بحث هذه المدونة الإلكترونية

2009/09/17

استراتيجيا تربوية


تٌسقط العودة المدرسية كل المناسبات الأخرى فلا حركة رمضان ولا عيد الفطر تضاهي الحركية والديناميكية المادية والرمزية ليوم العودة المدرسية وما يسبقها من تحضير نفسي ومادي لا للأسرة التربوية فقط وإنما لكافة الشعب التونسي، إذ لا تخلو عائلة واحدة من تلميذ أو طالب يبني أيامه داخل القسم وعلى مدارج العلم والمعرفة، ولذلك تتجند كل الطاقات بدءا من الأولياء والتلاميذ وصولا إلى عمال وعاملات التنظيف والحراسة بمؤسساتنا التربوية والجامعية، طبعا إلى جانب الهياكل الرسمية وكذلك مكونات المجتمع المدني لا تتأخر عن المشاركة السنوية في الإعداد للعودة المدرسية... ويكفي أن نذكر أيام العلم التي يقيمها الاتحاد العام التونسي للشغل كل سنة احتفاء بالنجباء من أبناء النقابيين والنقابيات وتكريما للأسرة التربوية... هذا فضلا عن انكباب هياكله المعنية طيلة السنة الدراسية لمتابعة ودراسة ملفات النقل والترسيم والانتدابات ...

وستشهد السنة الدراسية الحالية (2009/2010) اهتماما خاصا ورسم خطة إستراتيجية من قبل وزارات الصحة العمومية والتربية والتكوين والتعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا وشؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنين والشؤون الدينية بتونس بالخطة التي أقرتها هذه الأطراف للفترة القادمة بهدف تفادى انتشار الفيروس أنفلونزا الخنازير الذي بات يُعرف بـ:"أي اتش 1أن1" بالمؤسسات التربوية خصوصا. وقد انطلقت وزارة التربية والتكوين في تنفيذ برنامج وقائي يرتكز على محاور أساسية أهمها التوعية والتحسيس وذلك من خلال تنظيم حصص تثقيفية لفائدة الإطارات التربوية للتعريف بالفيروس وطرق الوقاية منه وتوزيع دليل تدخل يحدد الإجراءات التي ينبغي على المؤسسة التربوية القيام بها عند اكتشاف حالة لها أعراض المرض.

وسيتم في اليوم الأول من العودة المدرسية تخصيص جزء من الحصة الأولى لتعريف التلاميذ بالفيروس إلى جانب تعليق ملصقات وتوفير محامل تربوية حول الطرق الوقائية التي يتعين إتباعها. كما سيتم دعم وسائل التنظيف وتوفير مستلزمات غسل اليدين وتخصيص فضاء للعزل في كل مؤسسة تربوية إلى جانب إعداد قائمة بالتلاميذ المصابين بأمراض مزمنة باعتبارهم الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس.

كما أحدثت وزارة التربية والتكوين خلية يقظة في كل مؤسسة تربوية لمعاينة الوضع الصحي ومتابعة غيابات التلاميذ والمربين بهدف ضمان استمرارية الدروس وتعويض المدرسين الغائبين.

وللإشارة فان العودة الجامعية لهذه السنة ستستقبل370 ألف طالب وطالبة من بينهم 75 ألفا مرسمون لأول مرة و133 ألف مرسمون بالجامعات الداخلية بينما يبلغ عدد الطلبة بالقطاع الخاص 13 ألف طالب.

هذه الأرقام والإحصائيات والديناميكية التي تَسمٌ أيامنا هذه والتي ستليها تظل مهمة ورئيسية وأساسية لدفع عجلة التقدم والرقي والتي لا تدور إلا من خلال المثابرة على النهل من منابع العلم والمعرفة والتمترس بالآداب والفلسفات والثقافات، وهي في تقديري الحلقة الأهم والتي لا توفرها لا الأرقام ولا المباني الجديدة ولا الشعارات الجوفاء، بل إن هذه الحلقة هي التاج والإكليل الذي يحمله المعلم والأستاذ وينقله من تلميذ إلى آخر وهو يكد ويجتهد طوال سنة كاملة من التدريس وإصلاح الفروض وانتظار وسائل النقل... وتأخر الأجور...

إن الإطار التربوي هو رأسمالنا الرمزي، ووحده الكفيل بحماية منظومتنا التربوية من التراجع أمام الزحف اليومي لكل أشكال الجهل والتخلف... فمدارج العلم لا تنحصر في الكتب والأقلام واللوحات والأرقام والإحصائيات... مدارج العلم هي الأخلاق التي كبرنا معها... احترام المعلم واحترام نبل رسالته... والعودة المدرسية لا تعني الكتب فقط وبناء المدارس بل تعني أيضا حماية حقوق الأسرة التربوية وتوفير أسباب راحتها حتى لا تصبح منظومتنا التربوية عشوائية وفوضوية كحال الأدوات المدرسية المتناثرة على أرصفة الشوارع ومثل الدروس الخصوصية فلن نجني آخر السنة إلا ما نزرعه في مفتتحها.

2009/09/12

موسم "البلطجة"


البلطجة تعبر عن سلوك غير سوي، فهي استخدام القوة في غير موضعها للترهيب والترغيب، والحصول على حقوق الآخرين في غياب القانون وعدم تفعيله. والقوة تكون مادية ومعنوية ومستمدة من نفوذ الآخرين. وهي بالتالي عمل غير شرعي، ومن أهم نتائجه إقرار شريعة الغاب، وتسييد مبدأ البقاء للأقوى بالقوة المهلكة أو الناعمة درءا لحالة الفشل التي يعيشها "البلطجي" سواء الفشل الاجتماعي أو الاقتصادي أو الإبداعي.

البلطجة هي الانتهازية بشكل إجرامي، ولئن ارتبطت تاريخيا بأصحاب المطاوي والعصي من مفتولي العضلات، فإنها لم تعد تقتصر عليهم وإنما صارت تشمل اليوم أصحاب الشهائد والمتعلمين والمثقفين والسياسيين وطبعا رؤوس الأموال، أولئك الذين يرفعون شعار "بلطج تعيش"...

ما يعنيني ضمن هذه المساحة هو "البلطجة" الإبداعية، تلك التي يأتيها بعض "المثقفين" أو تحديدا عدد لا بأس به من العاملين في الحقل الثقافي في تونس، ذلك أن هذه الظاهرة ـ المرضية طبعا ـ استفحلت بشكل خطير، خاصة في هذه السنة، سنة الاحتفال بالثقافة وبالمثقفين أمثال أبو القاسم الشابي وعلي الدعاجي والهادي الجويني... فبدأت الأوراق تتساقط واحدة اثر الأخرى وتناسلت أسماء الساطين والمسطو عليهم لتتصدر الصفحات الأولى للصحف ويأخذ بعضها طريق المحاكم... ولن أغالي إن قلت بأن هذه السنة هي سنة "البلطجة" الإبداعية بامتياز... وعديدة هي الأسماء التي تعانقت في دائرة "البلطجة" أذكر من بينها ما كشفه فرج شوشان عن كتاب "الموسيقى العربية بالأندلس أشكالها، تأثيراتها في أوروبا» لمحمد الكحلاوي وما حصل بين الكاتبين حسونة المصباحي وإبراهيم الدرغوثي بخصوص قصة قصيرة وما أثير حول كتاب أحمد بن صالح بين عبد الجليل التميمي وعبد الرحمان عبيد وما أثارته قضية حاتم القيزاني ووحيدة البلطاجي بخصوص مشروع "الصباح الجديد" في افتتاح الدورة 45 لمهرجان قرطاج الدولي ثم بين وحيدة البلطاجي مرة ثانية والهادي حبوبة حول عرض البساط الأحمر والقضية الجديدة بخصوص أغنية "وادي الباي" لمجموعة البحث الموسيقي التي أصدرتها هذه الأيام علياء بالعيد وقبلها أمينة فاخت وبلقاسم بوقنة...

إن "البلطجة" الإبداعية نتاج طبيعي لإحساس الساطي بالعجز المطبق والنضوب في ينابيعه الإبداعية قد يجره إلى التجاوز على جهود غيره والاستحواذ عليها من دون وجه حق أو إبداع تبدأ من السطو على جملة تائهة من فم شاعر تائه في شارع لتصل إلى السطو على كتاب بأكمله أو فكرة مسرحية أو فيلم أو أغنية أو مقال صحفي أو لوحة فنية أو مجسم معماري...

ورغم أن هذه الظاهرة ليست مستحدثة، وإنما ظاهرة قديمة ولئن اجتهد الناقد الروسي باختين في تبريرها بإطلاق اسم "التناص" عليه، وقبلها قال أبو حيان التوحيدي في "البصائر والذخائر": "إن الخواطر تتلاقى وتتواصل كثيرا والعبارة تتشابه دائما..." كما أشار ابن رشيق في كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" إلى أن "المعاني أبدا تتردد وتتولد والكلام يفتح بعضه بعضا" إلا أن الظاهرة ظلت عاهة مستديمة في جسد الأدب والثقافة عموما، ولم تساهم إلا في تفريخ المتطفلين والمتمعشين من الفعل الثقافي، سواء معنويا من خلال الشهرة أو ماديا بكسب مئات الملايين...

مسألة البلطجة الإبداعية تبدو مسألة أخلاقية في ظاهرها إلا أنها بالأساس مسالة حقوق، ذلك أن سرقة إبداعية تعني سلب المبدع طاقته وجهده الإبداعي لكي يتحول من منتج إلى مطالب بحقه المسلوب، هذا إن تجرأ وطالب به في خضم سعيه المحموم لكسب لقمة عيشه وتثبيت اسمه في الساحة الثقافية، كما أنها تعكس أحد أجل مظاهر هشاشة وضع المبدع في بلادنا رغم وجود غطاء قانوني (قانون 94) ومؤسسة يُفترض فيها قانونيا التدخل الفوري من أجل حماية حقوق التأليف المعنوية والمادية، إلا أننا لم شهد تفعيلا جديا للنص القانوني ولا جدية أيضا في تدخل هذه المؤسسة لحماية المبدع والقانون في حد ذاته، بل انه طالما عمدت أطراف متداخلة منها وزارة الإشراف (قضية الأمين النهدي والمنصف ذويب) على لملمة الملفات حفاظا على الوجاهة والحظوة التي اكتسبها بعضهم في أروقة المؤسسات وهو ما يترك باب "البلطجة" الإبداعية مشرعا على مصراعيه لتنامي هذه الظاهرة.

افتخر الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد بأنَّه لا يسرق الأشعار فقال:"ولا أغيرُ على الأشعارِ أسْرِقُها عنها غَنِيتُ وشرُّ الناسِ من سَرَقا"

2009/09/03

تاكسي خالد الخميسي (3)




إن المزاوجة بين اللغة الفصحى واللهجات العامية ظاهرة تقنية لم تبدأ مع أحمد الخميسي، فقد سبقه إلى ذلك توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ومحمد برادة وحنا مينة ومحمد شكري وعبد الكريم غلاب وصنع الله إبراهيم ويوسف إدريس وعبد الرحمان مجيد الربيعي وغسان كنفاني وغيرهم، بل إن كاتب روايتي "الأرض" و"الفلاح" عبد الرحمان الشرقاوي استخدم العامية فقط، وكثيرون هم الكتاب والشعراء الذين وظفوا الخطاب العامي ضمن مؤلفاتهم لإيمانهم بأن اللهجات العامية تضفي نوعا من الواقعية والصدق، وهو ما يعلنه بصريح العبارة أحمد الخميسي في مؤلفه "تاكسي"، وهناك من الكتاب من يوظفها لغايات إيديولوجية للتعبير عن الصراع اللغوي وفقا لصراع الطبقات الاجتماعية. كما أن كبار الكتاب الغربيين وخاصة منهم الواقعيين والطبيعيين مثل بلزاك وفلوبير وتولستوي وستندال وإميل زولا استخدموا اللغة التصويرية المباشرة القائمة على الريبورتاج الواقعي التوثيقي ومحاكاة الواقع وتصويره تصويرا تقريريا.

من المتعارف عليه انه لا يوجد سرد خام وأن الكاتب يقوم بمهمة يمكن أن نطلق عليها "الاستيعاب الاختزالي" لمادته السردية وهي مهمة قوامها إعادة توزيع وتجميع المقاطع السردية المتفرقة و"تنظيمها" بالشكل الذي يمكن أن تظهر فيه وكذلك بالشكل الذي يمكن أن يستوعبها والذي يمكن معه – وبقدرة الكاتب – أن تطرح الأسئلة بدل تقديم الإجابات، ولئن يلزم الكاتب بما يسمى "العقد الروائي" الماثل في جميع أنواع الخطاب السردي، والقاضي بأن يقوم المتلقي بالتقاط شروط المتلفظ واحترامها على أساس تمتعها بدرجة عالية من الحقيقة، فإن هذا العقد لا يلزم – بتاتا – الكاتب بالخضوع للشكل الخطابي الذي يتلقى به مادته الحكائية، أي شكل ملفوظه، فالمنطوق لا يمكنه أن يحدد طبيعة المكتوب شكلا إلا فيما ندر من النصوص التي تكون عادة نقلا حرفيا لوقائع حقيقية، وتكون بالتالي خالية من أي موقف يمكن أن يصبغه الناقل على ما نقله، في حين أن نص تاكسي تحتشد فيه المواقف الشخصية للكاتب احمد الخميسي في أكثر من موضع.

ولئن يوهمنا الكاتب بوحدة السياق النصية التي اشتغل عليها، والمتمثلة في المواقف والطرائف والحكايات التي يعيشها أصحاب التاكسيات في القاهرة بالأساس، فإن مجموع تلك الحكايات التي بلغت 58 حوارا أو حكاية، ضربت تلك الوحدة السياقية حتى في مستوى حركتها، وكأن القارئ أمام جملة من المقاطع المشهدية التي تبدو في الظاهر مكتملة البناء وهي في الواقع أوصال مجزأة مثل شريط مسترسل من الأنباء المتفرقة التي يعسر على القارئ الوقوف على تماسك وحدتها الدلالية المفترضة، وضمن هذا السياق يذكر لوسيان غولدمان بأن "اجتزاء الكاتب لبعض عناصر المضمون من الشعور الجماعي، أو بشكل ابسط، من المظهر التجريبي المباشر للواقع الاجتماعي المحيط به – هذا الاجتزاء ليس دائما منهجيا ولا عاما، ولا نجده إلا في بعض النقاط من هذا الأثر الأدبي، معنى ذلك أن الدراسة السوسيولوجية في توجهها خاصة نحو البحث عن التشابهات مع المضمون، قد أغفلت وحدة الأثر، أي طابعه الأدبي الخالص." ويضيف غولدمان فيقول:"إن انطباع المظهر المباشر للواقع الاجتماعي للشعور الجماعي في الأثر الأدبي، يبدو بشكل أوضح لدى الكاتب الضعيف القوة الإبداعية الذي يكتفي بالوصف أو الحكي دون أن ينقل تجربته الشخصية، وهذا ما يفسر كيف أن سوسيولوجيا الأدب المتوجهة نحو المضمون ذات طابع نوادري أو حدوثات." وهذا القول ينطبق تماما على كتاب "تاكسي". فعمل الكاتب/السارد هو بالأخير يمثل – مثلما يقول تودوروف – "أسلوبا مباشرا ولكن من درجة أعلى وبالأخص إذا كان السارد عنصرا من النص" كما هو الحال في "تاكسي".


2009/08/29

تاكسي خالد الخميسي (2)

إن اللغة، كما نعلم جميعا، هي المادة التعبيرية التي تنهض عليها الرسالة الإبداعية والإيديولوجية التي يروم أي كاتب إرسالها إلى المتلقي، حيث يصوغ الكاتب مادته اللغوية من خلال عدة تمظهرات سردية ووصفية ومشهدية وبلاغية وحرفية... ويشتغل على ناصيتها وقواميسها الحرفية والمجازية لاستثمارها ضمن السياقات التواصلية والتداولية المراد تبليغها، وقد عرفت اللغة تطورا جوهريا خاصة مع الشكلانيين الروس وتحديدا مع ميخائيل باختين الذي تجاوزت معه اللغة الكلمات القاموسية والألفاظ المفردة إلى تعدد الأصوات والمنظورات السردية والأجناس وتداخل الخطابات والأساليب اللغوية، وهي التي تتوفر في الرواية "البوليفونية" إلى جانب الحوار الداخلي والوصف والحوار الخالص والرسالة والسرد بمختلف تمظهراته واستعمال اللهجات المحلية وسجلات مختلف الشرائح والفئات المجتمعية، وما يعنينا ههنا ضمن نص أحمد الخميسي البعيد كل البعد عن جنس الرواية – وعن أي جنس أدبي آخر - من حيث الشكل ومن حيث المضمون، ما يعنينا، هو استعمال اللهجة المحلية المصرية في جميع المقامات التخاطبية التي قدمها الكاتب على ألسنة سائقي سيارات الأجرة (التاكسي) وخاصة ضمن الحوارات التي تدور بين السارد/الكاتب/ الراكب وبين سائقي التاكسي/الشخصيات، ومعلوم أن الحوار الجيد هو ما حسن تركيبه وسهل قوله واتضح معناه وانداحت فيه الكلمة ذات الجرس والرنين لحساب الكلمة المحددة والقوية.

وقد تعددت مستويات استعمال اللهجة المصرية حيث نجد المفردات من قبيل:(حواديت/حهرب/وسطينا/برضه/جوز/العربية/بالتلاتة/وش/كمان/بقة/غلاسات/طرمخوها/لبش/دول/يجيصوا/أونطة/البوجودي/كدابة...).

والجمل التامة من قبيل:

* وح القى العيال مش واكلة وامهم حايسة ولايصة (ص27)

* وبيسألو الاقتصاد بايض من ايه؟؟ (ص29)

* واحد ماشي معاه موبايل وفي بقة سيجارة (29)

* الكلام اللى ولابيودي ولا بيجيب (32)

* لخبطة جامدة بتخللي الواحد يتمخول (ص93)...

كما أدرج الكاتب جملة من المصطلحات الدخيلة على المحكي المصري والعربي عموما من اللسانين الانجليزي والفرنسي – وهما من مخلفات الاستعمار الغربي – من قبيل:(بيزنس/البروجرام/الشوز/الدش/النيون/بربريز/تيرموماتر/الفيتيس/موبايل/

البوكس/فيفتي فيفتي/يتكود/الكلوب/جاتوه...).

هذا التعويل على اللهجات المحلية وعلى الكلمات الدخيلة من شأنه أن يهمل القيمة النصية التي تتأتى - كما أسلفنا الذكر - من المحمل اللغوي بدرجة أولى، إلى جانب مختلف المكونات التقنية والجمالية الأخرى لأي نص سردي واضح المعالم مثل الرواية والقصة القصيرة والأقصوصة والنص المفتوح، فما بالك إذا كان النص الذي يطرحه علينا الكاتب أحمد الخميسي لا يندرج في أي جنس من هذه الأجناس السردية.

ولنا أن نقف على الهنات التي قد تلحق المعنى المراد إبلاغه من خلال توظيف مثل تلك المفردات المحلية والدخيلة والجمل. فكلمة "عربية" التي يقصد بها المصريون السيارة قد يفهمها قارئ غير مطلع على المحكي المصري العامي بأنها تعني اللغة العربية، وكذلك كلمة "كمان" التي تعني في العامية المصرية "أيضا" قد تٌفهم في النص على أنها اسم الآلة الوترية المعلومة للجميع، أما كلمة "دول" التي ترادف ضمير "هؤلاء" قد يفهمها القارئ على أساس أنها جمع لكلمة دولة، وكذلك كلمة "كدابة" التي تعني في النص "كاذبة" قد تٌفهم على أساس تركيب "مثل دابة"، وقس على ذلك عشرات المفردات العامية الموظفة في النص.

أما المفردات الدخيلة فهي أكثر تأثيرا خاصة على المستوى الإيقاعي لأي نص، وكان على الكاتب أن يكتب كلمة برنامج بدلا من "البروجرام"، و اللاقط الهوائي بدلا من "الدش" والمحرار بدلا من "التيرموماتر" والشاحنة بدلا من "البوكس" و الفرامل بدلا من "الفيتيس" والنادي عوضا عن "الكلوب"...