية. كما اشتغلت المنظمات والجمعيات التونسية المستقلة النقابية والحقوقية والنسوية، في إطار هذا المنتدى وفي ندوات ولقاءات أخرى، على مسألة الهجرة السرية في المنطقة المتوسطية، بين دول الشمال ودول الجنوب، مؤكدين على ضرورة احترام حقوق المهاجرين والعمل على إدماجهم في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للدول المستقبلة لهم. ولم يكن نضال النقابيين والحقوقيين التونسيين، من اجل توحيد المنطقة المغاربية، بمعزل عن المسار الثوري الذي تعيشه بعض دول المنطقة المغاربية (تونس وليبيا تحديدا) وقد أجملت مواقفها في العديد من البيانات التي أصدرتها مختلف المنظمات والجمعيات المستقلة منذ اندلاع شرارة الثورة التونسية وطيلة فترة الثورة الليبية، حيث أكدت على مبدأ تلازم مطالب الحرية والديمقراطية بالعدالة الاجتماعية بين الجهات والدول المغاربية، هو الكفيل ببناء منظومة اقتصادية واجتماعية مغاربية تكون الكرامة والحرية والمساواة محورها الأساسي والرئيسي، وان مكاسب الثورة (في تونس وليبيا) لا تكتمل مع استمرار ظواهر الفقر وتعميق الفوارق وحرمان الشباب من الحق في الشغل، مقدمين مختلف طرائق الانتقال الديمقراطي السلمي واستكماله ببلورة سياسة تنموية بديلة والنضال ضد تأجيل النظر في بعض القضايا المحورية مثل قضايا المرأة والشباب والفئات المهمشة. غير أن هذا الزخم النضالي التونسي من أجل توحيد المنطقة المغاربية، والى جانب كل أشكال الصد والمنع والتعطيل التي مارسها نظام بن علي لإخماده في السابق، تجد اليوم هذه المنظمات والجمعيات نفسها في مواجهة أولوية "قطرية" تحتم عليها النضال من أجل الحفاظ على مكتسبات الدولة المدنية الحديثة التي باتت مهددة بأخطار التشدد الديني تماما مثلها مثل ليبيا والمغرب، وهذا التشابه في المصير سيكون رافدا جديدا لتعزيز العمل المشترك من أجل تحقيق وحدة الشعوب المغاربية.

حجاب الورع يخنق تونس الجديدة

تم إيقاف 3 صحافيين (المدير نصر الدين بن سعيدة والحبيب القيزاني رئيس التحرير والصحفي المحرر محمد الهادي الحيدري) م جريدة "التونسية" مساء الأربعاء 15 فيفري الحالي، بتهمة المساس بالأخلاق الحميدة بعد نشرها لما وصفته النيابة العمومية "صورا فاضحة" للاعب كرة القدم الألماني من أصل تونسي سامي خذيرة مع زوجته عارضة الأزياء "لينا كارك"، وهي الصورة التي تداولتها مختلف المواقع الالكترونية الفنية والرياضية وشبكات التواصل الاجتماعي. وقد أصدر قاضي التحقيق بالمكتب 15 بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة بطاقة إيداع بالسجن بحق مدير الجريدة نصر الدين بن سعيدة طبقا للفقرة الثالثة من الفصل عدد 121 من المجلة الجنائية. وتذكر جريدة "التونسية"، وهي جريدة حديثة صدرت بعد الثورة التونسية، تذكر أن نشرها للصورة على صفحتها الأولى لم يكن مجانيا وإنما رافقها خبر متعلق بمضمون الصورة، وهو ما ذكره محامي الجريدة الأستاذ شكري بالعيد معتبرا أن المحاكمة هي سياسية بالأساس ولا تعبر إلا عن نية بعض الأطراف الحكومية في الالتفاف على مبادئ الثورة وأولها حرية التعبير والإبداع. هذه الإيقاف والإيداع بالسجن، والذي يعتبر سابقة أولى في تنس منذ الاستقلال، طرح أكثر من نقطة استفهام لدى أهل القطاع الإعلامي في تونس والرأي العام الحقوقي والنقابي خاصة أن عملية الإيقاف تمت حسب القانون العام، وتحديدا حسب المجلة الجنائية ولم تعتمد على فصول مجلة الصحافة، وأيضا لأنها تأتي في ذات السياق الذي تتم فيه محاكمة قناة نسمة الفضائية بعد بثها لفيلم "برسيبوليس" الإيراني حيث وجهت لمديرها تهمة التعدي على الذات الالاهية. وكان الاتحاد الدولي للصفيين من أول الهيئات التي أصدرت بيانا مساندا للصحافيين ورافضا لعملية إيقافهم، وقد قال رئيس الاتحاد "جيم بوملحة" أن إيقاف ثلاث صحافيين يؤكد على وجود قوى مضادة في تونس ترفض تكريس حرية التعبير والصحافة، ودعا الاتحاد في بيانه الذي صدر يوم الخميس 16 فيفري، دعا الدولة التونسية إلى احترام التزاماتها مع مبادئ حقوق الإنسان التي تنص في جزء منها على حرية الصحافة والتعبير. وقد أصدرت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين بيانا عبرت فيه عن موقفها الرافض لإيقاف الصحفيين الثلاثة لما فيه من تعسف واضح في استعمال القانون واعتماد المجلة الجزائية في عملية الإيقاف دون اعتماد المرسومين 115 و116 الصادرين في 2 نوفمبر 2011 المتعلقين بالصحافة والنشر والإبداع، داعين إلى ضرورة الإسراع بإصدار النصوص الترتيبية المتعلقة بتفعيل هذين المرسومين باعتبارهما الضمانة القانونية لحماية الصحفيين وتنظيم قطاعهم. وأصدرت أيضا النقابة العامة للثقافة والإعلام بالاتحاد العام التونسي للشغل بيانا أعربت فيه عن قلقها من تكرر هذه الممارسة الضاربة لحرية الإعلام والصحافة، معتبرة أن إيقاف الصحفيين الثلاثة هي سابقة خطيرة لأنها انتهكت حرماتهم الجسدية وتعاملت معهم كمجرمين، داعية أهل القطاع إلى مزيد اليقظة أمام هذه الهجمة الممنهجة لضرب حرية الإعلام والإبداع. ودعت النقابة العامة للثقافة والإعلام إلى الإفراج الفوري عن الصحفيين الموقوفين وتوفير محاكمة عادلة لهم بعيدا عن الخلفيات السياسية أو الأخلاقية. كما أصدرت الجمعية الوطنية للصحافيين الشبان وجمعية مديري الصحف، والنقابة التونسية للصحف المستقلة والحزبية بيانات تندد بإيقاف صحفي جريدة "التونسية". كما أصدر مركز تونس لحرية الصحافة بيانا دعا فيه أيضا إلى إخلاء سبيل الصحفيين الموقوفين وإيقاف التتبع القضائي في حقهم والعمل على تنقية القطاع من الرواسب التي خلفها النظام السابق والشروع في فتح حوار وطني جدي حول واقع القطاع الإعلامي وآفاقه المستقبلية في ظل الثورة التي حدثت في تونس. كما أصدرت العديد من الصحف التونسية بلاغات مساندة لصحيفة "التونسية".