بحث هذه المدونة الإلكترونية

2013/04/18

عيش نملة... تأكل سكر

لا أرى مثلا شعبيا أكثر دلالة ورمزية من المثل الذي تخيرته عنوانا لهذه البطاقة الأسبوعية، للتعبير عن العلاقة التي تنتهجها رئاسة الجمهورية وخلفها الفريق الحكومي مع "قطر"، خاصة بعد تهديد كل مواطن تونسي من قبل رئيس الجمهورية المؤقت بتحميل مسؤولية كل من "يتطاول" على "راعية ثورات الربيع العربي" وواهبة الصلاحيات الرئاسية... والمدرعات والدراجات والقنابل المسيلة للدموع... ومعهم فتاوي الجهل وعذاب القبر... الثابت أن أول ما يتبادر إلى الذهن في علاقة بالنمل هو الكد والجهد والعمل وهي الصفات المحمودة فيها، المفقودة في رئيس جمهوريتنا، أو ما تبقى من الجمهورية، والثابت أيضا أن النملة لم تختر حجمها الصغير أو المتناهي في الصغر، فالطبيعة أفرزتها على تلك الصورة، وجعلت منها الحيوان الأكثر عرضة للعفس والرفس بالأحذية... ولأن الإنسان وحده يتخير الموضع الذي يلائمه... فإن رئيس جمهوريتنا اختار موضعه أمام الشيخ حمد والشيخة موزة... وما حملت أياديهم من حفنة الدولارات... (وين تحط نفسك تصيبها)... أما السكر، فحلاوته لا تمنع سرعة ذوبانه وانحلاله داخل الفم، تماما مثلما سيحدث بين "منصفنا" والقائمين بشؤون مملكة قطر... عما قريب... ولكن هل يعلم "منصفنا" أن صلاحياته لا تمنحه حق تخير موضع النملة لكل تونسية وتونسي، وان صلاحياته لا تمنحه أيضا التعسف على أفواهنا لذر حبات السكر المسمومة... بمبلغ 28.8 مليون دينار يُخير "المنصف" الشعب التونسي بين أن يكون شعبا من النمل يعيش تحت أحذية قطر، أو أن يكون شعبا مهددا بالقانون والمحاسبة إن هو "تطاول" على قطر... ولن تكون أداة المحاسبة سوى سيارات ودراجات والقنابل المسيلة للدموع التي تهبها قطر إلى حكومة تونس... وبذات المصطلحات الممجوجة من قبيل "الشيطنة" و"تجفيف الينابيع" هرع راشد الغنوشي وحزب حركة النهضة لتوجيه التهم إلى الشعب التونسي بتشويه صورة قطر... أذكر هنا قولا لغسان كنفاني يقول فيه :"يسرقون رغيفك، ثم يعطونك منه كسرة، ثم يأمرونك بأن تشكرهم على كرمهم... يا لوقاحتهم"... إننا أمام حالة انفصام عميقة وحقيقية "للنخبة" الحاكمة اليوم في تونس، فمن جهة تدعي سعيها لتأسيس نظام تونسي ديمقراطي، ومن جهة ثانية تدافع بشراسة على النظام القطري الديكتاتوري والتيوقراطي... وكأنها تستبطن دورها الحقيقي باعتبارها تتولى إدارة "الايالة التونسية" التابعة لما يدعو إليه شيخ الليموزين "يوسف القرضاوي" "الجمهورية الديمقراطية الإسلامية" والتي ستكون عاصمتها "قطر"، جمهورية ديمقراطية إسلامية ستقوم على "نصب المشانق للعلمانيين" وعلى "تحميل المسؤولية الأخلاقية والقانونية" لكل من يتطاول على عاصمتها "قطر"... جمهورية ديموقراطية إسلامية تضخ مئات المليارات لتخريب سوريا والعراق ولبنان وليبيا والجزائر... إكراما للكيان الصهيوني... إنني انتمي إلى شعب عظيم اسمه الشعب التونسي، شعب كتب التاريخ بدم بناته وأبنائه، ولن أكون من عبيد قطر... هاته التي تريد دخول التاريخ بآبار النفط...

2013/04/11

الأخ محمد شعبان الكاتب العام للاتحاد الجهوي بصفاقس:الاتحاد لم يتحرك بعدُ والثورة الحقيقية قادمة

لهذه الأسباب أنا دكتاتور نقابي ممنوع على كل نقابي في الظرف الحالي أن يتجاوز منظمته أو يخرج عنها لا استغرب جهل وزير الصحة وجماعته بأخلاقيات ومبادئ النقابيين وبآليات العمل النقابي نحن لسنا ضد التعددية النقابية لكننا ضد التعددية النقابية الانتهازية لن ينفعنا صندوق النقد الدولي ولا قطر عندما تجوع حركة النهضة الشعب التونسي من العار على إذاعة صفاقس أن تتنكر لما قام به الاتحاد من اجل العاملين بها لهذه الأسباب سنعمل على تنحية والي صفاقس لأنه لا يخدم مصلحة أهالي الجهة أهالي صفاقس شيدوا المساجد بسواعدهم والنهضة تستغلها اليوم بورقيبة وبن علي والمرزوقي عابرون أما الاتحاد فباق الاتحاد سيكون الفيصل الحاسم في الانتخابات القادمة أجرى الحوار ناجي الخشناوي في الطريق إلى عاصمة الجنوب، صفاقس، لإجراء حوار صحفي مع الأخ محمد شعبان الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بالجهة، قدرت أن لا يتجاوز اللقاء نصف ساعة لمَا سمعته عن الرجل من كثرة مشاغله و"طباعه الحادة" غير أن هذا الحوار دام أكثر من ساعتين والنصف ساعة داخل مكتب الأخ محمد شعبان، ورغم الدقات المتواصلة على باب مكتبه ورنين الهاتف في كل مرة إلا أن الرجل استرسل في الحديث والإجابة عن الأسئلة دون أن يفتح الباب أو يرد على الهاتف... الحوار اختلفت مواضيعه من الشأن النقابي الجهوي إلى العمل النقابي الوطني مرورا بالوضع السياسي في البلاد واستحقاقات المرحلة، وضمنه كان الأخ محمد شعبان منسجما مع ذاته مثلما يعرفها كل نقابي احتك به. ـ لنبدأ هذا الحوار من آخر المستجدات لما بات يُعرف بإضراب عملة الإعاشة بالمستشفيين الجامعيين بصفاقس، نود أن تطلعنا على آخر التحركات خاصة بعد تعليق الإضراب؟ ـ هو أولا إضراب قانوني وشرعي، وحسب تقييمنا والوثائق الني بحوزتنا لا يمكن للإدارة أو لوزارة الإشراف أن ينفوا قانونية وشرعية إضراب عملة الإعاشة خاصة أن الاتفاق التاريخي الممضى بدار الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 21 أفريل 2011 بحضور وزارة الشؤون الاجتماعية الذي ينص على إلغاء المناولة في القطاع العام وخاصة في قطاع الوظيفة العمومية، ولذلك نحن ناضلنا في مستشفي الهادي شاكر ومستشفى بورقيبة من اجل إلغاء العمل بالمناولة إلى أن وقعت جلسة في شهر أكتوبر 2011 ورغم أن الجلسة كانت في جو مشحون نوعا ما إلا أننا توصلنا إلى اتفاق ينص على أن عمال المستشفيين ونظرا لاقدميتهم في العمل ولديهم أصناف معروفة فاتفقنا على جدولة التصنيف وعلى انتداب هؤلاء العملة بداية من غرة جانفي 2012 وطالبنا من وزير الصحة الإمضاء على هذا الاتفاق وأمضينا 11 محضرا لتأجيل الإضراب ووقعت جلسات تفاوض متعددة مع الإدارة الجهوية للصحة بصفاقس ووقع الاتفاق على تصنيف العملة بحكم الاختصاصات التي يمارسونها في مطعم المستشفيين إلا أن الحالة ظلت على ما هي عليه ونظرا لطول المدة ما ترتب عنه من توتر وحالة احتقان لدى العمال طالبنا مرة أخرى بالإسراع في تنفيذ الاتفاق، غير أن السلبية التي وجدناها من الطرف المقابل وعدم الاكتراث وعدم الالتزام بالاتفاقات وما أبدته الوزارة والإدارة من تحد صارخ للمنظومة الشغلية ولقوانين الشغل دفعتنا إلى إعلان الدخول في إضراب ب15 يوما رغم أننا طالبنا من والي صفاقس أن نتنقل إلى الوزارة غير أن نفس سياسة المماطلة كانت هي الإجابة المتكررة بل أن الوالي قال لي بالحرف الواحد "انسى الموضوع" وما يحز في النفس أن هذه الإجابة جاءت بعد تعليمات واضحة من وزير الصحة بعدم الجلوس معنا. ـ رغم دوركم الايجابي ودور الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد لتطويق أزمة المستشفيين إلا أن رفض سياسة الحوار والتفاوض لحقتها محاولات مستميتة لتشويه الهياكل النقابية وتحميلها مسؤولية ما يحدث في المستشفيين؟ ـ نحن نعرف الحملات الممنهجة والمنظمة وتعودنا بها وبتنا نعلم مصدرها والجهات التي تقف وراءها، ولكن في السابق لم تنجح مثل هذه الحملات في ضرب العمل النقابي بل زادتنا لحمة، أما فيما يتعلق الآن بالمستشفيين الجامعيين فالخطير في المسألة أن وزير الصحة في شخصه أدلى بتصريح غريب لأحد الإذاعات قال فيه انه سيعمل بقوة عن طريق ما يسميه المجتمع المدني والذي يختزله الوزير وحزبه في "رابطات حماية الثورة" قال أنه سيعمل على إفشال الإضراب مثلما تم استعمالهم سابقا في إضراب الهادي شاكر، وبالفعل مباشرة بعد التصريح الإذاعي قدمت مجموعة غريبة عن المستشفيين لتكسير الإضراب بتعلة أنهم سيقدون الأكل للمرضى، وكأن العملة المضربون يمنعون الأكل عن المرضى، وهنا لا استغرب جهل وزير الصحة وجماعته بأخلاقيات ومبادئ النقابيين وبآليات العمل النقابي وادعوه إلى أن يطلع على برقيات الإضراب وما تتضمنه من آليات لتقديم الخدمات الأساسية والضرورية. الجماعة التي حاولت إفشال الإضراب والتهجم على النقابيين وجدت السند والدعم من الوزير في البداية ثم في بعض أيمة مساجد صفاقس خاصة بعد خطبة الجمعة التي تزامنت مع اليوم الثالث للإضراب، حيث تحولت خطبة الجمعة إلى "تهريج" وتشويه لتاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل مثلما فعلوا نفس الشيء في أوت 2012 عندما اعتبروا الاضراب "حراما" وأصدروا البيانات المشوهة للعمل النقابي بل ودعوا آنذاك إلى تكوين نقابات إسلامية قالوا إنها "مستقلة". ـ وكيف تردون على رفع قضية عدلية وفتح تحقيق جزائي فيما يسمونه "جرائم القيام بإضراب غير شرعي والصد عن العمل"؟ ـ فعلا استغرب كيف يُقدم محام أو مجموعة من المحامين على تبني مثل هذه القضايا وهم يعلمون أن الإضراب قانوني وشرعي ومثل هذه القضايا لا تدخل إلا في باب التشويه وضرب العمل النقابي ومحاولة التضييق على العمال وضرب حقوقهم ولكن ليعلم الجميع ان ما بني على باطل فهو باطل. ـ هل فعلا تستمد جهة صفاقس إشعاعها النقابي من رموز الجهة وخاصة مؤسس الاتحاد فرحات حشاد والزعيم الحبيب عاشور، وهل بات العمل النقابي بالجهة "مُختزلا" في شخصكم؟ ـ أولا الزعيم فرحات حشاد وكذلك الزعيم الحبيب عاشور هما ابنا كامل هذا الوطن، واعتقد أن كل نقابي يحمل بداخله بذرة هذين الزعيمين التاريخين إلى جانب طبعا محمد علي الحامي أب الحركة النقابية في تونس وأحمد التليلي وبلقاسم القناوي وغيرهم من الرواد، ونقابيات ونقابيو صفاقس متشبعون بخصال ومبادئ وأخلاق الرواد والمؤسسين، ومن الصعب بل المستحيل أن يتنكر نقابي لدماء رواد الكفاحين الاجتماعي والوطني في تونس. الإخلاص والتضحية والالتزام هي المفاتيح الثلاثة التي تأسست في العمل النقابي على يد الرواد وهي أيضا نبراسنا اليومي، إلى جانب الشفافية ونظافة اليد... والمجابهة بالحجة والبراهين... وربما لأني متشبع بهذه القيم وأمارس بها قناعاتي هناك من يعتبرني دكتاتورا... فان كانت هذه الخصال عنوان دكتاتورية فليعلم الجميع أن محمد شعبان دكتاتور نقابي... العمل النقابي في صفاقس لا يُختزل في شخص محمد شعبان، ولكن محمد شعبان منذ أن انتمى للاتحاد العام التونسي للشغل وهو يتعامل مع النقابيين من دون أي خلفية انتخابية أو حسابات أصوات بل أتعامل مع كل النقابيين بمنطق التضامن النقابي لأني اعتقد انها القاعدة الأساسية منذ تأسس الاتحاد إلى اليوم الضامنة لوحدة وتماسك المنظمة. صحيح أن محمد شعبان يُحرك ويُؤطر ويدفع العمل النقابي بصفاقس ولكن لو لم تكن النيابات الأساسية والنقابات الأساسية والفروع الجامعية والاتحادات المحلية لما كان محمد شعبان، ومنذ أن تحملت مسؤولية الكتابة العامة منذ 82 لم يتخلف المكتب التنفيذي الجهوي عن الاجتماع كل يوم جمعة، وما نتميز به في جهة صفاقس أننا نفتح مقر الاتحاد مساء السبت ويوم الأحد وهو تقليد أرساه الرواد... وإن أختلف مع الأخوة النقابيين فدائما على قاعد المحاججة والإقناع لا عن طريق فرض الرأي. والظرف الحالي يحتم على كل نقابي أن لا يتجاوز أو يتحدى الاتحاد واعتقد انه لا مجال للخطأ أو التسرع والإفراط في التحمس خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها الاتحاد والبلاد. ـ هناك اتهامات توجه إلى جهة صفاقس وتصنفها الجهة التي "تتقن" الإضرابات بامتياز وأن "رأس الحربة" هو محمد شعبان الذي لا يسعى إلا لضرب الحكومة، فما مدى صحة هذه الاتهامات؟ ـ لا أرد على مثل هذه الاتهامات إلا بدعوة من يطلقها إلى أن يعود ويقرأ تاريخ صفاقس ويطلع على زخمها النضالي المستمد من روح فرحات حشاد والحبيب عاشور وكل النقابيين، وطيلة تاريخ الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس لن تعثر على إضراب غير شرعي وقانوني وكل الإضرابات القطاعية والجهوية لا ننفذها إلا بعد استنفاذ كل سبل الحوار والتفاوض. الآن هناك حلقة مفقودة في المسار التفاوضي وهي تفقدية الشغل التي تمثل وزارة الشؤون الاجتماعية، أين كنا نجلس إلى طاولة التفاوض والنقاش والحوار مع متفقد الشغل، وأصبح اليوم لزاما علينا إما أن نجلس إلى الطرف الإداري مباشرة أو نجلس إلى والي الجهة، وأتحدى أي إدارة في أي قطاع لم نجلس إليها ولم نطلب التفاوض معها، ولكن التعنت والصد وغياب الدور المهم لتفقدية الشغل في تقليص عدد الإضرابات هو الذي جعل من هذه الإضرابات تتضاعف، ومع ذلك عندما نقارن بين نسبة برقيات الإضراب وبين تطبيق الإضرابات فعلا سنكتشف حجم الافتراءات والاتهامات المجانية. ولو كانت لدينا نية لإسقاط الحكومة لما قمنا بإضرابات قطاعية بل كنا سنقوم بإضرابات مستهدفة للحكومة مباشرة، ولكن نحن أرقى من هذه التهم وأخلاقنا لا تسمح لنا "بالغدرة" وإذا كانت لدينا مطالب ضد الحكومة فإننا لن نتأخر في قولها صراحة ودون مواربة، ولكن أيضا عندما ندين صمت الحكومة في مسالة ما مثل إلقاء القمامة في بطحاء محمد علي الحامي فذلك حقنا المشروع، ولكن إذا قررنا القيام بإضرابات ضد الحكومة فسننفذها دون خوف أو تردد، وكل المؤشرات تدفع إلى ذلك منها غلاء المعيشة والتهاون في كتابة الدستور ومحاولات الالتفاف على مطالب الشعب التونسي. ـ احترفت بعض منابر المساجد بصفاقس وبعض الأصوات في إذاعة صفاقس تشويه العمل النقابي وإلصاق التهم بشخصكم فما مدى صحة هذه المعلومات؟ ـ الملاحظة الأولى التي أود أن أسوقها هنا هي أن الإعلام بصفة عامة نختلف في تقييم أدائه، ولكن غير المسموح به أن يعود الإعلام إلى مربع التوجيه والسيطرة الحزبية أو الحكومية، ولكن مع الأسف نلاحظ بداية العودة إلى هذا المربع من طرف بعض المنابر الإعلامية وبعض الأصوات والأقلام الصحفية. وللتاريخ أقول إن إذاعة صفاقس كانت من بين المنابر التي ناضل العاملون فيها من اجل استقلاليتهم وافتكاك حق التعبير وحرية الصحافة، ولا يمكن أن أنسى دور الأخ مختار اللواتي الكاتب العام لنقابة أعوان إذاعة صفاقس إبان أحداث 26 جانفي الذي كان مناضلا صلبا وشرسا في الدفاع عن إذاعته وعن العاملين فيها ولذلك لُفقت له التهم للزج به في السجن زمن محمد الصياح الذي يكن عداء مرضيا للعمل النقابي وللاتحاد العام التونسي للشغل وكان سببا مباشر في اندلاع أحداث 26 جانفي إلى جانب الهادي نويرة وعبد الله فرحات وغيرهم، وميليشيات الصياح في ذاك الزمن حاولت اختراق إذاعة صفاقس تماما مثلما تسعى الآن جاهدة ميليشيات حركة النهضة المسماة زورا وبهتانا "روابط حماية الثورة" وبصراحة أقول للعاملين في إذاعة صفاقس "ممنوع عليكم أخلاقيا أن تشوهوا الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابيي الجهة الذين وقفوا ومازالوا معكم ومع حقوقكم... وكلهم يعلمون أن الاتحاد الجهوي للشغل وقف معهم في وجه الوالي الحالي لصفاقس والذي لا يعمل إلا لصالح حركة النهضة ولا يأبه لمصالح أهالي صفاقس ولذلك أقولها دون تردد "سنعمل على إقالة والي صفاقس الحالي"، هذا الوالي الذي يستجير بميليشيات رابطة حماية الثورة؟ هل من المعقول أن والي يمثل الدولة التونسية لا يثق برجال الأمن ويطلب الحماية من أشخاص لا صفة لهم؟ هؤلاء الأشخاص هم الذين اعتدوا على العاملين بإذاعة صفاقس ووحده الاتحاد الجهوي للشغل دافع عنهم... سواء في السبعينات أو الآن... وسنظل ندافع عنهم مهما كان حجم التشويه الذي يطالنا. أما المساجد فمثلما قلت لك فقد تم تدنيسها بخطابات السياسة وتحديدا بالمدافعين عن حركة النهضة لا عن تونس ورغم ذلك فشلوا فشلا ذريعا في كل محاولاتهم لضرب الاتحاد والعمل النقابي، وحركة النهضة اليوم تستغل المساجد التي بناها أبناء صفاقس بعرقهم ومالهم محبة في الله... على هؤلاء أن يعوا جيدا أن الثورة قام بها الاتحاد العام التونسي للشغل وليست حركة النهضة، وما على هذه الحركة إلا أن تحترم مطالب الشباب التونسي... وتحترم الاتحاد العام التونسي للشغل، وأقولها على الملأ أن الاتحاد لم يتحرك إلى الآن. ـ ألا تخشى أن يُفهم كلامك الأخير على انه تهديد؟ ـ ليعلم الجميع أن الاتحاد العام التونسي للشغل لم ولن يلجأ إلى لغة التهديد، ولكن كيف سيُفهم هذا الكلام عندما يصدر المجلس الوطني التأسيسي دستورا اقل من طموحات الشعب التونسي؟ وكيف سيفهم هذا الكلام إذا ما تواصلت سياسة ضرب المطالب الحقيقية للثورة؟ وكيف سيفهم هذا الكلام عندما تُحاك الصفقات في السر والعلن لبيع البلاد إلى قطر والسعودية وتركيا؟ وكيف سيفهم كلامي عندما أوصلوا البلاد إلى مرحلة الاغتيال السياسي وإطلاق النار على الشهيد الوطني شكري بالعيد؟ إذا تواصلت هذه "المهازل" فاني أقول بأن الثورة الحقيقية قادمة وسيقودها الاتحاد من جديد، وأقول مهازل لأنه من غير المعقول أن نكتب دستورا يضرب الحق في العمل النقابي والحق في الإضراب، وأدعو نواب حركة النهضة إلى قراءة التاريخ وليتذكروا أن بن علي سنة 96 حاول تحوير مجلة الشغل وإدخال كلمة "إضراب مهني" في الفصل 376 فوقفنا له ومنعناه من ذلك... وليتذكر أيضا كل متطاول على الاتحاد إضراب يوم 12 جانفي في صفاقس. حق الإضراب افتكه النقابيون بالدم ولن يمر في الدستور الجديد أي فصل سيضرب هذا الحق ولو بدمائنا، وأقول لمن سيحرم الشعب من هذا الحق لا تعلقوا فشلكم على الاتحاد، ولا تختلقوا صراعا معه لأنه سيعود عليكم بالوبال مثلما عاد على من سبقكم، وأيضا من سيواصل في النهج الليبرالي ويضرب البعد الاجتماعي سنكون له بالمرصاد ولن ينفعنا صندوق النقد الدولي عندما يجوع الشعب التونسي ـ كيف ترون سعي بعض الأطراف الحزبية إلى تقزيم دور الاتحاد وحصره في مربع المطلبية الضيقة؟ ـ هذه من المفارقات عينها فالاتحاد الذي أوصل هؤلاء إلى سدة الحكم والذي كان له الفضل في إرجاعهم من منافيهم وإخراجهم عن صمتهم، يكيلون إليه اليوم بمكيالين متناسين أن الاتحاد ساهم في تحرير تونس من المستعمر وساهم في صياغة دستور 56 وساهم في بناء تونس الحديثة وكان في الصفوف الأمامية للثورة، وللتاريخ أيضا الاتحاد هو الذي ساند بورقيبة ولولا الاتحاد لما كان بورقيبة فكل مؤتمرات الحزب الدستوري كان بورقيبة يلتجأ إلى الاتحاد العام التونسي للشغل... (اعتبرها من بين أخطاء الاتحاد عندما انحاز إلى بورقيبة ضد صالح بن يوسف مثلما التقينا فيما بعد سنة 81 مع مزالي) وهذا للتاريخ حتى يعرف بعض "الدساترة" الذين يهاجمون الاتحاد اليوم، وحتى يعرف الشعب التونسي أننا نعترف بأخطائنا ولا نخجل منها... وادعوهم أن يسألوا المخابرات الفرنسية والأمريكية عن تاريخ الاتحاد ولماذا اغتالوا فرحات حشاد... والآن اختار الاتحاد أن يترك المجال واسعا للأحزاب السياسية في هذه الفترة الانتقالية، وهو اختيار عقلاني ومدروس قررناه بعد هيئتين إداريتين، ولكن ما راعنا إلا أن بعض الأطراف تسعى إلى حشرنا في المطلبية الضيقة وتريد إقصاءنا من المشاركة في الخيارات الوطنية، وبعد أن ساهمنا في إنجاح انتخابات 23 أكتوبر ها أننا نرى الفشل تلو الفشل لما يسمونه ترويكا حاكمة... وهي التي احترفت الخطابات المزدوجة وباتت الغطاء الأول للميليشيات والعصابات... وباتت تسوق للاستبداد تحت غطاء الشرعية، هذه الشرعية التي انتهت صلاحيتها... بل إنهم يتجرؤون على افتكاك الاتحاد والانقلاب عليه... كم هم واهمون... ـ أمام ظهور بعض الهياكل النقابية كيف يرى الأخ محمد شعبان مستقبل الاتحاد العام التونسي للشغل والعمل النقابي عموما في ظل تعددية نقابية؟ ـ أولا التعددية النقابية وُجدت منذ كان الاستعمار في تونس، وكان هناك أربع أو خمسة تنظيمات نقابية، ثم بعد ذلك حاول محمد الصياح ومحمد مزالي تكوين منظمة نقابية موازية إبان أحداث 26 جانفي ولكنهما فشلا، أما الهياكل النقابية الموجودة الآن فهي لم تنطلق من أرضية مبدئية بل انطلقت من مصالح وحسابات، واعتقد انها تدخل في باب المناورة، ولذلك انصح أخواتي وإخوتي في الاتحاد العام التونسي للشغل للتفطن لكل مناورة ولكل محاولة لضرب وحدة الاتحاد. ودعني أقول أيضا للجميع، نحن لسنا ضد التعددية النقابية الوطنية ولكننا ضد التعددية النقابية الانتهازية التي لا تدفع إلا لتفرقة العمال ومصالحهم، وأنصح أيضا المرزوقي وحركة النهضة بالابتعاد عن الاتحاد العام التونسي للشغل لأن النقابيين أحرار ولن يتمكن أحد من استعبادهم... وفي نفس الوقت أنصح كل نقابي ينتمي إلى حزب ما ويدافع عن حزبه أكثر من الاتحاد انصحه بالذهاب إلى حزبه... ـ كيف ترون المشهد السياسي في قادم الأيام؟ ـ المشهد من الناحية السياسية نرى ملامحه من خلال البالونات التي تدفعها الترويكا وحركة النهضة أساسا لإثارة الفتن والزج بالبلاد في أتون الفوضى والحرب الأهلية... المشهد السياسي تدفعه هذه الترويكا نحو تزييف الانتخابات القادمة ومحاولة الاستيلاء على أصوات الناس، ولكن هيهات فالشعب تفطن، وان كان تعاطف في انتخابات 23 أكتوبر مع حركة النهضة فلا أظن انه اليوم سيمنحها صوته وهي التي تلاعبت بمطالبه واستغلت طيبته وتعاطفه، وهي التي تحاول استثمار التعاطف من جديد ضد الاتحاد بتلفيق التهم والتشويه واختلاق الاعتصامات لتنسبها إلى الاتحاد... تزوير الانتخابات والالتفاف على مطالب الشعب وعلى المسار الديمقراطي مؤشرات واردة جدا في ظل عدم انتخاب هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات إلى الآن وغياب تاريخ محدد إلى الآن، وفي انتظار تشكيلتها أيضا يمكننا أن نحكم على مستقل تونس السياسي. ـ هل لنا أن نعرف مستقبلكم النقابي وهل ستترشحون لانتخابات المؤتمر الجهوي القادم؟ ـ ما قدمته طيلة مسيرتي النقابية أنا راض عنه واعتبره كاف، أما مسألة الترشح للمؤتمر القادم فستتحدد في وقتها، وأفضل ألا أعلن عن أي موقف بخصوص شخصي حتى لا ادخل في الحملات الانتخابية السابقة لأوانها...

حكومة الاسلاك الشائكة

يُولدون "أسوياء" مثلنا... غير أن أحلامهم تكبر في غفلة منا لنكتشف فيما بعد أنها كبُرت بفائض العرق النازف من سواعد آبائنا وأمهاتنا... فجأة نُطالع أسماءهم صباحا في الصحف والمجلات، وبعد أخبار الثامنة نشاهدهم على القنوات التلفزية يُسوون ربطات عنقهم ويعدلون ساعاتهم التي تزين معاصمهم ويديرونها إلى عدسة الكاميرا... وفي ظرف أسابيع أو بضعة أيام معدودة نطالع أسماءهم مرة أخرى وبشكل رسمي مرسومة في الرائد الرسمي بصفاتهم الجديدة... لتلمحهم في اليوم الموالي مع الحشود المتراصة داخل الحافلات والمترو، سائرون في ركب من السيارات الفارهة نحو مكاتبهم الوزارية... فجأة نراهم يرفعون الأسلاك الشائكة بين عطور مكاتبهم وعرق آبائنا وأمهاتنا... ونراهم يرصفون بنادق الجيش والبوليس بيننا وبينهم... غير أن الأسلاك الشائكة وبنادق العسس لم تكفهم ليبتعدوا عنا، فما كان منهم إلا إن امتثلوا لأوامر رئيسهم وضربوا على أفواههم كمامات كاتمة لكل حرف أو كلمة أو معلومة... هاهم وزراء الحكومة المؤقتة ورئيس حكومتهم، أصحاب الشرعية، يرفعون الحاجز تلو الحاجز بينهم وبين الشعب الذي منحهم صوته وأمله... هاهم يضربون جدارا عازلا حولهم ليدبروا في ليلهم ما تتفتق عنه قريحتهم وما يأتيهم من أوامر شيوخ الخليج وثعالب الصندوق الدولي للنقد... قد نتفهم تركيز الأسلاك الشائكة والحواجز والمتاريس أمام السفارات، وخاصة منها سفارات الأمر والنهي مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، أما وزارات الشعب التونسي ومؤسسات الشعب التونسي فهي ملك له وحده، هو الذي شيدها بسواعده وهو الوحيد الذي يتمتع بخدماتها... الأسلاك الشائكة المحيطة بالوزارات مثل وزارة الداخلية ووزارة العدل ووزارة التربية ووزارة التكوين المهني، وكذلك المحيطة بعدة ولايات وبعض البلديات والمعتمديات والمؤسسات الوطنية... كلها لا تدل إلا على سياسة اللامبالاة وعدم الاكتراث بمن هو خلف هذه الحواجز الاستعمارية بامتياز ولا تدل إلا على ضرب مفهوم "السيادة الشعبية" وبداية التمهيد للدكتاتورية والاستئثار بالسلطة والاستحواذ على دواليب الدولة... ولكنها تدل أيضا على سمات الضعف والخوف لدى أصحاب ربطات العنق الوردية وعدم قدرتهم على مواجهة الشعب وهمومه ومشاكله... فوحده الضعيف يختار الانزواء والابتعاد عن الأضواء ويلوذ بالصمت... ووحده العاجز يختلق كل الأعذار ليبرر عجزه وقلة خبرته، ومن هذه الأعذار الأسلاك الشائكة والحواجز الحديدية ورجال الحراسة... هكذا نرى رمزية الأسلاك الشائكة المضروبة بين دولتهم وشعبنا ولا نرى فيها أي مبرر آخر قد يوهموننا به مثل توفير الأمن والحماية، فالوزير الخائف من شعبه لا يستحق منصب الوزارة والمسؤول المتخفي خلف الأسوار لا حاجة للشعب به والوزيرة التي تتحرك وسط جحافل البوليس لا معنى لها أصلا... أما رئيس الحكومة الذي لا نرى حتى شبحه، فقد قوض كل إمكانات التواصل بين دولته المؤقتة وشعبنا الدائم بعد أن قرر "إسكات" فريقه الحكومي وقطع الصلة تماما بينهم وبين وسائل الإعلام، ولا نخاله قرارا متشبعا بالحديث القائل "وتعاونوا على قضاء حوائجكم بالسر والكتمان" بقدر ما نرى فيه هروبا من المواجهة وتملصا من المسؤولية وخوفا على "شعبية" موهومة قد تضيع قبل الانتخابات بزلة لسان لهذه القناة أو تلك الإذاعة... لوزراء الحكومة المؤقتة، ولمسؤولي التغلغل الحزبي نقول لهم لكم الأسلاك الشائكة ولنا المدى...

2013/04/04

العيش وسط المزابل

أعيد نشر هذه الأسطر التي كتبتها زمن بن علي، أعيدها مرة أخرى وأنا أشاهد ترسانة العمال البلديين بشاحناتهم وجراراتهم يهجمون على ساحة الشهداء يرفعون عنها أكوام الأوساخ في انتظار أن يحل ركب رئيس الجمهورية المؤقت أو من ينوبه لتحية العلم يوم 9 أفريل ليعود بعدها إلى قصر قرطاج ويتركنا سنة كاملة أخرى فريسة للروائح العطنة وجحافل الناموس الرابضة بالمزابل المحيطة بمتساكني الأحياء المجاورة لساحة الشهداء التي لا تبعد أكثر من كيلومترين عن قلب العاصمة... أعيد نشرها مرة ثانية لأصدق أن سنتين ونيف بعد إسقاط النظام السابق لم تكن سوى زمن ثابت في الممارسة والتنظير، وان المواطنة التي تبدأ من التفاصيل هي الكذبة الأكثر تصديقا لدى أصحاب الشرعية المؤبدة... أعيد نشر هذه الأسطر اليوم وأنا أطالع خبر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عندما غامر بالنزول إلى مستنقع أوحال لتبلغ المياه خصره من أجل إنقاذ نعجة من الغرق بريف اكسفورد شاير... أعيد نشر هذه الأسطر لأتأكد فعلا أن رئيسنا المؤقت يعيش مواطنته الشخصية داخل أسوار قصر قرطاج، مثلما يعيش "علمانيته" في الدول الأوروبية فقط، وأن الشعب التونسي يعيش وسط المزابل... مزابل الأشياء التالفة والأفكار المتعفنة... +++ حالفني الحظ فزرت عددا من الدول الأوروبية والأمريكية وتجولت في شوارعها وساحاتها العمومية فوقفت مشدوها أمام نظافة هذه المدن وجماليتها ولن أغالي إن وصفت بعضها بأنها خيالية كتلك التي نشاهدها في أفلام الصور المتحركة، ذلك أن المتجول فيها لا يكاد يعثر على عقب سيجارة ملقى على رصيف ما، أو يجد حجارة واحدة منزوعة من مكانها بهذا الرصيف أو ذاك الممرّ... فالحاويات الأنيقة تتلاصق في كل الشوارع وتنتصب أمام المحلات التجارية والمقاهي والملاهي والشركات، وحتى المناضد تجدها أمام كل باب باعتبار أن التدخين ممنوع في الأماكن المغلقة... واهم من توفر شروط النظافة من حاويات ومناضد وعمال هو الذهنية النظيفة، ذهنية العيش في فضاء جمالي تتوفر فيه جميع مقومات البهجة، وهذه الذهنية تتأكد لدى المواطن الغربي من خلال إيمانه العميق بمسؤوليته الفردية إزاء المجموعة قبل أن يُلقيها على عاتق الدولة باعتبارها مهمة من مهامها يدفع لأجلها معاليم محددة سلفا... هذا الإيمان بالمسؤولية والمعرفة بالحق والواجب هو عين الاختلاف بيننا وبينهم، فإيمان المواطن التونسي بالنظافة وهاجسه بالمساهمة في تجميل مدينته باهت وشاحب بل هو منعدم تماما، ولن أغالي إن قلت أننا نعيش اليوم وسط مزبلة كبيرة تمتد من شوارع العاصمة ومراكز الولايات وتصل إلى الحقول والضيعات المنتشرة داخل الجمهورية، فضلا عن المناطق الصناعية... فشوارع عاصمتنا ومثلها شوارع كل الولايات ترزح تحت وطأة قشور البيض المسلوق وعلب السجائر وأعقابها والأكياس البلاستيكية وقوارير المياه المعدنية والغازية وعُلب الجعة وبطاقات شحن الهواتف وحجارة الأرصفة وأكداس الرمال وإشارات المرور المنزوعة من أماكنها... وحتى الأثاث القديم تجده مركونا أمام المنازل، وكل هذه الأوساخ يلقي بها المواطن عن وعي وعن غير وعي على أمل أن يحملها العامل البلدي، غير أن هذا العامل يقوم بعمله بالتقسيط، فإلى يوم الناس هذا لم أصادف عاملا بلديا واحدا يقوم بعمله على وجه الإتقان بما يمليه عليه ضميره المهني بل إن الكثير من جرارات التنظيف ومن العربات المدفوعة تساهم في تلوث الأماكن التي تمر بها. وقد يُعذر العامل البلدي عن هذا التقصير لعدة أسباب لعل أهمها أجره المتدني وإرهاقه المتواصل وقلة الامتيازات التي يتمتع بها وخاصة الحماية من الأمراض وغيرها، لكن هناك ظاهرة خطيرة جدا تكاد تكون أبدية وتقليدا جاري به العمل تتمثل في النظافة الجزئية، تلك التي تخطط لها المجالس البلدية وتنجزها بإتقان مدهش ويمكن لأي مواطن أن يكتشف هذه الظاهرة إبان الاستعداد للاحتفالات والأعياد خاصة منها الوطنية، إذ نلاحظ كيف تتجنّد الدوائر البلدية بعمالها وأدواتها ومسيريها لتنظيف وتلميع وتزيين مدخل مدينة ما سيزورها مسؤول ما أو القيام بحملة نظافة بشارع رئيسي لان مسؤولا آخر سيمر بسيارته من هناك وبعد العيد تترك للإهمال والأوساخ. ومن المفارقات العجيبة أن الأوساخ التي تجمع من الشوارع المحظوظة تُلقى في قلب الشوارع غير المعنية بجولة المسؤولة وتترك هناك أكداس ونُثار أمام المنازل وفوق الأرصفة لكأنها هدية من بلدية المكان بمناسبة الاحتفال الوطني. إن مثل هذه الممارسات والأعمال لا يمكن أن تؤوّل إلا بتأويلين وحيدين، الأول أن النظافة هي حكر على المسؤولين وعلى أماكن إقامتهم وأعمالهم وزياراتهم، والثاني أن المواطن لا قيمة له ولا قيمة لحياته ولا ضرر أن يعيش أبدا وسط المزابل ومع جيوش الحشرات والأمراض البيئية لأجل ساعة من الزمن سيقضيها مسؤول واحد وهو يمر بشارع ما مرة واحدة في السنة. إن تبليط الأرصفة والعناية بالإنارة العمومية وتنظيف كل الشوارع دون استثناء وحماية المساحات الخضراء والحفاظ على جمالية المباني ومداخل المدن حق لكل مواطن دون استثناء مثلما هي واجب عليه، ونحن في الأخير نعيش في وطن واحد وليس في وطنين، واحد نظيف وثان ملوّث ومتسخ، وكل شوارع الجمهورية هي ملك لكل الأقدام التونسية، أقدام العامل والعاملة وأقدام المسؤول والمسؤولة...

2013/03/14

أربعون مرت والبلاد تضيق بنا

أربعون يوما بالتمام والكمال وأنت ترقد في قبرك العالي عند ربوة العظماء تنظر إلينا من شرفتك المزهرة بأكاليل الربيع المنحني على هامتك... أربعون ليلة وأنت تخيط كفن الليل الموحش بابتساماتك المضيئة عساك تُنير درب رفاقك وهم يترقبون أخبار الساعة الثامنة من السيدة التي توشحت بالألوان المزيفة... أربعون يوما وليلة تقضيها في انتظار قطار الدرجة الثانية الذي قد يقل شعبك من محطة حكومات الالتفاف على الثورة إلى محطة الربيع التونسي... بعدك هطل المطر غزيرا فوق الجبال وتحت أكواخ المفقرين ولم يظهر قاتلك... بعدك أيضا سطعت الشمس على شوارعنا وأزقتنا وثقبت أشعتها نوافذ المستكرشين... ولم نلمح خطى الغادر بعدُ... أزهر لوز الربيع فوق ارض المتعبين، وتتالت ألوان البساتين على الربوع التي حفظت خطاك... ولم يأت بعد الربيع الذي اشتهيته واشتهيناه... أربعون مرت وأنت في عيدك متسربل بالشموخ تنتظر رفاق لك عاهدوك على الموت وقوفا... أربعون مرت وهم في مجلسهم يتناوبون على قارعة اللغة ليتمرغوا في أوحال الهزائم المتكررة وبأس الكلام المجروح من الوريد إلى العنق... أربعون مرت بعدك والحرائق تسري من سيدي بوزيد إلى قلب المسرح البلدي... والفتيل هو هو... التهميش والتفقير... ومركز الحروق البليغة... أربعون مرت دونك وأروقة المحاكم تكتظ بصمت مطرقة العدالة، يفتحون الملفات على شاشات التلفزات ليركنوها في ذاكرة الدهاليز المظلمة... أربعون مرت دونك وشبح "الرئيس" يبحث عن خيال يليق به بين جنبات القصر العريض... ومع أنياب الأصدقاء المتخفين في جبة النفاق الوطني... أربعون مرت بعدك والرصاصات الغادرة تسافر من بلد إلى آخر، وتخرج من جحر لتدخل آخر وهي تتستر بخطب الدجل السياسي على أرصفة شوارع الدولار المغمس برائحة البترول... أربعون يوما طوتها الحناجر وهي تلقي سؤالها "شكون قتل شكري" على جدران وزارة الداخلية وما من مجيب خلف ستائر النوافذ العالية... أربعون مرت ونحن في "شرك" مبين من حكومة إلى أخرى لم تتحرك قيد أنملة عن مونبليزير وليلها الطويل... أربعون مرت والعد التنازلي في صعود مستمر لكل الأحلام التي كنا مدججين بها، بعد أن ضاقت "جبة القرضاوي" بما "منته على ثورتنا الكئيبة... وبعد إن تم القبض على "بوصلة" الحريات في إحدى استوديوهات الجزيرة القطرية... أربعون مرت والبلاد تضيق بشعب مهزوم في آماله وأحلامه... والبلاد تتضاءل تحت "شرعية" الحزب... وتسير مسرعة ليجعلوها خيمة بدوية بأوتاد وهابية... أربعون مرت وهم يرفعون الأسوار عالية أمام "ديقاج" الفقراء ويرتبون تفاصيل الليلة الأخيرة بفائض من التثعلب السمج... أربعون مرت وأنت "مسجى" في قلب الربيع... في قبرك المُزهر بنواقيس حرائر تونس وأحرارها... أربعون مرت ونحن كما نحن لم نختلف عن دربك الذي هو دربنا نراه قريبا منا... نرى ضوء الحياة والحرية يقترب منا... واليوم وغدا وكل أربعاء ستكون أخبارنا بين يديك أولا بأول... فلتنم في قبرك العالي عند ربوة العظماء وانتظرنا في شرفتك المزهرة بأكاليل الربيع المنحني على هامتك...

2013/03/07

لا رئيس لي سوى راسي

يتردد الكاتب الحر سليم دولة على أماكن بعينها، لا تتبدل ولا تتغير، ومن السهل العثور عليه بزيه الرسمي: النظارات السوداء والمحفظة السوداء وملابسه السوداء أيضا. إن وجدته بمقهى "الروتوندا" بشارع الحبيب بورقيبة فلن يكون صديق طاولته سوى كتاب فلسفة أو رواية حديثة، وان صعدت إلى نادي الصحفيين فستجده منهمكا بمداعبة أزرار حاسوبه، إن تعديلا لبعض المقاطع الشعرية من ديوانه الجديد أو رقنا لشذرات فكرية... يتذكر سليم دولة يوم مولده فيقول "ولدت يوم 13 آذار من سنة 1953، وهو يوم مولد محمود درويش صديقي الذي لا يزور تونس إلا ويبحث عني...". جاء سليم دولة من الجنوب التونسي ليدق عنق الفلسفة (وفق عبارة لويس ألتوسير) في كلية 9 أفريل بالعاصمة، ويطلق منها، وهو بعدُ طالب، كتابه الأكثر مبيعا "ما الفلسفة" سنة 1987 ثم يجترح بعده "ما الثقافة" و"الثقافة والجنسوية الثقافية" و"الجراحات والمدارات" (91 تونس/93 بيروت/2008 سوريا) حتى لقبته جريدة "لوموند" الدولية بفيلسوف الصحراء... رغم أن سليم دولة حُرم من انجاز الدكتوراه حول "المكبوت الفلسفي في الأندلس:ابن باجة وابن طفيل وابن رشد" بعد أن تاه بين أروقة الجامعة والمؤسسة العسكرية بحثا عن شهادة إعفاء من خدمة الجيش!!! كانت كتبه تلك، وهي تدور في فلك الفلسفات مغربا ومشرقا، تتوهج مصطلحاتها وحكمها بصور الكلام العالي ومفردات المجاز المفرط في شعريته لتقوده نحو "كتاب السلوان والمنجنيقات" و"ديلانو شقيق الورد" ليثبت أن فيلسوف الصحراء هو أيضا شاعر الوجع الأممي... بعد أن كسرته الدنيا مثلما يتكسر الطيران في بعض الأجنحة... مثل العطر، سال حبره من الفلسفة، "زهرة العصور ووردة المدن" إلى الشعر "زهرة الصحاري ووردة الرمل"... متأبطا بصيرة أبو العلاء المعري وطه حسين وابن خلدون وابن حزم... في دربه الفلسفي والشعري... فيلسوف الصحراء، شاعر الوجع الأممي هو الكاتب الحر سليم دولة الذي أعاد نشر "كتاب السلوان والمنجنيقات" إمعانا منه في "تكسير أجمل ما في الدنيا وفتح أختامها وتقبيل أصابعها عضا..."، وهو "مكتوب" مُرسل رأسا إلى سامي الأزهر دولة في ضريحه الوطني، والى "صدام حسين المجيد" في شرفة شهداء الحرية وهما يطلان على "المتوغلين في الاحتفال بسفك الدماء"... موقف سليم دولة السياسي نعثر عليه بكل وضوح في كتاب "السلوان والمنجنيقات" (2008) عندما يكتب: "هذا المكتوب المصمقُ/في حبالفقراء.../وكراهية الملوك والسلاطين والأمراء/ ومن في هذا السياق من أعداء الأمة..." غير أن هذا الموقف جعل من جسد الرجل وخطواته فريسةللبوليس والقوادين مثلما يصفهم هو، إذ أن سليم دولة كان دائما عرضة للضرب والملاحقة وافتكاك الحاسوب الشخصي حتى بلغ الأمر بالنظام السابق إلى إحراق منزله سنة 2008 وإتلاف جانب كبير من مكتبته، وهي التي سطا عليها "صحافي المحترم" في نظر التجمع المنحل... ولم يسلم المخطوط الشعري لسليم دولة (حين كنت حيا مررت قرب حياتي)... وكأن هذا النظام يؤكد قول سليم دولة أن "في المنتظمات الماقبل حضارية يزدهر التبذير المفرط للعنف... وتتنازع الشوارع صفتي" الكسموفاجية" (أكلة الكون) و"الأنتروبوفاجية" (أكلة الإنسان). ولأن احتياطي العداء المفرط لحرية المشي فوق الأرصفة الآهلة بالأرجل والأعين قد تضخم حتى تورم فصار ورما يوميا لا يترك سليما يتحرك في دولته... في شارعه... في مقهاه أو حانته...في مكتبته أو بيته... لم يجد بدا من تأبط شعارا مركزيا يرفعه دوما في وجه المعتدين:"أيها المحتفلون بسفك دمي، توغلوا في الاحتفال فأنا الباقي وأنتم إلى زوال."... وهو الشعار الذي أكده سليم دولة عندما قال "لقد خسروا كل ما نهبوا في العهد النوفمبري وربحت كل خسارتي فشكرا لعربة الخضار وصاحبها المتجول محمد البوعزيزي الذي غيّر بقدحة نار في جسده خارطة الخضراء". ومن هؤلاء المعتدين على سليم دولة، إلى جانب الأحذية العسكرية المتنكرة في الجلود المدنية، عدد من "مثقفي البلاط" المستبسلين في حرمان سليم دولة من أية دعوة للمشاركة في هذا الملتقى أو تلك الندوة، ومن بعض الصحفيين، كذاك الذي سرق مكتبة سليم دولة (6 آلاف كتاب باستثناء المجلات والدوريات الفرنسية)، وهي الحادثة التي لا يستطيع سليم دولة نسيانها إلى جانب تلك الحادثة الطريفة مع وزارة الثقافة في تسعينيات القرن الماضي، عندما منحته الوزارة جائزة قيمتها (500 دينار) ولم يتسلمها سليم دولة، واضطر لإرسال عدل تنفيذ للطعن في التصريح الوزاري بمنحه جائزة، وقد وقف آنذاك إلى جانبه السيد المهدي مبروك وزير الثقافة الحالي، وحتى وزارة التربية، لم يسلم سليم من اعتداءاتها عليه، وهي وزارته، فقد قطعت مصالحها راتبه الشهري طوال ثمانية أشهر... و"لأنه أندر من الكبريت الأحمر" ومن " أكثر الكائنات تمرسا بالألم " وفقا للمعجم النيتشوي فقد كان سليم دولة على جاهزية استثنائية لتحمل الخسارات الفادحة في نظر العامة وذوي القربى من أحفاد سقراط الموظف، ولأنه – مثلما كتب عنه صديقه الشاعر آدم فتحي- "الوحيد الذي يصاب في ماله وجسده فيفكر في تلاميذه لعلهم يتخلفون عن برنامجهم الدراسي...وفي كتابه الأحدث لعله لا يكون الأخير"... لان سليم دولة لا يهمه إلا الحبر، فقد كتب في نصه الشعري المطول بعنوان "كليمنسيا الجميلة التونسية، قادحة الصوان الكونية": "هن الجميلات التونسيات يُكسرن حبا من يريد كسرهن في المنعطفات" وله كتاب ثان يتهجى طريقه إلى احد المطابع بعنوان "الربيع الهش" وهو عبارة عن رسالة مطولة إلى محمود درويش تتضمن النصوص الفكرية والفلسفية التي كتبها سليم دولة في السنوات الأخيرة. ومثلما يصف نفسه، سليم دولة "متلاف للوثائق" لكثرة تنقله من منزل إلى آخر لأنه من فصيلة "دمراويين" (دون مقر رسمي) كانت منازله التي تنقل إليها مكرها في كل الأحيان، كانت متشابهة في اغلبها:غرفة واحدة ومطبخ صغير وبيت استحمام، أم أثاثه فلا تعثر فيه إلا على الضروريات من قبيل السرير والطاولة والكرسي وبعض أواني الطهي، وما عدا ذلك فالفضاء مدجج بالكتب والمجلات والصحف، وبمخطوطات الشعراء والروائيين وكتاب القصة الذين يتنافسون في الفوز بملاحظات سليم دولة على كتاباتهم، والمحظوظ منهم من يفتتح كتابه بمقدمة سليم دولة/ الكاتب الحر (هكذا يمضي كتاباته) مثل كتاب "تفاصيل" للشاعر محمد الصغير أولاد أحمد، وكتاب الشاعر الراحل جمال الدين حشاد والشاعر الراحل أيضا عبد الحفيظ المختومي وكذلك كتاب شكري الباصومي والمجموعة الشعرية الكاملة للشاعر السوري هادي دانيال وكتاب العراقي علي حبش، ورواية حكيم عبادة وكتاب أبو بكر العموري... وأسماء أخرى مازالت مخطوطاتها تنتظر توقيع سليم دولة/الكاتب الحر. هو ذا سليم دولة أتهم في عقله ودينه وديانته وسرقت كتبه ومكتبته ومع ذلك ظل شامخا في دولتك التي يسميها " لن "...

2013/02/28

"شرعية" الدكتاتورية تحتفي بحبر رجاء بن سلامة

لم تتوقف الدكتورة والباحثة رجاء بن سلامة عن تحريض التونسيين والتونسيات على الثورة من خلال كتاباتها، ولما تحققت الثورة في جانفي 2011 لم تنتظر سوى أياما معدودة لتعود من القاهرة إلى تونس على جناح الأمل في المساهمة في تحقيق أهداف الثورة بما ملكت من معرفة تسوقها لطلبتها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمنوبة أين عادت للتدريس، وبما ملكت من ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة تنشرها مع المدافعين عن مدنية تونس وحداثتها... عادت إلى تونس وهي تعرف أن "فتوى" إهدار دمها في انتظارها بساحة "الباساج" في قلب العاصمة، أين سيشنقها أوصياء الدين الجدد حتى تكون عبرة لمن شاطرها الرأي "وخطوة حميدة في استتباب دولة الخلافة النقية المجيدة"...عادت ولم تخشى أن تكون "شهيدة الحق الليبرالي" مثلما وصفها الدكتور شاكر النابلسي في مقال دافع فيه عن هذه "الدكتورة الزنديقة"... التقيتها مرتين في ذات الساحة، ساحة الباساج... كانت (حسب معجم الترويكا الحاكمة في تونس) "سافرة" كما عرفتها منذ 1997 لما درستني مادة الأدب القديم بكلية منوبة... وأذكر أنها لم تطردني من حصتها ذات مرة لما دخلت بقميص مفتوح الأزرار... وقفنا طويلا في ساحة الباساج. لم تكن خائفة بل معتدة بذاتها، متأنقة ودائمة الابتسام. تحدثنا عن الجامعة والثورة وما يتهددها من أسوار دوغمائية قد تنسف مبادئها التي اندلعت لأجلها وتطوق فائض الحرية الممكنة... وتواعدنا أن نلتقي في إحدى مسيرات الحريات، تلك التي باتت خبزنا اليومي في تونس. هي ذي الدكتورة والباحثة التونسية رجاء بن سلامة كما عرفتها مدججة بالعلم والمعرفة، لا تتحرك إلا في فلك فكر الاختلاف وفكر النقد والتحرر وهي المولودة في العقد الذي اهتز فيها النظام الديغولي بفضل فورة طلاب السربون الباريسية الذين قوضوا الهيبة الأبوية داخل العائلة وهيبة رأس المال داخل المصانع وهيبة الأستاذ داخل المدارس، ودكوا أركان البديهيات الثقافية والجنسية والنفسية... جاءت في الفترة التي بدأت تظهر فيها حركات تحرر المرأة في أوروبا وانهيار الأنظمة الشمولية... وولدت لما انفجر مرجل الكتابة بفكر الاختلاف مع بيار بورديو وجاك دريدا وميشال فوكو ورولان بارت وسيمون ديبوفوار... وغيرهم من الفلاسفة والكتاب الذين دكوا أسوار المدرسة البونابرتية... تقول رجاء "أنا ابنة فكر الاختلاف وامرأة حرة في عشقي وحبري"... بهذه الجملة تقنعك مؤلفة كتاب "نقد الثوابت" أن تاريخ الميلاد لا يهم، وإنما السياق الذي نولد فيه هو الذي ينحت طيننا ويرسم شكل خطواتنا... وإن كان للسياق التاريخي دور في رسم تفكير الدكتور رجاء، فلمكان ولادتها دور كذلك في نحت شخصيتها، فقد ولدت في مدينة القيروان بالوسط التونسي، مدينة عقبة ابن نافع وابن رشيق القيرواني والإمام سحنون والحصري وابن الجزار... ولدت في عائلة بن سلامة التي تذكر بعض كتب التاريخ أن جزء منها سافر مع عقبة ابن نافع في الفتوحات الإسلامية وسافر جزء ثان مع طارق ابن زياد إلى الجزائر والمغرب... مما جعل "فتوحات" رجاء بن سلامة في العلم والمعرفة لا تعترف بالحدود، فإلى جانب دكتورا الدولة (2001) حصلت سنة 2011 على الماجستير في التحليل النفسي من باريس... وهي التي ترجمت كتاب "الإسلام والتحليل النفسي" لشقيقها الدكتور فتحي بن سلامة منذ سنة 2008. هكذا تأتي هذه المرأة إلى الأرض وهي تدري ماذا تختار من ارثها الحضاري والثقافي، تختار أن تتدرب على التمرد لتشق أفقها التحرري بعد أن قتلت الموت، الذي غيب والدها، بين طيات منجزها النقدي "الموت وطقوسه من خلال صحيحي البخاري ومسلم" (1997) الكتاب الذي قاتلت فيه الموت وطقوسه الجنائزية بما ملكت من معاول انثروبولوجية ومعرفية بعيدا عن ثقافة الخوف والترهيب وعذاب القبر ... أليست الكتابة بطاقة حضور في وجه الموت؟ أليست طقسا من طقوس العبور إلى النص المفتوح؟ كالنص الذي تفتحه الدكتورة رجاء بن سلامة أمام طلبتها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمنوبة، وتعلمهم كيف يشيدون سماء أوسع من اللغة، ويرفعون أوتاد خيمتهم من الأدب والحضارة العربية والإنسانية، وكيف يتجرؤون على مداعبة أعواد الثقاب لإشعال الحرائق في بيادر المسلمات والبديهيات والحقائق الجامدة، غير أن هذا النص المفتوح وهذا المنهج المتحرر دفع ببعض الأصوليين والمتشددين إلى "تجنيد" بعض الطالبات، لكتابة شهادات ضد أستاذتهن لاتهامها بتهجمها على الإسلام والقرآن. تمرد الدكتورة رجاء بن سلامة لا يتوقف عند الحبر والورق، وهي التي ذهبت فيه شوطا متقدما من خلال مؤلفاتها التي تعد إضافة نوعية للمكتبة العربية الحديثة خاصة بكتبها "صمت البنيان" و"نقد الثوابت: آراء في العنف والتمييز والمصادرة" و"بنيان الفحولة" وبالمؤلفات التي قامت بترجمتها مثل كتاب "الشعرية" لتزفتان تودوروف ... في فلك الحب، الصيغة الممكنة للتأليف بين الدوافع الجنسية العمياء والقيم الإنسانية، تدور رجاء بن سلامة، وتغري كل من يقترب منها بالدوران في فلكها، بذات الحب... إن تكلمت أو كتبت، إن رددت جملة موسيقية أو رقصت في جلسة خاصة... حتى في غضبها تتأجج حبا لكأن غضبها هو حبرها أو كأنها تذكرنا دوما بأنها صاحبة "العشق والكتابة"، ذاك الكتاب الذي هتكت فيه أحجبة الحب الاخلاقوية وحفرت عميقا في أخاديد الخطاب العشقي المسور بالعذرية والصوفية والأبنية الأسطورية واللاهوتية... تمردها الحبري كان جسرا لعبورها نحو الممارسة الجمعياتية، فكانت من أوائل المنخرطات في الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، الجمعية التي أقضت مضجع النظام التونسي السابق، ثم كانت سنة 2007 من بين المؤسسات لرابطة العقلانيين العرب دعما للمشروع التنويري العربي وللفكر الحداثي والنقدي وأشرفت على مجلة "الأوان" الالكترونية، منبر الرابطة وفضائها الحر... وهي تنشط أيضا في جمعية "بيان الحريات بفرنسا" و"الجمعية الثقافية التونسية للدفاع عن اللائكية"... ونادرا ما تقع بين يديك عريضة تنديد أو عريضة مساندة لا تعثر فيها على توقيع رجاء بن سلامة كاتبة وباحثة (هكذا تُمضي) كما أن هتافاتها في المسيرات والتحركات الاحتجاجية المدافعة عن الحريات تنقر مسامعك من بعيد، فتغريك بأن تتوقف عند هذه الدكتورة التي تترك أريكتها الدافئة بمنزلها وتنزل للشارع مع البسطاء والفقراء لتواجه عصا البوليس وغازاته المسيلة للدموع... وهي التي تسيل الكثير من التعاليق "الفايسبوكية" بما تكتبه كل يوم على صفحتها المدججة بالأعداء قبل الأصدقاء... الدكتورة رجاء بن سلامة كائن افتراضي يعسر مجاراة نسق إبحاره على الشبكة العنكبوتية من خلال كتاباتها في موقع "الأوان" وخاصة على صفحتها بالموقع الاجتماعي الفايسبوك، حتى أنك تشك بأنها تقاسم "مارك جوكر بيرج" ملكية هذا الموقع الذي اخترعه سنة 2004، فرجاء موجودة في كل الأوقات كتابة وتعليقا ونقاشا ونشر مقاطع الفيديو والصور... ولكن هل تقاسم فعلا مخترع الفايسبوك شهرته وثروته أم أنها تواصل درب النقد والحرية والثورة الفكرية على ضفة أخرى؟ "نستعمل الفايسبوك كوسيلة اتصال ولا نتركه يستعملنا كوسيلة إعلام مشوهة ولا مسؤولة"، هكذا تتعامل رجاء مع هذا المارد الأزرق، ومن يدخل صفحتها على الفايسبوك سيعرف أن هذه المرأة جُبلت على المواجهات وولدت من رحم المعارك الفكرية، وخاصة تلك المعارك الذكورية والعقدية التي تتمركز حول ذاتها وتنفي من خالفها، وهي لذلك تكتب عن الجهل المقدس وعن رجال الدين المقنعين وعن الخطر السلفي وتدعو إلى مأسسة الثورة التونسية ومقاومة المسامير الصدئة وتذكر متصفحيها بأنه لا ثورة من دون فكر ثائر... وتكتب وتكتب... وتكتب رجاء بن سلامة كثيرا "عن كل القوى اللاديمقراطية، وعن كل من يهدد الحلم الديمقراطي"... وتحرض على مقاومة الخوف والتردد لدى الخائفين أو الراغبين في "فنتازم" السيناريو الجزائري... لان كل الكتابات عندها محترمة سوى تلك الكتابة الجاهلة، وأن كل كاتب محترم ما عدا ذاك الذي يريد أن يفتك مكان الله. من بين ما كتبته الدكتورة رجاء بن سلامة على جدارها الفايسبوكي:"حكومة تكره الحياة وتحبّ الموت والخراب... لا خير في حكومة تعتدي بالغاز والمتراك على شبّان يريدون الرّقص في الشّارع، وتترك المخرّبين والمرضى يعتدون على النّاس وعلى الممتلكات والمعالم الأثريّة. حكومة تانتوس لا يمكن أن توقف عجلة الحياة وحبّ الحياة. تحيّاتي للشباب المتمرّد على الجهل المقدّس بالفنّ والإبداع. تحيّاتي لراقصي "هرلام شارك". مساندتي التامة لكلّ التّلاميذ ضدّ السّلطات الغبيّة". لأن الدكتورة رجاء بن سلامة من هذه الطينة وأكثر، كان لابد لها في هذا الزمن الأعور أن تمر من أروقة المحاكم أين مثُلَت يوم الخميس 28 فيفري 2013 أمام قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بالعاصمة للاستماع إلى أقوالها في القضية التي رفعها ضدّها المقرر العام للدستور الحبيب خذر بعد أن عبرت عن رأيها بخصوص الفصل 26 من الدستور المتعلق بالحريات الذي أصبح قاتلا لها... وشبهت ما قام به النائب المذكور مجازا "خيانة مؤتمن" خاصة أن هذا الفصل كان محل توافق في اللجنة التأسيسية للحقوق والحريات في الصياغة الأولى للفصل... هي ذي الحريات التي سال من أجلها دم الشبان والشابات... ولم ننتظرها تنزل من درج الطائرات القادمة من لندن وباريس وجنيف والدوحة... هي ذي الحريات في مهب الالتفاف والقيود...

2013/02/21

من الخيار الشخصي إلى الحزبي قد يضيع الخيار الوطني

قدم السيد حمادي الجبالي رئيس الحكومة المؤقتة استقالته (خيار شخصي) إلى السيد محمد المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت، دون تقييم جدي وواضح لأسباب "فشل" أعمال حكومته طيلة فترة عملها، ولئن تم حصر أسباب الاستقالة في فشل (أو إفشال) مبادرة السيد حمادي الجبالي حول تكوين حكومة كفاءات وطنية غير متحزبة، فان الطبقة السياسية اليوم تحصر اهتمامها بالحكومة القادمة في أسماء المرشحين لرئاسة هذه الحكومة، وبدا جليا أن الأحزاب الموجودة خارج الحكم تقدم مواقفها من منصب رئاسة الحكومة استنادا إلى "تصريحات" رئيس حركة النهضة وبعض القياديين في هذا الحزب (خيار حزبي)، فبعد الإصرار على إجهاض مبادرة تشكيل حكومة كفاءات وطنية و"إقالة" السيد حمادي الجبالي، تردد اسمه لتولي ذات المنصب مجددا بشدة، وهو ما باركه اغلب الطيف السياسي ودافع عنه، غير أنه وبمجرد أن عدلت حركة النهضة عن أمين عام حزبها رئيسا للحكومة المؤقتة الجديدة، وبدأت تروج لقائمة اسمية محتملة لرئاسة الحكومة، عادت الطبقة السياسية من جديد إلى مناقشة أهلية المرشحين الجدد لينحصر النقاش مجددا في مربع الأسماء والمحاصصة وتهميش الآليات الكفيلة بإنجاح عمل الحكومة المؤقتة المرتقبة... وما قد يزيد الوضع تأزما ويدفع بالبلاد مجددا إلى حافة المجهول هو "خيار" الإقصاء الذي أعلنت عنه حركة النهضة بصريح العبارة لحركة نداء تونس (بعد الجلوس إليها في المفاوضات) إلى جانب ضبابية الموقف من وزارات السيادة (الداخلية والخارجية والعدل والمالية)... وهو ما جعل بعض الأحزاب السياسية "ذات الوزن" تفضل دعم الحكومة الجديدة دون أن تشارك فيها. أمام كل هذه المؤشرات السلبية وغيرها، نلمس وضوح وواقعية موقف الاتحاد العام التونسي للشغل وهو الذي عبر عنه رفقة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين بتونس في رسالة سابقة أرسلها إلى رئاسة الحكومة تضمنت مفاتيح موضوعية للخروج من الأزمة (حياد الإدارة، حل المليشيات والرابطات، تقليص عدد الوزراء، تحديد موعد الانتخابات، انتخاب الهيئات التعديلية، تحييد المساجد، دفع الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد ومعالجة الوضع الاجتماعي...) كما نتفهم موقف السيدة وداد بوشماوي رئيسة منظمة الأعراف، عندما تعبر عن "عجزها" توجيه رسالة طمأنة للمستثمرين سواء الوطنيين أو الأجانب. قد يكون الحل الأسلم أيضا للخروج من هذا المأزق الذي قد يطول، قد يكون بيد السيد محمد المنصف المرزوقي الرئيس المؤقت للجمهورية، فمن صلاحياته أن يقوم بتعيين الشخصية "الأقدر" على تحمل المسؤولية، وهذا التعيين مثلما اتفق على ذلك أساتذة القانون الدستوري، يمكن أن يكون شخصية وطنية لا تنتمي لا إلى الترويكا ولا إلى المجلس الوطني التأسيسي... وحتى لا نخرج من حلقة مفرغة لندخل في حلقة ثانية مفرغة أيضا ستكون نتائجها كارثية على البلاد، وحتى لا يتحول المأزق من السياسي إلى الشعبي والأمني، يتوجب على الفاعلين السياسيين، التوافق حول حكومة تلتزم بتسيير أعمال الشعب التونسي، لا حزب بعينه أو توجه مخصوص، ويتوجب عليهم أيضا الاقتناع التام بأن دور التشكيلة الحكومية المرتقبة هو تصريف الأعمال لا أكثر ولا أقل وتأمين فترة الانتهاء من صياغة الدستور الجديد والتوجه إلى صندوق الاقتراع مجددا، وساعتها فليتنافس المتنافسون.

الإقالة القسرية و"الكاستينغ" الوزاري

"الإقالة القسرية" التي اُجبر عليها السيد حمادي الجبالي رئيس الحكومة المؤقتة، من طرف حزبه بعد عملية ربح الوقت وإثارة بعض المسائل الهامشية في مرحلة أولى دامت أكثر من سبعة أشهر، ثم بعد عملية لي الذراع التي استمات فيها حزب الجبالي ذاته خاصة بعد اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد يوم 6 فيفري، هذه "الإقالة" كانت منتظرة، وكانت كل المؤشرات تدفع نحو هذا المأزق الذي دُفع إليه الشعب التونسي دفعا... واعتقد أن من أهم أسباب "توريط" الشعب التونسي في هذا المأزق، هو إصرار الترويكا على ضرب السلطة الأصلية ممثلة في المجلس الوطني التأسيسي من جهة، ومن جهة ثانية الإصرار المستميت على تقديم "جيش" الوزراء والمستشارين وكتاب الدولة... سلطة شرعية وحكومة دائمة ضاربين بذلك مفهوم "حكومة تصريف الأعمال" ولم يكن رئيس الحكومة المؤقتة بمنأى عن هذا الخلط المتعمد للأدوار... فهو المسؤول الأول عما تردت إليه تشكيلته الوزارية... قد يكون بصيص الأمل في وفاق محتمل، السبب المباشر في تأخير الإعلان عن هذه الإقالة القسرية، ولكن الثابت أن "هاجس" تقدير موازين القوى السياسية والحزبية بين من في الحكومة ومن خارجها هو السبب الحقيقي الذي حرك كل التفاصيل الحافة بعملية التحوير الوزاري...بدءا ثم تشكيل حكومة جديدة منتهى... ولعل الاستعراضات الشعبوية التي أتاها "سدنة" الشرعية في الشوارع وفي المنابر الإعلامية خير دليل على الاستهتار التام بمستقبل الدولة التونسية وعلى استبطان مفهوم الدولة/الحزب... ولعل خير دليل على استبطان الاستبداد إصرار الفريق الحكومي على نجاح دوره رغم الإقرار الواضح بالفشل من قبل رئيس الحكومة المؤقتة... حتى أن وزير الخارجية مازال يلوك "حكمته" القائلة "نحن أفضل حكومة في تاريخ تونس"؟ وفي انتظار تكوين حكومة مؤقتة جديدة والتي لن تخرج عن المحاصصة الحزبية وان تغلفت بغلاف تقني وإداري، فإن "الكاستينغ" الوزاري المرتقب سيكون على أشده خاصة بعد أن "توضحت" نوعا ما مسافات الابتعاد والاقتراب لدى الأحزاب المتهافتة أو المتوجسة من حزب "مونبليزير"... هذا الحزب الذي تمكن من دواليب الدولة وانتشر في مفاصلها بما يضمن له إعادة تكرير الحزب الواحد الأوحد... ولن يكون مدخله غير مدخل الحزب السابق... متراك البوليس ومصادح التطبيل والتهليل... وملامح الحكومة المرتقبة تظهر للعيان من خلال السرعة القصوى المُعلن عنه من "مونبليزير" مما يعني أنها جاهزة منذ مدة، وجهازيتها لن تمنع تأخرها عن العمل فالاقتراحات ستكون عديدة والنقاشات ستطول أما الطعونات فستكون محتدمة وعلى أشدها خاصة أن الأسماء المرشحة من مونبليزير تثير أكثر من نقطة استفهام، فعلي العريض شهدت فترته اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وانخراما امنيا لا مثيل له، أما محمد بن سالم فهو من الوزراء الذين لم يعلنوا عن ممتلكاتهم إلى حد الآن فضلا عن سمة التوتر الغالبة على سلوكاته ومواقفه، ولا ننسى موقفه الغريب المستهجن من الزيادة في أجور الشغالين لتغطية جزءا من تدهور قدرتهم الشرائية، في حين يبقى عبد اللطيف المكي "أخطر" المرشحين لمَ عرف عنه من تشبث حزبي شديد وهو ما يتنافى مع مقتضيات منصب رئيس حكومة ولا يمكن تجاهل وهو الذي كان يرفع شعار فصل الحزب عن الدولة زمن تعليمه الجامعي. المؤلم في كل السيناريوهات المرتقبة، والتي لن تختلف عن سابقاتها، هو تضاعف حجم "الإهانة" التي تلحق بالشعب التونسي وبالدماء التي لا نخالها زورقا آمنا لعبور زمن طويل من "الحقرة"... وللابتعاد عن الإفراط في التشاؤم، سنبحث عن بعض العزاء في "تفاؤل مؤقت" نُسند به "بقايا" حلم الانتقال الديمقراطي، حينما "نصدق" أن الفريق الحكومي القادم "سيلتزم" بمبدأ تصريف الأعمال الحكومية إلى حدود إجراء الانتخابات القادمة... وحينما "نُصدق" انصراف أعضاء المجلس الوطني التأسيسي إلى إنهاء صياغة الدستور، وحينما "نُصدق" السعي الجدي إلى تركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات ومراجعة ضبابية المعايير المعتمدة في تعيين أعضائها. وقد يتعزز منسوب التفاؤل حينما يتم الرجوع عن التعيينات الحزبية التي فاقت 1200 في كل الإدارات وبخاصة في سلك الولاة والمعتمدين والمديرين العامين للمؤسسات الوطنية، وعندما يتم الإعلان عن حل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات البربرية المنظمة للعنف. وقبل هذا وذاك كشف حقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد لأنه المفتاح الحقيقي لمعرفة اتجاه مستقبل تونس.

2013/02/14

من سياسة التعليمات الى الامن الجمهوري: المؤسسة الأمنية في مفترق الطرق

ناجي الخشناوي تقف اليوم المؤسسة الأمنية التونسية في مفترق طرق حاد، وما من خيار أمام أعوانها وموظفيها وهياكلها سوى المضي قدما نحو تأسيس أمن جمهوري يكون منسجما مع روح الثورة التونسية ويتخلص تدريجيا من إرث سياسي جعل هذه المؤسسة أداة قمع وردع دون سواهما، مما عمق هوة التجافي بين المواطن ورجل الأمن وجعل العلاقة بينهما علاقة تصادم لا تواصل، ورغم إصرار جزء كبير من منظوريها على تحييد مؤسستهم وجعل الأمن التونسي جمهوريا، فإن عديد المعوقات والعراقيل تحول دون هذا الهدف. يد القمع في المهد اتسمت العلاقة بين المؤسسة الأمنية والمواطنين في بدايات الحكم البورقيبي، منذ أن تم بعث قوات الأمن الداخلي يوم 18 أفريل 1956 بما يمكن تسميته "بالشراكة" باعتبار أن تلك الفترة كانت فترة بناء الدولة الحديثة، ولئن آمن بورقيبة بالديمقراطية فكرا، فإنه فشل في تطبيقها على أرض الواقع، فشرع في تطويع المؤسسة الأمنية وتحويلها تدريجيا إلى أداة للقمع والردع يستعملها ضد خصومه السياسيين والنقابيين والطلبة إلى أن طالت يد القمع كل فئات الشعب التونسي خاصة في بعض الأحداث المفصلية مثل 26 جانفي 78 وأحداث الخبز سنة 1984... تخمة القمع والجدار العازل مع انقلاب السابع من نوفمبر، لم تكن المؤسسة الأمنية بمنأى عن طبيعة المسار الانقلابي لبن علي، حيث كان لها الدور الرئيسي في الفترة الممتدة من 87 إلى 90، أو ما سمي آنذاك، فترة الوفاق الوطني، لتنغمس بعد ذلك المؤسسة في سياسة القمع الممنهج من خلال الملاحقات والمداهمات والاعتقالات والتنكيل بمختلف أطياف المعارضة من اليساريين والإسلاميين والنقابيين والطلبة، وكان بن علي يضرب بيد من حديد بواسطة وزارة الداخلية التي كانت قائمة على ما يسمى "منظومة التعليمات" فساهمت في إرساء ديكتاتورية مكّنت السّلطة الأمنيّة من التّسلّط عبر منح رجال الأمن حصانة تفلتهم من العقاب إن خالفوا القانون، ليرتفع بذلك جدار "عازل" بين رجل الأمن من جهة والمواطن من جهة ثانية، وتنحصر علاقتهما بين الإذلال والابتزاز والتسلط والترهيب من جهة رجل الأمن، والحقد والكره والخوف و"الاهانة" من جهة المواطن، ولم يشترك الأمن والمواطن سوى في الفقر والتهميش والحرمان، وربما لذلك كانت المواجهات على أشدها بينهما خاصة في انتفاضة الحوض المنجمي وما تلاها من انتفاضات جهوية ومحلية إلى أن بلغنا يوم 14 جانفي... الجسر الهش... رغم أن جزءا كبيرا من المؤسسة الأمنية لعب دورا رئيسيا لإجهاض وإفشال ثورة التونسيين تنفيذا للتعليمات أو حفاظا على وهم "هيبتهم التسلطية"، فان الجزء الأكبر والاهم انحاز إلى مطالب الشعب، وإن بنوع من التردد والخوف، وساهم من موقعه في إنجاح الثورة التونسية مما خلق جسرا جديدا بين رجل الأمن والمواطن، ولئن كان هذا الجسر هشا بسب "العداء" التاريخي المفرط بين "الشقين" فإن الخطوات الأولى التي تدفع نحو تصليب وتمتين العلاقة بين الأمن والمواطن، هي الأخرى لم تكن بمعزل عن محاولات الإفشال والإرباك والوأد قبل الولادة. الخطوات الأولى... مثلما منحت الثورة التونسية هامشا كبيرا للمواطن في التحرر خاصة على مستوى حرية التعبير وإبداء الرأي والتنظم، فقد منحت الثورة جزءا كبيرا من أعوان الأمن الجرأة والشجاعة لتمزيق جبة الاستبداد والقمع للنأي بمؤسستهم عن التجاذبات السياسية والحزبية وتحقيق ما حرموا منه طيلة عقود من الزمن خاصة على المستويين المادي والتشريعي، فتأسست النقابة الوطنية لقوٌات الأمن الداخلي يوم 3 جوان 2011 ثم تلاها تأسيس الاتحاد الوطني لنقابات الأمن التونسي ليتحدا في مرحلة لاحقة صلب هيكل نقابي واحد هو "نقابة الأمن الجمهوري" التي تأتي تركيزا لمفهوم الأمن الجمهوري وبناء مؤسسة أمنية تنأى بنفسها عن كل التجاذبات السياسية شعارها الولاء للعلم فقط. وكان يوم 19 نوفمبر 2012 يوما تاريخيا بالنسبة للأمنيين عندما كانت لهم جلسة استماع أمام نواب المجلس الوطني التأسيسي من أجل دسترة المؤسسة الأمنية والتنصيص على حيادية المؤسسة الأمنية في باب المبادئ العامة للدستور الجديد... غير أن الجلسة رُفعت والمسودة الأولى والثانية للدستور لم تتضمن هذا المطلب المصيري... ولذلك كان اجتماع الأمنيين نوعيا يوم 26 جانفي 2013 بقصر المؤتمرات بتونس العاصمة... من حيث العدد (أكثر من 5000 مشارك)، ومن حيث الرسائل الموجهة إلى سلطة الإشراف والى كافة مكونات المجتمع المدني والسياسي، وقد اعتبر الأمنيون أن اجتماعهم آنذاك اجتماع التحدي لكل من تسول له نفسه المس من العمل النقابي لقوات الأمن. وقد شبه الأمنيون أنفسهم بالماء لا لون ولا طعم ولا رائحة لهم ولكنهم ضرورة لهذه البلاد. رفض نقابة الأمن... عادة ما يكون العمل النقابي محل رفض قطعي من قبل "الأعراف"، باعتبار أن النقابة، في نظرهم، ستضر بمصالحهم وقد تضرب نفوذهم وسيطرتهم، وهو ما يحصل مع النقابات الناشئة بعد الثورة صلب المؤسسة الأمنية، حيث تم التشكيك في "نزاهة" هذه الهياكل النقابية باعتبارها وليدة فترة حكم الباجي قائد السبسي، وبعد اتهامها بتسييس المطالب المهنية، وحصر مطالبها في إقالة السيد علي العريض وزير الداخلية وهو ما صرح به عبد الفتاح مورو عن حركة النهضة، كما اعتبر لطفي زيتون أن النقابة انحراف عن العمل الأمني معتبرا انه ليس من حق الامنيين بعث نقابة خاصة بهم، غير أن وزير الإشراف السيد علي العريض، يفاجئ منظوريه والشعب التونسي برمته عندما خرج على الموقع الاجتماعي الفايسبوك وقال في شريط فيديو مسجل نشرته وزارة الداخلية على صفحتها الرسمية "خرجت مجموعة وبدأت توتر الوضع وتضرب مصداقية الأمن وتمس بسمعة الأمن وناموسه". وأضاف أن "بعض النقابات لها حسابات حزبية وسياسية وأقامت علاقات مع أحزاب سياسية وأطراف أجنبية" متهماً إياها بـ"خدمة أجندات ليس لها أي صلة بالأمن". وفي نفس السياق اتهم داعية سلفي محسوب على حزب "النهضة" نقابات الأمن بـاقتراف جريمة ما أسماه "الخيانة العظمى".، كما تمت قرصنة الموقع الرسمي للاتحاد الوطني لنقابات الأمن التونسي على الانترنت... إرباك الأمن من غياب الإرادة السياسية... عُرفت المؤسسة الأمنية منذ عقود بصرامتها في إماطة اللثام في جل القضايا والجرائم، ورغم حالات الانفلات التي عاشتها البلاد في أكثر من فترة إلا أن هذه المؤسسة حافظت على الأمن والاستقرار العامين للمواطنين وللمنشآت والمؤسسات في البلاد، وقد يعود هذا الجهد إلى قدرة هذه المؤسسة على استيعاب مهمتها الحقيقية، غير أن عديد الحوادث التي هزت البلاد خاصة في الفترة الأخيرة، والتي "فشلت" فيها أجهزة الأمن في لعب دورها المعتاد، يطرح أكثر من سؤال حول ما يمكن تسميته "الاختراق" السياسي للجهاز الأمني، ومحاولة إضعافه وتركيعه، ولعل حادثة الهجوم على السفارة الأمريكية خير دليل على حالة الارتباك في التصدي للمجموعات التي هاجمت مقر السفارة وهو ارتباك يعود أساسا إلى تداخل "التعليمات" والقرارات بشان الحسم في حماية السفارة، ويعود أيضا إلى ما أشار إليه عدة نواب في المجلس الوطني التأسيسي حول تعيين كوادر أمنية وفقا للولاءات الحزبية لا للكفاءات المهنية. ويتجلى "تسييس" المؤسسة الأمنية بشكل واضح في التعامل "السلس" مع السلفيين الجهاديين الذين استعملوا السلاح سواء في القصرين أو في جندوبة أو في بئر علي بن خليفة... كما أن دور رجال الأمن في حماية الاجتماعات الحزبية باتت تطرح أكثر من سؤال، فأغلب تحركات المعارضة تشهد أعمال عنف وشغب لمجموعات منحرفة ولم تسلم المقرات الأمنية وأجهزتهم من الاعتداءات الممنهجة في كل مرة، في حين لم تشهد تحركات أحزاب الترويكا الثلاثة أية حادثة تقريبا. كما أن تكرر الاعتداء على زوايا الأولياء الصالحين والتي فاقت الأربعين اعتداء لم يتم العثور إلى حد الآن على الجناة أو مقترفي هذه الفعلة الشنيعة... إلى جانب الاعتداءات المتكررة على الإعلاميين وهي كلها موثقة بالصورة والصوت... وطبعا الاعتداء الممنهج والهمجي على مقر الاتحاد العام التونسي للشغل يوم الاحتفال بذكرى الشهيد الوطني فرحات حشاد... وظلت وحدها مونبليزير المنطقة الآمنة من كل اعتداء... "الأمن الموازي"... نقلت عدة تقارير صحفية بالصورة والصوت، وجود مجموعات غير أمنية في أكثر من جهة من جهات البلاد تقوم مقام الأمنيين ولهم "قادة" يرجعون إليهم في "مهماتهم" التي تنازع وزارة الداخلية في صلاحياتها الأساسية وهي إحلال الأمن بين المواطنين وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وقد سبق أن شاهدنا في بعض القنوات التلفزية وجود عدد من "المليشيات" التي رافقت رجال الأمن خاصة في أحداث 9 أفريل وهي الأحداث التي مازالت قيد البحث... إلى جانب ما بات يُعرف بالشرطة الدينية، وهي التي تجد لها سندا ومرجعا في خطب الأيمة والدعاة المتشددين، إلى جانب الدور المشبوه لمَ يسمى رابطات حماية الثورة، والتي تجد كل الحماية من طرف الأحزاب الحاكمة ومن رئاسة الجمهورية... هذا فضلا عن المجموعات التي تتدرب على فنون القتال في الجبال وعلى الحدود، وكل هذه المظاهر لم تجد من وزارة الداخلية سوى بيانات التكذيب والتصريحات المتشابهة حول عدم وجود مثل هذه المجموعات وان وجدت فان تحقيقا سيُفتح في شانها، والى الآن لم نسمع بنتيجة تحقيق واحد في هذا السياق... كما أن بعض المصادر تشير إلى أن "أنصار الشريعة" لها 213 جمعية خيرية موزعة على كل ولايات الجمهورية تقدر نسبة تعاملاتها المالية 3مليارات و826 مليون دينار... وأن حركة النهضة لها189 جمعية خيرية واجتماعية تقدر معاملاتها المالية ب4.2 مليار من المليمات... ولحزب التحرير87 جمعية خيرية وطبية تقدر معاملاتها المالية ب1.9مليار من المليمات، وتنتشر هاته الجمعيات في الأماكن الأكثر فقرا والأكثر تهميشا وتستحوذ على الأسواق الأسبوعية بنسبة 69 في المائة وإعطاء مساعدات مالية للعديد من المفقرين لإقامة أماكن لبيع الخضر والغلال وغيرها. اغتيال شكري بالعيد المنعرج... قد يكون يوم 6 فيفري 2013 تاريخا فاصلا بين ما قبله وما بعده، باعتبار أن اغتيال المناضل الوطني شكري بالعيد أمين عام حركة الوطنيين الديمقراطيين هي حادثة سياسية بالأساس أكدت أن الانفراد بالحكم والتأسيس للدكتاتورية من جديد هي السمة الأكثر وضوحا منذ انتخابات 23 أكتوبر، وهي أيضا الحادثة التي قوضت ما تبقى من ثقة أغلبية التونسيين خاصة في وزارتي الداخلية والعدل، فالأولى أصابها الارتباك في أداء مهمتها والثانية جعلت من التساهل والتباطؤ سمة مهمتها، ويبدو أن تسارع الأحداث والمستجدات منذ اغتيال الشهيد شكري بالعيد تؤكد أن هاتين الوزارتين هما بصدد "الانحدار" لصالح الحزب الحاكم خاصة بعد الاستدعاء السريع للصحفي زياد الهاني اثر تصريحه التلفزي بتورط بعض كوادر وزارة الداخلية في تدبير عملية اغتيال الشهيد شكري بالعيد إلى جانب عدد آخر من الإعلاميين والسياسيين... غير أن اغتيال الشهيد شكري بالعيد فتح الباب على مصراعيه للضاربين عرض الحائط بمقومات الدولة المدنية التونسية ومنها أساسا الأمن الجمهوري، حيث تتالت رسائل التهديد بالقتل لتضم الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل وعددا من الصحافيين وعددا اكبر من السياسيين، وحلقة التهديد تبلغ مداها بسبب الإصرار على "تسييس" وزارة الداخلية ووزارة العدل وتحويلهما مجددا إلى أداة من حديد لضرب كل من يخالف الرأي للترويكا وتحديدا لحزب حركة النهضة. وربما دعوة أحد المسؤولين النقابيين بالاتحاد الوطني لنقابات الأمن التونسي، بالكف عما أسماه "المتاجرة" بدم الشهيد لطفي الزار، عون الأمن الذي مات أثناء الأحداث المتصلة باغتيال الشهيد شكري بالعيد، لعلها خير دليل على محاولات تسييس المؤسسة الأمنية، خاصة أن ما يلقاه الشهيد لطفي الزار اليوم لم يحظ به عدد من رجال الأمن الذين استشهدوا سابقا خاصة في مواجهاتهم مع السلفيين. رسالة الاغتيال... الرصاصات الغادرة والآثمة التي طالت جسد الشهيد شكري بالعيد، هي الرصاصات التي تم إطلاقها بشكل مكثف منذ الإعلان عن نتائج انتخابات 23 أكتوبر، وهي رصاصات إسكات كل الأصوات المنادية بالحرية وبالديمقراطية ومنها الصوت الأكثر ارتفاعا، صوت فقيد الحرية شكري بالعيد، وهذه السياسية هي استنساخ مشوه وقذر لمَ حصل في الجزائر سنوات الجمر عندما تم تخيير السياسيين والإعلاميين والمفكرين والمبدعين والحقوقيين بين الصمت أو الاغتيال، ولئن وجدت الأطراف الملتفة على أهداف الثورة إصرارا كبيرا من الطبقة السياسية ومن شق كبير من الإعلاميين ومن الحقوقيين والنقابيين، وعدد لا بأس به من المثقفين، رفضا للمشروع الاستبدادي الجديد، فان "الأمل" في تركيع كل مخالف للرأي وكل خارج عن السرب مازال قائما وساري المفعول حتى بعد إهدار دم شكري بالعيد، وهذا "الأمل" يستمد "قوته" من الشق الأمني الذي اختار مواصلة العمل بالتعليمات ولم يتنازل بعد عن جبة القمع والتسلط... ولعل في تصريح رئيس الحكومة السيد حمادي الجبالي لصحيفة "لوموند" الفرنسية الذي قال فيه:"هنالك جهاز كامل وراء عملية اغتيال شكري بالعيد وهذا الجهاز له استراتيجية. هذا حقا اغتيال سياسي، انتظروا حقائق خطيرة جداً" لعل في هذا التصريح الكثير من الدلالات والمعاني... مقومات الأمن الجمهوري • ضرورة التخلي عن القانون الأساسي الحالي الذي حكم به بن علي ودجن السلطة الأمنية من إطارات وقياديين وأعوان أمنيين. • على السلطة السياسية الحالية التفاعل إيجابيا مع مطالب الهياكل النقابية المنتخبة باعتبارها مكسبا "ثوريا" للأسرة الأمنية وضمانا للأمن الجمهوري وحماية لقوات الأمن التونسي. • العمل مع نقابات الأمن التونسي لضمان عملية إصلاح ناجعة وفعالة حماية لحقوق المواطنين والأمنيين على حد السواء. • الكف عن ممارسة الضغط وسياسة الترهيب الممنهجة عن طريق النقل التعسفية والإيقاف عن العمل لعدة شهور.... معوقات تأسيس امن جمهوري • وجود ما يُقارب 1200 نص قانوني غير معلن لأهل الاختصاص ثلاثة أرباع هذه النصوص تعنى بالجانب الردعي في حين أن 0,04 من هذه النصوص تعنى بالجانب الصحي والاجتماعي. • وقعت وزارة الدّاخليّة اتّفاقيّة تعاون مع مركز جنيف للمراقبة الدّيمقراطية للقوّات المسلّحة، تنصّ على مساعدة المركز لوزارة الدّاخليّة على إصلاح المنظومة الأمنيّة، غير أن هذه الاتفاقية لا تزال ، حسب عديد الملاحظين، مجرّد حبر على ورق. • الاحتفاظ بعدد هام من رموز النّظام الأمني السّابق ببعض مواقعهم في الدّاخلية، وعدم تغيّر العقليّة الأمنيّة، وهي المهمة الأكثر عسرا باعتبارها تتطلب مدة من الزمن طويلة. • استمرار "منظومة التّعليمات" رغم تعهّد وزير الدّاخليّة علي لعريض، في خطابه بمناسبة حفل اختتام السّنة التكوينيّة لمُختلف المدارس الأمنيّة لسنة 2011-2012، بالشروع في إصلاح المنظومة الأمنيّة. • استمرار العمل بالقانون عدد 70 لسنة 1982 المؤرخ في 6 أوت 1982 والذي يتعلق بضبط القانون الأساسي العام لقوات الأمن الداخلي الذي ينص على أن أعوان الأمن ملزمون بتطبيق تعليمات رئيس الجمهورية. • استمرار العمل بالقانون عدد 4 لسنة 1969 الذي ينصص على تحديد المسؤولية الجزائية لمن يستعمل الذخيرة الحية. • هشاشة القوانين التي تحمي رجل الأمن عند أداء مهامه ومنها منحة الخطر المرصودة لهم التي لا تتجاوز 20 دينارا في الشهر. • غياب قانون حول حوادث الشغل والسلامة المهنية خاص بالأمن بمختلف أسلاكه. • تدخل وزير الداخلية في العمل الميداني في حين أن دوره الرقابة ووضع البرامج السياسية. • تأخر المراجعة العميقة للقوانين التي تخص الانتداب والتكوين والترقيات والمنح ومراجعة نظام النقل باعتبار اغلبها "تعسفية" وتؤثر على استقرار ووحدة عائلة الأمني. • غياب قانون ينظم العقوبات للأمنيين على غرار مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية.

من ضيق الحكومة إلى أفق الحَوكَمَة

غلبت السمة الميكيافلية على المشهد السياسي منذ انتخابات 23 أكتوبر 2011، وانتفت كل القواعد الأخلاقية الممكنة بين الفرقاء السياسيين، مما جعل باب الصراع مفتوحا بشكل معلن بين الأطراف الحكومية من جهة والأطراف المعارضة من جهة ثانية، وبشكل خفي فيما بين أحزاب الترويكا نفسها، فتدحرجت استحقاقات الثورة التونسية من حرية وكرامة وعدالة اجتماعية إلى أسفل سلم الأولويات، وظلت الغايات السياسية طافحة على سطح المشهد، حتى كان اغتيال الشهيد المناضل شكري بالعيد صبيحة 6 فيفري 2013 المنعرج الحاسم ـ إلى حد ما ـ للقطع مع الميكيافيلية المقيتة والتوجه نحو رؤية سياسية تقترب أكثر من المطالب الشعبية وتنأى عن الطموحات الحزبية... وتنتقل من الحكومة الضيقة إلى الحكم الواسع...لاستعادة الثقة الشعبية... ولئن وجدت "مبادرة" رئيس الحكومة المؤقتة، السيد حمادي الجبالي بتشكيل حكومة تكنوقراط (وهو مفهوم يعود إلى المفكر الاشتراكي الفرنسي سان سيمون الذي تنبأ بقيام مجتمع يحكمه العلماء والمهندسون) لئن وجدت الصدى الطيب والحسن لدى اغلب مكونات المجتمعين السياسي والمدني إضافة إلى القاعدة الشعبية العريضة التي ساندت مبادرة تشكيل حكومة كفاءات وطنية، وبغض النظر عن الموقف المتردد لحزب رئيس الحكومة، فإن تأمين نجاح هذه الحكومة في مهمتها الأساسية المتمثلة في تصريف شؤون البلاد إلى حدود إجراء الانتخابات المقبلة، مرهون بالأساس بجملة من التوصيات التوافقية التي وردت في جواب كل من الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، على مراسلة السيد حمادي الجبالي رئيس الحكومة المؤقت حول تشكيل حكومة الكفاءات الوطنية، وهذه النقاط تتمثل في: ـ حكومة محدودة العدد لا يتحمل أعضاؤها مسؤوليات حزبية ولا يترشحون للانتخابات القادمة رئاسية كانت أم تشريعية، وان يكون لأعضائها الصلاحيات الكافية وقوة المبادرة. ـ الرجوع عن التعيينات الحزبية التي فاقت 1200 وتشكيل لجنة عليا للتشاور حول التعيينات الجديدة وفق مقاييس موضوعية. ـ حل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات المنظمة التي تنشر ثقافة الكراهية والضغينة والعنف تجسيدا لمبدأ احتكار الدولة وحدها مسؤولية الأمن وحماية الحريات العامة والخاصة. ـ الإسراع بكشف حقيقة كل أحداث العنف وحقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وتقديم الجناة ومن يقف وراءهم إلى العدالة. ـ تحييد المساجد والنأي بها عن الصراعات السياسية والحزبية ومحاسبة كل الداعين للتكفير والتحريض على العنف. ـ التعجيل بتركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات ومراجعة ضبابية المعايير المعتمدة في تعيين أعضائها وتعيين سقف زمني محدد للانتخابات. ـ تفعيل ما تم الاتفاق بشأنه في العقد الاجتماعي الممضى بين الأطراف الاجتماعية ومعالجة الوضع الاجتماعي المتردي. والى جانب هذه النقاط، يجب، من باب الوفاء لروح الشهيد الوطني شكري بالعيد، عقد مؤتمر وطني ضد العنف بكل أشكاله وخاصة منه العنف السياسي والاغتيالات. إن التوافق حول هذه النقاط من شأنه، أولا أن يحسم الجدل الدائر حول طبيعة الحكومة القادمة، أهي سياسية أم تقنية، وثانيا من شأنها أن تعيد الطمأنينة والثقة لنفوس التونسيين وتعزز وحدتهم ضد كل محاولات الزج بالبلاد في أتون المجهول، وثالثا من شأن هذه النقاط أن تضفي مزيدا من الوضوح لدى المواطن حول القوى السياسية الداعمة للدولة المدنية وللانتقال الديمقراطي السلس، وللقوى المصرة على إرباك هذا المسار. كل هذه النقاط وغيرها يمكن أن يتوافق حولها جميع الفرقاء السياسيين والفاعلين المدنيين في إطار مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل ليستكمل مهامه عبر اللجان التي تمّ انتخابها ،والباب مفتوح للذين تخلفوا... ناجي الخشناوي

حيّاك بابا حيّاك... ألف رحمه على بيّاك

ناجي الخشناوي ‎"اقتل شكري، اقتل جابر، عذب جندي، اسحل صابر، املا الأرض كلاب وعساكر، كل ما تدبح هي بتطرح، بدل الثائر مليون ثائر" (أحمد فؤاد نجم) "أيها المحتفلون بسفك دمي توغلوا في الاحتفال فأنا الباقي وانتم إلى زوال" (سليم دولة) كيف ألف لحم الكلام بقطن الحروف دون أن أجرح المعنى؟ وكيف أصير أزيز القلم على الورقة موسيقى أعلى من صوت الرصاص في الجسد؟ وكيف أثق بعطر الورد فوق قبرك حارسا أمينا على هدايا لم توصلها إلى نيروز وندى؟ وقُبلات نسيت أن ترسمها على خد بسمة... بسمة الرفيقة والحبيبة... وأنت تنام الآن داخل حلمهم المشتهى، وتقض مضجعنا بكابوس ابتساماتك تنثرها حيث وليت وجهك لتذكرنا بأن الموت لا شيء يهينه سوى الغدر، فتلك هي الاستعارة الأكثر إيقاعا من كل الأصوات الأخرى، وتلك هي اللوحة التي تمنيت أن ترسمها وتتوسدها شاهدة قبر... أيها العيد المتسربل بالفرح والأمل والعشق، المتوغل في داخلنا بكل وثوق... وأنت تقرع الأجراس من تحت الاسمنت وتدق نواقيس الوطن من قبرك الواسع... الواسع جدا... تجعل من خطى قاتلك مرتبكة... لغته متلعثمة... و"حياته" ميتة... جاءتك الحياة برمتها وبالمثل جاءتك الموت، على طبق من فضة وذهب وزمرد، وتركت لهم الفتات ممرغا بالأحذية المتعفرة بالدم... غمرتك المدائح والقصائد والمجازات والاستعارات... وتركت لهم كل اللغة الميتة من الشرعية إلى الترويكا... وتركتهم يتخبطون تحت جبة قطر وخلف شاشة الجزيرة... حملت معك شعبا بأكمله، وتركت لهم المصادح وخشب الاستوديوهات والمراسم الباهتة والقاعات الشرفية وأروقة المؤامرات والحراسة المشددة... واللوز الكاذب... وأكياسا من الحسد والحقد... ابتعدت عنهم واقتربت منا أكثر، وتركت لهم كل تأويلات اللغة فلم يمسكوا بناصيتها واختلفوا في شهادتك، وأربَكتَ لسانهم وحبرهم فعدوك "معصوم الدم"... وكعادتهم وقعوا في فخاخ اللغة... وكما الحياة تأتي دفعة واحدة بمباهجها، أتتك الموت دفعة واحدة، ولم تقبلها، كعادتك، مجزئة، فسحبت فوق قبرك بساطا ملكيا من النجوم لتؤنس نومتك الأبدية، ومن ضوئها تسمع نشيدنا العالي... هل تسمع نشيدنا العالي يا شكري... نشيدك... خطنا المرسوم بين النهاية والبداية... ودربتنا اليومية على الضوء... الحفر في الرخام... ومعرفة كيف نموت... ولا نموت... أيها النائم تحت بستان أندلسي... أيها المحروس بحبات المطر... أيها الرائي الذي لا نراه، حملت معك كل ما ملكت: زغاريد النساء اللواتي عرفتَ وما عرفتَ... هتاف الرفاق وعزم الأصدقاء... تحية العلم الوطني والصمت الصاخب للجيش الوطني... والموت العابر في مقبرة آهلة بالأوفياء... من اشتقاقات اللون، ومن رائحة المطر، ومن زغاريد شقيقات الريح... صنعت جنازة باذخة، تليق بهامتك وأنت تودع وطنا وتهبنا آخر... في بلاد أضيق من الحب، أطلقت لغتك وسرحت خطواتك وسكبت أحلامك، وكنت صاخبا مثل الثورات... والثورات لا تنتصر إلا في حضرة ثائر صاخب... أراك يا شكري في نومتك شامخا وأرى خطواتهم متسربلة بالذل والمهانة... أراك تدعك الحروف والنقاط لتنضج المعنى على أفواهنا وأراهم يتهجون تشقق المرآة في مناظرهم.... أيها الكائن الذي صافحني أسبوعا واحدا قبل أن يرحل وأجج الأمل في قلمي وحبري... ها أنا اليوم أقف على "جنتك" وأركضُ كفرس شاردة في لغتك وابتسامتك وتحديك... وأعرف أننا نحن نحن... وهم هم... مثلما أنت أنت... لأن كلماتك كانت أقوى من الرصاصة، ظلت الأيادي المرتعشة تنتظر الإشارة لتضغط على الزناد وتطلق رصاصات حية على رأسك الذي به تفكر وقلبك الذي به تحب... لأن طينتك من طينة المناضلين الأشاوس، لم تهرب على متن طائرة ملكية، وظللت هنا بين الرفاق والمفقرين شوكة في حلق النظام... نظام المخلوع... ونظام الشيخ... لأن اسمك كان شكري بالعيد المناضل ولأن اسمك ظل شكري بالعيد المناضل والشهيد ستظل رفيقا للفقر والفرعنة وسيظل لأعدائك دين الردة والظلام... مثلما كتبت لرفيقك حسين مروة ذات قصيد:"لأعدائنا دينهم... ولنا الفقر والفرعنة"... فحياك بابا حياك... ألف رحمة على بياك...

2013/02/03

سخاء صندوق النقد الدولي والهرولة نحو التداين المفرط

غادر تونس منذ يومين وفد رفيع المستوى عن صندوق النقد الدولي الذي دامت زيارته أسبوعين بعد أن كانت له جلسات تفاوضية مع الحكومة أفضت إلى منح تونس قرضا مغريا يتجاوز حصتنا من هذا الصندوق تبلغ 500 مليون دولار، وهو أيضا المبلغ الذي قال عنه وزير المالية أن ميزانية 2013 مازالت بحاجة له. القرض يندرج فيما تسميه الحكومة مسايرة نسق الشغل والاستثمار والانتقال إلى مستوى أعلى من نسبة النمو الذي يتطلب إصلاحات هيكلية على المدى المتوسط والبعيد حتى يرتقي جهاز الإنتاج إلى معدلات نمو أرقى لاستقطاب اليد العاملة، وتفرضه ـ حسب الحكومة ـ ميزانية الدولة المرهقة بالأجور والتحويلات الاجتماعية والدعم. وككل القروض، يفرض هذا القرض الجديد شروطه التي ستضمن سداده، ومنها الترفيع في أسعار المحروقات، وتسهيل جلب الاستثمارات وتخفيف الضغوطات على رجال الأعمال وإعادة هيكلة بعض القطاعات ومراجعة المنظومة التربوية وربما الضغط على أجور العمال والموظفين... يأتي هذا القرض في الوقت الذي بلغت فيه نسبة الغلاء العامة في المواد الغذائية والاستهلاكية سنة 2012 ما يناهز 6.7 بالمائة وهي التي لم تتجاوز 2.3 بالمائة سنة 2011. ومعلوم أن سياسة التداين الخارجي في تونس أصبحت تدريجيا المصدر الأساسي لتمويل الميزانية خاصة منذ السبعينات مما قاد البلاد إلى حافة الإفلاس سنة 1985 . ولئن لم يتجاوز حجم القروض الخارجية 5700 مليون دولار على امتداد الحقبة البورقيبية حتى سنة 1987 فقد تضاعف بحوالي خمس مرات في عهد بن علي ليصل إلى 25 ألف مليون دولا بنسب فائدة عالية تصل إلى حد 8 بالمائة مع شروط مجحفة مست من استقلالية القرار الوطني والسيطرة المطلقة على الاقتصاد التونسي، لتكون تونس، بهذا التمشي، خير مثال على مقولة "الجوع والمديونية سلاحان يستعملهما أسياد العالم لإخضاع شعوب العالم واستغلال ثرواتها"، و"تساهم" تونس في إنقاذ البنوك المفلسة وتحويل أزمتها إلى أزمة الشعوب. ورغم أن الشعب التونسي ثار أساسا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، واسقط نظاما خنق حياته بالديون، وكان أمله في حكومة ما بعد الثورة كبيرا لتغيير نظام التجويع والارتهان الخارجي، ها هو يجد نفسه مكبلا بنفس النظام ومحاصرا بذات الديون التي تفاقمت، حسب الخبراء والمهتمين بالشأن الاقتصادي، وتجاوزت نسبة 100% . يبدو أن سياسة الدوائر المالية العالمية لم تتغير إذ لم تستمع لاستحقاقات الثورات وخاصة في بعدها الاجتماعي ، كما لم تتعلم حكومتنا ضرورة كبح سياسة التداين وخاصة منها التي تتوجه إلى الاستهلاك لا إلى الاستثمار. كما أن ما يحير فعلا، أمام "هرولة" الحكومة الحالية نحو التداين المفرط ورهن الأجيال القادمة من الشعب التونسي بتسديد هذه الديون وفوائضها المجحفة، هو التباطؤ في تدقيق الديون التي أرغمت تونس على الحصول عليها في العهد السابق، والصمت عن استرجاع الأموال غير المشروعة التي تم تحويلها إلى البنوك الأجنبية، والسكوت على الكشف عن الحسابات المرقمة وحسابات الشركات الواجهة التي تخفيها طبقا لقانون مكافحة تبييض الأموال، وعدم الضغط على البنوك السويسرية والبريطانية والفرنسية والخليجية خاصة، والتلكؤ في إرساء الحوكمة الرشيدة المشروطة بالشفافية وباستقلالية المؤسسات المالية والبنك المركزي ومعهد الإحصاء، مع غياب محاسبة الفاسدين من رجال الأعمال قضائيا بعيدا عن الولاءات السياسية، في حين يتواصل طلب الديون في شكل سيولة مالية بدل مشاريع تنموية... إن الحكومة المؤقتة، التي من مهامها تصريف الأعمال بما توفر من إمكانيات ذاتية داخلية، والتي ستكون آليا خارج دائرة المحاسبة، لا يحق لها أن تحدد لوحدها الخيارات التنموية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ولابد من البحث عن التوافق الوطني بين كافة مكونات المجتمع السياسي والمدني لاتخاذ قرارات حاسمة من هذا القبيل أو تأجيل البت فيها إلى ما بعد الانتهاء من كتابة الدستور والانتخابات المقبلة.

2013/01/29

الأعراف ومؤتمر استعادة الثقة

في ذكرى انبعاثها السادسة والستين، أنجزت منظمة الأعراف مؤتمرها الوطني العادي الخامس عشر، وانبثقت قيادة جديدة اجمع كل المراقبون والملاحظون أن ديمقراطية الصندوق وشفافيته كانت الفيصل بينها وبين باقي المترشحين الذين بلغ عددهم 170، لتدخل بذلك هذه المنظمة الوطنية مرحلة الشرعية الانتخابية بعد أن عاشت لأكثر من سنتين فترة عصيبة وحرجة غذتها التجاذبات ومحاولات إرباك مسار "التصحيح" من الداخل. وقد لا يعرف الكثير من التونسيين أن فكرة تأسيس اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية تعود إلى الزعيم الوطني والنقابي خالد الذكر فرحات حشاد، عندما دعا إلى بعث ما سماه "شقيق الاتحاد العام التونسي للشغل" مباشرة بعد تأسيس المنظمة الشغيلة إيمانا منه بأن بناء تونس لا يكون إلا بتعاضد العمال وأرباب العمل... فتأسس اتحاد نقابات الصنايعية وصغار التجار بالقطر التونسي يوم 17 جانفي 1947 ليرسم ملحمة نضالية خلال الحقبة الاستعمارية ويمهد لبناء اقتصاد تونسي... كما أن التاريخ يذكر أن مواقف منظمة الأعراف كانت في مجملها مساندة للاتحاد العام التونسي للشغل خاصة في الأزمات المفصلية، رغم أن السلطة سعت بكل الطرق إلى تعميق الهوة بين المنظمتين لإضعافهما وبالتالي السيطرة والهيمنة عليهما... ولعل آخر المواقف المساندة من منظمة الأعراف للاتحاد العام التونسي للشغل تلك التي عبرت عنها السيدة وداد بوشماوي اثر الاعتداءات الهمجية على بطحاء محمد علي يوم 4 ديسمبر 2012... السيدة وداد بوشماوي التي غامرت ودخلت معترك "افتكاك" الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية من يد السلطة التي احتكرتها لعقود طويلة، وكابدت من أجل رأب كل تصدع قد يطال منظمتها، اختارها صندوق الاقتراع لتكون أول امرأة في تونس والوطن العربي رئيسة لمنظمة وطنية بحجم الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، وهي امرأة جديرة بهذه المسؤولية لمَ اتسمت به من رباطة جأش وعزم وصبر على ما طالها من حملات الإساءة والتشويه، وأيضا لمواقفها القائمة على تغليب صوت الحكمة والحوار والتعقل. ولا يختلف عاقلان في أن داخل كل منظمة تتواتر الخلافات والانقسامات وتختلف الرؤى والتوجهات، ولكن تبقى بالأخير شأنا داخليا، فأهل مكة أدرى بشعابها، ولم تكن منظمة الأعراف بمنأى عن هذه الخلافات التي تفاقمت خاصة في السنتين الأخيرتين، غير أن حسن إدارة الخلافات مكنت أبناء المنظمة من تجاوز محنتهم فارتفع صوت التوحيد على محاولات التفريق ليكون التتويج بمؤتمر ديمقراطي سيعزز عودة الثقة إلى نساء ورجال الأعمال الوطنيين ليضطلعوا بمهمة النهوض بالاقتصاد التونسي خاصة أن كل المؤشرات تدفع بهذا الاتجاه ومنها أساسا الاستماتة في الدفاع عن استقلالية المنظمة من كل غطاء سياسي، وتأسيس علاقة شراكة مع الاتحاد العام التونسي للشغل قوامها الحوار المتواصل والجدي خاصة بعد إمضاء العقد الاجتماعي الذي من شأنه أن يدفع بتونس إلى بلوغ دولة الرفاه الاجتماعي في المستقبل، وقد يكون هذا المستقبل قريبا عندما "تقتنع" السلطة، أي سلطة، بعدم التدخل في المنظمات الوطنية والتعامل معها على قاعدة الحوار البناء والتشاور في أخذ القرارات وعندما تضطلع الدولة بدورها في توفير الأمن والاستقرار وكل الشروط التي تشجع أصحاب العمل على الاستثمار لتكون المردودية الإنتاجية في صالح العمال وعموم التونسيين. بعد هذا المؤتمر الناجح والمفصلي تبقى انتظارات العمال والشغالين من منظمة الأعراف كبيرة خاصة في ضمان حقوقهم وتوفير شروط العمل اللائق واحترام الحق النقابي، وتحلي أرباب العمل بالشجاعة والجرأة في الاستثمار للمساهمة في حل قضايا التنمية والتشغيل والقطع مع عقلية الاستئثار بالحوافز والامتيازات لأن المرحلة تقتضي التضحية والتنازل لفائدة تونس.

بعد أن أعادت ترتيب البيت، وبعد 66 سنة أول امرأة تترأس منظمة الأعراف في تونس والوطن العربي السيدة وداد بوشماوي رئيسة منظمة الأعراف في حوار للشعب:

من غير المقبول أن تعود منظمتنا إلى مربع الخضوع والهيمنة الحزبية غياب الأمن عدو الاستثمار الرئيسي اعتقد البعض أن توقيعنا على العقد الاجتماعي يدخل في باب الحملة الانتخابية الاستباقية قبل موفى فيفري سنزور ولاية سيدي بوزيد لا أستوعب كيف يمكن لصاحب مؤسسة أن يضمن تأمين مردودية شركته عندما تكون حقوق عماله مهضومة حوار ناجي الخشناوي تصوير: كريم السعدي فازت السيدة وداد بوشماوي بــ122 صوتا في المؤتمر الوطني العادي الخامس عشر للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية لتكون بذلك أول امرأة ترأس هذه المنظمة العريقة، وقد مثل مؤتمر يوم 17 جانفي 2013 "سابقة" في تاريخ هذه المنظمة لوضع وترسيخ لبنات الديمقراطية والشفافية من خلال تبني نظام أساسي جديد سيضمن التداول على المسؤولية وتوسيع التمثيل الجهوي والقطاعي، وكذلك بعد التخلي عن شرط الاقدمية في الانخراط مما فتح باب الترشح أمام كل راغبة وراغب في تحمل مسؤولية المكتب التنفيذي الوطني لمنظمة الأعراف. السيدة وداد بوشماوي، الرئيسة المنتخبة للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، استقبلتنا في مكتبها بمقر المنظمة أين خصتنا بهذا الحوار الذي تحدثت فيه عن "صراعات" ما قبل المؤتمر ومستقبل المنظمة في ظل رئاستها وتطرقت أيضا إلى طبيعة علاقة منظمة الأعراف بالمنظمة الشغيلة، وعن تهديدات الاقتصاد التونسي وإمكانات النهوض به. ـ بعد تقديم تهانينا بانتخابكم على رأس منظمة الأعراف في مؤتمركم الوطني العادي الخامس عشر، وقبل الخوض في تفاصيل المؤتمر ومستقبل عالم المال والأعمال في تونس، نود أن يعرف قراء "الشعب" حجم "المغامرة" التي خاضتها السيدة وداد بوشماوي على رأس هذه المنظمة في الفترة السابقة خاصة أن الظرف كان دقيقا واتسم بكثرة التجاذبات والحسابات؟ كانت فترة مخاض حقيقية، عاشت فيها منظمتنا مثل كل المنظمات الأخرى فترة طويلة من التوتر والارتباك. وبالفعل اعتقد أننا خضنا مغامرة حقيقية ولم يكن لنا سوى خيار وحيد وهو إنقاذ المنظمة، خاصة بعد استقالة السيد حمادي بن سدرين، وكان الرهان جسيما، ولا أخفيك سرا أني لم أتصور يوما أن يكون لي كل ذاك الصبر طيلة سنتين تقريبا، ولكن إيماني بقدراتي وثقتي في نفسي كانت تدفعني إلى الأمام خدمة لصالح المنظمة، ولا أنسى طبعا التعاون الذي لقيته من كل الزميلات والزملاء ومن الإداريين في المنظمة الذين كنت أجدهم إلى جانبي خاصة عندما أصاب في بعض الأحيان بنوع من الإحباط وخيبة الأمل، خاصة عندما اشتدت حملات الانتقاد والتشويه والتجريح في شخصي، والتي لم تزدني إلا ثباتا وصمودا على مواقفي وقراراتي ـ نود لو نعود إلى بعض التفاصيل التي سبقت المؤتمر ومنها أساسا تنظيمكم مؤتمرا استثنائيا أواسط ديسمبر 2012 صادق على قانون أساسي جديد للمنظمة يمنع المترشحين للمكتب التنفيذي من تحمل مسؤولية قيادية سياسية، فهل كان لهذا القانون الدور الايجابي في فوزكم بثقة المقترعين؟ منذ البداية تمسكنا بضرورة أن يكون الاتحاد محايدا وعلى مسافة من كل القوى والحساسيات السياسية والحزبية، خاصة أن كل اللوم كان يتوجه للمنظمة باعتبارها عاشت عقودا من هيمنة السلطة الحاكمة، وبالفعل أجمع كل المنخرطين في المنظمة على استقلاليتها عن أي توجه سياسي، واللجنة التي أشرفت على القانون الأساسي أجمعت أيضا على ضرورة الفصل بين تحمل مسؤولية تنفيذية صلب المنظمة وتحمل مسؤولية حزبية في احد الأحزاب. طبعا المنظمة لا دخل لها في الانتماءات الحزبية والاختيارات السياسية لمنظوريها. ـ قبل انعقاد مؤتمركم، ظهرت كذلك بعض الإشكاليات منها بالخصوص رفع قضية استعجالية في حق بعض منخرطي المنظمة، إلى جانب الخلافات التي طرأت على المؤتمر الجهوي للمنظمة بصفاقس، وتهديد بعض المؤتمرين بالانسحاب من أشغال المؤتمر الوطني، فهل كان لهذه الإشكاليات انعكاس سلبي على مجريات وظروف سير أشغال مؤتمركم؟ في الواقع عديد قضايا والإشكاليات وللأسف كانت كلها تسعى إلى إرباك المنظمة، ودعني أقول إن من كان يختلق مثل تلك الإشكاليات هم الذين كانوا يعلمون أن الصندوق لن ينصفهم فاستباحوا كل الوسائل لضرب المنظمة، ومثلا ما حدث في صفاقس فقد بذلنا كل جهدنا وبمختلف الطرق سعينا إلى إحلال الوفاق وتجاوز الخلافات، ولكن كان هناك تعصب غريب وطغت الأغراض الشخصية على المصلحة العامة. اليوم، وبعد المؤتمر، اعتقد أن ما مررنا به صفحة من الماضي يجب أن نتجاوزها ونعمل على مزيد رص صفوف منظمتنا في ظل الشرعية التي تحققت بعد المؤتمر الذي كان ديمقراطيا بكل المقاييس وكانت الكلمة فيه للصندوق وحده. اليوم على طاولتنا عديد الملفات أهمها التشغيل والاستثمار ودفع نسق الاقتصاد التونسي حتى نخرج من عنق الزجاجة، وكذلك عدة إشكاليات أخرى أهمها مراجعة مجلة الاستثمارات وضرورة إيجاد الحلول العملية للاقتصاد الموازي القائم على التهريب، وضرورة تعزيز العلاقات الخارجية خاصة مع السوق المغاربية، وقد طالبنا أكثر من مرة بتفعيل "الخمس حريات" مع دول المغرب الكبير(حرية تنقل الأشخاص، حرية تنقل البضائع، حرية التملك، حرية الاستثمار) خاصة أن شريكنا الأساسي، أوروبا، يمر اليوم بوضع عصيب، وقد سبق أن طالبت بهذه الحريات سواء في ليبيا أو الجزائر أو المغرب وقد لقي الطلب صدى كبيرا لدى المستثمرين المغاربيين. ـ هل تعتبرين انتخابك بمفردك كإمرة في المكتب الوطني، يعود إلى تخلي المنظمة عن نظام التمييز الايجابي المعبر عنه بالكوتا؟ أول تخلينا عن نظام التمييز الايجابي هو تعبير منا عن الإيمان بقدرات وكفاءات كل شخص بغض النظر عن جنسه، ثم إن غياب حضور المرأة داخل المكتب التنفيذي لا يعني تقليلا من شأن المرأة في منظمتنا، بل بالعكس فنحن ـ لأول مرة في تاريخ المنظمة ـ لدينا امرأتان على رأس مكتبين جهويين، وفي كل التشكيلات القطاعية تحضر المرأة بصورة ايجابية، ثم إن تواجدي على رأس المنظمة يعني أني أمثل النساء والرجال على حد السواء دون تمييز. ـ لماذا قدمت ترشحك في آخر لحظة، رغم أن حظوظ فوزك كانت كبيرة؟ أولا القانون الداخلي للمنظمة يسمح لنا بتقديم الترشحات يوم المؤتمر. إضافة إلى أنني كنت أمام خيارين، إما أن اترك المنظمة بعد أن اجتهدت في ترتيب الكثير من الأمور داخلها، وإما أن أواصل العمل وبالتالي الترشح للمسؤولية، والاختيار كان صعبا، ولكن وجدت رغبة ملحة لدى عديد زميلات والزملاء كما أن لدي إحساس كبير بأن هناك ما يمكن إضافته لمنظمتي، رغم كل محاولات التشويه والإرباك التي طالت شخصي ومواقفي. ـ أمضيتم قبل أيام من انعقاد مؤتمركم على وثيقة العقد الاجتماعي مع الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة، فهل كان لهذه الخطوة الهامة الأثر الايجابي لدى منتسبي منظمتكم، أم أن المواقف متباينة بخصوص علاقة الأعراف مع الشغالين؟ النقطة الايجابية الأولى التي يجب أن نذكرها هو أننا غيرنا كليا علاقتنا بالاتحاد العام التونسي للشغل، حيث شكلنا لجنة مشتركة لمتابعة كل الإشكاليات التي تحصل بين الأعراف والعمال بصفة دورية ودائمة، في حين أننا في السابق كنا نلتقي مرة واحدة كل ثلاثة سنوات، ثم بدأنا نعمل على تحسين العلاقة الشغلية والمهنية والعمل اللائق، وخاصة في جانب التكوين، خدمة لمصلحة العامل ولصاحب المؤسسة سعيا إلى منوال تنمية جديد. النقطة الايجابية أيضا هو وجود مجلس وطني للحوار الدائم بين الحكومة ومنظمتنا واتحاد الشغل يقوم على مبدأ التشاور والحوار لتامين مناخ سليم من خلال ضمان حقوق العمال من جهة وتأمين مردودية ونجاعة المؤسسات الاقتصادية من جهة ثانية ولكن إجابة عن سؤالك، بالفعل في البداية اعتقد البعض أن توقيعنا على العقد الاجتماعي يدخل في باب الحملة الانتخابية الاستباقية، ولكن الآن اقتنع الجميع أن العقد الاجتماعي يخدم صالح المؤسسة لا الأشخاص. ـ هل تعتقدون أن العقد الاجتماعي سيكون الإطار المناسب لــ"تحسين" العلاقات بين مختلف قوى الإنتاج، وهل سيكون بداية الطريق نحو بلوغ دولة الرفاه الاجتماعي؟
بكل تفاؤل اعتقد أن العقد الاجتماعي أرضية حضارية مبنية على مبدأ التشاركية والتشاور والتحاور والأكيد أنها ستعطي أكلها في المستقبل بما يخدم مصلحة كل الأطراف وبالتالي المصلحة الوطنية. شخصيا لا استوعب كيف يمكن لصاحب مؤسسة أن يضمن ديمومة نشاطه وتأمين مردودية شركته عندما تكون حقوق عماله مهضومة. والأكيد أن مفهوم العدالة الاجتماعية يختلف حسب موقع كل واحد ولكن الثابت في تقديري الشخصي أن العمال وأصحاب العمل ليسوا في حرب دائمة. ـ كانت لكم منذ أيام قليلة، رفقة وفد منظمة الأعراف، عدة لقاءات واجتماعات هامة في باريس رفقة الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل ووفد المنظمة الشغيلة، في إطار الدعوة التي وُجهت إليكم من قبل نقابات الأعراف والعمال بفرنسا، فكيف تقيمون هذه المحطة، وهل ستمثل دفعا للديمقراطية الاجتماعية في تونس؟ بالفعل كانت زيارة مثمرة حيث تحادثنا حول التجربة التونسية الناشئة وخاصة العلاقة الجديدة بيننا وبين الاتحاد العام التونسي للشغل، وكانت فرصة لتبادل التجارب والخبرات، وفي المقابل أبدى الطرف الفرنسي من ممثلي العمال وممثلي أصحاب العمل ابدوا "انبهارا" بتجربتنا التونسية، خاصة أنها الأولى في العالم العربي، كذلك كانت فرصة لنا جميعا للوقوف على "الحوكمة الرشيدة" والاستفادة منها هنا في تونس في مستوى العلاقات الشغلية والمهنية، وأيضا في مستوى صناديق التامين والتقاعد... وستكون لقاءاتنا متواصلة في المستقبل وسنسعى لأخذ ما يمكن من ايجابيات التجربة الفرنسية. ـ الوضع السياسي العام في البلاد مازال متعثرا وأزماته متكررة، وقد سبق للاتحاد العام التونسي للشغل أن قدم مبادرة وطنية للحوار، وسبق لك أنت أن ثمنت هذه المبادرة وكانت مشاركتك فعالة في افتتاحها، غير أن بعض الأطراف تجاهلت المبادرة وضربت إمكانية الوفاق الوطني وهو ما أوصلنا اليوم إلى وضع لا نُحسد عليه، فكيف ترون هذه السياسة القائمة على التفرد بالرأي؟ نحن باركنا مبادرة الاتحاد خاصة أنها كانت مترفعة عن كل الحسابات السياسية، وهي مبادرة أتت في وقتها خاصة عندما تأزمت الأمور سياسيا واقتصاديا وامنيا وتوقف الحوار بين الأطراف السياسية. ولكن مع الأسف لم تأخذ مبادرة الاتحاد حقها من طرف بعض الأحزاب التي تجاهلتها، واعتقد أننا اليوم بلغنا مرحلة جد متأزمة، غياب كلي للتنمية وبطء غير مفهوم لنسق الاستثمار، والأمن يتدهور بشكل مخيف مما اثر سلبا على صورة تونس داخليا وخارجيا، السياحة أيضا تراجعت بشكل مخيف، إلى جانب المطالب الاجتماعية المتكاثرة وأعمال الحرق وقطع الطرق والاعتصامات الفوضوية كلها تجعلنا أمام خيار واحد وهو الحوار الجدي بين كل الأطراف ووضع خارطة طريق واضحة المعالم. ـ طالبتم مرارا، سواء من خلال لقاءاتكم برئيس الحكومة المؤقتة أو بالوزراء، بضرورة سن قوانين بسيطة وسهلة التطبيق لتشجيع المستثمرين التونسيين والأجانب لخلق مواطن الشغل وفتح المؤسسات، فهل هناك خطوات ايجابية نحو تبسيط المنظومة التشريعية والقانونية للمستثمرين؟ في الحقيقة هو ليس مطلبا لتبسيط القوانين وإنما طالبنا بضرورة تشريكنا في مجلة الاستثمارات، وخاصة فيما يتعلق بالتشجيع على الاستثمار في الجهات الداخلية، وأيضا طالبنا بالمشاركة في قانون المالية، قدمنا مقترحاتنا مثلا في قانون المالية خاصة فيما يخص الشركات المصدرة ومدة تمتيعها برفع الأداءات عنها، إلى جانب بعض القوانين الأخرى. أيضا من المشاكل العويصة اليوم أن الدولة وان قدمت الامتيازات للمستثمرين فان ما يعيق تقدم المشاريع هو المشاكل العقارية وبعض القوانين والبيروقراطية الإدارية خاصة في المناطق الداخلية، كما أن الدولة من واجبها أن تعتني وتهيئ البنية التحتية بالمناطق الداخلية حتى يجد المستثمر كل الظروف الملائمة لانجاز وإنجاح مشروعه. ـ أعلنتم أن أول زيارة ميدانية للمكتب التنفيذي المنتخب لمنظمتكم ستكون إلى ولاية سيدي بوزيد؟ فهل لنا أن نطلع على موعد هذه الزيارة؟ في انتظار توزيع المسؤوليات بين الأعضاء الفائزين، ستكون أول زيارة يقوم بها المكتب التنفيذي المنتخب إلى ولاية سيدي بوزيد، وسيكون أيضا للمكتب التنفيذي زيارات ميدانية إلى مختلف ولايات البلاد، والثابت أن قبل نهاية شهر فيفري القادم ستكون زيارتنا إلى سيدي بوزيد. ـ كيف ترون مستقبل الاقتصاد في تونس أمام محاولات "أسلمته" والتي بدأت تتجلى خاصة في مستوى المعاملات المالية والقروض؟ الصكوك الإسلامية والمعاملات البنكية الإسلامية موجودة حتى في أوروبا وليست أمرا غريبا، واعتقد أن المعاملات المالية هي بالأخير تخضع إلى منطق الربح والخسارة دون سواها أما باقي العناوين الأخرى فهي تدخل في باب "المزايدات السياسية" وشخصيا ما يعنيني هو أن يكون للاقتصاد انعكاس ايجابي على نمط عيش المجتمع التونسي. ـ سبق أن وعدتكم الحكومة المؤقتة وخاصة وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية بحسم ملف رجال الأعمال الممنوعين من السفر والذين يبلغ عددهم 460 اسما، وكنتم أثناء هذا المؤتمر قد أثرتم هذه المسالة في حضور رئيس الحكومة المؤقتة فما جديد هذه الملف؟ إلى الآن لا يوجد أي رقم صحيح، لكن رئيس الحكومة المؤقتة قال للصحافيين بعد كلمته الافتتاحية في مؤتمرنا، أن العدد لا يتجاوز 50 اسما. وشخصيا سبق لنا أن اعتبرنا أن هذه الطريقة مهينة وسيئة لصورة تونس، ودائما ما نطالب بضرورة أن يأخذ القضاء مجراه الطبيعي في حق من أجرم أو أذنب في حق الشعب التونسي بعيدا عن التوظيف السياسي خاصة أن الفترة طالت وقاربت السنتين. كما أن هناك عديد الإجراءات التحفظية الأخرى بدل المنع السفر يمكن اتخاذها. ـ كيف ترون انعكاسات الأحداث الأمنية الأخيرة، وطنيا (الأسلحة المهربة والتهديدات بالقتل) ودوليا (التدخل العسكري الفرنسي في مالي)، كيف ترون انعكاساتها على المستوى الاقتصادي وخاصة من حيث الاستثمار؟ المشاكل الأمنية كلها لا تخدم إلا الفوضى وعدم الاستقرار، وهي تضرب في العمق سيرورة الانتقال الديمقراطي ولذلك نطالب دوما بالصرامة الأمنية خاصة في مستوى الحدود التونسية مع دول الجوار، مع تكثيف المراقبة الجمركية، فاليوم بات المهربون يمررون الأسلحة والذخائر والمخدرات مع مواد التغذية. وطبعا غياب الأمن هو العدو الرئيسي للاستثمار سواء الوطني أو الأجنبي. ـ كيف ترون مستقبل الديمقراطية والسلم الاجتماعي أمام تكرر الاعتداءات التي باتت تتعرض لها مكونات المجتمع المدني والسياسي والإعلاميين والحقوقيين من قبل ما يُسمى "روابط حماية الثورة"؟ وهي التي باتت تستهدف اليوم عديد رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية؟ اعتقد انه لا مجال لأحد كائن ما كان أن يأخذ موقع السلطة ومؤسسات الدولة فوحدها الكفيلة بضمان الأمن والاستقرار وتسيير شؤون المواطنين. ـ عانت المنظمات المهنية في السابق من تدخل السلطة والحزب الحاكم في قراراتها مما أثر على استقلاليتها فهل حدد مؤتمركم مسافة من الأطراف السياسية والسلطة؟ كنت واضحة منذ البداية في حسم هذه المسألة، ولا رجعة في هذا القرار، فغير مقبول اليوم أن تعود منظمتنا إلى مربع الخضوع والهيمنة الحزبية لا من هذا الحزب ولا من ذاك. مهمتنا أن ننهض باقتصاد البلاد وان ندفع عجلة الاستثمار ونساهم في خلق مناخ السلم الاجتماعي سواء حكم اليمين أو حكم اليسار. ـ هل ترون، مثلما يرى الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه، أن لكم دورا وطنيا في أبعاده لا فقط الاقتصادية وإنما أيضا الاجتماعية والسياسية والثقافية يجب أن تضطلعوا به؟ بطبيعة الحال، نحن لسنا منظمة مهنية صرفة، بل إن أكثر فئة تساهم في العمل الاجتماعي والثقافي هم رجال الأعمال ونساؤه وهو واجب وطني، ولكن المساهمات غالبا ما تكون في الخفاء وبعيدا عن الأضواء فنحن بشر قبل أن نكون مستثمرين، نتألم لآلام غيرنا ونفرح لأفراحه. وربما خير دليل على ما نقوم به في الجانب الاجتماعي ما قدمه عديد المستثمرين في أزمة اللاجئين على الحدود التونسية الليبية في فترة الثورة الليبية، أيضا في فترة الظروف المناخية القاسية في الشمال الغربي وتحديدا بعين دراهم وجندوبة، والأكيد أن هذا البعد الاجتماعي والثقافي سيكون أكثر إشعاعا في الفترة المستقبلية للمنظمة.

2012/12/31

نواقيس قديمة لسنة جديدة

عمتم مساء أيها المدعوون إلى حفلات رأس السنة الميلادية الجديدة... عمتم صباحا، أنتم أيها السكارى المنثورين فوق إسفلت المدن/الملاهي وأرصفتها... مرحى لكم جميعا وأنتم تصلون ليلكم بنهاركم وسنتكم بلاحقتها... بالشمع المعطر والخمر المعتق... بنكات السنة الماضية وقبل السنة القادمة... مرحى لكم وأنتم تخيطون النصف بالنصف بحكايات حذاء سندريلا ونواقيس الملاعق الفضية... مرحي لكم أيها السكارى الساهرون داخل مخيمات الورد... أيها الآمنون بحسن الأمن... مرحى لأصدقائي القدامى وهم يلفون قطع المرطبات بين أوراق صحيفة وشحت صفحتها الأخيرة بمقاطع من قصيد "ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة" لمظفر النواب... مرحى لأصدقائي القدامى وهم يتدافعون أمام بائع البطاقات البريدية يرسلونها مضمونة الوصول إلى نيويورك... أو إلى نيو أصدقائهم... مرحى لهم وهم يفعلون كل هذا ويتذكرون _ فقط يتذكرون _ مقطعا شريدا من أغنية "بنت الباي" للأزهر الضاوي : "... لا وسكي في الري فيون ..." مرحى لكم بالوسكي الأمريكي... عمتم صباحا مساء وكل رأس سنة جديدة أيها العروبيون، الوطنيون، التقدميون، الأبيقوريون حد الموت... الموت... صباح الموتى... مساء الموتى... كل عام وأنتم موتى... عمتم مساء أيها الساقطون في اللهب... عمتم صباحا أيها الصاعدون من اللهب... كل سنة وأنتم ناهضون من اللهب... قادمون من اللهب... سائرون باللهب إلى الأمام... أعلى من اللهب... عمتم مساء أيها الفلسطينيون المشردون في مخيمات الريح... عمتم صباحا أيها العراقيون المذبوحون بين المشانق والزنابق... كل عام وأنتم مقاومون... صامدون... عائدون... محتفلون بالقوارير والشمع شظايا في وجه الأمريكيين... الإسرائيليين... العروبيين... الوطنيين... التقدميين... الأبيقوريين حد الموت... صباح المجازر... مساء الجَنَائز... كل عام وأنتم ناهضون من المَجَازر... كل عام وأنتم عائدون من الجنائز... كل عام وأنتم مُقاومون أيها الفلسطينيون... كل عام وأنتم مقَاومُون أيها العراقيون... كل عام وأنتم مُقاومون أيها السوريون... كل عام وأنتم صَامتُون أيها العروبيون... مَرحَى لكم أيها الفلسطينيون بالقذائف، بالمدافع، بالحرائق، بالمعتقلات، بالمذابح والمجازر... مَرحَى لكم بالسنابل والكرمل والبرتقال... مَرحَى لكم بهويتكم توقعونها كل رأس سنة بالحجر... مَرحَى لكم أيها العراقيون بحزن النخيل، بسجن أبو غريب، بقبضة الطوائف، بالعرق العراقي، بالحفل الأممي الذي دُعي له النفط ولم يدعَ له العراق... مَرحَى لكم بهويتكم توقعونها كل رأس سنة جديدة بالمتفجرات... كل عام وأنت وطن أيا عراق... كل عام وأنت وطن أيا فلسطين... كل عام وأنت وطن أيا سوريا... كل عام وأنت مستعمرة أيا جغرافيا المنافي... كل عام والفلسطيني لا يخطئ عد السنوات :1948... 1948... 1948... 1948... 1948.. كل عام والعراقي لا ينسى عد السنوات :9 أفريل 2003... 9 أفريل 2003... 9 أفريل 2003... 9 أفريل 2003... كل عام والعروبي يتقن عد السنوات:...2003...2004...2005...2006...2459... كل عام وأنا أكتب بالحبر الأسود... كل عام وأنت تقرأ بالنظارة السوداء...

2012/12/27

المأتم السياسي

تعرف الانتخابات في ظل الأنظمة الدكتاتورية حالة من التوتر والتشنج تصل حد العنف والقتل، وتغذي هذه الحالة النزعة القبلية والعصبية المتشددة التي تشرع كل أنواع التعدي على المرشحين والمنتخبين على حد السواء، ويتغلب منطق القوة و"الفتوة" و"الرشوة السياسية" على قانون الانتخابات وعلى البرامج الانتخابية، ويبدو أننا في تونس سنعيش الانتخابات القادمة، إن حصلت، تحت مظلة الدكتاتورية الناشئة خاصة أن عديد المؤشرات بدأت تطفو بشكل علني منذ مدة لعل أبرزها غموض القرار السياسي من قبل الحكومة المؤقتة في علاقة بتفعيل الهيئة المستقلة للانتخابات وهي الهيئة التي من شأنها أن تضمن حدا أدنى من الشفافية ونزاهة العملية الانتخابية، إلى جانب التراخي المفضوح في كتابة الدستور والتعجيل بالانتهاء منه في ظرف سنة مثلما تم الاتفاق على ذلك قبل الانتخابات الفارطة، هذا فضلا عن حرب النيابات الخصوصية بالبلديات وتغليب المصلحة الحزبية على حساب الكفاءة والمصلحة الوطنية في تسيير دواليب الدولة وهياكلها التنظيمية باستعمال النفوذ السلطوي، إلى جانب استعراض القوة في أكثر من مرة... والإصرار على الإقصاء الجماعي تحت مسمى قانون "التحصين السياسي للثورة" والسعي إلى فرضه دون حوار، وطبعا المحاولات المتكررة للسيطرة على وسائل الإعلام وتوجيهها للطرف الماسك بالسلطة الآن خاصة بعد تعليق أعمال الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام... هذه المؤشرات وغيرها التي لا تخدم المسار الديمقراطي والعملية الانتقالية من مرحلة الديكتاتورية والانتخابات المزيفة إلى مرحلة الشفافية والديمقراطية، تضاف إليها اليوم أساليب موغلة في الهمجية والاستهتار بحلم هذا الشعب في حياة ديمقراطية، أساليب بدأت تطفو على المشهد السياسي منذ أن سقط رأس الديكتاتورية، حيث أصبحت جل الأحزاب المدنية تحديدا مُستهدفة بشكل مباشر سواء في قياداتها أو في قواعدها ومقراتها، وفي كل مرة تتحول التظاهرات العامّة، إلى ما يُشبه "المأتم"، خاصة بعد أن بلغ الأمر إلى حد القتل العمد، كما أن اغلب الاعتداءات المتكررة على أهل الفكر والثقافة والفن وعلى النقابيين والحقوقيين كانت كلها في خدمة السياق السياسي العام المراد إقراره بالقوة، وهو نسف لكل إمكانات الانتقال الديمقراطي السلمي. العنف السياسي بلغ ذروته يوم 4 سبتمبر عندما استبيحت بطحاء محمد علي، وما شهدته سيدي بوزيد كذلك من اعتداء بمناسبة احياء الذكرى الثانية لانطلاق ثورة الحرية والكرامة، وكانت الاعتداءات في جربة يوم 22 ديسمبر 2012 الجاري أخر حلقاتها، ودون الإحالة على القيادات النقابية والسياسية والوطنية المستهدفة والأطراف التي تمارس التحريض السري والعلني والتي باتت معلومة، فان "المبررات" المطروحة من قبيل "الثغرات" الأمنية داخل الجهاز الأمني وتساهله في أكثر من حادثة، وتسريب السلاح من ليبيا أو الجزائر، وكذلك إطلاق سراح عديد المساجين جميعها وغيرها كان يمكن تداركها وإيجاد الحلول المناسبة لها حتى لا نصل إلى نقطة اللاعودة بعد أن صارت تونس في القائمة السوداء للدول، غير أن الإرادة السياسية غائبة ولم نشهد إلى حد اليوم سوى الاستهتار الكامل والمخجل من قبل من يمسك بدواليب الحكم أمام هذا العنف الذي يتواتر بشكل يومي ومُمنهج يضرب في العمق منسوب الثقة بين الفاعلين السياسيين، ويستنزف بالدرجة الأولى "الطاقة الثورية" التي من المفترض أن تغذي المسار الانتقالي الديمقراطي، ويكرس قناعة مفادها ان العنف تحول إلى أسلوب إدارة الفشل لا غيره.

حكومة "المايباخ" وثورة "التكتك"

سيُحشر الشعب التونسي في علب "التكتك" ليتنقل بها بين الحفر والطرقات المهترئة، مجازاة له على دمائه التي سالت على الطرقات نفسها، وسينعم بعضهم بسيارة "المايباخ" ليتنقلوا بها من قصورهم الفخمة إلى المطارات، ليتمتعوا بنعم الثورة التي لم يشاركوا فيها أبدا... فبين سرعة أفخم سيارة على وجه الأرض "المايباخ"، (300 كلم في الساعة) والتي أهدى واحدة منها القذافي لبن علي، تلك المعروضة الآن بمعرض كليوبترا بضاحية قمرت، وبين سرعة "التكتك" (لا تتجاوز 50 كلم في الساعة) وسيلة النقل المزمع توريد 21 ألف واحدة منها إلى الطرقات التونسية، بين السرعتين يمكننا أن نقف على الهوة العميقة بين مطالب الثورة الشعبية وبين "الحلول" التي تطرحها الحكومة الحالية... ويمكن أن نتبين الصورة الكاريكاتورية التي نحن بصددها... أما سيارة "المايباخ" تلك المركونة تحت أضواء معرض قمرت، إلى جانب عشرات السيارات المماثلة فخامة وغلاء، في انتظار من سيظفر بها ويدفع سعرها الذي قد يفوق الثلاثة مليارات من مليماتنا، فضلا عن الإضافة الرمزية لسيارة "الطاغيتين"، وهو مبلغ يمكن أن يفتح أكثر من شركة قد تضمن أكثر من مائتي موطن شغل، ويمكن للمبلغ عينه وأكثر أن تضمنه الدولة لو جعلت من معرض كليوبترا بقمرت معرضا سياحيا مفتوحا دائما للزوار مثل المعرض الملكي بالأردن الذي يدر أرباحا محترمة للدولة من خلال عائدات الزيارات اليومية له... خاصة أن معرض الأملاك المصادرة شهدت زيارة 451 زائرا في اليوم الأول و385 زائرا في اليوم الثاني وهذا الرقم يوفر 11 مليونا و550 دينارا باعتبار أن تذكرة الدخول 30 دينارا للزائر. ويمكن أيضا استغلال آلاف القطع والتحف والوثائق التاريخية والنادرة للفترة البورقيبية، تلك المنذورة للتلف والغبار والنسيان داخل القصر الرئاسي، وعرضها في فضاء آخر يمكن أن يكون هو أيضا موردا من موارد الدولة وفضاء يشغل أكثر من شخص... غير أن فن إتلاف الذاكرة ونسف التاريخ يبدو انه الفن الأكثر امتهانا لدى الحكومات المتعاقبة، فمثلما "مسح" نظام بن علي سجن 9 أفريل من فوق الأرض، هاهي الحكومة الحالية "تبيع" التاريخ في المزاد العلني تحت الأضواء الكاشفة والابتسامات المجانية... إن مثل هذه الأشكال لا تساهم إلا في تعميق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين ملايين الشعب المفقرة والمسحوقة من جهة وبضع مئات من "الرأسماليين" الذين يمتصون عرق العمال ليقتنون سيارة بأكثر من مليار ونصف المليار... وأما "سيارة التكتك" التي أعلن رئيس الحكومة المؤقتة أنه سيتم توريد قرابة العشرين ألف وحدة منها بداية من السنة القادمة في إطار "مشروع نموذجي"، فهو مشروع مثلما انتقده سواق التاكسي يهدد أكثر من 60 ألف موطن شغل، هذا فضلا عن كون المدن التونسية تعيش حالة اختناق كبيرة، ولا يمكن أن تكون هذه السيارات مواطن رزق دائمة وحقيقية... ومن المفارقات المضحكة أن يتزامن رواج خبر توريد واستغلال حوالي 21 ألف عربة تكتك، مع تدشين الصين لأطول خط للقطارات فائقة السرعة في العالم يربط بين بكين في الشمال وكانتون في الجنوب في رحلة طولها 2300 كلم وتستغرق ثماني ساعات، ثلث المدة التي يستغرقها القطار العادي...