بحث هذه المدونة الإلكترونية

2008/05/20

موت العائلة التونسية



لست أدري هل طالت حمّى الإماتة مفهوم العائلة، بعد أن شملت موت الايديولوجيا والمثقف والفلسفة والكاتب في إطار فلسفة الإماتة المجانية التي تصلنا مُعلّبة مغلّفة ملوّنة بين طيات الكتب والدوريات الوافدة علينا من هناك وتقفز الى أبصارنا وبصيرتنا داخل بيوتنا من خلال الفضائيات التي تتحفنا مليون مرة في اليوم الواحد بتحاليل المفكر العظيم أو المنظر الفذ أو المثقف الشمولي... إلى غير ذلك من نعوت المذيعين البهلوانية...
لست أدري إن كان مفهوم العائلة قد انضم الى عائلة المفاهيم الميتة هناك ولكنّي بتّ على يقين ثابت أنها (العائلة) مفهوما ووجودا، سائرة نحو الموت والفناء هنا، في عقر دارنا، في تونس الملايين المعدودة والمساحات الشاسعة، هذا إن لم تكن قد ماتت فعلا، فيكفي أن نطّلع على مشروع شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية (سبرولس) لسنة 2007 لنعرف حجم الموت الذي سيلحق بمفهوم العائلة التونسية المفترضة، فهذه الشركة وفي إطار برامجها السكنية ستوفّر هذه السنة لطالبي المنازل وحدات سكنية «نموذجية» بولايات بنعروس ومنوبة وسوسة والقيروان وقابس من صنفين، أوّل متكون من غرفة واحدة وقاعة استقبال وثان بغرفتين وقاعة استقبال، سعر الأولى 23 مليونا وسعر الثانية 71 مليونا.. وبغض النظر عن الفارق اللامنطقي بين الوحدتين والذي نستشف منه ان ثمن غرفة واحدة (4 حيوط) يناهز 38 مليونا بالتمام والكمال أو هو يفوق ثمن الوحدة الاولى بما قيمته 15 مليونا بالتمام والكمال ايضا... فإن الاسئلة التي يمكن ان تقفز الى ذهن الواحد منا لا يمكن لها إلاّ ان تحوم في مدار العائلة وفي سياق التواصل والاتصالية... ولنا في هذه الاستنتاجات او الخلاصات ان نقف على عين التفتت وعلى موت العائلة مفهوما وكيانا، فالعيش داخل علبة اسمنتية تتكون من غرفة يتيمة وبيت استقبال يعني تخصيص الغرفة للنوم وبيت الاستقبال للضيوف وهذا يترتّب عنه عدم انجاب الاطفال لعدم توفّر غرفة لهم، وعدم التناسل يعني ضرورة موت العائلة بيولوجيا، اما في حالة الانجاب فإن ضرورة الاستغناء عن استقبال الضيوف سيصير حتمية لا مفرّ منها وهذا ما سيؤدي الى موت العائلة اخلاقيا، ذلك ان فعل التزاور والتواصل كفيل بتأمين نصيب وافر من تماسك الاسر التونسية اما اذا انجبت العائلة أطفالا واستقبلت ضيوفها في غرفة استقبالها طبعا حيث تنتصب التلفزة شامخة أبيّة مستحوذة على الابصار والعقول مريحة حتى فكرة ترصيف بعض الكتب بجانبها او فوقها أو تحتها، وحيث تنتشر أرائك بيت الصالة على كامل مساحة غُريْفة الاستقبال فلا تترك مساحة لا للمكتب للمراجعة ولا أي مكان للحاسوب الشعبي مثلا... وبهذه الفرضيّة الثالثة تموت العائلة فكريا ومعرفيا الا من «ثقافة» و»معرفة» الشاشة العظيمة مُلهمة الجميع وشانقة الجفون... وما أضيق غرف سبرولس لولا فسحة اللغة...

مسمار في الريح...


من التراكيب اللغوية السيّارة على ألسن كل التونسيين والتونسيات تركيب «مسمار في حيط» دلالة على التأمين الدائم على الحياة بمجرّد انتداب الواحد الى الوظيفة العمومية وحصوله على كافة حقوقه في اطار قانون الشغل المعمول به بدءا من التمتع بأجر كامل وصولا الى أبسط حق يمكن ان يطالب به الموظّف لدى الحكومة طبعا الى جانب التأمين على المرض والتقاعد...
وثبات ذاك المسمار الشخصي في قلب الحائط الوطني لايختلف حول حقيقته عاقلان، فكل من يشتغل أو له أن يشتغل في القطاع العمومي يعرف ذلك جيدا ولكن اعتقد اننا يجب ان نُعود ألسنتنا على تركيب لغويّ جديد يتناسب مع وضعيات الشغل الجديدة في سوقنا الوطنية والتي تشمل تحديدا فئة الشباب وبالخصوص حاملو الشهادات العليا، واعتقد أن «مسمار في الريح» هو التركيب الاسلم والاقرب لتشخيص حياة ما يقارب 46 (حسب إحصائيات الاستشارة الشبابية) من الشباب المقبلين على عالم الشغل أو هم يخوضون غماره في مؤسسات القطاع الخاص، مقابل 45.5 للقطاع العام (حسب نفس الاحصائية من مرصد الشباب)، ولئن تذهب بعض القراءات البسيطة والساذجة أحيانا إلى أن توازي نسبتي المطالبة بحق الشغل في كلا القطاعين هو مؤشّر إيجابي على قطع الشباب مع ذهنيّة «مسمار في حيط»، فإنّي شخصيا لا ألمس أيّة إيجابية في ذلك بل بالعكس إنّي أرى ذلك مؤشرا خطيرا جدا جدا اولا على هيبة القطاع العمومي الذي بات يتآكل بفعل زحف الخوصصة على كل ما كان ثابتا قبل عقود قليلة من الزمن خاصة في مجال التعليم والصحة والنقل والطاقة... وغيرها من القطاعات الحيوية، هذا فضلا عن انسداد الآفاق المهنية في تمتع مستحقي الشغل واصحابه فعلا بوظائف في القطاع العمومي مما جعلهم «يرضخون» او «يكرهون» على التوجّه الى القطاع الخاص... الى قطاع الحقوق الجزئية... الى قطاع العقود اللاّ إنسانية... وإلى الحياة عن طريق المناولة.. أليست هذه هيّ حياة المسمار «الثابت» وتدا من الأوهام فيّ قلب الريح حيث لا أمر ثابت ولا حياة مؤمّنة إلاّ لمن رضي بأن يكون «قشّة» تتطاير بها رياح الشركات والعقود أنّى طارت رغبة الاعراف...وحده «القش» اليابس تزداد نسبته في الخريف وكذلك العواصف الهوجاء تزداد سرعتها كلّما ازداد زفير الريح وقوّته...

2008/05/19

"تونزياهم" ...


أعتقد أن شركة الاتصالات الهاتفية «تونزيانا» عندما تخيرت هذا الاسم كانت تعني جميع فئات الشعب التونسي بكل مكوناته، من الفقير إلى الغني ومن الجاهل إلى المتعلم، وكذلك من طالب الحق إلى الساكت عنه...
فنون الجماعة الملحقة باسم تونس تجمع الجميع للتمتع بخدمات هذه الشركة التي سعت بالفعل إلى تحقيق خدمات ذات جودة عالية ضمنت لها نسبة كبيرة من المشتركين في شتى ربوع البلاد التونسية... غير أن...
غير أن صمتها ـ إن لم نقل تواطؤها ـ عن عمليات «السرقة» التي يقوم بها أصحاب محلات الهواتف العمومية من خلال المطالبة بما قيمته خمسون مليما أو مائة مليم وحتى مائتا مليم عن كل عملية شحن بدينار واحد ضمن خدمة «light» من شأنها أن تسحب ثقة حرفائها الذين كثرت تذمراتهم من هذه السرقات اليومية التي تطال جيوبهم من دون وجه حق ومع ذلك لم تتحرك إدارة «تونزيانا» لوقف هذا النزيف اللاقانوني واللااخلاقي وقد صرت شخصيا أسمي هذه الشركة «بتونزياهم» ذلك أنها صارت توفر لأصحاب محلات الهواتف العمومية إمكانية الاستثراء على حساب المجموعة الوطنية، ويكفي أن نقوم بعملية حسابية بسيطة لترى حجم الخسارة التي يلحقها صمت «تونزيانا» باقتصاد البلاد، نعم اقتصاد البلاد، فمثلا محل عمومي واحد للهواتف يربح في الشهر الواحد من تلك الخمسين مليما والمائة مليم والمائتي مليم ما يقارب نصف مليون كاملا إذا ما اعتبرنا انه يقدم خدمة «light» يوميا بما قيمته مائة وثلاثون دينارا فقط... وطبعا علينا أن نضرب نصف مليون في ما لا يقل عن خمسمائة ألف محل هاتف عمومي في كامل البلاد... إنها ثروة بكاملها تنهب عنوة من قبل أصحاب تلك المحلات بإيعاز من صمت الشركة التي تقدم تلك الخدمات...
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما الذي سيكلف شركة «تونزيانا» أن تستصدر قانونا يجرّم كل من يطالب بمعلوم إضافي عن خدمة «light»، خاصة أنها هي التي تقطع معلوم الخدمة من قيمتها (40 مليما تقريبا عن الدينار الواحد) وتكثف المراقبة على هذه المحلات فالقانون وحده كما نعلم جميعا لا يطبق أبدا... ولم لا أيضا تحيل الأمر إلى منظمة الدفاع عن المستهلك ليقوما بحملة تحسيسية لكل مواطن على أن يتمسك بحقه المشروع في عدم دفع «جباية» اضافية.
أما من ناحيتي أنا فأقترح على «تونزيانا» أن تلزم كل من يطلب معلوما إضافيا بدفعه إلى صندوق تستحدثه هي لدعم الأعمال الثقافية كالسينما ونشر الكتب وغيرها...

2008/05/18

حوار مع عميد المحامين البشير الصيد

نطالب بإعفاء المحامين المتمرنين من أداء الضريبة الحكومية مدة تمرينهم

مثلت الأيام القليلة الماضية فترة انتقالية في تاريخ المحاماة التونسية بعد أن تمكن عميد هيئتها الحالية الأستاذ البشير الصيد من تحقيق أهم مكسب للقطاع الذي ناضل من أجله منذ أكثر من ثلاثين سنة والمتمثل في إحداث صندوق للضمان الاجتماعي خاص بالمحامين، إلى جانب العديد من المكاسب الأخرى المتعلقة بمعاليم طابع المحاماة وتسعيرة التساخير وصلاحيات نيابة المحامين وملكية نادي المحامين وتنظيم التربصات والدورات التدريبية وغيرها من مشاغل القطاع...
عن تفاصيل وحيثيات هذه المكاسب خصّنا السيد العميد بهذا الحوار المطوّل الذي أنجزناه على يومين بمكتبه بتونس العاصمة وللعلم فقد استعاد الأستاذ البشير الصيد عمادة هيئة المحامين في مؤتمرها الأخير 2007 بعد أن كان عميدا لها في دورة 2001/2004 وهو رئيس لجنة الدفاع عن العراق ورئيس منظمة مناهضة التطبيع مع العدو الصهيوني وعضو بالمكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب وعضو مؤسس لمنظمة العدالة الدولية ببروكسيل وقد استقال الأستاذ البشير الصيد من سلك القضاء سنة 1973 بعد أن باشره مدّة ست سنوات أسس أثناءها بمعية ثلة من القضاة جمعية القضاة الشبان وانتخب أول كاتب عام لها كما انتخب عضوا بالمجلس الأعلى للقضاء ثم التحق في نفس السنة أي سنة 73 بسلك المحاماة وكان واحدا من بين الذين رافعوا في قضية الاتحاد العام التونسي للشغل يوم26 جانفي 1978 وفي قضية قفصة سنة 1980 وجل القضايا النقابية والسياسية...


* كيف يقيم السيد العميد المكاسب التي تحققت للمحامين؟
ـ الصندوق تأسس منذ عشرات السنين للمحامين وتضمن قانونه ان يشمل امرين هما تولي دفع جرايات التقاعد والتعويض عن الحيطة الاجتماعية اي التأمين الصحي، غير ان في التنفيذ اشتغل الصندوق من طرف مجلس الهيئة بخصوص التقاعد ولكن بقي منقوصا بالنسبة للتغطية الاجتماعية، وكان قانون المهنة قد نصّ على ان يصدر امرا ينظم الصندوق في مهمتين: دفع جرايات التقاعد للمحامين ولعائلاتهم عند الوفاة وتكاليف العلاج، الا ان هذا الامر لم يصدر وبقي المحامون محرومين من التغطية الاجتماعية وقد طالبت هيئات عديدة وناضل المحامون من اجل تحقيق هذا الهدف الاجتماعي السامي لعشرات السنين واخيرا تحصلوا على مبتغاهم في عهد هيئتنا وعليه فاني اؤكد اني واعضاء مجلس الهيئة وهياكل المهنة نعتبر اننا قد حققنا انجازا كبيرا في هذا الصدد لطالما انتظره المحامون وذلك باصدار سيادة رئيس الجمهورية للامرعدد 355 المؤرخ في 11 فيفري 2008 المتعلق بتنظيم وتسيير صندوق الحيطة الاجتماعية والتقاعد للمحامين الذي أسسّ منظومة التأمين الصحي للمحامين وكذلك بإصدار الأمر عدد 359 المؤرخ في نفس التاريخ المتعلق بضبط طابع المحاماة وكيفية اصداره وتوزيعه والترفيع في معلومه بحيث إن احداث التغطية الاجتماعية لفائدة المحامين يعد انجازا كبيرا ومطلبا عظيما قد تحقق خاصة ان المحامين كانوا محرومين من ذلك ثم ان هذا الامر قد جاء بضمانات هامة بخصوص الناحية الصحية والتأمين الاجتماعي.
* هل يُفصّل السيد العميد للقراء هذه الضمانات؟
ـ في الحقيقة الضمانات هامة ومتعددة جاء بها الامر المتعلق بتنظيم وتسيير الصندوق منها التعويض مائة بالمائة (100) عن تكاليف العلاج المتعلق بالامراض الثقيلة والمزمنة والعمليات الجراحية وشمولية لتكاليف العلاج كافة وعن الفحوص والعيادات والزيارات والكشوفات والتحاليل الطبية والادوية والعمليات الجراحية والاقامة بالمستشفيات والمصحات والتنقل الصحي ومؤسسات العلاج الطبيعي وتقويم الاعضاء واستعمال الالات وتركيبها للتعويض أو المساعدة والاعمال شبه الطبية وكل الوسائل الهادفة للعلاج.وكذلك منح المنح الوقتية في صورة المرض والولادة والحوادث والوفاة، وأيضا وجوب اسداء جراية التقاعد لكل محام أو محامية كاملة من ذلك أنه في صورة ما إذا كان المحامي قد اشتغل قبل التحاقه بالمهنة في ادارة اخرى مدة 10 سنوات مثلا فمن حق الصندوق أن يطالب هذه الادارة بان تدفع له جراية التقاعد عن تلك المدّة.
* لماذا اصررتم على ان يكون التأمين الصحي للمحامين في اطار صندوق خاص بقطاعكم؟


ـ الحقيقة لعدة اسباب منها أن صندوق المحامين الخاص هو مطلب قديم جدا قد تم تأسيسه منذ عشرات السنين وهو يشتغل ويؤدي جرايات التقاعد للمحامين غير أنه بالنسبة للفرع الثاني المتعلق بالتأمين الصحي بقي معطلا ثم ان الصندوق الخاص نرى أنه يحافظ عن استقلالية مهنة المحاماة كما ان هذا الصندوق أقرب الى المحامي بحيث تكون الخدمات أسهل اليه وأقرب عندما تديره هيئته وأعتقد انه سيعطي خدمات افضل من الخدمات التي تعطيها الصناديق الاخرى وهذا في الحقيقة يرجع الى أن الجهات الرسمية عموما ووزارة العدل وخاصة رئيس الجمهورية قد استجابوا جميعا الى مقترحاتنا بنسبة 90 بالمائة وهم مشكورون على ذلك।
* ... وماهي بقية المكاسب التي تحصلتم عليها هذه الايام؟
ـ اضافة الى المكسب الكبير المتمثل في احداث التغطية الاجتماعية للمحامين، فقد تحصلنا على مكاسب اخرى على غاية من الاهمية كانت هي الاخرى بمناسبة استقبالي كعميد للمحامين من قبل رئيس الجمهورية يوم 19 فيفري 2008 الذي تفضل أولا بتحويل ملكية نادي المحامين بسكرة الى الهيئة الوطنية للمحامين وثانيا بتوسيع مجال عمل المحامي اذ قرّر: (أ) ان تكون نيابة المحامي وجوبية لدى محكمة التعقيب في جميع القضايا الجزائية ج (ب) ان تكون كذلك نيابة المحامي وجوبية لدى المحكمة العقارية في قضايا التحيين ومطالب التسجيل وثالثا بالترفيع في منحة التسخير، كما طلب مني سيادة الرئيس ان ارفع له مذكرة شاملة لكل الاصلاحات المنشودة في قطاع المحاماة وبهذه المناسبة، وباسمي وباسم مجلس الهيئة الوطنية للمحامين اتوجه لسيادته بشكري وتقديري على استجابته لهذه الاصلاحات الهامة والكبيرة التي تحققت للسان الدفاع كما لا يفوتني ان أشكر الاستاذ البشير التكاري وزير العدل على المجهودات الهامة التي بذلها هو ومساعدوه من السادة القضاة والموظفين السامين بوزارة العدل من أجل تحقيق الانجازات المذكورة لفائدة المحامين.
* بالنسبة للتأمين الصحي فقد تحقق بصدور الأوامر التي ذكرتها، لكن متى سيتم تنفيذ هذه القرارات بخصوص ملكية النادي والتوسيع في مجال عمل المحامي والترفيع في منحة التسخير؟


ـ أنا أعتبر أنه طالما أذن بها رئيس الدولة فقد تمّت ولا يمكن تأخير تنفيذها।
* ولكن هناك ايضا مطالبٌ اخرى ينتظر أهل القطاع تحقيقها؟
ـ لا شك ان مطالب المحامين عديدة ومتراكمة والقطاع يشكو من كثير من الاشكاليات وينتظر اصلاحات شاملة وعميقة من ذلك الوضع المادي والادبي للمحامين المتمرنين الذين اصبح عددهم مرتفعا حيث بلغ قرابة 1800 محامية ومحام متمرنين فالمتمرنون يشتكون من تدهور ظروفهم المادية بالدرجة الاولى وهم ضمان مستقبل المحاماة إذ يعانون من الخصاصة نظرا لعدة اسباب منها كثرة عدد المحامين لان المحاماة الان تستوعب أكثر مما تستوعبه مؤسسات الدولة مجتمعة من اصحاب الشهادات العليا اذ يقوم مجلس الهيئة للمحامين بترسيم حوالي700 محام ومحامية سنويا من أصحاب الشهائد العليا الذين يُقبلون على مهنة المحاماة وفيهم الكثيرون الذين يضطرون لهذا الالتحاق لعدم حصولهم على وظائف بمؤسسات أخرى، ولذلك فإن المحاماة تشغّل عددا هاما من أصحاب الشهائد العليا يفوق بكثير ممّا تشغّله المؤسسات العمومية والخاصة في البلاد ولذلك كان من أولويات اهتمامات مجلس الهيئة الوطنية الاعتناء بالمتمرنين إذ بادرنا بالعناية بهم من ذلك أننا أسسنا في دورة سابقة صندوق دعم المحامي التمرين وحرصنا على تشغيله في هذه الدورة وأسسنا المجلس العلمي الذي سيعتني بتطوير وتحديث مضامين وأساليب محاضرات التمرين وتنظيم دورات تدريبية وتنظيم دورات للاعلامية والانترنات والحلقات التكوينية التي تقوم بها الفروع، الا أن مجهود الهيئة الوطنية لا يكفي ولذلك تقدمنا للجهات الرسمية وخاصة وزارة العدل للمطالبة باصلاح أوضاع المحامين المتمرنين الذين هم في حاجة الى اصلاحات خاصة بهم زيادة على الاصلاحات المنشودة لعموم المحامين من ذلك طلبنا تأسيس منحة خاصة للمحامين المتمرنين يتقاضونها مدة تمرينهم (سنتين)واعفائهم من اداء الضريبة الحكومية مدة التمرين ومساهمة الدولة في تكاليف الملتقيات والندوات العلمية بتونس أو بالخارج وغير ذلك من المطالب التي رفعناها لوزارة العدل في مذكرات مكتوبة...
* هل هناك نيّة لاعفاء المحامين المتمرنين من أداء معاليم الانخراط في الصندوق على الاقل مدة التمرين؟
ـ مراعاة للوضع المالي للصندوق لم نستطع اعفاء المحامين المتمرنين اعفاءا كاملا من دفع الاشتراك السنوي للتغطية الصحية ولكن يسّرْنا عليهم ذلك بأن خَفّضْنا معلوم انخراطهم الى 100 دينار فقط وهو مبلغ يتماشى ووضعهم كمتمرنين خاصة بعد الترفيع في منحة التسخير، وأملنا بأن الدولة ستحسن أوضاعهم المالية عما قريب الى جانب حرص هياكل المهنة على توفير التوزيع العادل لقضايا التّسَاخير والاعانة العدلية بين المتمرنين।


* من أين ستتأتّى مداخيل صندوق التقاعد والحيطة الإجتماعية للمحامين؟
ـ المورد المالي الاساسي للصندوق سيتأتّى من مداخيل طابع المحاماة مع اضافة اشتراك سنوي رمزي قُدّر بـ 300 دينار بالنسبة للمحامي لدى التعقيب و250 دينارا للمحامي لدى الاستئناف و100 دينار للمحامي المتمرن، وحتى تكون الخدمات الصحية التي يسديها الصندوق للمحاميات والمحامين وعائلاتهم وابنائهم محترمة ومتميّزة تم الترفيع في معلوم طابع المحاماة كما ورد بالامر عدد 359 المؤرخ في 11 فيفري 2008 على النحو التالي: 6 دنانير لاعمال محكمة الناحية و12 دينارا لمطالب تسعير الاتعاب والاعمال أمام الدوائر الابتدائية للمحكمة الادارية والمحاكم الابتدائية العدلية والعسكرية و18 دينارا للعقود المتعلقة بالعقارات المرسمة بادارة الملكية العقارية والاعمال امام الدوائر التعقيبية والاستئنافية للمحكمة الادارية ومحكمة التعقيب ومحاكم الاستئناف العدلية والعسكرية علما أن تنفيذ دفع معاليم الطابع بالنسبة للمحامي أو المحامية وفق تسعيرة الترفيع المذكورة سيكون بداية من 1 ماي 2008.
* هل سيبقى معلوم طابع المحاماة من مشمولات وزارة المالية أم سيعود إلى مجلس ادارة الصندوق؟
ـ إن النصوص القانونية المنظمة لطابع المحاماة قد أعطت صلاحية لطبعه وترويجه منذ سنة 1993 لكل من وزارة المالية بواسطة القباضات المالية ولهيئة المحامين، لكن في الحقيقة منذ ذلك التاريخ فإن وزارة المالية متكفلة بالطبع والبيع واحالة المداخيل الى صندوق التقاعد والحيطة الاجتماعية، وأرى حاليا أن الامر سيبقى كذلك، غير أن عملية الطبع والبيع تتطلب مزيدا من التنظيم والأحكام خاصة أن مداخيل الطابع بعد ترفيع معلومه ستتضاعف بنسبة كبيرة.
* هل يرى السيد العميد أن هيئة المحامين مؤهلة للتسيير الاداري والمالي للصندوق، بمعنى هل لديها الكفاءة التقنية اللازمة لذلك؟
ـ أرى أن مجلس الهيئة الوطنية مؤهل كل التأهيل لإدارة الصندوق وتسييره والقيام بمهامه على أحسن وجه وذلك بناء على النقاط التالية:
(1) لنا كفاءات وخبرات من المحامين أنفسهم إذ فيهم من اشتغل سابقا بصناديق الدولة والصناديق الخاصة والذين اكتسبوا خبرة مهمة يمكن الاستعانة بهم.
(2) إن مجلس الهيئة الذي هو مجلس إدارة الصندوق يعتمد حسب الفصل 11 من أمر التنظيم على إدارة فنية وإدارية ومالية تتكون من إطارات وأعوان مختصين في الميدان يباشرون مهامهم تحت سلطة وإشراف مجلس الإدارة.
(3) يعتمد مجلس الإدارة أيضا على خبراء «إكتواريين» تابعين لوزارة المالية والشؤون الاجتماعية وهم دوليون ويعول عليهم خاصة في تقارير الدراسات والمحاسبة يمكن لمجلس الإدارة بمقتضى اتفاقية أن يكلف الغير بإنجاز بعض أو كل خدمات الصندوق ومعنى ذلك أن مجلس الإدارة يمكن له أن يتعاقد مع مؤسسة مختصة في ميدان التغطية الاجتماعية مثل الصندوق القومي للضمان الاجتماعي أو الشركات الخاصة لكي تقوم بالمهام الفنية والمالية والطبية المختصة كما يمكن أيضا لرئيس المجلس أن يفوض حق الإمضاء لأحد إطارات الصندوق المختصين وبذلك نرى أن كل الإمكانيات مفتوحة أمام مجلس إدارة الصندوق الذي هو في نفس الوقت مجلس إدارة الهيئة।
* هل هناك بالفعل مشروع لتسهيل شروط الحصول على القروض لفتح مكاتب المحاماة؟


ـ هذا الموضوع يتعلق ببناء علاقات مع البنوك التونسية حتى يمكن أن يحصل المحامون على قروض لقضاء الاحتياجات مثل فتح المكاتب على اثر ترسيم المحامين بالاستئناف أو لأغراض أخرى كقروض بناء المساكن وغير ذلك، ومن بين اهتماماتنا الحوار والتفاوض مع بعض البنوك قصد إبرام اتفاقيات تمكن المحامين من الحصول على قروض ميسّرة।* هل هناك جديد بخصوص المعهد الأعلى للمحاماة وتوحيد المدخل للمهنة؟
ـ من مطالب المحامين الهامة التي مازالت محل تفاوض وحوار مع وزارة العدل المعهد الأعلى للمحاماة الذي تم إحداثه منذ مدّة وذلك لأن قانون هذا المعهد والأوامر والقرارات التطبيقية لم تعط لهيئة المحامين دورا أساسيا في تسيير المعهد وفي مناظرات الدخول للمعهد والتخرّج وفي المجلس العلمي... وقد بيّنا إلى وزارة العدل النقاط السلبية بهذا الصدد وطالبناها بتنقيح هذه النصوص بما يُمكّن هيئة المحامين من دور فاعل وأساسي في هذا المعهد الذي هو معهد محاماة وليس كلية وليس مدرسة عليا في القانون والحوار مازال متواصلا بهذا الصدد.
* ستنعقد الجلسة العامة الانتخابية للمحامين الشبان يوم السبت القادم 8 مارس 2008 فكيف ترون آفاق هذه الجلسة وحظوظ المرشحين؟
ـ بالنسبة لي كعميد للمحامين لستُ منحازا لأي مترشح ومن سيفرزهم الصندوق أهلا وسهلا بهم فستتعامل معهم الهيئة وتدعمهم ،وما أحرص عليه أنا ومجلس الهيئة هو أن تتوفر في هذه الانتخابات الموضوعية والشفافية بحيث تكون شفافة ونزيهة في إطار ديمقراطي بين كل المترشحين وحتى لا يقع الطعن في الصندوق الانتخابي. وقعتم مؤخرا اتفاقية مع المجلس الوطني لنقابات المحامين بفرنسا فما هو فحوى هذه الاتفاقية؟ـ الاتفاقية التي وقعناها مع مجلس هيئات المحامين في فرنسا هامة جدا لأنها تتضمن عدة مواضيع تتعلق بالتعاون بين الطرفين مثل إجراء التربصات للمحامين وتنظيم ندوات ودورات تكوينية وقانونية وكذلك يتعلق التعاون بالمسائل الإدارية والمعلوماتية التي تساعد المحامين التونسيين على تطوير وتحديث مهنة المحاماة وتجعلها مواكبة لعصرها.
* ألا ترى أن تفاوضكم وإتباعكم لأسلوب الحوار مع السلطة يخلّ باستقلاليتكم واستقلالية المهنة؟
ـ خلافا لم يروجه بعضهم انطلاقا من خلفية ليست سليمة فإني متشبث باستقلاليتي كمحام أولا وكعميد لهيئة المحامين ثانيا ومتشبث باستقلالية الهيئة وأدافع عنها دفاعا مستميتا والحوار والتفاوض لا ينال من أية استقلالية، بل بالعكس عندما يكون جديا وفي إطار الاحترام فهو يمثل الاستقلالية الكاملة، وليست الاستقلالية عنوانا للتشنّج أو الخصام أو التزيّد أو التهجم على الطرف المقابل أو رفض الآخر بل هي ثبات على المبدأ ومقارعة الحجة بالحجة والدفاع عن المطالب المشروعة، وأنا كعميد للمحامين متمسّك بقناعاتي وتوجهاتي।


* في الدورة السابقة للعمادة استعملتم أساليب وآليات العمل النقابي من اضرابات ورفع للشارة الحمراء واعتصامات... لكن في هذه الدورة توخيتم منهج الحوار والتفاوض فما الذي يبرّر هذا التحوّل؟
ـ هيئة المحامين هي في الحقيقة نقابة تدافع عن حظوظ منخرطيها ماديّا وأدبيا وأنا أؤمن بالعمل النقابي وكنت في الدورة السابقة أول عميد في تاريخ مهنة المحاماة التونسية لجأ إلى استعمال الأساليب النقابية في الدورة السابقة واعتبر نفسي مؤسسا للأسلوب النقابي في قطاع المحاماة إذ قمنا في الدورة السابقة بإضرابات واعتصامات ورفع الشارة الحمراء من اجل تحقيق مطالب المحامين ولكن الذي يخطئ فيه البعض أو يتجاهله أن الأسلوب النقابي يتكون من فرعين اثنين: الفرع الأول يتمثل في أن ممثل النقابة يقوم بالحوار والتفاوض مع الجهات الرسمية لتحقيق مطالب منظوريه وينبغي أن يكون هذا الحوار مركّزا وثابتا ومستمرا ولا يمكن التخلي عنه إلاّ إذا سُدّت الأبواب ولم يأت بنتيجة، آنذاك يقع الانتقال إلى الفرع الثاني والمتمثل في استعمال الآليات والنضالات النقابية السلمية والقانونية مثل الإضراب والاحتجاج والاعتصام إلى آخره، وعندما يقع استعمال هذه الأساليب النضالية تقع العودة إلى الفرع الأول أي الحوار والتفاوض وإذا أثمر الحوار والتفاوض عن نتائج ايجابية لا مبرّر للانتقال إلى الفرع الثاني أي لا فائدة في استعمال الاحتجاجات النقابية عندما تحقق أية نقابة مكاسب جدية ونحن في هذه الدورة طالبنا بالحوار مع الجهات الرسمية ففتحت وزارة العدل الحوار معنا على مصراعيه وشرعنا في التفاوض حول مطالب المحامين فور انتخابنا ومرت جلسات عديدة سادها الاحترام وتهدف إلى تحقيق الحلول لإصلاح قطاع المحاماة وفعلا أثمر الحوار والتفاوض نتائج ايجابية جدية وكسب المحامون مكاسب هامة وهي التي سبق بيانها في هذا الحوار.

2008/05/17

بورتريهات حية من مجتمع ميت



غالبا ما تأخذنا حالة من الاندهاش والتعجب المتلبسة بالإحساس بالحسد المقيت والغيرة من ذاك الرسام الذي يتقن، حد التماهي، ويجيد جيدا رسم ملامح صورة شخص ما، عادة ما يكون مشهورا، وغالبا أيضا ما تجمعه به علاقة حميمة، قرابة أو صداقة أو إعجاب...
وغالبا ما تعرض تلك الصور التي تسمى أيضا بورتريهات، في المزادات العلنية وتباع بأثمان خيالية... وهذا أمر طبيعي، أولا لشهرة المرسوم وثانيا لإتقان الرسام وايجادته في إخراج البورتريه...
أما مجموع البورتريهات التي سأعرضها تباعا، فهي ليست لمشاهير ولا لنجوم أو لعظماء البشرية الذين عاشوا وأفادوا وماتوا وما ماتوا، إنما هي لأشخاص أحياء يعيشون ويتنفسون بيننا، نراهم كل يوم تقريبا، وتصلنا أخبارهم إن غابوا عن أنظارنا.
كما أن هذه البورتريهات التي ستكتشفون ملامحها لم تكلفني البتة لا قلم رصاص ولا ممحاة، ولا مرسم تنهمر على أركانه الموسيقى الهادئة وشلالات الضوء الخافت... فقط طوعت لملامحها وأنفاسها بعضا من الحبر اللغوي ومن التصنيف الوظيفي لوجودها بيننا...
بورتريه 1
يركٌن سيارته «الفورد» وسط المأوى المحاذي لمحلات «ماكدونالد»، ويتجه مباشرة إلى ركنه المعتاد ليحتسى قهوته الصباحية المفضلة من نوع «ناسكافيه»، ويدخن معها سيجارتان لا أكثر من نوع «مالبورو»، ثم يمضي بعدها إلى ساحة الاجتماعات الكبرى ليلقي خطابا رنانا أمام الآلاف من الكادحين والعمال المتعاقدين وغير المضمونين اجتماعيا.... ويتناثر بصاقه على المصدح وهو يلح على ضرورة مقاطعة البضائع الإمبريالية باعتبارها تمثل سلاح أمريكا والدوائر الصهيونية والشركات العابرة للإنسانية الخطيرة التي تدمر الاقتصاد الوطني النامي!!!
بورتريه 2
لم يمض أكثر من ربع ساعة تقريبا وهو متسمر خلف ظهر سكرتيرته التي تشتغل لديه منذ أربع سنوات بعقد شغل. أملى عليها خاتمة الكلمة التي سيلقيه في المؤتمر العربي لتجمع الأحزاب المعارضة، وكاد يكسر لها عنقها عندما أخطأت رسم كلمتي الديمقراطية والتعددية الحزبية. عندما أنهى حصة الإملاء غادر مقر الحزب مباشرة نحو بيته حيث ألحت عليه زوجته وابنه وابنته بالحضور فورا. لما فتح له الخادم الباب، دلف إلى الصالة الفسيحة، أطفأت أنوار القصر ولاحت له من بعيد ثلاثون شمعة بالتمام والكمال. كانت عائلته تحتفل بذكرى توليه رئاسة الحزب منذ سنة 1976. أطفأ الشموع الثلاثين وقبلته زوجته وابنه وابنته وتمنوا له أن يظل رئيسا لحزبه الديمقراطي ثلاثون سنة أخرى!!!
بورتريه 3
لم يتلعثم أمام الكاميرا وهو يتحدث في البرنامج التلفزيوني، الذي يبث مباشرة، عندما انطلق في حديث مشحون عن فناني «الغلبة» الذين يتقافزون في الفضائيات والذين يغنون أي كلام بأي لحن وفي أي مكان، ويظهرون لنا وله أيضا مثل الكوابيس المزعجة وهم عراة حفاة ينطون كالقردة السائبة...كان حديثه متوازنا ومشحونا إلى أن انتهت الحصة المخصصة له.
أسبوع واحد، يظهر نفس الفنان على فضائية أخرى حافي القدمين، نصف حليق وهو يقدم للسادة النظارة «روميكس» نصفه ثغاء ونصفه الباقي قرع أرعن، ويصرح بعد نصف دقيقة – الزمن الكامل للأغنية الروميكس – بأن النسق أقوى من المبادئ، وأنه يلبي رغبة جمهوره «السميع»!!!
بورتريه 4
يشاهد بأم عينيه أن عدد المتسولين في الشارع يضاعف عدد حجارة الأرصفة، ويتابع بانتباه شديد آلاف المومسات يلقين حبالهن أمام أعين الأمن، ويمر بمظاهرات الطلبة المعطلين عن العمل منذ سنوات، ويقتني من السوق المركزية سمكة واحدة بنصف راتبه تقريبا. ينفض قميصه قبل أن ينام علً شرطيا يسقط من جيبه لكثرة ما شاهدهم في كل الزوايا يثقبون الظهور والبطون بأعينهم...
يعيش كل هذه الوضعيات يوميا ثم يرفع الكاميرا فوق ظهره ويخرج لنا فيلما عن الحب والأمان والراحة والعيش الرغيد!!!
بورتريه 5
يضع نظارته السوداء فوق عينيه عندما يشاهد منحرفا يفتح وجه فتاة بمدية حاد، ويرفع عصاه الغليظة في وجه ذاك الصبي الذي يبيع السجائر والعلكة بمحطات الحافلات. يرفع التحية للسيارة السوداء الفخمة المارة بالشارع ثم يوقف سيارة شعبية ليضع في جيبه ما غنمه بفضل امتياز زيه... يمطر جماهير الطلبة الهادرة أملا وألما بالقنابل المسيلة للدموع ثم يحمي الصعاليك والمنحرفين المتجهين نحو ملاعب كرة القدم... يرفع كل الحواجز الممكنة ليمنع المارة من الانعطاف نحو مقرات المنظمات الحقوقية ثم يفتح أبواب الحافلات والسيارات الخاصة والقطارات ليقل الناس إلى حيث يأتي الزعيم... يمارس كل تلك الأفعال وهو يلمع الشعار الوطني الذي يتدلى فوق صدره!!!

بورتريه 6
يأتي إلى الجامعة محملا بالأفكار والكتب والشعارات ويموت لأجلها طوال سنوات دراسته داخل أسوار الجامعة، يضرب عن الطعام ويسير في المصفوف الأمامية للمظاهرات ويلقي خطبا عصماء أمام الرفاق... يلعن النظام الذي حرمه من حقه في مجانية التعليم وجعل الكتب باهضة الثمن (مثل السمك) والسكن الجامعي غير متوفر ومنحة الدراسة لا تمنح... يفعل كل ذلك وتختلط دماؤه بجدران الجامعة استبسالا ومقاومة لأي بذرة خيانة لمبادئه...
عندما يتخرج ويحصل على إجازته، يترك كل الأفكار والكتب والمبادئ والشعارات والشهائد العلمية خلف أسوار الجامعة ويدخل إلى وظيفته ببطاقة حزبية وربطة عنق قزحية!!!
آخر بورتريه
ظل وحيدا داخل مرسمه يرفع الألوان في وجه البياض الصامت، راسما الأوجاع ومصورا الملامح مثلما هي. لم يتقن أبدا فن الخداع والتزييف. ظل وفيا لرأسه وريشته، رغم انه لم يشارك في أي معرض فني، فكل من شاهد رسومه ابتأس لفجاجتها وفضاعتها. في الحقيقة لم تكن رسومه فجة وفظيعة إلى درجة حرمانه من عرضها للعموم، وإنما كانت فقط رسوما حية... أو بالأحرى بورتريهات حية لملامح ميتة...
المرة الوحيدة التي دعي فيها للمشاركة بستة بورتريهات في معرض عالمي، لم يدر من أين انهالت على مرسمه تلك الجرافات العظيمة التي صيرته في لحظات معدودة ركاما هائلا من الحجارة والألوان، ولم يشعر بأي الم وهو يرى ذراعيه الاثنين ينعجنان مع الحجارة والألوان في محاولة يائسة ليظفر ولو ببورتريه واحد... وإلى الآن مازال ذاك الرسام معطوب الذراعين ويأس من التدرب على الرسم من جديد بأصابع ساقيه...
عندما زاره الزعيم وشمله برعايته وعطفه، منحه ذراعين من خشب، فرسم ستة بورتريهات مميزة لمناضل ثوري ورئيس حزب ديمقراطي ومطرب ومخرج سينمائي ورجل أمن وطالب جامعي، وقد نال على أعماله تلك وساما تقديريا وصار يعرض بورتريهاته في كل مكان!!!

2008/05/14

مزاد سرّي



بين حلم ويقظة ألفيت نفسي بين كوكبة من الرؤوس الآدميــة المشرئبة إلى صوت جهوري ينفذ إلى الصدور الواهنة وهو يفتتح مزادا سريا للتفريط في إضمامة من الأفكار والبــرامج التلفزية والإذاعية، تمت عُقلتها من بعض «الجماجم المثقفة» بعد ان تُركت متدلية فوق جثث أصحابها مثل عنــاقيد العنب وسط مقــاهي البلاد وحانـــاتها...
لم أتحسر كثيرا لافتقادي الأموال اللازمة لاقتناء بعضا من تلك المبيعات، بل لم أتحسر أصلا فالمزاد الذي ألفيت نفسي واقفا فيه انتفت منه شروط البيع بالحاضر والحمولة وغاب عنه محامي تنفيذ عمليات البيع، فكل الحاضرين كان لهم الحق في الاختيار والتأشير على الفكرة أو البرنامج الذي يقدر على تجسيده على أرض الواقع...لم تكن عملة الاختيار والتأشير الدينار التونسي، فقط كانت العملة المطلوبة الجرأة والشجاعة لتنفيذ البرامج التي يقع اختيارها.ألا أونو، ألا دوي، ألا تري، من يفتتح المزاد... من يفتتح المزاد... أفكار... برامج... مواضيع... اختاروا ولا تحتاروا... اقتربت قليلا حذو المصطبة التي يقف فوقها ذلك الرجل الذي يدير هذا المزاد، لم أكن أعرفه ولكني كنت أرى فيه ملامح وقسمات العديد من المفكرين الأحرار... وبعضا من أنفاس الإعلاميين والصحفيين الذين تركوا بصمتهم في تاريخ الحبر والأثير... وبالمقابل تعرّفت على اغلب الحاضرين في المزاد... كانوا زملاء وزميلات من مختلف المؤسسات الإعلامية الوطنية، السمعية والبصرية والمكتوبة والالكترونية...وزعت بعض التحايا والابتسامات على بعضهم ثم صوّبت سمعي وانتباهي إلى رجل المصطبة...
ألا أونو ألا دوي ألا ثري، أفتتح المزاد... اختاروا الأفكار... اغنموا البرامج... أثثوا منابركم... استعيدوا قراءكم ومشاهديكم ومستمعيكم... أذيعوا... اكتبوا... بثوا... ناقشوا... تحدثوا... هذه دفعة على الحساب وستتوالى المزادات وسيفتتح باب التواصل وتسري بينكم وبين المواطنين الثقة والتشجيع... هاكم هذه الأفكار الأولية...
ـ برنامج تلفزي عن العمل بالمناولة والتقاعد وشروط الانتداب.
ـ برنامج إذاعي عن خوصصة المؤسسات العمومية
ـ مقالات صحفية عن سرقة الآثار الوطنيةـ برنامج تلفزي عن العنف في المعاهد والمدارس
ـ برنامج إذاعي عن غلاء الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية
ـ برنامج تلفزي عن سوء شبكة الطرقات داخل البلاد.ـ مقالات صحفية عن حرية الإعلام والانترنت.
ـ برنامج تلفزي عن الكتب الممنوعة من النشر.
ـ برنامج تلفزي عن ارتفاع الضرائبـ مقالات وبرامج عن الفرق بين السلطة والدولة
ـ مقالات وبرامج عن علاقة الإدارة بالمواطن.
مقالات، برامج، تلفزة، إذاعات، مواقع الكترونية...أعرف أن أغلبكم تطرق لهذه الأفكار والمواضيع... ولكن في هذا المزاد عليكم أن تعرفوا أن الشرط ليس توفر الفكرة وإنما زاوية طرح الفكرة...
إن البرنامج الناجح والمقال الأكثر مقروئية والإذاعة الأكثر استساغا هي تلك التي تكون أكثر التصاقا بالمواطن، بهمومه الحقيقية وبمشاغله اليومية...

2008/05/12

الثقافة والسوق السوداء



تنشط السوق الموازية أو السوق اللاقانونية، التي نطلق عليها اسم السوق السوداء، خاصة في الميدان الرياضي وتحديدا في بيع تذاكر المباريات ذات المنعرجات الحاسمة في البطولة أو الكأس في أذهان من يعتبرون أن الرياضة من الامور الحاسمة في بناء مجتمع ما.
كما تنشط أيضا السوق السوداء لدى أولئك الذين يكتبون على جدران بيوتهم «هنا يباع الخمر خلسة!!!» وأيضا لبعض المنتوجات الاستهلاكية التي يتكالب عليها المواطنون في المواسم والأعياد فترى الطوابير طويلة كالثعابين أمام الدكاكين والحوانيت ... في مقابل هذه الظاهرة التجارية بالأساس، تظل الثقافة ـ نتاجا وفعاليات ـ سوقا كاسدة لا تغري المغامرين والمقامرين باستثمار حيلهم وأساليبهم في التمعش منها في نطاق سوقهم السوداء ... إذ لا يزال سوق الثقافة أبيض شاحبا إلا فيما ندر من حفلات الهرج والمرج التي تنتظم هنا أو هناك والتي تمثل «المصيدة» و «الفخ» و «الوليمة» للذين يمارسون عمليات البيع اللاقانونية لجمهور الشباب المندحر بعيدا بعيدا في أقانيم الجهلوت والعمى المُنذر بالخراب الماثل قيد أنملة من خطواتنا...ومن دون التوغل في شعاب اللغة «الفضفاضة» والأفكار التي قد تبدو للبعض هدامة وسوداوية سأكتفي بالإشارة الى بعض «الحالات الثقافية» لنلامس شبح الموت القادم على مهل ... هل شاهدتم مثلا سوقا سوداء لبيع تذاكر الدخول لقاعات السينما التي تعرض أفلاما تونسية (بغض النظر عن القرصنة الرديئة والمسيئة لتقليد الفرجة داخل القاعات والمكرسة لتقليد استهلاك الثقافة فقط)؟!هل لمحتم يوما ما بائعي تذاكر مسرحيات وطنية أو حتى في أيام قرطاج المسرحية أو السينمائية؟!هل شاهدتم سوقا سوداء تبيع هذه الرواية أو تلك المجموعة الشعرية أو ذاك الكتاب النقدي؟!هل استوقفكم يوما ما بائع تذاكر سوداء أمام متحف أو دار ثقافة أو ناد ثقافي بمناسبة ندوة أو محاضرة أو أمسية شعرية ؟!!أبدا، ... فهذا السياق لا يستهويهم ولايدر عليهم الأموال كالخمور والخراف وصياح الملاعب وهستيريا القبة وقرطاج ...أعرف أني أنظر للاقانون وللممارسات اللاأخلاقية ولكن أعتقد أن الأمر لم يعد يحتمل وأخشى أن يأتي اليوم الذي تغلق فيه كل المكتبات وكل دور الثقافة ونواديها وكل الفضاءات الحرّة التي تراهن على الثقافة الحرّة ...
ويصاب كل الكتاب والشعراء بسكتة إبداعية!!!أخشى أن تصير رقعة الشطرنج سوداء لا يرفرف فوقها إلا علم القرصنة والقراصنة... وعصابات السوق السوداء...

2008/05/05

السياسي والديني في المجال الإسلامي لمحمد الشريف الفرجاني:


مقاربة نقديّة للقراءة الأصوليّة والطرح الاستشرافي

«النشأة» و»التطوّر» هما المفهومان الأساسيّان اللذان دفعا بالبحث في وجهة جعلت منه سعيا دؤوبا إلى الكشف عن ذاكرة الكلمات والوقائع والأفكار والمؤسسات، وعن كيفية تناسلها وعن الروابط فيما بينها»، بهذا المقتطف المفصلي الدّقيق، الذي ورد ضمن مقدّمة الكتاب، يمكن للقارئ العربي أن يقف على جدّية ومتانة المقاربة النقدية بمنهجها التفكيكي التي قدمها ضمن مؤلّفه الجديد الصادر بالمغرب حديثا والذي وسمه بـ «السياسي والديني في ـ المجال الإسلامي»... ومحمد الشريف الفرجاني أستاذ بجامعة ليون الثانية، أصدر العديد من الدّراسات عن الإسلام والعالم العربي، منها «سُبل الإسلام: مقاربة علمانية للظواهر الإسلامية» (1966) و »الاسلاموية، العلمانيّة وحقوق الإنسان» (1992)، وقد صدر كتاب «السياسي والديني في المجال الإسلامي» ضمن سلسلة «الدين والمجتمع» عن «منشورات مقدمات» المغربيّة وقام بترجمة الكتاب محمّد الصغير جنجار ـ مدير سلسلة «الدين والمجتمع».. بدعم من مصلحة التعاون والعمل الثقافي التابعة للسفارة الفرنسية بالمغرب.
وضمن مقدّمة المترجم أكّد محمد الصغير جنجار نموذجية نص الأستاذ محمد الشريف الفرجاني باعتباره «يعالج موضوعا محوريّا لم يفتأ السجال بشأنه يتأجج منذ عدّة عقود. أنّه موضوع العلاقة بين السياسي والديني الذي يوجد اليوم في قلب نقاش داخلي يفرز استقطابات ايديولوجية المنهجية الضروريّة للخروج من مأزق ثنائية، المقاربتين الأصولية والاستشرافية «لإشكالية السياسي والديني في المجال الاسلامي»، كما يأتي كتاب محمد الشريف الفرجاني خير ردّ ـ كما كتب عبده الفيلالي الأنصاري ـ على «أطروحات برنارد لويس، لكونه يقيم البرهان على أن ما اعتبره هذا الأخير اللغة السياسية للإسلام ليس في واقع الأمر سوى لغة الإسلام السياسي».
ويقوّض كتاب «السياسي والديني في المجال الإسلامي» التمركز الإثني لحساب كونية الإنسان المهدّدة بأسطرة الدين سواء كان إسلاميا أو يهوديا أو مسيحيا، وكذلك يقوّض المركزيّة الغربية المُفرطة في عدائها لكل من غايرها...
كتاب محمد الشريف الفرجاني احتوى متنه على حشد كبير من المفاهيم والأفكار والوقائع التي فكّكها وفكّك بنياتها مثل النظام القبلي والحكم السياسي والقانوني في القران ومفاهيم الأمة والملة والإمامة والخلافة وجدلية الحرب والسلم في القران وسلطة الله وسلطة القيصر والنظريات السياسية الشيعيّة والسنيّة والتصوّف والشريعة والحقوق وحريّة المعتقد ووضعيّة المرأة في المجتمعات الإسلامية والعلمانية...

2008/05/03

الشباب والامبريالية



«اليوم لا يوجد شعب واحد معيّن يحتاج للتّحرير. واليوم لا يوجد شعب واحد معيّن يحتاج للإنقاذ. اليوم، يحتاج العالم بأسره وكل البشريّة للتّحرير والإنقاذ». من هذه الإشارة المُختصرة، البليغة والواضحة لفيدال كاسترو يمكننا أن نتحسّس وضعنا اليوم، باعتبارنا جزءا مهما من العالم ومن البشريّة جمعاء، جزءا مهما من العالم المنهوبة ثرواته لمدّة خمسة قرون من طرف قوى النّهب والاستغلال بمختلف تمظهراتها: أسطورة الشّعب المختار... اليهود... ثم الكنيسة الكاثوليكيّة في روما، ثم البروتستانت في بريطانيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة... رأسماليّة... استعماريّة... ليبراليّة ديمقراطية... نيوليبيراليّة... إمبريالية... عولمة...
نتحسّس وضعنا باعتبارنا جزءا مهما من البشرية جمعاء وتحديدا من ألـ 80 بالمائة الفائضين عن الحاجة، الذين لن يمكنهم العيش إلا من خلال الإحسان والتّبرّعات وأعمال الخير ومن خلال عولمة التّضامن، هذا إذا ما صمت منظّرو العولمة واقتصاديّوها عن مقولاتهم الرّاهنة المصمّمة على إن مراعاة البُعد الاجتماعي واحتياجات الفقراء أصبحت عبئا لا يُطاق وأن شيئا من اللامساواة بات أمرا لا مناص منه، وأن دولة الرّفاه تهدّد المستقبل، وأنها كانت مجرّد تنازل من جانب رأس المال إبان الحرب الباردة، وان ذلك التّنازل لم يعد له الآن ما يبرّره بعد انتهاء هذه الحرب...
إن قتامة المستقبل الذي يخشاه الـ20 بالمائة النّاهبين هي أبلغ صورة عن الماضي المتوحّش للنّظام الرّأسمالي الذي أرسوه هم والذي استنزف جميع خيرات الأرض وقوى العمّال بما يكفي لتدميرها وإفناء شعوبها المفقّرة، ونتيجة للحاضر المبني على مجتمع الخُمس الثّريّ (20 بالمائة) وأربعة الأخماس المُفقّرين الذين يمثلون 80 بالمائة.
والسّؤال البسيط والضّروري في آن الذي يتوجّب طرحه بكل إلحاح أمام هذين الرّقمين الفارقين 80 بالمائة و20 بالمائة هو : ما الذي يؤمّن للأقليّة الثّريّة الاستمرار بالاستغلال والنّهب والحكم الاستبدادي؟ وما الذي يمنع الأغلبيّة الفقيرة من الخروج من توابيت موتهم التي يتنقّلون بها من رصيف الجوع إلى رصيف البطالة ورصيف الإبادة الجماعية حينا والإعدام الفردي حينا آخر؟ وهل من الضروري التذكير بأن الحرية هي شبيهة بنا نحن المنعجنين بصهد الأيام المكرورة نٌلاطم أمواجا عاتية ليست سوى أنفاسنا نحن الـ80 بالمائة...
إن المطروح اليوم، من مهام ومسؤوليات، على كافة «الأنفاس الفائضة» ليست بالضرورة مهامات ومسؤوليات ثورية أو متمردة، بل هو الالتقاء الواعي بين جميع قواها الحية منها والمقهورة المشتتة في كل دول جهتي الأرض الجنوبي والشمالي، لتحديد وإيجاد نقطة اتفاق حول أكثر من نظام بدءا بالليبرالية والرأسمالية والإمبريالية ووصولا إلى العولمة والحداثة وما بعدهما، وحتى مفهوم المجتمع المدني بمنظماته وهيئاته علينا أن نتفق حول الصيغة الأمثل التي تحسم أكثر من عائق يحول دون نجاعة نضاله بدءا بالتشكيك في التمويل ووصولا إلى تجاوز صبغة المنظمات والجمعيات والهيئات، نسوية أو ذكورية، سياسية أو نقابية، ثورية أو إصلاحية... فكل هذه التعلات لا تخدم إلا مصالح الأنظمة الاستبدادية بصنفيها المدني أو التيوقراطي.
«من أجل عالم للشباب ممكن» شعار لا بد آن يرفعه كل شاب وشابة في كل العواصم ليقض مضاجع الناهبين ويضخ الأمل في خطوات المنهوبين في العالم ... شعار آعتقد أنه آن لشباب العالم أن يتوحد حوله في اليوم العالمي لمناهضة الامبريالية الموافق ليوم 24 أفريل ضد كل أشكال الامبريالية بدءا من امبريالية الأب وصولا إلى امبريالية الدولة...

2008/04/22

فيلم «بابا عزيز» للتونسي الناصر خمير


اشراقات تونسيّة بايقاعات ايرانيّة
عندما أنهيتُ فيلم «بابا عزيز» للمخرج التونسي الناصر خمير الذي يُعرض هذه الأيّام بقاعة «أفريكا آر» تذكرت تفسير ابن عربي لمفهوم الكرامات بأنّها تشبه السحر وليست بسحر، بل انّ لها حقيقة في نفسها، تذكرّت هذا التعريف لأنّ فيلم «بابا عزيز» هو السحر بعينه الذي لافكاك لمُشاهده من الانبهار به والافتخار بأنّ هذا الفيلم من اخراج تونسي اسمه الناصر خمير...


فالفيلم الذي يمنحك فرصة لطيّ الأرض والمشي على الماء واختراق الهواء والأكل من الكون هو لا محالة يحتكم لنص آبق طافح حمّال لشتى التأويلات، وهو فيلم ارتفع بمشاهده إلى مصاف التجلّي وأبعد، ذلك أنّ فيلم «بابا عزيز» لا يروي حكاية يوميّة بقدر ما يستنفر الحواس لتقف على ذروة نقاط الاستفهام الكونيّة لا المحليّة... لأنّ المُشاهد مهما كان جنسه سيلفي نفسه ملقيّا في «بئر الحقيقة» لأنه ببساطة صعد من بطن الأرض كنقطة تائهة في البحر أو نجمة في السماء، أو هو حبّةرمل في صحراء لا تعرف السكون والاستقرار...
هكذا قدّم لنا الناصر خمير «ايشار» و»بابا عزيز» وكل أبطال الفيلم مثل الفراشات التي تحترق بكنه الوجود ولا تموت... لأنّ المطمئن لا يضيع الطريق مادامت بصيرته تقود بصره...
دراويشٌ... غزالة... فراشات... رسالة حرير... قطة... جميعها وغيرها تناثرت شُهبًا فوق صحراء شاسعة لم تكن مكانا بقدر ما كانت زمانا افتتحه بالجُحر وبالقبر أُختتم.. وفوق أديمه كان بين الأبطال وحقيقة وجودهم عقبة كؤود فكان تجليهم ـ في الفيلم ـ ماهو إلاّ انتقالٌ من حال إلى حال في صمت وصدق مثلما كان انتقال المشاهد من صورة الى أخرى ومن مشهد إلى ثان بفضل حبكة الناصر خمير وحدسه العميق الذي يسّر له سيلان المشاهد في أرض بلا دليل فكان فيلم «بابا عزيز» وحدة كاملة متكاملة في خطابه وصورته وموسيقاها...
فهذا الفيلم كان باذخًا في موسيقاها التي تراوحت بين الفارسية والكردية والايرانية والتركية والحضرة التونسيّة... وكان سخيّا بصوره ومشاهده التي تنفتح من الكل لتبلغ الجزء وكذا كان خطابه ونصّه طافحًا بالاحالات والدلالات والرموز أسوة بقول ابن عربي أن «الحقيقة تأبى الحصر في نفس الأمر»...
مع هذا الفيلم للناصر خمير تؤمن بأنّ العيان البصري لا يعوّل عليه، بعكس عيان البصيرة... تؤمن بأنّ السينما أكبر من الصورة والموسيقى والأحداث... بل تؤمن بأنّ «بابا عزيز» هو أنت وأنّ رحلته هي رحلتك وسؤاله هو سؤالك.. فإذا أبصرته أبصرك وإذا أبصرك أبصرته... كأنّها الاشراقاتُ.. أو هي عينها وذاتها...

2008/04/14

معارض الشعوذة


أيام قليلة تفصلنا عن دورة جديدة للمعرض السنوي للكتاب والذي مازال ـ رغم تراجعه ـ يوفّر مساحة محترمة من ديناميكية وحركيّة ثقافية مدّة ايامه العشرة حيث يتذكّرالتونسي أنه طلّق الكتاب والقراءة واندحر بعيدا في أقانيم البيولوجيا الزائلة، حاصرته «كتب» السحر والشعوذة والطبخ والتجميل والتطبيب البدائي.. فيسارع نزرٌ قليل من الطلبة والمثقفين والكُتّاب لفكّ أسلاك الحصار ورأْب صدْع الهجران الفكري فيلوذ بقصر المعارض بالكرم ليُنقذ دماغه من مستنقع التخلّف والرجعيّة... ولكن... (اللعنة عليك أيتها اللكن)
لكن معرض الكتاب ـ منذ عدّة دورات ـ صار بدوره معرضا ضخما لمنشورات «تسويق التجهيل» ذلك أن أغلب أجنحته باتت تكتنز بالمجلّدات والكتب والأقراص الليزريّة المروّجة لكل ما يعوق الفكر ويشلُّه عن الاستنارة والعقلانيّة ويكبّله في «ظلاميّة معتدلة» و»رجعيّة معاصرة» و»جاهليّة القرن الحادي والعشرين»، و»بدائية الانسان التكنولوجي».. حيثُ تُزاحم الميثولوجيا التكنولوجيا وتُقصي الرجعيّة التقدميّة وتخترق مسوّغات الاستكانة كل مقوّمات العقلانية..
قصر المعارض بالكرم لم يعد يختلف ـ اثناء احتضانه لمعرض الكتاب ـ عن ساحة برشلونة او ساحة الباساج اين تنتصب أكشاك بين كتب السحر والشعوذة، بل ان معرض الكتاب يكاد يكون امتدادا أكبر للمركز الثقافي الروسي الكائن بشارع الحرية بالعاصمةوالذي تحوّل بَهْوُهٌ الخارجي منذ ثلاث سنوات خلت الى معرض دائم لعناوين من قبيل «روائح الشوربات والحساء» و»حلّي مائدتك» و»وصايا الطبيب ابن مفلح» و»التداوي بالعسل» و»الشاي مزاج وصحّة» و...
تصوّروا كيف أن المركز الثقافي الروسي يتحول الى أرض خصبة لتفريخ «الفكر» الأصولي... تخيّلوا أن كتب ماركس وانجلزولينين وغوركي ونابوكوف وديستوفسكي ومياكو فسكي وتشيخوف وتولستوي تندثر أمام «كتب» «تسخير الجان لمنفعة الانسان» و»تسخير الشياطين في وصال العاشقين» و»بلوغ الامل في علم الرمل» و»أحكام الحكيم في علم التنجيم» و»الجواهر المصونة واللآلئ المكنونة»..
وحدها بعض دور النشر التونسية والمغربية واللبنانية وبعض الدور العربية الموجودة بالفضاء الاوروبي، وحدها مازالت تشحذ رفوفها وترصّف عناوينها ضد هذا التيار الاصولي والطائفي والميثولوجي الجارف لأيّة بارقة عقلانية ولأي بصيص فكري وحداثي...
طبعا كل ما سبق من أفكار تظل نسبية في علاقة بما مضى من دورات المعرض وأتمنّى أيضا أن أكون مغاليا في ما كتبت حول الدورة الجديدة لمعرض الكتاب، وأن تكذّب أروقة المعرض كلامي هذا فتتناسل الكتب الفكريّة والاصدارات المعرفية الجادة والحداثية فتكتسح مساحة أكبر على حساب كتب الشعوذة والسحر واللاّهوت والايديولوجيا الرجعية... ولكن... بصراحة لا أظن أن ذلك سيتحقق بل بالعكس تماما أرى أن الافق قد انحدر كثيرا نحو الأسفل... نحو الحضيض.... بل أرى أن القصر صار وكرًا !!!

2008/04/08

نقيب المحامين العراقيين الأستاذ ضياء السعدي



هناك صراع شديد بين التنظيمات السياسية والحزبية الطائفية
تم انتخاب الأستاذ المحامي ضياء السعدي من قبل الهيئة العامة لنقابة المحامين العراقيين في 15 نوفمبر 2006 بأغلبية الأصوات وهو معروف بموقفه المناهض للاحتلال العسكري الأمريكي للعراق وكل مشاريعه وبعد إعلان فوزه بمنصب نقيب المحامين تم إقصاؤه بقرار من حكومة الاحتلال وتنصيب محام موال لسياستها... وهو ناشط حقوقي في عدة منظمات وجمعيات عراقية ودولية... التقيناه اثر زيارته الأخيرة لتونس فكان لنا معه هذا الحوار:
*ماهي ظروف عمل المحامي العراقي في ظل الاحتلال الأمريكي وما هو دور نقابة المحامين؟
ـ نقابة المحامين العراقيين تنظيم مهني مستقل يعبّر عن إرادة جميع المحامين العراقيين بغض النظر عن انتماءاتهم، واستقلالية النقابة قد تكرست تاريخيا بدءا منذ تأسيسها سنة 1933 وبعد الاحتلال العسكري الأمريكي الذي تحول إلى احتلال للقوة المتعددة الجنسيات بموجب قرار مجلس الأمن وخلافا للقانون الدولي أصبح أمام المحامين وتنظيمهم النقابي مهمات وهي تلك المتعلقة بمجابهة قوات الاحتلال وتعضيد نضال وجهود الحركة الوطنية المناهضة والمقاومة للاحتلال من اجل إنهاء الوجود العسكري المحتل والعمل على إعادة السيادة والاستقلال للعراق وبناء دولة القانون والمؤسسات الدستورية والعمل على تحقيق مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء وتعزيز وحماية الوحدة الوطنية العراقية والوقوف بوجه سرقة أموال العراق...
هذه المهمات التي استلهمتها النقابة من تاريخ نقابتهم المشرف خلال المراحل السياسية التي مر بها العراق وبالخصوص مواجهته للانتداب البريطاني الذي فرض على العراق بعد الحرب العالمية الأولى هو الذي دفع بقيادات العمل النقابي الخاص بالمحامين ومن ورائهم جموع المحامين العراقيين إلى التصدي للقوانين والقرارات التي أصدرها الاحتلال متمثلة بقوانين السفير الأمريكي بول بريمر، وقد انعكس هذا الموقف على مصادرة حق المحامين في اختيار من يمثلهم في قيادة النقابة حيث تم إقصاء الفائزين بالانتخابات بإرادة أكثرية المحامين واستبدالهم بآخرين رغم إرادة المحامين مما يعبر عن عدم احترام الاحتلال والمتعاونين معهم لإرادة المحامين.
* ولكن هل تصف لنا ظروف عمل المحامي العراقي في الوقت الحالي؟
ـ عندما يمارس المحامي أعماله واختصاصاته المهنية أمام القضاء والمحاكم وأجهزة الحكومة يصادف العديد من العقبات والعراقيل التي تؤدي إلى إنهاء دوره وعدم قدرته على القيام بواجباته المهنية وعند ما يرجع المحامي لمراكز الاعتقال التابعة للقوات المحتلة والأجهزة الأمنية لا يستطيع الوصول إلى المعتقلين أو المحجوزين لإجراء مقابلة معهم وتنظيم الوكالة (الإنابة) والإطلاع على الملف التحقيقي وتقديم الطلبات القانونية وهذا متأت من عدم الاعتراف بالمحاماة كركن أساسي لتحقيق العدالة وتطبيق القانون من خلال حرمان حقوق المحامين وحقوق المتهمين في توكيلهم للدفاع رغم أن هذه الحقوق مكفولة بالمعاهدات والصكوك الدولية وهذا ناتج عن التدخل العسكري الأمريكي والتدخل الحكومي في شؤون نقابة المحامين والممارسات المهنية للمحامين وهم بصدد الدفاع عن حقوقهم وان المحامين يقتلون ويتم اغتيالهم ليس فقط لأسباب طائفية أو سياسية وإنما لأسباب مهنية وتجاوز عدد المحامين الذين تم قتلهم أو اختطافهم أو حجزهم أعدادا كبيرة وهائلة وهذا ما أدى إلى حالة العزوف عن ممارسة المهنة وغلق المكاتب بسبب عمليات القتل أو التهديد بالقتل لعدم توفر الأمن الشخصي للمحامي بسبب أدائه المهني وعجز الحكومة عن توفير أدنى الحمايات لهؤلاء المحامين الذين لا يمكن ان نتصور ان تحقق العدالة والقانون دونهم لأنهم يشكلون ضمانات حقيقية في التحقيقات والمحاكمات العادلة.
* في ظل هذه الظروف كيف ترون مستقبل دولة القانون والمؤسسات التي تسعون الى بنائها؟
ـ المحامون في العراق بطبيعة تفكيرهم وتكوينهم القانوني وما تفرضه مهنة المحاماة من مبادئ فهم يسعون بالتأكيد إلى بناء دولة القانون التي أشرنا إلى بعض مقوماتها آنفا إلا أن قراءة فاحصة وموضوعية لـما يجري في العراق خلال سنوات الاحتلال الخمس يتأكد لنا بأن العراق لم يبدأ باتجاه الخطوة الأولى ذلك أن مشروع الاحتلال الذي تجلى في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر من سلطة الاحتلال قد أسس للتقسيم الطائفي والعنصري والاثني مبكرا وتم بناء الدولة ومؤسساتها وفقا لمعايير هذا التقسيم بعيدا عن الولاء الوطني والمهنية في بناء الدولة ومؤسساتها وتشريعاتها التي صدرت من السفير بول بريمر ومن بعده الحكومات التي تعاقبت على العراق... وفي تطورات لاحقة انعكست هذه المفاهيم المتخلفة والمتراجعة على خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار وأصبح شعب العراق جميعه بكل مكوناته في لوائح الموت والإعدام والقتل والاغتيال والظهور المرعب للجثث المجهولة الهوية وهذه استهدافات يراد منها تمزيق المجتمع العراقي وإلغاء دور القضاء الوطني المستقل للتصدي لهذه الجرائم ومعاقبة فاعليها نتيجة للتدخل الحكومي وإبعاد القضاء عن مهامه الأساسية المتعلقة بالالتزام بالقانون وتطبيقه.
إن هذه الجرائم الدموية التي لا تزال مستمرة كما هي مؤشرة في العديد من التقارير الصادرة دوليا بمنأى عن مساءلة مرتكبيها والبدء بإجراء التحقيقات القضائية تمهيدا لإحالتهم إلى القضاء بل الاقتصاص منهم جراء ما ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية.
* هل هناك تشبيك جمعياتي ومنظماتي مع مؤسسات المجتمع المدني العراقي والعربي؟
ـ فيما يتعلق بساحة عمل النقابات والمنظمات المهنية ومنظمات المجتمع المدني نلاحظ وجود صراع شديد ما بين التنظيمات السياسية والحزبية الطائفية بغية السيطرة على قيادات هذه المنظمات بطرق لا ديمقراطية ولا قانونية وخلافا للمعايير والأسس التي يجب ان تتكون بها هذه المنظمات، الثابت أن هناك تدخلا حكوميا وحزبيا وسياسيا وطائفيا في هذا المجال خلافا لما يجب أن تتمتع به هذه المنظمات من استقلالية وانتخاب قياداتها بإرادة حرة من منتسبيها واختيارها لبرنامجها في مجال العمل المحددة لكل منظمة.
في عراق اليوم لا توجد منظمات عاملة وفق هذه الرؤية والمعايير الدولية وإنما هناك فرض لقيادات على هذه المنظمات والجمعيات كما حصل لنقابة المحامين العراقيين والذي أدى إلى مقاطعتها وعدم الاعتراف بمن نصّبته حكومة الاحتلال ليكون ممثلا عنها وليس ممثلا لقطاعها المهم من قبل اتحاد المحامين العرب والاتحاد الدولي لنقابات المحامين بفرنسا وما أشار إليه ليناردو ديس واي المقرر لمجلس حقوق الإنسان أثناء اجتماعه في الشهر السادس من العام المنصرم في تقريره المقدم إلى الاجتماع الدوري الذي عُقد في جنيف والذي أصبح جزءا من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن أوضاع المحامين والقضاء وحقوق الإنسان في العالم، ومع ذلك فإننا نعمل من اجل تطوير قدرات وامكانات المحامين العراقيين واللجوء إلى الوسائل الديمقراطية من اجل الاعتراف بالمحامين وحقوقهم الأساسية عند ما يتصدون للدفاع عن حقوق موكليهم وبكل الطرق والوسائل الأخرى، وتربط نقابتنا الآن علاقات واسعة مع العديد من المنظمات الدولية والإقليمية والعربية مثل اتحاد المحامين العرب وعمادة المحامين التونسية، وبهذه المناسبة نؤشر بتقدير عال لدور عمادة المحامين التونسية في دعم مجهودات نقابتنا والعراق تحت الاحتلال.
* في شهر افريل المقبل ستعيشون الذكرى الخامسة لاحتلال العراق هل لديكم برنامج مخصوص كهيئة مستقلة؟
ـ لقد أفرز الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق واستمراره بانتهاكات خطيرة لحقوق شعب العراق ومن أبرزها حقه في الحياة والعيش الآمن وهذه الانتهاكات تمثلت باستمرار في عمليات القتل والتهجير الداخلي والخارجي وقوانين الإقصاء والتهميش بعيدا عن سلطة القضاء والسرقة المستمرة لثروات العراق وأمواله العامة والعدوان على الملكيات العقارية الخاصة والعامة والفساد الإداري والمالي والرشوة وانعدام المحاكمات العادلة وهدر مبدأ سيادة القانون وبروز ظاهرة الأحزاب والتنظيمات الطائفية والقومية الأبنية كمهددات خطيرة للوحدة الوطنية العراقية إضافة إلى عصابات الجريمة المنظمة التي تمارس الخطف... هذه الانتهاكات التي جعلت من العراق الدولة الأولى في عدم حمايتها لحقوق الإنسان في العديد من الدراسات والبحوث الصادرة من منظمات إنسانية وحقوقية ومنها التقرير الدولي الذي وصف العراق بأنه من اخطر الدول التي تمارس فيها هذه الانتهاكات الجسيمة قد انعكست على نقابة المحامين بضرورة اتخاذ المواقف المطلوبة باتجاهها كفروض قانونية ومهنية وأخلاقية أن تطالب اتحاد المحامين العرب وغيره من المنظمات الدولية بضرورة البحث في ضيغة قانونية تؤمن تحقيق محاكمة لمرتكبي جرائم التعذيب في سجن أبو غريب بواسطة محكمة جنائية دولية خاصة وان المحاكم العسكرية الأمريكية قد أصدرت عقوبات مسلكية لا تتناسب مع جرائم التعذيب التي وقعت على العراقيين والتي أدت إلى قتلهم اثناء التعذيب وتحت تغطية الأطباء العسكريين الأمريكيين العاملين في الجيش الأمريكي أو الذين أصيبوا بعاهات جسدية مستديمة...
وضمن برنامج نقابتنا أيضا مساءلة العناصر العاملة في الشركات الأمنية الخاصة الذين ارتكبوا جرائم قتل ضد العراقيين وعدم إمكانية مساءلتهم أمام القضاء العراقي عن هذه الجرائم المرتكبة بسبب الحصانة القضائية التي منحت إليهم بموجب القرار رقم 27 الصادر سنة 2003 الذي منع القضاء من قبول الدعاوى ضد قوات الاحتلال والشركات الأمنية الخاصة والعاملين معهم رغم أن هذه القرار يصادر حق التقاضي الذي كفلته القوانين والمعاهدات الدولية وبمعنى آخر إذا كانت قوات الاحتلال تسأل عن جرائم ارتكبت في العراق أمام المحاكم العسكرية فان عناصر شركات الأمن الخاصة التي يبلغ عددها أكثر من 48 ألف عنصر فانه عند ارتكابها لتلك الجرائم لا توجد جهة قضائية يتم مساءلتها أمامها.
كما أن نقابة المحامين تسعى أيضا إلى البحث قانونيا في كيفية استعادة الآثار العراقية المنهوبة من متاحف البلاد وتحقيق مساءلة لمرتكبي جرائم النهب وكذلك فيما يتعلق بالوضع القانوني لأكثر من 4 ملايين عراقي مهجر قسريا إلى سوريا والأردن ومصر وبقية دول العالم وما يمكن أن يقدم لهم من خلال الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة وهنالك مشروع لتحقيق مساءلة لمرتكبي جرائم القتل في العراق من خلال جهات قضائية مسؤولة باعتبار أن هذه الجرائم هي جرائم حرب وضد الإنسانية خاصة أن عدد القتلى بلغ حدود مليون و 400 ألف عراقي.
* ما هو النقابة من مشروع قانون النفط والغاز العراقي الذي سيطرح قريبا على مجلس النواب؟
ـ بررت الإدارة الأمريكية حربها على العراق بامتلاكه أسلحة دمار شامل وعلاقته بتنظيم القاعدة وفي الحقيقة أن أهم هدف مباشر للاحتلال هو الاستحواذ على الثروة النفطية ودعم وجود الكيان الصهيوني ودوره في المنطقة العربية وبالتالي فان هذا القانون يمكن الشركات الأمريكية الكبرى من السيطرة الكلية على حقول النفط العراقي المكتشفة وغير المكتشفة وإبرام عقود مشاركة طويلة الأمد من شأنها أن تفقد حق العراق في التصرف في ثروته النفطية وهذا ما يشكل تصفية لمكاسب البلاد الذي قام بتأميم النفط في السبعينيات وهذا القانون يشكل عودة للهيمنة الغربية السابقة على نفوذ العراق ويكرس النهج السياسي القائم على أساس المحاصصة وتجزئة العراق لثلاثة كيانات.
* ما هو مدى مشروعية طلب الحكومة العراقية ابرام عقود ومعاهدات مع امريكا من زاوية القانون الدولي؟
ـ رئيس الوزراء في الحكومة الانتقالية وجه رسائل إلى وزير الخارجية الأمريكي كولن باول وعرضت هذه الرسائل على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وقد صدر قرار 1511 لسنة 2003 فتحولت بموجبه قوات الاحتلال إلى قوة متعددة الجنسيات واعتبرت هذه الرسالة نوعا من المعاهدة بين العراق وأمريكا، وهذه المعاهدة تعتبر باطلة استنادا إلى المواد 52 و 53 من اتفاقية فيانا لقانون المعاهدات لسنة 1969 وتعتبر بحكم الـملغاة لأنها عقدت بنتيجة التهديد بالقوة واستعمالها خلافا لمبادئ القانون الدولي وكل ما يبنى فيما بعد فهو باطل.

يوم الأرض


لن تدور الأرض أبدا دورتها الطبيعية إن لم يدر فوق أديمها العدل دورته العادلة... ستبقى على خرابها ودمارها إن بقى ماردها الأعظم يُكبر من يشاء ويصغر من يشاء... ستظل الأرض هي الأرض غير أنها ستظل واقفة في زمنها الحربي ومعطلة في أفقها العدائي، جامدة غير متحركة إلا بكذبتها الميتافزيقية التي تنأى بأنفاس البشر بعيدا عن الطين المبلل بالعرق والمغمّس اليوم بالدم العراقي والفلسطيني واللبناني...
يوم الأرض الذي يوافق 30 من كل مارس منذ 1976، يوم مات ستة شهداء دفاعا عن الارض ويوم قرر إسحاق رابين مصادرة قرابة 20 ألف دونم من أراضي دير حنا وسخنين وعُرابة في الجليل... لم يكن يعرف أن الفلسطيني يأكل التراب ويتوسد الحجر ليعلق بأسنانه رائحة الرحم الذي أنجب جده ووالده والذي سينجب ابنه وابن ابنه ليتسامق كزهر اللوز وأبعد ويتطاول كعريش الكرمل وأجمل ويتحلى كعرجون الزيتون وأنضج فوق الأرض المخصبة بالحرية...
منذ 1948 والأرض الفلسطينية تدهسها الآلة الحربية الصهيونية وتدعكُ ترابها بلحم أبنائها من اجل إنشاء دولة مفتعلة ركيزتها المستوطنات اليهودية وترحيل الفلسطينيين وتهجيرهم إلى أصقاع الدنيا وأطراف الأرض...
الأرض الفلسطينية التي صار مركزها الصهيوني وهامشها الفلسطيني توقفت منذ زمان عن الدوران الطبيعي لأن قانون دورانها إلى اليوم مازال يتجاذبه قانون العودة لأي يهودي في العالم وقانون الغائب لكل فلسطيني مشرّد وتغذيه منذ سنوات قليلة فكرة المنظّر اليهودي «جابوتنسكي» حول الجدار الحديدي الذي عنّه ارتفع جدار الفصل العنصري منذ عام 2003 بطول 622 كلم أي ما يقابل نصف مساحة الضفة الفلسطينية وهو إلى اليوم سائر في تقدمه حيث بلغت أشغاله 300 كلم متوغلا في أراضي الضفة الغربية...
حرية حركة الأرض ودورانها إذن انتهكت بهذا الجدار الفاصل لوأد الأرض الفلسطينية وردم العدل الإنساني تحت الاسمنت العنصري المسلح الذي ترجفه الذهنية الصهيونية معززة بالآلة الإمبريالية الأمريكية العمياء... ومع ذلك مازالت الطفلة الفلسطينية والطفل الفلسطيني يغنّيان بأعلى صوتهما أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة... وان أرضهم ستكون فلسطينية قبل ان تكون عربية لأن دوران الأرض العادل لا يعني بالضرورة أن تكون الأرض «بتتكلم عربي» بقدر ما يعني أن تكون الأرض إنسانية متوجهة بخطوات الإنسان الذي يبني لا بخطوات الإنسان الذي يدمّر ويٌُنهك التراب بالرصاص كالصهيوني والأمريكي ولا بخطوات الإنسان الذي يفقد الأرض توازنها بجوره وظلمه ولا عدله ككل حاكم طاغ ظالم متجبّر...

2008/04/05

موعد النرجس (قصة قصيرة)



"العالم كلّه مسرح, لكلّ دخوله ولكلّ خروجه,
و بين الاثنين حياتنا حيث نلعب عدّة ادوار".
* ويليام شكسبير
" كما يحلو لك"


كتمت رنين منبّه السّاعة وهي تقاوم ارتخاء جسدها و تقلّبها على الفراش, ثمّ نهضت خفيفة كنسمة هواء بحريّة تنطّ في ثيابها الشفّافة بين المطبخ و الصّالة و بيت الاستحمام مثل فراشة فجريّة.
صوت فيروز المنبعث من آلة التّسجيل ينساب طلقا بين أبواب الغرفة المواربة, ونوافذها. ورائحة البنّ, المدعوكة بحبّات الهيل, على نار الموقد الخافتة, تثقب سقف المطبخ الصّغير...
انتصبت خلف السّتارة الحريريّة لبيت الاستحمام تطرد الكسل عن مفاصلها و تداعب حلمتيها البنّيتين بلون الخرّوب الجبلي تحت دفق الماء الدّافئ. عادتها الّتي تربّي عليها جسدها منذ الصّبا ولم يترهل بعد.
جفّفت شعرها الذّهبي أمام المرآة وهي تلعق آخر قطرات القهوة من الفنجان.
داخل سيّارتها الحمراء واصلت الاستماع إلى صوت فيروز وهي تستمتع بطعم التّبغ الصّباحي وحبّات المطر الطّائشة تنزلق بحنوّ من السّماء الخريفيّة على البلّور راسمة خيوطا شفافة كالدموع...
في الشّارع الرّئيسي رتّبت عشرين زهرة نرجس أمام أوّل بائع ورد اعترضها. استنشقت الباقة بعمق وانطلقت باتّجاه مسرح المدينة مباشرة.
كلّ الكراسي شاغرة إلاّ مقعدها المحجوز في الصفّ الأمامي, منذ يومين... و ملامح الجمهور الشّاحبة لا تنبئ بأنّهم سيحضرون حفلا موسيقيّا...
الأضواء باهتة من الرّكح إلى السّقف. الكراسي أيضا بدت باردة على غير عادتها... هكذا أحسّتها... و الصّمت. صمت لا يطاق يلفّ أرجاء المسرح...
أخذت تداعب النّرجسات العشرين بأرنبة أنفها في محاولة يائسة للّتخلّص من حالة التّوجّس الّتي تملّكتها على غير موعد أمام مئات الوجوه الواجمة, وبدت تغرق نفسها في حالة من الاطمئنان الموهوم لفتنة هالتها بزهرات النّرجس, وكأنّها تقاوم فعلا خرس المكان الغريب أو سواد السّتار الّذي لم يرفع بعد.
كانت تقاوم تداعيا محموما تلبّس بذهنها وصار ينخره بجنون.
- إنّ الخوف من فعل محتمل الوقوع لهو أقسى من وقوعه في حدّ ذاته.
هكذا قالت بصمت وواصلت: ممّا الخوف إذا, وأصابعه لا تزال مغروسة في أسرار جسدك إلى الآن منذ ليلة أوّل أمس. أتذكرين كم راقصك, بعد منتصف الّليل, على عتبات السّماء, فوق نزل "الهناء". كم تلذّذت شفتيه المغمستين بطعم البيرّة الّتي شربها بحانة السّطح المطلّة على أطراف العاصمة وعلى مدارج هذا المسرح.
كلماته منذ ليلتين تلمسينها الآن, تدعكين حروفها بنفس الحرارة, تتدلّى مع قرطك العاجي هذا... ممّا الخوف إذن وأنت الموعودة بعزف منفرد مهدى لك وحدك... تماسكي أيّتها الغبيّة واطرحي هذا الخوف اللامبرّر, فالسّتار يرتفع.
بدأت مخاوفها تنقشع عن رأسها, تتبدّد كأكياس ضباب ثقبتها أشعة شمس لاذعة, بمجرّد أن سرّحت بصرها على مساحة ركح المسرح: العازفون يتوزّعون فوق الخشبة في شكل هلالي. كلّهم منحنون على ﭐلآتهم الوتريّة و الإيقاعيّة. صورته العملاقة تنتصب خلفهم. خطّ طويل من الورود مختلفة الألوان يسيّج أطراف الرّكح الأمامي. عوده, الّذي تغار منه, يتّكئ على الكرسيّ المعدّ له, كنجمة صيف مكابرة.
الجمهور لا يزال ينتظر دخوله, وهي تنتظر عزفها الموعود... والوقت يمضي. يمضي بطيئا قاسيا.
عادت تحدّث نفسها: لماذا تأخّر كلّ هذا الوقت؟ لا شك ّأنّه يجمّع شتاته أو هو يرتّب أصابعه ليجيد مراقصة الأوتار ومغازلة اجّاصته الخشبيّة...
كم هي مملّة لحظات الانتظار ومقيتة. هيّا ادخل وكفانا انتظارا. نطقتها بصوت مسموع !!!
ظلّت تنظر ساهبة إلى الجثث المنحنية على التّماثيل الموسيقيّة اللاّمعة تحت الخيوط الضوئيّة المتسلّلة من بين الرّؤوس المنشغلة بلحظات الانتظار. ذهنها لا يزال ينطّ فوق سطح نزل "الهناء" ولم تنتبه للّرجل الّذي انتصب في قلب الرّكح إلاّ عندما صدح صوته من المكبّرات الجانبيّة.
اعتصرت زهرات النّرجس العشرين بين يديها وضمّتهم أكثر إلى صدرها بارتباك وبدا العرق ينزّ من كامل جسدها بمجرّد أن بدأت شفتا الرّجل البدين الذي تقدم إلى طرف الركح من جهة الجمهور الأمامي, تتحرّكان:
- يؤسفنا أن نعلمكم أنّ هذا العرض قد ألغي. لقد ابتلعت مرآة النّزل الضّخمة عازف العود قبل لحظات من الآن لمّا همّ بتقبيل وجهه المنعكس على بلّورها!!!... يمكنكم استرجاع ثمن التّذاكر بداية من صباح الغد من شبّاك المسرح ونجدد لكم اعتذاراتنا وأسفنا.
لم تدر كيف انفرجت ساقاها بتلك السّرعة العجيبة وهي تشقّ الجموع الآخذة في التّحرّك عشوائيّا بين أروقة المسرح, صامّة أذنيها عن الصّراخ والصّياح المتعالي من أفواه النّساء والرّجال. لم تصدّق كيف لم تدهسها سيّارة وهي تشقّ شارع الحبيب بورقيبة راكضة نحو نزل "الهناء" المقابل للمسرح, ولا حتّى كيف اخترقت حشد المشعوذين والسّحرة والمنجّمين وبعض الأطباء المتكوكبين, إلى جانب رجال الأمن والفضوليين, أمام المرآة المنتصبة وسط بهو النّزل.
كانت ترتجف بصورة هستيريّة داخل المصعد الآلي صارّة أكثر زهرات النّرجس الّتي ازدادت تألّقا وطولا بين أصابعها وصدرها!!!.
على سطح النّزل كانت الحانة مفتوحة. لا احد بداخلها, الكلّ بالبهو الأرضي يتدافع أمام المرآة العجيبة. حلقها تيبّس تماما بفعل زجاجات البيرّة الّتي سكبتها داخل بطنها دون حساب.
سقطت أكثر من ثلاث مرّات وهي تكابد ثقل جسدها لتنقله من الحانة إلى طرف السّطح المطلّ على شارع الحبيب بورقيبة. لم تعد تقوى على الوقوف مستقيمة, ولا على التّركيز.
السّيارات تحتها تراها تصطدم ببعضها البعض, والمارّة صاروا ضئيلين بحجم حبّات الزّيتون وهم يتدافعون كالجراد الهائم في كلّ الاتجاهات وأشجار الشّارع بدت هي الأخرى تتراقص وتتنحّى عن منابتها المستطيلة.
كان رأسها متدلّيا كحبّة الرمّان النّاضجة من فوق السّطح العالي, وكأنها تقف على رأس جوف عظيم, وأخذ فخذاها في الاصطكاك بعنف على جدار السّطح الواطئ.
لم تستطع إمساك فمها, الّذي انفتح كبالوعة نفايات, عن القيء. قيء شديد يندفع من قاب بطنها الّتي تكاد تتمزّق ألما وتتناثر في سماء الشّارع. كان قيئا غزيرا كالمطر, ينقذف زخّات مدرارة من عل فيغطي رؤوس المارّة وأرصفة الشّارع دون توقّف, بل كان الدّفق يقوى باطّراد حتّى صارت تخشى – في لا وعيها- أن تغرق شارع الحبيب بورقيبة في قيئها المحموم, هذا الذّي يتضاعف كلّما لمحت واجهات المحلاّت البلّوريّة المتراصّة على طول الشّارع، لكأنها سكرت بالبلور...
همدت جثّتها قليلا. ارتخت مفاصلها على طرف الجدار, وظلّت بقايا القيء الرّغويّة تسيل لزجة من زاويتي شفتيها كالّلعاب قذرة داكنة. أمعاؤها تتموّج تحت جلدة بطنها ويعتصر قلبها بشدّة. شعرت بحالة من السّكينة والخدر وهي تفكّ يديها المضمومتين إلى صدرها, تركتهما يتدلّيان في الهواء مستلذة هذا الوضع برهة من الزّمن. بعدها لم تدر كيف انفرطت زهرات النّرجس العشرين من بين أصابعها وصارت تتساقط واحدة واحدة, نرجسة تلو نرجسة لتقع بحنوّ فوق جثّة العازف المسجاة أمام مدخل نزل الهناء, وفوق كاميرات السياح و آلات التّصوير وعلى قبعات رجال الأمن والأعناق المتطلّعة لجثّتها الآيلة للسّقوط من فوق النّزل.

2008/04/01

الاستقلال البارد


من مظاهر الاحتفال بالأعياد والمناسبات في العالم أجمع منذ فجر الحضارات المؤسسة لتاريخ البشريّة، إقامة الحفلات ونشر اليافطات والأعلام للزينة في الساحات العمومية والشوارع وحتّى داخل البيوت... وتذكّر وتكريم من اقترنت به ـ أو بها ـ مناسبة الاحتفال... وإلى ما غير ذلك من المظاهر التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها غير أنها تحمل دلالات عميقة لعل أهمّها التذكير بالأمجاد ـ باعتبارها احتفالا ـ ومزيد تمتين أواصر المحتفلات والمحتفلين...
وككل الشعوب قاطبة، أحيا الشعب التونسي يوم 20 مارس 2008 الذكرى 52 لنيله الاستقلال التام عن المستعمر الفرنسي غير أن يوم الذكرى الذي انقضى منذ أسبوع فقط لم يحمل مراسم الاحتفال والبهجة والتمجيد إلاّ بذاك اليوم الوحيد الذي يُمنح للموظفين والموظفات والعمال والعاملات بعنوان يوم راحة فلم نشاهد أعلام تونس ترفرف في الشوارع الفسيحة التي كانت يوم الخميس الفارط خالية إلا من بعض الأرجل المتعثرة هنا وهناك... ولم نطالع يافطات للمنظمات والجمعيات والأحزاب وحتى أمام مداخل الشركات والمعامل والمؤسسات الوطنية التي نراها تتسابق في مناسبات أخرى في إعلاء اليافطات «الموشّات» بالأخطاء اللغوية والصور والأعلام وتُقيم المسابقات والجوائز وتستأثر بمساحات شاسعة في الصحف والمجلات لتبارك وتمجّد وتساند وتشجع وتضاعف ولاءها...
حتى شارع الحبيب بورقيبة، المجاهد الأكبر الذي أتى بالاستقلال الداخلي للبلاد ـ وان كان على مقاسه ومقاس فرنسا ـ حتى شارعه لم ترفل جدران محلاته ومؤسساته باليافطات والأعلام والصور... ربّما تتعلّل هنا البلديات ومنظمات المجتمع المدني وأحزاب المجتمع السياسي والمؤسسات الوطنية بقلة ذات اليد وبارتفاع أسعار البترول والقمح وبالمصاريف الزائدة التي قد تُنهك ميزانية المجموعة الوطنية غير أن هذا لا يشفع لهم كلهم التغاضي التام والتناسي القصووي لتشريك الشعب التونسي في الاحتفال بيوم مولدهم الوطني في حين نراهم جميعهم يُصابون بما أسميته هستيريا اليافطات والأعلام في مناسبات أخرى!!!
أعتقد ان التاريخ هو أولا وقبل كل شيء الماضي قبل ان يكون الحاضر والمستقبل وأعتقد أيضا أن ردم الماضي في قبور باردة لن يمنح أبدا شرارة وحرارة للحاضر الآني والمستقبل الاتي...
اعترف أنّي أصبتُ يوم 20 مارس 2008 بنكسة عاطفية كبيرة وبرجة إيديولوجية عميقة وأنا أشعر أنّ لا فرق بيني وبين ذاك السائح الفرنسي ـ نعم فرنسي ـ الذي سألني في شارع الحبيب بورقيبة عن سبب اغلاق المحلات والمؤسسات وعن ركود حركة الشارع فلم أجد بدا من اجابته بأن اليوم 20 مارس هو يوم راحة فقط...

أمين عام حزب الإصلاح العربي الديمقراطي الأستاذ ثامر العبادي:



المرحلة الحالية تتطلب توحيد الصفوف في الثوابت الوطنية


الأستاذ ثامر العبادي هو أمين عام حزب الإصلاح العربي الديمقراطي منذ 2003 وقد عمل قبلها في صفوف الحركة الوطنية العراقية وتعرض للاعتقال أكثر من مرة بسبب مواقفه ورؤيته الخاصة المتعلقة بالقضايا العراقية وهو مهندس في مجال الصناعة وتقلد عدة مناصب وظيفية ضمن اختصاصه في العراق، التقيناه أثناء زيارته إلى تونس وأجرينا معه هذا الحوار.
* هل يمكن أن تقدم لنا فكرة عن حزبكم؟
ـ تأسس الحزب بعد الاحتلال الأمريكي مباشرة للدفاع عن العراق وإعادة السيادة المفقودة بفعل المحتل، وهو حزب له برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي يعمل لمقاومة الاحتلال بالطرق السياسية ويعيد المقاومة المسلحة ويدين الإرهاب، له وجود في جميع المحافظات وعناصره مناضلون ساهموا بالعمل الوطني منذ ستينيات القرن الماضي وللحزب جريدة أسبوعية باسم الوحدة العراقية تصدر في بغداد.
* ما هي إيديولوجية الحزب؟
ـ هو حزب قومي وخلفيات جميع عناصره القيادية كانت بعثية منتمية إلى حزب البعث الاشتراكي ومن الاتجاهات القومية العروبية، ولهذا فان مهمة الحزب الأساسية هي المساهمة في تحرير العراق والمحافظة على وحدته وانتمائه القومي العربي.
* ماذا عن مشاركتكم في العملية السياسية أثناء الاحتلال الأمريكي؟
ـ بعد فشل الاحتلال في إيجاد مبررات لعدوانه وحربه على العراق ومن ثمة احتلاله تعذر بحرصه على تحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان ولهذا أسس للعملية السياسية التي خرجت من تحت عباءته لإيهام الرأي العام المحلي والعالمي بأنه حريص على العراقيين ويسعى إلى تحقيق نظام عادل وديمقراطي له ولقناعتنا الثابتة بأن هذه العمليات ستكون لتركيز الاحتلال ولتأسيس الطائفية وتفرقة المجتمع العراقي رفضناها واخترنا بديلا منه هي المقاومة الوطنية بشقيها السياسي والعسكري لتحرير العراق ولهذا فان ما حققته العملية السياسية (الحكومة) من كوارث بحق الشعب العراقي بإثارة النعرات الطائفية والقتل المبرمج على الهوية وفساد مالي وإداري مرعب بالإضافة إلى القوانين التي أنجزتها العملية السياسية بالدستور المشوّه وقانون الأقاليم وقانون المساءلة والعدالة، كلها تثبت النهج المعادي لأطراف العملية السياسية للشعب العراقي ولانتمائه العربي والإسلامي والذي يتم برعاية وإشراف قوات الاحتلال.
* هل تعتقد أن الوضع في العراق بحاجة إلى مزيد من الأحزاب السياسية؟
ـ المجتمع العراقي كغيره من المجتمعات أفراده يحملون رؤى مختلفة وتأسيس أحزاب أو منابر رأي وفكر من شأنه أن يخدم البلد إلا أن المرحلة الحالية من تاريخ العراق تتطلب توحيد الصفوف على ثوابت وطنية وفي مقدمتها مقاومة الاحتلال وتأسيس جبهة وطنية واسعة تضم كل أطياف الشعب العراقي تحت برنامج للتحرير لبناء دولة عصرية تحترم حقوق الإنسان.
* يعني هذا أن لديكم عملا مشتركا مع أحزاب أخرى؟
ـ حزبنا، حزب الإصلاح العربي الديمقراطي يأتلف من جبهة وطنية تسمى المؤتمر التأسيسي العراقي الوطني الذي تأسس عام 2004 على برنامج يسعى إلى تحرير العراق والمحافظة على وحدته وهويته العربية الإسلامية ويشترك مع حزبنا في هذا المؤتمر عشر حركات ومنظمات وأحزاب سياسية.
* وفي المنطقة العربية؟
ـ من المسائل البديهية لحزبنا مساندة الشعب الفلسطيني ومقاومته المسلحة في تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني وإعادة المهجرين إلى الأرض الفلسطينية، ولكن مهمتنا الأساسية من تأسيس الحزب هو أن نأخذ دورنا في مقاومة الاحتلال الغاشم للعراق والعمل من اجل تحريره وإعادة السيادة المفقودة.
* ما هو موقف الحزب من التدخل الإيراني في الشأن العراقي؟
ـ لقد استفادت إيران من الاحتلال الأمريكي للعراق ووسعت من دورها وأسست مليشيات مسلحة مرتبطة بها خاصة بعد أن أوصلت الأحزاب المرتبطة بها والمتعاونة مع الأمريكان إلى مواقع متقدمة في الحكومة العراقية، فهي تمارس دورا مؤلما ومؤسفا ومصلحيا مستفيدة من حالة الضعف العراقية بعد الاحتلال وإننا نعتقد أن إيران كان معوّلا عليها أن تقف مع الشعب العراقي وتسند مقاومته الوطنية وتحريره لأن بقاء الاحتلال الأمريكي لا يضر بمصالح العراق فقط وإنما سيلحق ضررا كبيرا بمصالح إيران لأن المشروع الأمريكي له أهداف تتجاوز حدود العراق لتشمل عموم الأنظمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط.
* كيف يرى حزبكم مشروع أكراد العراق في إقامة دولة مستقلة؟
ـ لقد ساعدت الأحزاب الكردية التي تتولى السلطة الآن في شمال العراق على احتلال العراق وهي اليوم تستثمر هذه العلاقة مع المحتل بما يوفر لها من غطاء إلى رفع سقف مطالبها من حكم ذاتي إلى فدراليات وما تمارسه الآن قد تجاوز الفدرالية إلى الكنفدرالية وهم يصرحون، أي قادة الأحزاب الكردية، من باب الضغط على الحكومة العراقية بالاستقلال لتمرير مطالبهم غير المشروعة والمدعومة من قبل المحتل ودول إقليمية أخرى في المنطقة، وان حزبنا يعتقد أن الصيغة الامثل لأوضاع الأكراد بالحكم الذاتي الحقيقي لأن هذا من شأنه أن يوفر المطامح القومية لإخواننا الأكراد ويؤمن لهم علاقات حسن جوار مع دول الجوار المحيطة.
* بعد الانتخابات الأمريكية القادمة، كيف تتوقعون أن يكون حال العراق؟
ـ بدءا لابد من الإشارة إلى أن موضوع العراق أصبح ورقة مهمة في انتخابات الرئاسة الأمريكية ارضاءا للرأي العام الأمريكي بسحب قواتهم من العراق وان التصريحات التي يتبادلها المتنافسون اليوم هي لأغراض انتخابية وإننا نعتقد أن القوات الأمريكية باقية في العراق أما إذا ما خرجت القوات الأمريكية فان في العراق رجالا حكماء من سياسيين وقادة فكر ورجال دين وشيوخ عشائر قادرين علي توفير الأمن والاستقرار للعراق.

2008/03/31

زيارة...


كثيرا ما زارته على غير موعد داخل غرفته الصغيرة. بعد أن يأس من استمالتها. دخلت عليه هذه المرة، عارية تماما من المساحيق اللزجة والملابس الشعشاعة. متمنعة، كعادته بها، سقطت بين يديه مثل ورقة بيضاء.
فتح آلة التسجيل لينساب منها صوت فيروز كندى أول الربيع وهي تشدو "عندي ثقة فيك"... وتبلل قلبه فرحا بهطول المطر داخل صندوق اللحم الذي يحمله...
أجلسها فوق مكتبه بعد أن أزاح عنه كل الأوراق المتراكمة في غير ترتيب وأسقط الأقلام الجافة والحبرية والأقراص الليزرية، فظلت متمنعة غير راغبة. قام من على كرسييه واتجه نحو السرير الملقى تحت اللوحة الزيتية التي تغطت بالغبار وبخيوط العناكب. تركها تستلقي فوقه، فلم تلن ولم تبد أي اهتمام بلهفته وتحرّقه لها. حاول أن يخاصرها مثلما كان يفعل ذلك مع كل فتاة يصطادها من الشارع فلم تتركه.
شاهدها تجري نحو الغرفة الثانية التي يرصف على مساحة جدرانها الثلاثة مئات الكتب والمجلات والصحف القديمة المهترئة الأطراف، والمحشوة كيفما اتفق فوق المحامل الخشبية، فجرى خلفها مثل طفل صغير يلهث وراء كرة تسبقه. حاول أن يحاصرها في ركن من أركان الغرفة المظلمة غير أنها أفلتت من قبضته، وعادت مسرعة الى الغرفة الثانية .
وقفت متكئة على حافة النافذة المفتوحة على الشارع الطويل الممتد أمام بيته. تركها واقفة وذهب ليعد لها فنجانا من القهوة الممزوجة بحبات الهيل على ناره هو لا على نار الموقد... عندما كان البن يفور على رسله كانت أصابعه ترتب لها طبقا من الثمار والفواكه: تفاحة، اجاصة، عنقود عنب، حبتي مشمش، برتقالة، تينتين، حبات كرز، سفرجلة، حبات فراولة، حفنة توت ورمانة مفركة...
سمع طرقات خفيفة تنقر الباب الخارجي. نهض ليفتح ويعرف من الطارق. كانت جارته العجوز جاءت لتسأله إن كان بإمكانه أن يترك لها البيت غدا للمعزين لأن زوجها المٌقعد مات البارحة في منتصف الليل. أجابها بنعم وهو يجهد ذاكرته ليتذكّر آخر مرة شاهد زوجها... حين يئس من تعقل ملامح وجهه ترحّم على روحه وأوصد الباب على حزن العجوز وصوت المرتل الذي بدأ في اختراق أغنية فيروز.
أطرق برهة وغاب رأسه بين يديه كمن استهلكته الحركة... مالت عينه تلاحق... ما تبقى من بياض الغيمة التي خلّفتها الطائرة... رحلت... كانت الفكرة تدخل في الحلم... كانت تلك الفكرة التي زارته في جراب الوحدة والإفلاس العاطفي قد رحلت من النافذة... رحلت وتركته لفنجان القهوة وطبق الثمار والفواكه ولعزاء المعزين... رحلت عنه بعد أن أسرت بيته بلعنة الحنين وضمخت مخدعه برائحة العطش...

2008/03/29

خطوة القط الأسود (٭)


عندما انتهت معزوفة «خطوة القط الأسود» عن السريان الهادئ في الأرجاء الدافئة، كان قد نهض وتقدم بخطوات واثقة من المدرج المفضي إلى الأسفل. اعترضه النادل وهو يحمل بين يديه دلوا نحاسيا مملوءا بمكعبات الثلج، فلم يترك له فرصة ليثنيه عن إسقاط وجهه وسط الدلو وترك وجنتيه وأرنبة أنفه تتمسح بلذة فوق المكعبات الباردة ذات الأطراف الحادة مثل قطع البلور. عندما رفع رأسه امتلأ فمه بمكعبين من الثلج كانا قد عقدا لسانه برودة ولذة عن أي كلام. همهم بكلمات غير مفهومة، دفعها دفعا عسيرا من فرط طراوة الثلج وليونته، ثم ترك قدميه تنزلقان بحنو فوق الدرجات الرخامية المفضية إلى الأسفل.
عندما انتهت معزوفة «خطوة القط الأسود» عن السريان الهادئ في الأرجاء الدافئة، كان قد مزق بعضا من أوراق الكتاب الضخم الذي لم يفارق نظره منذ أن جلس إلى طاولته المحاذية للمدرج المفضي إلى الأسفل ذي الخمس درجات. كان الكتاب رواية للكولومبي غابريال غارثيا ماركيز، وكان يحمل عنوان «أن تعيش لتحكي». لم يكن رواية خيالية، بل هو السيرة الذاتية لماركيز. مزق بعضا من أوراقه وشرع يلف في كل ورقة نوعا من السَُلَطَات التي طرحها النادل أمامه مع أول زجاجة نبيذ طلبها قبل ثلاث ساعة تقريبا. لف بقايا السلطات ودسها داخل جيب سترته السوداء بعد أن ألقى الكتاب الممزق وسط سلة الفضلات التي يمر بها النادل بين الفينة والأخرى. ضحك بأدب واضح عندما لاحظ دهشة النادل الممسك بسلة الفضلات من حركته الغريبة. قال له بنبرة هادئة ورصينة، أن متعته الحقيقية هي عندما يلقي بالكتاب الذي يقرؤه في سلة فضلات أو وسط بالوعة مياه قذرة، أو في مصب نفايات عمومي، وأنه يفعل ذلك حتى لو تطلب منه الأمر أن يمشي عدة كيلومترات بحثا عن مصب نفايات مفتوح. انصرف النادل بضحكته وسلته، وظل هو بنصف ابتسامة اجتهد أن تأخذ صبغة أرستقراطية. ضحك وهو يتذكر تلك العقوبة التي حرمته من استعارة الكتب من مكتبة الكلية طيلة مدة دراسته، والتي مُني بها لما اكتشف عميد الكلية مجلد «الرسائل الأدبية» للجاحظ يسد تلك البالوعة القذرة المسدودة أصلا خلف قسم العربية. أقيم حينذاك مجلس تأديب لا يزال يتحدث عنه الطلبة إلى الآن، وأستدعي هو ليدلي بأقواله بشأن التهمة الموجهة إليه والمتمثلة في إلقاء مجلد الجاحظ وسط بالوعة القاذورات. أجاب وقتها أمام المجلس الجامعي بأنه ألقى المجلد وسط البالوعة لارتباكه من حشود الطلبة القادمة نحوه في مسيرة ضخمة، ولأنه خاف أن يعنفوه لأنه لم يشاركهم هتافاتهم.
عندما انصرف النادل حاملا السلة، وقد تغطى غلاف الكتاب الأنيق ببقايا القواقع والصٌدف الفارغة، وبالهياكل الشوكية للأسماك التي استقرت في بطون الزبائن، ومأخوذا بدهشته، كان هو واقفا أمام المدرج المفضي إلى الأسفل وجيب سترته ينز بقطرات الزيت مثل مزاريب السطوح التي تغمرها مياه الأمطار المفاجئة. ظلت قطرات الزيت تلتمع فوق الدرجات الرخامية التي خلفها وراءه.
عندما كانت معزوفة «خطوة القط الأسود» تبعث في الأرجاء مسحة من الشرود على كل الوجوه المتناثرة وسط المكان، كان هو ملكا في مملكته ذات الغطاء الأحمر. كان ملكا وهو يرفع كؤوس النبيذ بطريقة رفيعة ورشيقة تنم عن أصله الأرستقراطي. كانت الطاولة ذات الغطاء الأحمر بما حملت من أطباق وملاعق فضية وبمطفأتها المصنوعة من العاج الإفريقي الأصيل وبمزهريتها المصنوعة من الكريستال الخالص التي ترتشق وسط عنقها وردة حمراء هي مملكته، وكان هو ملكا أمامها يشرب نخب مُلكه ويطالع سيرة غابريال غارثيا ماركيز. كان منفردا بملكه، لا أحد يقاسمه فيه. طاولة واحدة وكرسي واحد. لا منافس ولا معارض ولا حاسد. وحده ذاك الجندي الثابت فوق حصانه يقابله ولا يتكلم. انه تمثال من البرنز الخالص، منحوت بصورة جد متقنة، حتى أنه خمن أن يكون الجندي يرتدي جوربين من القطن المبطن تحت حذائه المتدلي على جانبي بطن الحصان. لم يشغله كثيرا تمثال الجندي المنتصب أمامه ، لأنه كان يترصد أيا كان صاعدا من المدرج المفضي إلى الأسفل ليرفع الكأس بذات الحركة الرشيقة والرفيعة ويسكب ما فيه داخل جوفه، وعندما يكون المدرج خاليا من وقع الخطوات الصاعدة، كان يلتهم السَُلَطَات بنهم ويتوقف عن شرب النبيذ، فقط كان عندما يلمح ظل شخص ما قادما من الأسفل يستعد للحظة الحاسمة. لشرب النبيذ بذات الطريقة الأرستقراطية، رغم أنه كان مقتنعا تمام الاقتناع أن الشرب هو الشرب أيَُا كان شاربه، لولا هذه البشرية الحمقاء التي جعلت من هذه المتعة الحياتية مقسمة تقسيما طبقيا، واخترعت لها طقوسا مخصوصة وآداب بعينها تميز الشاربين عن بعضهم البعض... (الجاحظ واحد ممن كتبوا حول هذه الآداب والطقوس المخصوصة في رسائله الأدبية)...
عندما انتهت معزوفة «خطوة القط الأسود» عن السريان الهادئ في الأرجاء الدافئة، كان قد وضع آخر متعلقاته داخل جيب سترته بعد أن ترك قليلا من النبيذ في القارورة الرابعة التي طلبها قبل ساعة تقريبا حسب ما تقتضيه آداب الشرب في الأوساط الأرستقراطية. عَدَُلَ نظارته. وضع هاتفه وعلبة سجائره والولاعة. لم يستطع أن يترك المطفأة العاجية التي أعجبته منذ جلس إلى طاولته. دسها مع علبة السجائر في جيب سترته الداخلي، ورغم أنه ظفر بالمطفأة العاجية إلا أن حسرته على المزهرية الكريستالية ظلت تنخر أصابعه لئلا تتراجع عن قطفها بوردتها الحمراء. لم يترك أي شيء فوق الطاولة ذات الغطاء الأحمر. حمل كل شيء ووقف أمام المدرج المفضي إلى الأسفل وهو ينظر إلى ساعته اليدوية بعين ويتابع بالعين الثانية حركة النادل.
عندما انتهت معزوفة «خطوة القط الأسود» عن السريان الهادئ في الأرجاء الدافئة، بعد أن كرَُرت لازمتها الوترية للمرة الخامسة، كان قد استنفذ كل الحيل الممكنة للهرب من الحانة الأرستقراطية دون أن يدفع حساب ما ألقاه داخل جوفه، وباءت بالفشل كل مخططاته في النفاذ ببطنه الممتلئة من قبضة نادل تلك الحانة الأرستقراطية، ولم يتوقع أبدا أن يطلب منه زجاجة نبيذ خامسة في تلك الساعة المتأخرة، ومعها كأس جديد مثلما تقتضي ذلك الطقوس الأرستقراطية.



(*) معزوفة موسيقية للتونسي أنور ابراهم.

2008/03/24

وَقْعُ حذَائهَا...


لم تسعفني ذاكرتي في استحضار اسم ذاك الشاعر المشرقي الذي قال: «طنَّشَتْني.... أي لم تكلّمني... لازلتُ أذكُر وقْع كعب حذائها صاعدا على درجِ الرّوح... كلبة هذه السيدة...» لم أذكر اسم القائل ولكن مقولهُ الشعري هذا ظلت كلماته تتقافز ككريات الدّم داخل شراييني كلّما ألفيتُ نفسي أطاردُ كعابَ أحذية بطلات المجموعة القصصيّة الحديثة للكاتب التونسي الأسعد بن حسين والتي مهرها بوقع حذائها....
ضيفة خالد، ريم، مومس سيدي سالم، سلوى، لودميلا، أماني، نبيلة، سعيدة، نعيمة... كلهّن حرّضن الأسعد بن حسين على الإفلات من ذكوريّته والتوّرط حدّ «البكاء» في تقاطُب حبريّ وتشابك سرديّ محا معها كل إمكانية لإقامة تلك المسافة التي تقتضيها قواعد الحكي بين أنا الكاتب وأنا الراوي وأنا البطلة في النصّ... ليُلفي أي قارئ نفسه أمام نص «وقع حذائها» للأسعد بن حسين في ورطة تصنيف انتماء الضمائر في عالم الذوات حتى وان بدت واضحة.... فالكاتب وان كان مالكا لمفاتيح متنه السرديّ، عليما بخبايا شخوصه فإنّه تحوّل بدوره إلى «ذات نصيّة» قلبت المسافة الشكليّة إلى مسافة شعريّة مكثفا وقع الأحداث والمجريات دافعا القارئ ليعيش بشكل روائيّ مثل «مجدي» بطل قصة «سجين الروايات» من المجموعة القصصيّة...
عندما تورّطت أكثر في نساء الأسعد بن حسين نشُطت ذاكرتي فتذكّرت مقولة فرنسوا جاكوب المقرّة بأنه «إذا كان ذلك الذي نتوجّه إليه قد اتخذ شكل ضمير المخاطب أنت، فأنت هذا هو أنا» ذلك أن قصص الأسعد بن حسين أكّدت أن الرجل استعمل كل الأسلحة لقتل ذاته الذكوريّة وذهنيته البطريركيّة من أجل حياة بنات قلمه ولو حتّى حبريّا فقط...
مجموعة الأسعد بن حسين «وقع حذائها» مجموعة تفريغ ومجموعة ترميم داخلي... رأبٌ لشرخ أنطولوجيّ... مجموعة تَمَرْئِي (من المرآة) تتهشّم فيها ضلوع الجنسين كما أدوات الحكي والسرد لا ضوابط تلجمها ولا أدوات بعينها ترفع أوتادها...
«وَقْعُ حذائها» هي أيضا ضربٌ للاسمنت الايديولوجي المسلّح لأنها ببساطة كُتبت بصوت مسموع... أو هي بالأحرى نموذج لما أسماهُ أندري جيد «الحكي المقعّر» (Récit abyme).....
يذكرني الأسعد بن حسين مرّة ثالثة... وأخيرة... بذاك الاسكافيّ الرابض خلف صندوقه الأزرق في كل شارع يُصلحُ أحذية العالم ولا يملك لساقيه حذاء لـمّاعًا... على الأرض يمشي الأسعد صافيّا... لتكون الكتابة انسانيّة...

2008/03/18

رجل الكلمات المتقاطعة


رجل صامت. واثقا يقفز الدرجات الخشبية الممتدة أمام الباب. ينزوي في ركن خافت الإضاءة. يوزع ملله داخل خانات الكلمات المتقاطعة، ويرش لحيته بنثار القهوة ليعبأ انتظاره بالوقت والنظر هنا وهناك داخل مقهى "التام تام".
لا أعتقد أنه ينتظر أحدا ما من الخارج. جلسته لا توحي بأنه على موعد أو على عجل. القلم بين أصابعه يتحرك عموديا وأفقيا كالبهلوان المحترف، راسما الحروف كيفا اتفق، أو هكذا يبدو. يظهر أنه رحالة تقاطعات، ولكني لست واثقا من ذلك مثله. ربما يشتغل... لا... لا أعتقد هذا مطلقا. أظن أن لحيته توحي بأنه يمتهن حرفة الصيد. هل يمكن أن يكون صيادا ؟. صيادا ماهرا.
انه صامت وواثقا مثل صياد. لابد أنه كان يمارس لعبة الصيد مع الأيائل البرية في أدغال أفريقيا. جسمه يبدو منهكا من رقصة التام تام... من رائحة عرق الزنجيات... ربما كان فعلا صيادا ماهرا... ربما...
صامت وواثق أمام الكلمات المتقاطعة، ولكنه يبدو مهزوزا ومتوثبا الآن أمام هاته العطور النائمة تحت أعناق البيضاوات داخل مقهى "التام تام".
هناك في الركن الأيمن من الطابق العلوي لمقهى "التام تام"، قبالة تمثال العاج المنتصب في شموخ أسطوري، وحذو الاباجورة الكريستالية المتبرجة بالأشعة الضوئية منعكسة على حوافها الحادة، وذات الأشكال الغريبة، جلست وحيدة تسرح شعرها والأحلام على إيقاع حركة الملعقة وسط الفنجان.
لم ينتبه لوجودهما الحزين في ذاك الصباح البارد داخل المقهى، لولا الصوت الذي أحدثه سقوط قلم الراوي، لما كان يرصد وجودهما من خلف.
تقاطعت العيون ببعضها البعض لحظة ارتطام القلم ببلور طاولة المقهى. التقط الراوي القلم اللعين والحنق باد عليه. شطب كل الكلام الذي كتبه فوق الورقة البيضاء.
دفع حساب ثلاثة فناجين قهوة للنادل الذي ظل فاغرا فاه، وانصرف خارجا تاركا وراءه ذاك الرجل الصامت وتلك الفتاة الوحيدة منعجنين ببياض وحبر القطع الصغيرة للورقة الملقية وسط مطفأة السجائر التي ملأها بأعقاب السجائر المبتلة وبأعواد الكبريت في ذاك الصباح بمقهى "التام تام".