بحث هذه المدونة الإلكترونية

2012/02/06

حوار مع الأستاذ خالد الكريشي الناطق الرسمي لحركة الشعب الوحدوية التقدمية بتونس

كان لي الشرف أني أول من رفع شعار " بن علي: أسألك الرحيل" هذه الأرضية السياسية التي ستجمعنا مع بعض الأحزاب اليسارية والتقدمية هذا ما قلته لرئيس الدولة المؤقت حول المجلس الانتقالي السوري لن أترشح إلى أي منصب قيادي في مؤتمرنا التوحيدي تونس/ أجرى الحوار ناجي الخشناوي الناطق الرسمي باسم حركة الشعب الوحدوية التقدمية بتونس الأستاذ خالد الكريشي من مواليد محافظة القيروان التونسية، تحصل على شهادة الباكالوريا سنة 1993 بعد خروجه من السجن، وهو ناشط سابق بالحركة الطلابية. تحصل على الأستاذية في الحقوق سنة 1997 ثم شهادة الدراسات المعمقة في القانون الخاص سنة 2000 وهي السنة التي التحق فيها بمهنة المحاماة. وهو الآن بصدد إعداد أطروحة دكتوراه حول " إرهاب الدولة". شغل منصب كاتب عام الجمعية التونسية للمحامين الشبان 2002-2004 وعضو هيئتها المديرة 2008-2010 كما أنه عضو مؤسس لمنتدى شباب المحامين العرب الذي عقد مؤتمره التأسيسي الأول بالقاهرة في افريل 2005. وعضو مؤسس لمركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة. وعضو مؤسس للجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين سنة 2001 وعضو هيئتها المديرة منذ سنة 2010 -2012.وعضو الوفد التضامني التونسي مع الشعب اللبناني إبان العدوان الصهيوني سنة 2006. وعضو عامل بالمؤتمر الناصري العام في دورته الثالثة المنعقدة بالقاهرة 2006 ودورته الرابعة 2007، أحد مؤسسي الوحدويون الناصريون بتونس في مارس 2005. التقينا به فكان الحوار التالي: * أستاذ خالد الكريشي لو نبدأ حوارنا هذا بالعودة إلى ما قبل ثورة 14 جانفي لنسألكم عن تقييمكم لدور القوميين في الإسراع بمخاض الثورة التونسية؟ ــ كان للقوميين دور فعال وايجابي منذ اندلاع الشرارة الأولى للثورة يوم 17 ديسمبر 2010 بمدينة سيدي بوزيد إلى حين يوم 14 جانفي 2011 مع سقوط نظام بن علي وفراره، إذ سيذكر التاريخ أن أول خطاب أُلقيَ في الثورة كان من الأخوين خالد عواينية المحامي والناصر الظاهري النقابي أمام مقر محافظة سيدي بوزيد، وهذا الأخير هو من أطلق شعار "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق". كما قمنا بتأسيس اللجنة الوطنية لمساندة أهالي محافظة سيدي بوزيد يوم 24 ديسمبر 2010 والتي ضمت إلى جانبنا بعض الفصائل اليسارية والتقدمية إلى حدود يوم 28 ديسمبر 2010 لما انتقلت المسيرات إلى تونس العاصمة في أول تحرك بشارع باب بنات والذي اتسم كذلك بتغيير في مضمون الثورة من الاجتماعي إلى السياسي، حيث رُفعنا شعارات ومطالب سياسية بحتة وقد طالبت تلك المسيرة أمام المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة بإسقاط النظام ورحيل بن علي، وكان لي الشرف أني أول من رفع شعار " بن علي: أسألك الرحيل"، هذا علاوة على التحرك الميداني والتأطير بالجهات وخاصة في مدينة المكناسي من قبل الأخوين مسطوري القمودي وبدر الدين القمودي، وكذلك في مدينة سيدي علي بن عون مع الأخ فاضل الصغير وفي مدينة تالة مع الأخ جمال الدين بولعابي، وقد تم كل هذا بالتنسيق ومشاركة عدة أطراف يسارية وتقدمية وطنية. هذا إلى جانب مواقفنا التي كنا نمضيها في البيانات باسم الوحدويون الناصريون بتونس والداعية جميعها إلى مساندة مسار الثورة وإسقاط النظام إلى حد البيان الأخير الذي أصدرناه يوم 13 جانفي 2011 ليلا والذي عبرنا فيه عن رفضنا المطلق لما قدمه الرئيس المخلوع في آخر خطاب له. *بعد سقوط النظام وفرار بن علي، شرعتم في تأسيس حزب مهيكل يضم كل من يحمل الفكر القومي في تونس، كيف تقيمون هذه الخطوة؟ ــ بعد 14 جانفي كان محمولا علينا استحقاق ومسؤولية كبرى في تحويل التيار القومي بتونس من تيار فكري سري ومشتت بين الجامعات والقطاعات المهنية والنقابات إلى حزب سياسي مُهيكل ذو مرجعية فكرية قومية وصاحب برنامج ومشروع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي بعد ما عانينا طيلة أكثر من نصف قرن شتى صنوف القمع والملاحقة والتضييق، وهذه العملية (أي التحول إلى حزب مهيكل) هي مهمة شاقة وصعبة بل ومصيرية تطلبت منا جهدا كبيرا واستنفذت قوانا في استحقاق داخلي مع تمسك بعض الأخوة برؤية عدم جدوى العمل السياسي الحزبي في ظل الدولة القطرية، إلى جانب حالة الفوضى التي كانت سائدة آنذاك على المستوى الأمني والسياسي والإعلامي، وفي ظل الانعدام الكلي للإمكانيات المالية والتعتيم الإعلامي الذي مورس ضدنا، ورغم الصعوبات توصلنا إلى عقد مؤتمر تأسيسي للحزب أيام 22 و23 و24 أغسطس 2011 وقد انبثقت عنه قيادة منتخبة، ثم دخلنا مباشرة اثر المؤتمر لتقديم قوائمنا في كل الدوائر الانتخابية للمشاركة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، ورغم هذه الظروف واهتمامنا باستكمال أهداف الثورة كنا نقاتل على جبهتين، جبهة داخلية تمثلت في بناء هيكل حزبي، وجبهة خارجية تمثلت في المحافظة على المد الثوري واستكمال أهداف الثورة خاصة مع اعتصام القصبة الثاني الذي اثمر بداية تحقيق المطالب السياسية من حل الحزب الحاكم سابقا ومجلسا النواب والمستشرين وانتخاب المجلس الوطني التأسيسي. *في علاقة بالجبهة الداخلية التي كنت تتحدث عنها، برزت منذ البداية عدة مؤشرات ساهمت في تصدع حزبكم الفتي وهو ربما ما أثر بشكل مباشر على عدد المقاعد التي حصلتم عليها في المجلس التأسيسي؟ ــ نحن قدمنا قوائمنا الانتخابية في كل الدوائر كحزب حركة الشعب الوحدوية التقدمية دون التصدع، لكن ذلك لم يمنع من تقديم عدة قوائم قومية ناصرية أخرى في نفس الدوائر سواء باسم حركة الشعب أو قوائم مستقلة، وهذا ما أثر على نتائج الانتخابات وعلى عدد المقاعد، إذ نجد في بعض الدوائر ثلاثة قوائم قومية ناصرية، إضافة إلى دخولنا الانتخابات بعد مؤتمرنا التأسيسي مباشرة وانعدام الإمكانيات المالية والتعتيم الإعلامي والظروف الإقليمية خاصة في كل من ليبيا وسوريا اللتين تشهدان ثورة شعبية ضد نظامين يرفعان شعارات القومية، كما لا ننسى أن العميد السابق الأخ البشير الصيد كان قد خير الاستقالة من الحزب قبل انعقاد المؤتمر بيومين. *بعد الفوز الانتخابي الذي حققته حركة حزب النهضة، والتراجع الكبير لعدة أحزاب تقدمية وسطية كيف تقرؤون هذه النتائج؟ ــ النتائج كانت منتظرة بحكم توفر عدة ظروف ووقائع ساعدت حركة حزب النهضة على تحقيق أعلى نسبة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وهي نتائج تعود أساسا إلى تاريخية هذا الحزب المتواجد منذ ثمانينيات القرن الماضي كما استغلت حالة التعاطف الشعبي التي لقيتها من الشعب، وأيضا لترويجها لخطاب ذو نزعة دينية، علاوة على الإمكانيات المالية والإعلامية وبنائه التنظيمي المحكم، ولا ننسى أن بقية الأحزاب الأخرى دخلت إلى سباق الانتخابات منقسمة ومشتتة في عدة قوائم ولا أحد يشك في أن هذه الانتخابات، ولئن كانت ديمقراطية وشفافة، فان المعروف أن الانتخابات لا تنجز في يوم وليلة ولا في ساعات بل هي نتيجة موروث كامل وظروف متشابكة بين الذاتي والموضوعي وبين المادي والمعنوي وبين الداخلي والخارجي. *وكيف تقيمون أداء الحكومة التي انبثقت عن هذه الانتخابات؟ ــ لئن كان عُمرُ هذه الحكومة الوقتية لم يتجاوز الشهر الواحد، فإن بوادر عمل هذه الحكومة اتسم بالارتباك وعدم وضوح مشروعها وبرنامجها، وهذا نتيجة طبيعية لأنها ليست حكومة كفاءات بقدر ما هي حكومة حزبية قامت على أساس الأغلبية والأقلية، في حين أننا في تونس نعيش الآن مرحلة انتقالية لما بعد الثورة تتطلب الوفاق والتوافق بين كل مكونات المشهد السياسي والمدني من أحزاب وجمعيات ومنظمات دون إقصاء أو استثناء، لأن التجارب الثورة على مدى التاريخ علمتنا أن مراحل ما بعد الثورة تُدار بالوفاق وليس بقاعدة الأغلبية والأقلية، إلى حين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية لأنها الوحيدة المؤهلة لمنح الشرعية الكاملة للأحزاب أو الحزب الفائز، على عكس هذه المرحلة التأسيسية المؤقتة التي تتسم بنصف الشرعية (من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة). *هل أن هذا الارتباك والتذبذب في عمل الحكومة وسيطرة حزب حركة النهضة على المشهد السياسي هو الذي دفعكم إلى الدخول في تحالف سياسي مع عدة أطراف يسارية تقدمية؟ ــ وإن كنا لا ننكر أن المشهد السياسي الحالي له دور في تسريع نسق الالتقاء والعمل المشترك مع بعض الأحزاب التقدمية واليسارية، فان هذا ليس بجديد لان التقاءنا سابق على 14 جانفي 2011 سواء في القطاعات المهنية كالمحاماة أو في النقابات من خلال الاتحاد العام التونسي للشغل أو في الجامعة من خلال الاتحاد العام لطلبة تونس، أو على المستوى السياسي في هيئة 18 أكتوبر 2005 التي ضمت إلى جانبنا حزب العمال الشيوعي التونسي وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات والحزب الديمقراطي التقدمي وحركة النهضة أيضا، وبالتالي فان الالتقاء والعمل المشترك الآن يجب أن يكون على أرضية سياسية واضحة تقوم على الوفاء لمبادئ الثورة وتأمين الانتقال الديمقراطي والعمل على ضمان الحد الأدنى من الحريات الفردية والعامة والقبول بمبادئ الدولة المدنية الديمقراطية التقدمية التي تتعايش فيها كل الأطراف السياسية ومختلف الرؤى الإيديولوجية، والقبول بالعملية السياسية المدنية السلمية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من المشاركة في الانتخابات والقبول بديمقراطية الصندوق كآلية للتداول السلمي على السلطة ورفض التدخل الأجنبي مهما كان مأتاه ومصدره وشكله في شؤوننا الداخلية والدفاع عن سيادة القرار الوطني مع رفض كل أشكال التطبيع الصهيوني ورفض انخراط تونس في أي من المشاريع السياسية الدولة ذات النزعة الاستعمارية مهما اتخذت لها من الأسماء. ومواصلة للعمل الذي بدأناه بعد 14 جانفي مباشرة بعد تأسيس جبهة 14 جانفي التي ضمت إضافة لنا كل من حزب اعمل الشيوعي التونسي وحركة الوطنيين الديمقراطيين وحزب العمل الوطني وحركة البعث وحزب الطليعة العربي الديمقراطي ورابطة اليسار العمالي والوطنيون الديمقراطيون وبعض اليساريين المنشقين عن الحزب الاشتراكي اليساري، ونحن الآن في طور إعادة المشاورات والحوار من أجل تفعيل هذا العمل المشترك دون تسرع حتى لا نقع في أخطاء الماضي التي أدت إلى تفكك الجبهة. *نفهم من الأرضية التي تعملون على الالتقاء حولها أن هذه الجبهة ليست تكتيكية مرحلية بل هي ذات افق استراتيجي؟ ــ أولا هي ليست جبهة بالمفهوم السياسي للمصطلح بل نحن في طور المشاورات والحوار من أجل بناء هذا الالتقاء على أسس سياسية وأرضية واضحة تجمع ولا تفرق وتحمل في طياتها مشروعا مجتمعيا مستقبليا، وليست التقاء انتخابيا فقط بحكم تقارب الرؤى والمواقف في عديد المسائل القطرية والإقليمية والدولية، وهذا يتطلب منا جهدا مضاعفا لأننا في تونس لا نملك تقاليد العمل الجبهوي المشترك ولا حتى تقاليد العمل الحزبي أصلا. *على ذكر العمل الجبهوي، كيف تقيمون عملية الانصهار بين حزبي أفاق تونس والديمقراطي التقدمي؟ ــ هي خطوة في الاتجاه الصحيح، وان كانت متأخرة، وذلك حتى نخرج من حالة الانفلات الحزبي وبناء حياة سياسية سليمة لأن وجود أكثر من مائة حزب لن يخدم الانتقال الديمقراطي السلمي للسلطة ولا الحياة السياسية عموما، بل يخدم فقط حزب أو حزبين ويكون بوابة لعودة الدكتاتورية ونظام الحزب الواحد من جديد فتاريخيا نشأت هذه الأحزاب الكثيرة في واقع يشهد انفلاتا امنيا وسياسيا، ومثلما كان يفعل بن علي عندما كان يؤسس بعض الأحزاب بقرار إداري لإفساد الحياة السياسية فإننا نرى أن التعدد الحزبي الحالي يشوه الحياة السياسية ولا يخدم الديمقراطية في شيء ونتمنى أن تبقى في تونس اليوم أربعة أحزاب كبرى تمثل المرجعيات الفكرية والإيديولوجية الكبرى (الليبرالية والقومية والماركسية والإسلامية). *لنعد إلى سياسة الحكومة الحالية، كيف تقرؤون مواقف رئيس الجمهورية المؤقت من استقبال المجلس الوطني الانتقالي السوري ومن مشروع الوحدة الاندماجية بين تونس وليبيا؟ ــ بالنسبة للمجلس الانتقالي السوري أعتقد أن السيد الرئيس المؤقت قد وقع في خطأ عندما استقبل المجلس الوطني الانتقالي السوري وكنت قد أبديت له بعد لقائي به على اثر استقبالي بقصر قرطاج، تحفظنا ورفضنا لهذه الخطوة باعتبارها تتعارض مع مصلحة الشعب السوري ومسار ثورته وأن المجلس الوطني الانتقالي السوري لا يمثل كل المعارضة السورية، فكان جوابه واضحا وصريحا والذي عبر عنه في وسائل الإعلام والمتمثل في رفضه التام لمشروع وبرنامج المجلس الوطني السوري الداعي خصوصا إلى تدويل الأزمة السورية والتدخل الأجنبي، وطالب الرئيس من المجلس الوطني الانتقالي بتوحيد صفوف المعارضة السورية في إشارة إلى هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في سوريا برئاسة حسن عبد العظيم وطالبها بنبذ الطائفية والحفاظ على سلمية الثورة وعدم عسكرتها وهو الموقف الذي بلغه الرئيس المؤقت لوفد التنسيقية بعد ان استقبله مؤخرا بقصر قرطاج داعيا إياهم مجددا إلى توحيد صفوف المعارضة السورية ورفض التدخل الاجنبي باعتباره عملية انتحارية وهو نفس الموقف الذي عبرنا عنه في بيان مشترك أمضيناه يوم 7 جانفي 2012 مع التنسيقية الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي. أما بالنسبة لمشروع الوحدة الاندماجية مع ليبيا فنحن ننطلق من مسلمة أن الشعب العربي واحد في كل الاقطار العربية وأن الوحدة العربية (اندماجية، كنفيدرالية، فيدرالية...) هي المصير المحتوم مستقبلا بحكم ان الوحدة العربية أضحت اليوم ضرورة وليست خيارا أمام الكيانات السياسية الكبرى والعظمى، ألا أنه علينا ان نتعض من التجارب التاريخية مثلما وقع في السبعينيات من القرن الماضي اذ لم يدم عمر الوحدة الاندماجية بين تونس وليبيا سوى 24 ساعة فقط، كما أن هذه الوحدة يجب أن تكون نابعة من إرادة الشعبين ومن خلال مؤسساته الدستورية المنتخبة ديمقراطيا وبذلك فان دعوة منصف المرزوقي التي نؤيدها من حيث المبدأ فإننا نتحفظ على توقيتها وارتجاليتها. *قبل أن ننهي هذا الحوار نود أن تطلعنا على آخر تحضيراتكم لأول مؤتمر لكم كحزب والمزمع عقده الشهر المقبل؟ وهل لكم طموحات في الترشح؟
ــ نحن بصدد مواصلة التحضيرات على المستوى التقني واللوجيستي والسياسي للمؤتمر التوحيدي بين حركتي الشعب والشعب الوحدوية وعدة وجوه قومية في أواخر شهر فبراير 2012 على قاعدة بناء حركة سياسية مناضلة وديمقراطية واحدة موحدة، وأدعو جميع الأخوة إلى إنجاح هذا المسار التوحيدي بالانخراط فيه مباشرة ونبذ كل الخلافات الذاتية وتغليب المصلحة العامة لبناء حزب قوي يتصدى لواقع التشتت القطري، وان هذه الخطوة الأولى نحو بناء حزب قومي واحد موحد يضم كل الفصائل القومية من بعثية وناصرية على قاعدة العمل المنظم والإيمان بان الموقف قبل الموقع وأن المناضل القومي هو أول من يضحي وآخر من يستفيد. وسوف أسعى أولا الى انجاح هذا المؤتمر التوحيدي في لم شتات القوميين وبناء الحزب القومي الواحد واعلن من هذا المنبر أني لن أترشح لاي منصب قيادي في المكتب الذي سينبثق عن المؤتمر وأتمنى أن تنبثق قيادة حزبية منتخبة عن هذا المؤتمر تعبر عن نضالية وتاريخية التيار القومي في تونس وفي حجم ما ينتظره القوميون منه مع التزامي الكامل والمطلق لمساندته ومواصلة الانخراط في المسار التوحيدي./.

2012/02/01

من السجن الصغير إلى السجن الكبير

من المنتظر أن تصدر موفى هذا الأسبوع قائمة اسمية جديدة تتعلق بالعفو عما يناهز 3000 سجين، بعد أن تم العفو والسراح الشرطي عن 8844 سجينا من قبل رئيس الجمهورية التونسية المؤقت، بمناسبة الذكرى الأولى للثورة التونسية يوم 14 جانفي 2012، وهذا الرقم عده أهل الاختصاص والقضاة بدرجة أولى انه غير مسبوق، وقد شملت القائمة الأولية مساجين تعلقت بهم جرائم القتل والاغتصاب والمخدرات، كما تم العفو عن 23 سجينا محكوم عليهم بالإعدام، وشمل أيضا القرار العفو عن 12 مسجونا مغربيا، كما استبدل الرئيس المؤقت للجمهورية عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد لــ122 سجينا. ويذهب عدد كبير من الجهاز القضائي إلى أن هذا العفو مس من صلاحيات الجهاز وخاصة مؤسسة قاضي تنفيذ العقوبات الذي ينظر في مطالب السراح الشرطي في الجرائم التي يبلغ الحكم فيها 8 أشهر، ويمكن أن يخلى سبيل المتهم بعد قضاء نصف مدة العقوبة المسلطة عليه إذا خلى ملفه من السوابق العدلية وثلثي المدة أن كانت له سوابق. وزارة العدل التي يرأسها نور الدين البحيري (عن حركة النهضة)، والى جانب ملفات الفساد القضائي وعمادة المحامين ومطالب أعوان وكتبة المحاكم التونسية وتعويض عائلات شهداء وجرحى الثورة، شكلت الوزارة في صلبها لجنتين خاصتين بالنظر في مطالب العفو والسراح الشرطي المقدمة لها من قبل عائلات المساجين، غير أن الدفعة الأولى التي أعلن عنها أثارت ردود فعل كبيرة لما اعتبرته العديد من العائلات إجحافا في حق بعض المساجين ومحاباة لعدد آخر، ولعل إطلاق سراح شقيق وزير العدل المتهم بالاعتداء الجنسي على صبي هي التي أججت الاحتجاجات خاصة في مدينة جبنيانة من محافظة صفاقس جنوب البلاد (موطن شقيق الوزير المُفرج عنه)، وقد امتدت التحركات والاحتجاجات لتصل مبنى الوزارة، حتى بلغ الأمر بإحدى المتظاهرات إلى محاولة سكب البنزين على جسدها، وهو ربما ما جعل الوزارة تفتح أبوابها لعائلات المساجين وتتفاوض معهم على مدى الأسبوع المنقضي ووعدهم بإطلاق دفعة جديدة من المحكوم عليهم. هذا التمشي الذي تتبعه وزارة العدل فيما يتعلق بملف العفو والسراح الشرطي، أثار العديد من المخاوف لدى الشارع التونسي خاصة وأن الكثير من المسجونين وممن عرفوا بالإجرام باتوا يندسون في احتجاجات وتحركات المعطلين عن العمل والمواطنين العاديين الذين يطالبون الحكومة بتحسين ظروف عيشهم وتمكينهم من حق الشغل أساسا، هذا فضلا عن مخاوف الجهاز القضائي من التدخل في أحكامه وتغليب السياسي والأخلاقي على حساب منظومة العقوبات القانونية، خاصة أن وزارة العدل تُعتبر وزارة سيادة في حكومة ائتلافية مازالت تضع أولى خطواتها في مسار الانتقال الديمقراطي الذي قامت من أجله الثورة التونسية. وفي علاقة بموضوع المساجين والحياة السجنية في تونس يُذكر أن بعض القنوات التلفزية دخلت، ولأول مرة، بطريقة مباشرة ومطولة إلى زنازين بعض السجون التونسية وأجرت العديد من التحقيقات المصورة خاصة مع السجينات اللواتي يقضين عقوباتهن بالسجن المدني للنساء بمحافظة منوبة المتاخمة للعاصمة، وقد لاحظ العديد من المراقبين والمتابعين اختلاف الأحكام في نفس القضايا تقريبا واستفحال ظاهرة الرشوة في المحاكم التونسية طيلة فترة النظام السابق مما جعل العديد من الأبرياء يقبعون وراء القضبان ورغم براءتهم إلا أنهم لم يتمتعوا بالعفو أو بالسراح الشرطي... إن السؤال الذي يُطرح الآن أمام قبول وزارة العدل بإضافة قائمة جديدة للمفرج عنهم بعد أن نفذت عائلاتهم العديد من الوقفات الاحتجاجية، هو هل أن الوزارة ستُقدم على هذه الخطوة تحت ضغط الشارع أم لاقتناعها بنقصان القائمة الأولى التي أعلنت عنها؟

بين الغنوشي وصحفي إسرائيلي: من صدق من؟!

في الوقت الذي تطالب فيه عديد الأحزاب والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وخاصة منها الهيئة الوطنية لدعم المقاومة العربية ومناهضة التطبيع والصهيونية، تضمين الدستور التونسي الجديد فصلا واضحا يجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني، شهدت الساحة السياسية بتونس منذ أيام قليلة ضجة إعلامية مازالت متواصلة بسبب تصريح إذاعي أدلى به راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة لغيديون كيتس مراسل "صوت اسرائل" بمناسبة تواجده في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا.
وقبل التصريح المنسوب لزعيم النهضة أثارت مشاركة راشد الغنوشي في هذا المنتدى (رفقة ابنه معاذ) جدلا واسعا في تونس حول الصفة التي يشارك بها، باعتباره لا يشغل أي منصب حكومي، في حين أن وزير المالية التونسي السيد حسين الديماسي لم يكن ضمن الوفد المشارك في المنتدى.
التصريح الأخير لراشد الغنوشي الذي قال فيه "أن مستقبل العلاقات بين تونس وإسرائيل مرتهن بحل القضية الفلسطينية" مازال يتراوح بين التأكيد والنفي، ففي الوقت الذي نفى فيه السيد نجيب الغربي المسؤول عن قسم الإعلام بحركة النهضة وعضو هيئتها التأسيسية، أن يكون الغنوشي قد خص إذاعة "صوت إسرائيل" بأي تصريح، وأن ما قام به هو تنظيم ندوة صحفية حضرها عدد كبير من الإعلاميين للتعريف بالثورة التونسية وبالتحديات الاقتصادية التي تواجهها تونس والفرص التي يمكن أن تدفع عجلة الاستثمار خاصة من طرف الاتحاد الأوروبي، وفي نفس الوقت اتصلت إحدى الإذاعات الخاصة في تونس (موازييك أف أم) يوم الثلاثاء 31 كانون الثاني بالصحفي الإسرائيلي "غيديون كيتس" للتأكد من صحة الخبر فأفاد لصحفي الإذاعة التونسية شاكر بسباس بأنه بالفعل قد أخذ تصريحا وبث مباشرة من طرف السيد راشد الغنوشي بعد أن عرفه بنفسه وبالمؤسسة الإعلامية التي يعمل لصالحها والمرسوم شعارها على شارة الدخول (إذاعة صوت إسرائيل).
وقد تتالت ردود الفعل الشاجبة لهذا التصريح، خاصة بعد الاتصال بالصحفي الإسرائيلي، حيث استنكر قياديون في الحزب الديمقراطي التقدمي هذا التصريح معتبرين أنه مدخل للتطبيع مع الكيان الصهيوني خاصة وأن راشد الغنوشي علم بجنسية الصحفي وبالإذاعة التي يعمل لصالحها.
راشد الغنوشي سبق له أن صرح لمجلة "ويكيلي ستاندار" الأمريكية أن الدستور التونسي الجديد لن يتضمن "أية مواد تدين الكيان الصهيوني" وأن الوثيقة التي أمضتها عدة أحزاب وجمعيات وشخصيات سياسية ومدنية وحقوقية في مجلس حماية الثورة، قبل انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، والتي تجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني، هي وثيقة لا معنى لها؟ وهذا التصريح السابق يستند إليه اليوم العديد من المحللين السياسيين والأحزاب في إدانة التصريح الأخير للغنوشي في دافوس بسويسرا.
يُذكر أن راشد الغنوشي لم يدل لأول مرة بمثل هذه التصريحات المثيرة للجدل، لعل أبرزها تلك التي وجهها قبل ظهور نتائج انتخابات المجلس التأسيسي والتي "هدد" فيها بإنزال مناصريه إلى الشارع إذا ما تم تزييف الانتخابات، أو تلك التي دعا فيها إلى غلق السفارة السورية بتونس وطرد سفيرها، أو تلك التي صرح بها في واشنطن عندما قال أن المملكة العربية السعودية "مهددة" بثورات الربيع العربي، هذا فضلا عن تصريحاته التي أدانتها فرنسا بسبب عدائه للغة فولتير.

2012/01/31

حزب التكتل يتفكك




مثلت الأحداث الأخيرة في تونس من انتهاك واضح للحريات العامة والفردية ومن تخطيط ممنهج لضرب حرية الإعلام واستقلاليته والانزياح بالمطالب الجوهرية التي قامت من أجلها الثورة التونسية إلى متاهات ثانوية، فضلا عن ارتباك العمل الحكومي، مثلت فرصة لتقارب العديد من الأحزاب الوسطية الإصلاحية والحداثية، وقد دخلت العديد من الأحزاب والشخصيات السياسية في الخطوات العملية لإعداد أرضية فكرية وسياسية تكون بمثابة بديل سياسي وشعبي قوي ومتماسك خاصة بعد البيان الذي أصدره الباجي قائد السبسي رئيس الحكومة السابق منذ أيام قليلة، وكذلك توقيع وثيقة تحالف بين 13 حزبا تحت تسمية الحزب الوطني، ولعل المسيرة الحاشدة (أكثر من 10 آلاف مشارك) التي انتظمت يوم السبت 28 كانون الثاني بتونس العاصمة خير دليل على مدى جدية التقارب السياسي بين هذه الأحزاب، وبالمقابل تشهد بعض الأحزاب في تونس حالة من التفكك التي تنذر باندثارها ولعل حزب التكتل من اجل العمل والحريات أفضل مثال على ذلك.
حزب التكتل من اجل العمل والحريات، الطرف الثالث، إلى جانب حركة النهضة والمؤتمر من اجل الجمهورية، فيما يعرف بالترويكا في تونس، أي التحالف الثلاثي الأغلبي في المجلس التأسيسي، هو حزب تأسس سنة 1994 وعُرف برؤيته التقدمية وبدفاع مناضليه عن قيم الجمهورية الثانية وبناء مجتمع المواطنة، غير أن دخوله في التحالف الثلاثي ورئاسة مؤسسه، السيد مصطفى بن جعفر، للمجلس التأسيسي الوطني ومشاركة بعض كوادره في الحكومة الائتلافية، مهدت لبروز هوة عميقة داخل الحزب بدأت تتعمق في الأيام القليلة الماضية من خلال تتالي قوائم المستقيلين من هياكل الحزب، حتى أن البعض من المتابعين للشأن السياسي يرون في إمكانية اندثار الحزب من الخارطة السياسية إمكانية واردة جدا.
ولئن ظلت وسائل الإعلام التونسية تُرجع أسباب هذه الانسحابات إلى الضغط الذي يمارسه احد ابرز قيادات الحزب، السيد خميس قسيلة، على المناضلين والمنخرطين في الحزب، مستندين في ذلك إلى تصريحات الناطق الرسمي باسم الحزب السيد أحمد بنور، فان التصدعات التي ضربت بقوة هذا الحزب تعود إلى أسباب أكثر عمق من حرب إعلامية ثنائية بين رجلين، وهي أسباب أجملها المستقيلون في بيان لهم والمتمثلة أساسا في فشل قيادة الحزب في إدارة المرحلة وانعدام الديمقراطية داخل الحزب واستعمال القيادة لأسلوب فوقي في التعامل مع المناضلين، وإقصاء كوادر الحزب من الإدلاء بآرائهم في المسائل الجوهرية التي تهم الحزب والوضع العام للبلاد.
المستقيلون من الحزب، وخاصة في الدوائر المركزية مثل تونس وأريانة وبنعروس والذين يعدون بالمئات، وجهوا أصابع الاتهام مباشرة إلى قيادة الحزب باعتبارها تسببت في "انحراف الخط الرسمي للتكتل عن المبادئ والقيم الأصلية التي دفعت بفئات واسعة للانخراط صلب هذا الحزب."
وقد اعتبر المستقيلون أن "الصمت الغريب" لزعيم الحزب السيد مصطفي بن جعفر، رئيس المجلس التأسيسي الوطني، بعد تصريح نائب حركة النهضة وابرز قيادييها الصادق شورو بالمجلس ودعوته الصريحة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية لإنهاء الاعتصامات والاحتجاجات، هي القطرة التي أفاضت الكأس، فرغم الانتقادات الواسعة من قبل الحقوقيين والسياسيين والمثقفين والإعلاميين والمواطنين العاديين لهذا التصريح، ورغم أن حركة النهضة ذاتها نأت بنفسها عن هذا التصريح نافية أن تكون الشريعة الإسلامية على أجندة الحركة، فان السيد مصطفى بن جعفر لزم الصمت ولم يبدي ساكنا أمام هذا التصريح، مما دفع ببعض مناضلي حزب التكتل إلى رفع شعار "شورو يدعو إلى القتل وبن جعفر يقول شكرا" في المسيرة التي انتظمت نهاية الأسبوع المنقضي، والتي لم يشارك فيها حزب التكتل بصفة رسمية.
ولعل تصريح كاتب عام إحدى فروع التكتل، السيد الطيب العقيلي، بعد استقالته منذ يومين فقط، بقوله حرفيا "الاستقالات ستتوالى وستطوى صفحة التكتل نهائيا كحزب وطني كبير" فيه الكثير من النظر للمستقبل القريب لهذا الحزب، خاصة أن تصريحات الناطق الرسمي للتكتل، السيد احمد بالنور، تتسم بالهشاشة وبالدوران في نفس الحلقة، إذ انه يرى أن غياب التواصل بين القيادة والقواعد تعود حسب رأيه إلى أن "الحزب دون إمكانيات مادية تذكر واغلب قياداته غير متفرغين للعمل الحزبي بل لهم التزامات مهنية وعائلية"!!!
التصدعات التي يواجهها حزب التكتل من اجل الجمهورية اليوم، لا تقتصر عليه فقط بل هي طالت حزب المؤتمر من اجل الجمهورية، الطرف الثاني في التحالف الثلاثي والذي أسسه رئيس الجمهورية المؤقت السيد المنصف المرزوقي، فهذا الحزب أيضا تشقه صراعات بين شق أمينه العام المؤقت حاليا السيد عبد الرؤوف العيادي والشق المحسوب على السيد الطاهر هميلة احد ابرز قياديي الحزب، ويرى العديد من الملاحظين في تونس أن حزبي التكتل والمؤتمر أصبحا جزءا من حركة النهضة تتحكم فيهما وفق توجهاتها ورؤيتها لطبيعة الحكم في تونس، غير أن هناك الكثير من المؤشرات أيضا على بوادر تصدع داخل الحركة ذاتها بين الشق المتشدد والشق المعتدل وهو ما ستكشفه الأشهر القادمة في مؤتمر الحركة.

2012/01/30

فيلم "ينو بابا" لجيلاني السعدي: عندما تفقد الكاميرا حركتها والسيناريو شاعريته

يمثل سياق الهامشي والمهمشين في أي مجتمع ما من أكثر السياقات خصوبة لما يمنحه من إمكانات القراءة والتأويل التي يُتيحها للمبدع وهو يتدبر كتابته الإبداعية، سواء كانت نثرا أو شعرا، موسيقى أو رقص، سينما أو مسرح، رسما أو نحتا... غير أن هناك من الأقلام من يظل على هامش الهامشي ويظل يداعب الأطراف القصية دون أن يغوص في عمق النص.
هذه المسلمة أو البديهية يمكن أن نسحبها على "السينمائي" التونسي الجيلاني السعدي بعد مشاهدة آخر انتاجاته السينمائية ونعني به الفيلم الروائي الطويل "وينو بابا" (أين أبي؟) الذي عرض لأول مرة مساء الاثنين 16 جانفي 2012 بقاعة المونديال .
الفيلم الذي سبقته حملة إعلامية كبيرة لترويجه لم يكن في مستوى انتظارات الإعلاميين الذين خصهم المخرج الجيلاني السعدي بأول عرض إلى جانب حضور عدد مهم من أبطال عمله، فهذا المنجز السينمائي الذي يُعرض سنة 2012، أي سنة بعد الثورة التونسية، لم يرق إلى الحد الادني لا في مستوى معالجة الفكرة المُراد إيصاله ولا في مستوى شكل تقديمها سينمائيا (التصوير والإضاءة والموسيقى...).
"وينو بابا" الذي يأتي بعد فيلمين للمخرج الجيلاني السعدي هما "خرمة" و"عرس الذيب" يواصل من خلاله المخرج معالجة نفس الواقع الاجتماعي للمهمشين والملفوظين على قارعة الحياة، محاولا كتابة تفاصيلهم اليومية بعدسته وبلغته السينمائية التي تجتهد في أن تكون شبيهة بموضوعها من حيث حركتها وزاوية التقاطها الصورة وتوزيع الضوء على المساحات المقتنصة.
فهذا الشريط الذي كتبه الجيلاني السعدي على غرار الأعمال السابقة، هو من صنف الكوميديا السوداء، والذي يجمع بين جمال المداني في دور "حليم" وبوراوية مرزوق في دور "خيرة" وميلة بن يوسف في دور "أنس" وكل من محرز قلوز ومهى بوعفيف وحاشد ازموري وخالد قسمي وهادي هذيلي وحبيب أفلي، في حين أن الشخصية التي يحيل عليها عنوان الفيلم، أي الأب، جسدها صوتا الممثل محمد قريع، باعتبارها شخصية حاضرة بالغياب، هذا الشريط يصوّر حياة أرملة اسمها "خيرة" ابنها الذي تجاوز الأربعين دون زواج اسمه "حليم" تعيش من أجل تحقيق حلم تزويج ابنها من "أنس"، غير أن طبيعة الشخصية المحورية، باعتبارها متمردة ورافضة لرتابة الواقع، تأبى أن تنصاع إلى مؤسسة الزواج ظاهريا وتستمر في تأثيث أيامها بالتفاصيل التي اختارتها وهي أساسا الاستماع إلى أغاني عبد الحليم حافظ وزيارة والده في المقبرة والالتقاء بأصدقاء الشارع من المهمشين مثلها، وتمعن شخصية حليم في الانغماس عميقا في عالم اللانظام بعد أن ترفض زوجته المحتملة حضور حفلة زواجها مما يدفع "حليم" إلى أن يعتكف في منزله لبضعة أيام ثمّ يقرّر اعتزال الحياة الاجتماعية والانضمام لجماعة من المُـهـمّـشين، ثم تتطور أحداث السيناريو بعد أن تتم معاقبة "انس" من قبل أهلها لكنها تنجح في الفرار لكي تتسكع في المدينة على غير هدًى حتى تلتقي مع حليم فيواصلا سوية حياة الـتّـيـه.
نلاحظ من خلال سيناريو الفيلم أن هذا المنجز السينمائي يُبشر المتقبل بالتحول من السؤال السوسيولوجي للآخر المختلف، إلى السؤال السيميولوجي الذي تتحرك ضمنه مدلولات الصورة بالدرجة الأولى عبر خصوصية التعبير السينمائي، غير أن مخرج الفيلم الجيلاني السعدي يبدو أنه فَقَدَ القدرة على التحكم في حركة الكاميرا بعد أن فقد نسق السيناريو توهجه الأول وسقط في الرتابة المشهدية من ناحية وفي بساطة النص الملفوظ من ناحية أخرى، مما أربك باقي العناصر السينمائية، خاصة منها لعبة الضوء وتوزيع المشاهد وترتيبها، بل ان الديكور لم يسلم من الأخطاء الفادحة في اختياره وترتيبه.
كما أن إطالة العديد من المشاهد أثرت سلبا على وتيرة الفيلم، مما يجعل المتقبل يغرق في دقائق طويلة من الزمن الميت الذي لا يخدم نسق الأحداث بقدر ما يجعلها متقطعة ومتباعدة، هذا فضلا على الإقحام المجاني "لترسانة" من المفردات الجنسية التي لم ترفد شعرية النص المفترض أن تكون متوفرة، بل إن هذه المفردات التي يتوفر عليها معجم الهامشيين، جاءت مُسقطة بشكل عشوائي ومُبالغ فيها إلى جانب المشاهد المحيلة على عالم الجنس، فرغم أن حياة المهمشين تقوم في جانب كبير على الفعل الجنسي باعتبار فائض الكبت الذي يسور حياتهم، فان مخرج الفيلم لم يحسن توظيف تلك المشاهد فقدمها على عواهنها دون إدماجها بشكل فني تمحي فيه حدود الأخلاقي والفني، وهو ما قد يفتح مجالا واسعا لبعض الأطراف السياسية (خاصة منها اليمينة ذات المرجعيات الدينية) لشن "حرب" على هذا الفيلم وعلى السينما التونسية عموما باعتبار أن منظورهم لا يخرج عن السياق الأخلاقي والتأويل القيمي لأي عمل فني.
من خلال المشاهدة الأولى لهذا الفيلم، ومقارنة بالفيلمين السابقين لجيلاني السعدي، "خرمة" و"عرس الذيب"، يمكننا القول بأن هذا المخرج قد تراجع بشكل كبير في مستوى كتابة السيناريو وفي مستوى حركة الكاميرا، رغم أنه لم يخرج من السياق العام الذي اختاره، أي عالم الهامشي والمهمشين، وهذا الرأي اجتمع عليه عدد كبير من الإعلاميين الذين شاهدوا العرض الأول واعتبروا أن الفيلم لا يدخل إلا ضمن التراكم الكمي لا أكثر ولا أقل، وهو ما لم يعد يرضي انتظارات المشاهد التونسي خاصة بعد الثورة التي صنعها والتي ينتظر أن تلحقها ثورة حقيقة في عالم الثقافة والإبداع.

2012/01/26

من الضحية الى الجلاد

شهدت تونس منذ أن نالت استقلالها بفضل دماء شهدائها قبل ستين عاما، تقسيما مجحفا بين أفراد هذا الشعب، فمنذ الحكم البورقيبي سعت الحكومة الأولى التي مسكت دواليب الدولة إلى تقسيم أفراد الشعب التونسي إلى وطنيين (البورقيبيين) وخائنين (اليوسفيين أساسا والشيوعيين) وهو التقسيم الذي فتح الباب على مصراعيه لتشريع شتى أنواع التعذيب والتنكيل بالمواطنين من نفي وتصفيات جسدية وتشريد وتخوين...
ثم تواصلت نفس الطريقة مع النظام النوفمبري، بعد الانقلاب الذي حصل على بورقيبة ليلة السابع من نوفمبر 1987، فبعد أن ثبت بن علي نفسه في سدة الحكم، وبعد عامين فقط، أبان عن وجهه القمعي والسلطوي، فشرع في تقسيم الشعب التونسي إلى صنفين، صنف وطني وثان عميل يتآمر على امن الدولة واستقرارها ويستقوي عليها بالأجنبي، فتكررت نفس الأساليب لقمع أي رأي مخالف وتتالت المحاكمات الجائرة والسجن والملاحقات والمداهمات خاصة للنقابيين ولليساريين والإسلاميين والطلبة، وتجندت الآلة الإعلامية لتأبيد سياسة التفريق بين الشعب الواحد، بعد أن أحكم البوليس قبضته الأمنية وحاصر سدنة النظام السابق من رأسماليين الشعب التونسي بالقروض...
اليوم، وبعد أن أطاح نفس الشعب برأس الدكتاتورية، وخال نفسه أنه على درب استكمال الإطاحة ببقاياها على أمل تأسيس جمهورية مدنية تمنحه شروط مواطنته وتوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ها هو يلفي نفسه وجها لوجه مع تقسيم جديد هو الأكثر خطورة والأشد بؤسا مقارنة بما سبق، فإلى جانب تقسيم الشعب التونسي بعد 14 جانفي إلى شق وطني وثان خائن، ظهر التقسيم الجديد القديم، ذاك الذي يصنف الشعب الواحد إلى جزء مؤمن وجزء كافر، فأما المؤمن فهو ذاك الذي وافق ويوافق ويدافع بشراسة واستماتة لا متناهية عن مسار الحكومة المؤقتة، التي رغم نواياها الحسنة فان المؤشرات الأولية لبرنامجها تدعو إلى الحيرة والاستغراب (ارتباك في القرارات، اتهامات مجانية، استضافات لا مبرر لها، قروض عشوائية، وعيد وتهديد، تراجع في الخطاب...).
وأما الكفار من هذا الشعب، فهم العمال الذين نفذ صبرهم من وعود طال أجلها، وهم الإعلاميون الذين يريدون أن يفتكوا ما أمكنهم من هامش الحرية والاستقلالية، وهم الطلبة والأساتذة الذين يدافعون عن حصون كلياتهم وجامعاتهم، وهم النقابيون المستميتون في دفاعهم عن حقوق العمال، وهم القضاة والمحامين المطالبين بتطهير إدارتهم من الفاسدين، وهم المواطنين والمواطنات المدافعين والمدافعات عن حرية معتقداتهم...
ولئن كان الطرف الذي يسعى لتقسيم البلاد في الآونة الأخير غير معلوم بدرجة كافية لعموم الناس، فان الأحداث الأخيرة التي جدت بالبلاد كشفت "النقاب" عن ملامح هذا الطرف، وصار معلوما لنا وللحكومة، ولئن تواصل كل الأطراف "المتضررة" نضالها ورفضها لهذا التقسيم القروسطي، فان الحكومة مازالت تتلكأ في موقفها وفي وضع حد لهذه الأفعال التي لا يمكن تصنيفها إلا ضمن مسار إعادة إنتاج الدكتاتورية، وهنا لا يمكننا إلا أن نسأل الحكومة المؤقتة عن نواياها الحقيقية بين القطع مع منظومة الاستبداد أو التمهيد لتأبيدها وتكريرها؟.
ولو فرضنا أن هناك من يستبطن القمع فهل يعني هذا أن من كان ضحية بالأمس سيصير اليوم جلادا؟؟

2012/01/24

التحالفات السياسية في تونس قبل الانتخابات وبعدها: من الميكيافلية الانتخابية إلى فوبيا حركة النهضة

إبان سقوط نظام بن علي وفراره من تونس يوم 14 جانفي 2011 شهدت الساحة السياسية في تونس طفرة كمية في عدد الأحزاب الجديدة التي تكونت مع الأيام الأولى لما بعد الثورة، حيث بلغ عدد الأحزاب المرخص لها بالنشاط ما يقارب 105 حزبا، توزعت مرجعياتها الفكرية وأرضيتها السياسية بين الليبرالية والماركسية والقومية والإسلامية في عمومها، وقبل الدخول في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي جرت يوم 23 أكتوبر 2011 دخلت عدة أحزاب في تحالفات وجبهات انتخابية لعل أبرزها:
القطب الديمقراطي الحداثي الذي جمع كل من حركة التجديد والحزب الاشتراكي اليساري والحزب الجمهوري وصوت الوسط وشخصيات مستقلة سياسية وحقوقية وفنية خاصة منهم السينمائيين مثل النوري بوزيد ومنى نور الدين وإبراهيم لطيف وسلمى بكار والمنصف ذويب.
الائتلاف الديمقراطي المستقل الذي جمع بين عبد الفتاح مورو احد مؤسسي الاتجاه الإسلامي بتونس ثم حركة النهضة وثلة من الشخصيات المعروفة مثل مصطفى الفيلالي وحمودة بن سلامة وصلاح الدين الجورشي وعدد من الأحزاب ذات التوجه الإسلامي على غرار حزب التحالف الوطني للسلم والنماء لصاحبه رجل الأعمال اسكندر الرقيق وحركة اللقاء الديمقراطي لصاحبها خالد الطراولي وحركة العدالة و التنمية لصاحبها مراد الرويسي.
ائتلاف 23 أكتوبر الذي تشكل على أرضية الجدل الذي دار في تونس حول مسالة الهوية وكيفية التعبير عنها في الدستور وضم هذا التحالف في البداية حزب حركة النهضة والمؤتمر من اجل الجمهورية والإصلاح والتنمية وحركة الوحدة الشعبية وحركة البعث وحركة الشعب الوحدوية التقدمية قبيل عقد مؤتمرها، ولما خفت وهج الصراع من اجل الهوية، انسحب البعض من التحالف وأعاد البعض الآخر تشكيل التحالف في أفق الاستحقاقات السياسية ما بعد الانتخابات، وأصبح يضم أربعة أطراف هي: النهضة والمؤتمر والإصلاح والتنمية وحركة الوحدة الشعبية.
تحالف الأربعة الذي يضم كل من حزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب العمال الشيوعي التونسي وحركة الوطنيين الديمقراطيين وحزب الطليعة العربي الديمقراطي.
هذه تقريبا أهم التحالفات والجبهات السياسية التي تشكلت في الفترة التي سبقت انتخابات المجلس التأسيسي، التي أسقطت نتائجها عديد الحسابات والانتظارات من هذه التحالفات، إذ كانت على النحو التالي: حركة النهضة (90 مقعد) يليها حزب المؤتمر من اجل الجمهورية (30 مقعد) فالتكتل الديمقراطي (21 مقعد) فقائمة العريضة الشعبية (19 مقعد) ثم الحزب الديمقراطي التقدمي (17 مقعد) فحزب المبادرة والقطب الديمقراطي الحداثي وحزب آفاق تونس (5 مقاعد لكل واحد منهم) أما حزب العمال الشيوعي التونسي فحصل على (3 مقاعد) وتوزعت 12 مقعدا على المستقلين وبعض الأحزاب الصغيرة.
الآن وبعد أن أخذت حركة النهضة بزمام الأمور في تسيير الحكومة والتأثير على نقاشات المجلس الوطني التأسيسي باعتبار أغلبية المقاعد التي بحوزتها، رغم دخولها في تحالف ثلاثي يجمعها بحزبي المؤتمر والتكتل، وبعد أن بدأت بوادر المشروع اليميني تظهر في تونس من خلال تداخل الديني بالمؤسسات المدنية (الجامعات والكليات والوزارات وبعض الهيئات)، بدأت تتشكل في تونس عدة تحالفات سياسية جديدة على أرضية باتت اليوم واضحة وهو الوقوف أمام المد الديني لحركة النهضة والدفاع عن مدنية الدولة التونسية،فبعد أن أعلنت الأمينة العامة للحزب الديمقراطي التقدمي في تونس مية الجريبي عن دمج حزبها مع حزب آفاق تونس والحزب الجمهوري في إطار حزب موحد بمناسبة انعقاد المؤتمر المقبل للحزب الديمقراطي التقدمي أيام 17 و18 و19 مارس القادم والذي من المنتظر أن يكون هذا المؤتمر توحيديا بين هذه الأحزاب وباقي القوى الديمقراطية الوسطية الراغبة في الالتحاق بهذه المبادرة، وفي انتظار أن يتم الإعلان عن تكوين جبهة وطنية تقدمية تجمع كل القوى القومية الناصرية منها والبعثية المتمثلة في حركة الشعب وحركة الشعب الوحدوية التقدمية وحركة الوطنيين الديمقراطيين وحزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب الطليعة العربي الديمقراطي وحركة البعث، وفي إطار السعي المشترك للتقدّم في اتجاه تأسيس الحزب الديمقراطي الموحد الذي يجمع بين القوى والأحزاب الديمقراطية الوسطية من أجل خلق توازن جديد يعكس حقيقة موازين القوى السياسية والاجتماعية في البلاد، التقى وفدان من حركة التجديد ومن حزب العمل التونسي تركّبا من السادة عبد الجليل البدوي وماهر المظفّر ومحمد الأمين الزقلّي ومحمد بوحديدة عن حزب العمل التونسي ومن السادة محمود بن رمضان وحاتم الشعبوني وجنيدي عبد الجواد عن حركة التجديد وأمضى كل من عبد الجليل البدوي، المنسق العام لحزب العمل التونسي وجنيدي عبد الجواد، عضو أمانة حركة التجديد بيانا مشتركا بين الحركة والحزب يوم 16 جانفي 2012 أكدا فيه على الضرورة الملحّة لتجميع القوى الديمقراطية في إطار سياسي موحّد يتجاوز الأطر الحزبية الحالية ويكون قادرا على التأثير في مجرى الأمور وعلى تقديم البديل السياسي والاجتماعي المقنع الذي يستجيب فعلا لطموحات الفئات الواسعة من الشعب ولتطلعات الشباب ولمطالب الثورة في الحرية والعدالة الاجتماعية، ويفسح المجال للتداول السلمي والديمقراطي على السلطة.
مؤكدين في نفس البيان على أهمية عامل الوقت وعلى ضرورة الإسراع في عملية البناء المشترك، دون تسرّع أو ارتجال، حتى تتوفّر أسباب النجاح لهذا المسار التوحيدي على أساس مشاركة كل الأطراف المعنية بصفة فعلية وجديّة.
كما دعا الحزبان إلى بعث لجنة مشتركة ومفتوحة لكل الأطراف الوسطية المنخرطة في هذا المشروع الوطني التأسيسي، تكون مهمتها متابعة الأحداث والتطورات والاتصال بكل القوى الديمقراطية الموافقة على نفس التمشي والعمل على تركيز لجان عمل من الآن لتحضير المؤتمر التوحيدي في كنف التآلف والانسجام بين المسارات المختلفة.
وتوجهوا بنداء إلى كافة الإطارات والهياكل الجهوية لحركة التجديد ولحزب العمل التونسي للانخراط الجماعي في هذا التمشي البنّاء واتخاذ المبادرات اللاّزمة من أجل إنجاح هذا المسار التوحيدي، جهويا ووطنيا.
هذه تقريبا أهم التعبيرات الجبهوية التي تشكلت في تونس ما بعد انتخابات المجلس التأسيسي وهي تعبيرات قد تأتي ثمارها على عكس التحالفات الظرفية التي تشكلت قبل الانتخابات واتسمت في مجملها بنزعتها البراغماتية المتمثلة في الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد، في حين أن التحالفات الجديدة هي تحالفات إستراتيجية ذات عمق سياسي ورؤية بعيدة المدى تبرز جليا من خلال مبادرات الانصهار والاندماج بين أكثر من حزبين، رغم أنها تنطلق من اشتراكها في هاجس "الاسلاموفوبيا".

2012/01/02

صندوق الزكاة والتفقير المنظم

ناجي الخشناوي


أذكر أني كتبت أكثر من مرة، تصريحا وتلميحا، في السنوات الماضية حول طبيعة صندوق التضامن (26 ــ 26) الذي خلقه النظام السابق، وأشرت أن هذا الصندوق لا يمثل إلا شكلا من أشكال تعميق التفاوت الطبقي بين أفراد الشعب التونسي باعتبار أن القاعدة التي اعتمدها هي بالأساس قاعدة اخلاقوية (رغم إن التضامن يبقى قيمة إنسانية كونية) غلفها سدنة النظام السابق بغلاف متين من الشعبوية الساذجة، التي صدقها، للأسف، أغلبية الشعب.
ولان غايته الأساسية هي تأبيد الفقر من خلال خلق وهم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، كان النظام السابق يمارس كل أشكال التعسف والابتزاز على العمال والموظفين من خلال اقتطاع مبالغ متفاوتة من الأجراء وصغار التجار والحرفيين بعنوان التضامن مع العائلات المعوزة وذوي الاحتياجات الخصوصية وتقليص التفاوت الجهوي، وبالمقابل كان النظام السابق يغدق على رؤوس الأموال كل الامتيازات بدءا من الإعفاءات الجبائية وصولا إلى التسهيلات الأمنية، حيث كان الجهاز الأمني في خدمة مصالح أصحاب المال بحمايتهم من جهة وحرمان أبسط بائع متجول من لقمة عيشه من جهة ثانية.
لقد كان النظام السابق يأخذ بكل بساطة من جيب المفقرين ليضع في جيب الأكثر فقرا بعض الملاليم وعلب الزيت والعجين والأغطية البالية لينتزع من الفئتين مزيدا من الخوف هنا والولاء الأعمى هناك، وها نحن اليوم، ورغم سقوط النظام السابق، ها أننا نجد أنفسنا مرة ثانية وجها لوجه أمام نظرية تأبيد الفقر ولكن بشكل أكثر سذاجة وبطريقة مفرطة في الشعبوية والاخلاقوية المقيتة، فها هو رئيس الحكومة المعينة، السيد حمادي جبالي، يستبدل اسم صندوق التضامن (26 ــ 26) بصندوق الزكاة؟؟؟ فليتهيأ كل موظف مشنوق بالقروض البنكية وليتهيأ كل أجير متعاقد بعقد عمل هش وكل حرفي أو تاجر صغير ليأتيه رئيس الشعبة، الذي صار رئيس مكتب محلي، ويطلب منه "ألف درهم لبيت مال المتضامنين ".
هل هي استمرارية الدولة والمؤسسات بمفهومها المدني أم هو استمرار لنهج النهب المنظم؟
إن الزكاة فريضة دينية يؤديها الإنسان المسلم لأخيه المسلم في إطار تعاليم الإسلام السمحة تحت رقابة الخالق وحده، غير أن المتكلمين باسم الإسلام اليوم، وهم يستوون على كراسي السلطة، يأخذون مكان خالقهم ويجعلون من هذه القيمة حلا سهلا لرتق عيوب النظام الاقتصادي القائم الذي جعل أفراد هذا الشعب متسولين بامتياز، وربما الخطورة الأشد على تخريب المنظومة المدنية أن مثل هذا الصندوق، صندوق الزكاة، ليس إلا مدخلا منظما لا للاستيلاء على ملاليم الفقراء فقط بل للاستيلاء على حريتهم الفردية ومصادرة اختيار علاقتهم بخالقهم، تلك التي جعلها هو اختيارا لا إكراه فيه، ومن تجرأ اليوم على مثل هذه الخطوة لن يتوانى عن مواصلة السير في هذا السبيل، ولن نستغرب أن تحول الدولة مؤسساتها المدنية الواحدة تلو الأخرى إلى مؤسسات للنهي عن المنكر والأمر بالمعروف ومؤسسات للأوقاف وأخرى للمظالم ومحاكم تفتيش.
هذه أولى الثمار المؤساساتية لثورة تونس، تلك التي سالت لأجلها جداول الدماء وامتلأت لأجلها غرف المستشفيات وتناسلت فوق أرضها الثكالى واليتامى.

2011/12/22

هدنة الرئيس المؤقت والشعبوية المفرطة

استأثر مصطلح "الهدنة" بالنصيب الأوفر من الخطابين الرسمي والشعبي منذ أن طلب رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي هدنة لمدة ستة أشهر على الأقل في أول لقاء تلفزي له ـ نتمنى أن لا يكون الأخير ـ بعد انتخابه لهذا المنصب من قبل أعضاء المجلس التأسيسي الوطني.
وبغض النظر عن التفسير اللغوي لمصطلح "الهدنة" (الذي يُناقض تماما التفسير الشائع، ذلك أن من بين تفاسير ابن منظور في لسان العرب لهذا المصطلح ما يفيد عدم إيفاء شخص ما بوعد قطعه على نفسه) بغض النظر عن هذا التفسير، وفي سياق الفهم الشائع والمتداول لمفردة "هدنة" في علاقتها بحالتي الحرب والسلم، فإن السؤال البديهي الذي يمكن طرحه على السيد الرئيس المؤقت هو لمن تتوجهون بطلبكم هذا تحديدا؟ هل تطلبون هدنة ممن يُعلن الحرب منذ عقود ويواصل بطولاته إلى اليوم؟ أم تطلبونها ممن اكتوى بنار الحرب منذ عقود ولا يزال إلى اليوم يتلظى بلهيبها؟.
اعلم أيها الرئيس المؤقت والمثقف والحقوقي أن هذا الشعب الذي بت تُطل عليه من ربوة قرطاج منقسم إلى طبقتين لا يلتقيان أبدا إلا لماما فوق الأوراق بين بعض السطور المرتبكة والمترددة أمام مصطلح "الطبقة" وفي تسمية الأسماء بمسمياتها...
اعلم أيها الرئيس أن هناك طبقة أولى ضئيلة العدد استأثرت بثروة البلد وكسرت عنق قانون البلد وصيرت كل ما فوق أرضه وتحتها قابلا للبيع والشراء، بما في ذلك "المواطن" الذي حولوه إلى سلعة في علب بعقود فاقدة للصلوحية. وهناك طبقة ثانية وفيرة العدد فاقدة لكل سند مشنوقة إلى الأبد بقروض قوانين هذا البلد، فممن تطلب الهدنة يا ابن البلد؟
عمال مسحوقون بهمومهم وموظفون مكبلون بقروضهم ولا شيء موزع بالعدل بينهم سوى وهم السعادة... تراهم بالملايين يتراصون في الحافلات الصفراء ويتدافعون في المستشفيات والمدارس ويتقاسمون غرف النوم الضيقة ورغيف الخبز اليابس، ويتناوبون على مغازلة أحلامهم البسيطة...
وهناك على الضفة المقابلة حيث تنتصب الواجهات البلورية يجلس بضع مئات من هذا الشعب مصابون بتخمة تكديس المليارات يوزعون وقتهم في التنقل بين غرف قصورهم وفي الجلوس على مقاعد الدرجة الأولى من الطائرات المتجهة إلى عواصم العالم هم وأبنائهم متسربلين بأفخم أنواع العطور... ماداموا معفون من دفع كل الأداءات الضريبية للدولة، التي استفردت بالمواطن المستضعف وأشبعته نهبا مقننا لملاليمه المعدودة، وها هي لا تتورع بكل صفاقة في مواصلة إيلامه اليوم بما تطلبه من جيبه المثقوب باسم الوطن والوطنية؟؟؟ فعلى من يجوز طلبك أيها الرئيس المؤقت؟ هل تطلب هدنتك من الموظف والعامل البسيط الذي تقتطعون كل أشكال الضرائب من أجرته الهزيلة غصبا عنه دون أن يتمتع بأدنى شروط المواطنة فوق هذه الأرض؟ أم تطلبون هدنة ممن منحتهم الدولة مفاتيح خزائنها وكدست فوق مكاتب شركاتهم ومصانعهم كل أنواع القوانين الضاربة لأبسط الحقوق وهاهي تواصل غيها مع ملح هذه الأرض ورائحتها وتعلن ولائها التام لرؤوس الأموال؟
أيها الرئيس، كف عن الإفراط في الخطابات والقرارات الشعبوية، وتذكر أن لك رصيدا من الفكر والثقافة والنضال لا يترك لك مجالا إلا لتحترم نفسك وموقعك وبالتالي مواقفك، وفي الآن نفسه أن تحترم ذكاء هذا الشعب...

2011/12/15

الاعتصامات ونصف الكأس الفارغة

عندما انفرط عقد الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي وتناثر جشع الرأسماليين على الملأ، فغرت الأفواه واتسعت العيون التي لم تكن تسمع بفظاعة استغلال العاملات والعمال، أو هي كانت تغض النظر والسمع عما يعانيه العامل التونسي في المعامل والمصانع والحظائر وفي قلب المؤسسات الحكومية التي تنتمي إلى "المنظومة الاقتصادية" وفقا للنظام النوفمبري هذا النموذج المصغر من النظام الرأسمالي المستميت في وحشيته.
ومعلوم أن كل التحركات الاجتماعية التي كانت تُخاض في السابق يقع ضربها من لَدٌنِ السلطة الحاكمة بإعانة الإدارة وطبعا الأعراف من خلال منظمتهم، إلى جانب التعتيم الإعلامي عن كل الاحتجاجات والصرخات المكتومة من الطبقة الشغيلة، إذ لا يسمع المواطن في وسائل الإعلام إلا عن المؤشرات الايجابية للاقتصاد التونسي بفضل حنكة " السياسة الرشيدة لصانع التغيير" وظل المجتمع التونسي لا يرى من وضعه الاقتصادي والاجتماعي إلا النصف المملوءة من الكأس، حتى عصفت الثورة التونسية بالمكتسبات الوهمية والانجازات الخيالية التي وُصفت فيما مضى بالمعجزة الاقتصادية، لنجد أنفسنا وجها لوجه مع الحقيقة المرة والصورة البشعة لدولة بلغت أسوأ الأنظمة الاقتصادية إرضاء لنزعات الأسواق العالمية وصندوق النقد الدولي على حساب الحد الأدنى لمواطنيها.
إذِ اندلق اليوم النصف المملوء بالماء من الكأس ولم يبق منه غير النصف الفارغة، النصف الذي أظهر البؤس الحقيقي لهذا الشعب المسكين الغارق نصفه في سداد القروض الإجبارية والمستميت نصفه الثاني في الفقر المدقع، ومع ذلك وأمام هذه الحقيقة ظلت الحكومة السابقة تتحدث عن الدور التاريخي للإدارة في منح الأجور وفي صمود الاقتصاد التونسي إبان الثورة وبعدها ولم يتجرأ سياسي واحد على الإصداع بهذه الحقيقة رغم أن كل البرامج التلفزية التي اكتشفت مغاور المواطنين ووديان شربهم والمزابل التي كانوا يأكلون منها كانت أبلغ الرسائل للوقوف على بشاعة الحياة فوق أرض من سراب ووهم...
اليوم، تتواصل الحملات المسعورة من قبل السياسيين بإيعاز طبعا من الرأسماليين وشق واسع من وسائل الإعلام لإدانة الاعتصامات العمالية واتهام الطبقة الشغيلة بتعطيل حركة الاقتصاد والتشويش على المسار الديمقراطي والزج بالبلاد في الهاوية (وكأنها كانت في القمة!).
تتواصل إدانة الجوعى والمعطلين عن العمل وكأنهم المسؤولون عن اختلال الخارطة الاجتماعية والاقتصادية، ويُتهمون بإسقاط المؤسسات الاقتصادية وكأنهم هم الذين يكدسون المليارات ويبنون القصور ويركبون أفضل السيارات ويسافرون إلى أصقاع الدنيا للاستجمام؟
هناك صورة بسيطة دائما ما تقفز إلى مخيلتي، تلك التي نرى فيها أكداس الأكل والغلال واللحوم والأسماك يلقيها عمال النزل السياحية كل مساء للكلاب السائبة أمام النزل، وبالمقابل نجد في ذات النزل المراقبين المكلفين بتتبع ورصد أي محاولة لذاك العامل أو تلك المنظفة وهي تقضم تفاحة أو برتقالة من مطعم النزل... فهذه الصورة لم يتغير من تفاصيلها الكثير بعد الثورة...
هذا فيما يخص الاعتصامات الاجتماعية، أما فيما يتعلق بالاعتصامات السياسية فيبدو أن بن علي لم يغادر البلاد يوم 14 جانفي، ذلك أن اليوم طلع علينا من يشبه اعتصام باردو مثلا بريح السموم بل إن نائبا بالمجلس التأسيسي عن "كتلة الأغلبية!" وصف المعتصمين بالحثالة! (لا أجد أي كلمة لتفسير أو قراءة مثل هذه المواقف خاصة إذا علمنا أن من يطلقها هو من كان يرفع شعارات الديمقراطية وحرية التعبير؟) وكعادة النظام القديم تجندت كل وسائل الإعلام لتشويه صورة اعتصام باردو وإخراج المعتصمين في لَبٌوس المارقين أو الشرذمة الضالة التي لا تعمل إلا على تنغيص حياة التونسيين (وأي حياة هي!؟) وهذا طبعا يدخل في باب الشعار الذي التصق بالتونسي أكثر من التصاق جلدته بعظمه ونعني به شعار "يٌنصر من صبح" حتى ولو كان هذا الذي أصبح سيكون أبشع من سابقيه...
لا أظن أني أحرض من خلال هذه الكلمات على الاعتصامات والاضرابات ولكن أريد فقط أن ألفت النظر إلى ضرورة قراءة الأحداث بقليل من الموضوعية وبكثير من الإنسانية على الأقل في جانبها الاجتماعي وبكثير من الديمقراطية في جانبها السياسي.

2011/12/13

النهضة و"الهندي المقشر"


هناك مثل شعبي سيار تتناقله الألسن التونسية يقول نصه "يحب ياكل الهندي المقشر بيد غيرو" وأعتقد أن هذا المثل المثقل بالدلالات ينسحب تماما على حزب/حركة النهضة (الاتجاه الإسلامي سابقا) في علاقته (ها) بطرفي الائتلاف الثلاثي الأغلبي في المجلس التأسيسي واعني بهما حزب التكتل من أجل العمل والحريات وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية.
ويكمن وجه الشبه بين حركة النهضة والمثل الشعبي في أن النهم اللامشروط لأكل "الهندي المقشر" هو تلك التخمة التي أصيبت بها الحركة بعد أن استأثرت بالعدد الأكبر من مقاعد المجلس التأسيسي الوطني، ذلك أن ما قُدم لها من حظوظ وافرة لهذا الفوز الساحق، وان كان يعود فيما يعود اليه من دعم أمريكي وخليجي واضح، هو أيضا يعود بالأساس إلى تاريخ غير بعيد من تاريخ النضال السياسي في تونس الحديثة واعني به تحالف 18 أكتوبر من أجل الدفاع عن الحريات العامة (حريّة التعبير والصحافة، حريّة التنظم الحزبيّ والجمعويّ، وتحرير المساجين السياسيين وسنّ قانون العفو العامّ) وقد تزامن تشكل التحالف مع القمة العالمية لمجتمع المعلومات سنة 2005 بين أحزاب وشخصيات يسارية ويمينية، حتى لا نقول علمانية وإسلامية، وهذه المحطة النضالية منحت شقا واسعا من الاتجاه الإسلامي فرصة هامة للتشكل من جديد ة والظهور على الساحة السياسية كطرف فاعل.
طبق الثمار (الهندي المقشر) الذي "غطست" فيه حركة النهضة بدأ يفيض أيضا أثناء الحملة الانتخابية للمجلس التأسيسي من خلال استثمار كل النقاط السلبية للحركة التقدمية في تونس ودحرجة كرة الثلج حتى تكبر بين الناخبات والناخبين من خلال العودة إلى لعبة الكفر والإيمان، حيث علق كل الشوك بالمناضلين والأحزاب التقدمية ولهفت حركة النهضة الثمرة مستعينة في ذلك "بقوتها التعبوية" وتجييش المشاعر لا أكثر ولا أقل من خلال التصريحات الإعلامية وتوظيف الفضاءات الدينية وممارسة الترهيب من قِبَلِ أنصارها المنتمين إلى حزب آخر تتبرأ منه في العلن وتخطط معه في السر...
وليمة "الهندي المقشر" المنصوبة أمام حركة النهضة تتواصل اليوم في إطار التحالف الثلاثي بينها وبين التكتل والمؤتمر، فالمنطق يفترض أن الإرث الديمقراطي والتقدمي من خلال الايدولوجيا والبرامج والممارسة لكل من حزب بن جعفر وحزب المرزوقي والتكتيك السياسي (على الأقل) يقول بأن النهضة هي في حاجة أكيدة إلى الحزبين الآخرين غير أن العكس هو الظاهر للعيان، ولعل في تصريح المرزوقي إبان الحملة الانتخابية عندما طالب الناخبين بالتصويت إما للنهضة أو له أو لحزب العمال الشيوعي خير دليل على هذا التناقض الصارخ، أو هذا الوضع الذي يحلو لي أن أشبهه بطبق "عجة بالشكلاطة"... وهو نفس التناقض الذي يتواصل اليوم، إذ لا نعثر على موقف سياسي واضح من التكتل أو المؤتمر إزاء "الهيجان" السياسي الذي دخلت فيه حركة النهضة بمساندة جميع حلفائها، وهذا يبدو أمرا مبررا خاصة عندما نلاحظ بشكل جلي تحالف اليمين الصاعد مع رأس المال الجشع لضرب كل نفس حقوقي أو نقابي أو تقدمي سيتحرك ضد منظومة الفساد السابقة (القضاء، الأمن، الإعلام...) وضد منظومة الاستبداد الجديدة (مشروع قانون توزيع السلطات العمومية مثلا).
قد يكون هذا الكلام العابر مغرقا في السطحية والبساطة، أو هو شبيه بلوحة كاريكاتورية، ولكن اعتقد أنه الأقرب إلى ذهن المواطن البسيط الذي منح صوته وهو يحلم بشربة من ماء "زمزم" غير أنه ما زال يكرع من ماء البركة و"القلتة" والوادي...
فهل سنواصل تقشير الهندي لصالح من سيؤبد جلباب الشوك والحسك؟
وهل سيأتي اليوم الذي سنخرج فيه من "الطابية" لندخل إلى المدنية؟

2011/12/07

ذاكرة الجماعة/السلطة

الذاكرة ليست ملكا شخصيا محضا. إنها مشترك جماعي بامتياز...
وإن كنا نمتلك القدرة على الاحتفاظ بصُوَر ولغة الذاكرة الشخصية، فإنَّ ذاكرة الجَمَاعَة تفلتُ من عُقَالنَا وتنسحب بلطف وبلين من كل قيد نحاول أن "نعتقل" به الأفكار والصور والأحداث واللغة في داخلنا، فهناك جهاز متماسك يقف بالمرصاد لمخزون ذاكرتنا ويتحكم في رصيدها إن ترسيخا أو إتلافا، هذا الجهاز هو ما قيل أننا اصطلحنا عليه "جميعا" بالدولة أو السلطة وخضعنا أو أُرغمنَا على الخُضوع لآلياته طواعية.
هذا الجهاز المُنتشر كالإله في كل مكان وفي كل زمان، يُتلف مسودَّاتنا القديمة ويمنحنا أوراقا بيضاء جديدة لنعيد الكرّة في كل مرّة، ومع كل مرة نتهم ذاكرتنا الفردية بالخَرَف والتَّرَهُّل ونجدد "ثقتنا" في ذاكرة الجماعة... ذاكرة السلطة.
نرمي في سلة الأيام ما نشاهده بأعيننا وما نلمسه بأيدينا مثلما نلقي الصحون والأكواب البلاستيكية في سلة المهملات... نُتلفُ تفاصيلنا ونجري كالأطفال فرحين بما تزفُّه لنا ذاكرة الجماعة/السلطة من أحداث وأخبار وصور ولغة فنصدقها تماما، ونتبناها دون تردد لأن "الجماعة" شاهدتها في تلفزة السلطة، أو قرأتها في صحف السلطة، أو سمعتها في إذاعة السلطة...
فمن منا يمتلك الجرأة على تكذيب ما يجمع عليه الجماعة؟ ومن منا قادر على تصديق ذاكرته وتكذيب ذاكرة السلطة؟
يَذكُر جاك داريدا في كتابه "حمّى الأرشيف الفرويدي" أن كلمة أرشيف "Arkhe" هي اسم يُفيد معنى البَدء "Commencement" ومعنى الأمر "Commandement" في آن، ومن هذه الإحالة يمكننا التأكد أن "الذات" كلما تَجَاسرت وحاولت "البدء" في تنظيم وترتيب أدراج ذاكرتها الفردية يأتيها "الأمر" من السلطة أن كُفي عن ذلك وامتثلي لذاكرة الجماعة، للذاكرة التي ارسم أنا حدودها واضبط سياستها.
إن السلطة لا تملك المؤسسات والإدارات والمصانع والدبابات والأدوية والطرقات والجسور... مثلما نتوهم ذلك، إنها تملك ذاكرة كل فرد منا، تلك التي تمر بها مختلف سلوكاتنا وقراراتنا المعرفية، النفسية، الاجتماعية أو الحركية... الذاكرة التي تمر بها عملية الإدراك، والتعلم والتفكير والحب وحل المشكلات والتكلم... "مخزننا" الحميمي لأحاسيسنا وانطباعاتنا وتجاربنا الحياتية التي نكتسبها من تفاعلنا مع العالم الخارجي ومع الآخر المختلف.
فمثلا لو حاول أحدنا أن يسترجع بداية تدرُّبَه على المشي لفشلَ في ذلك وستخذله ذاكرته الفردية في استحضار أهم لحظة في حياته، وفي المقابل فان ذاكرة الجماعة/السلطة تمنحنا مباشرة ذكرى أول اصطفاف في المدرسة... مثلما لن تفلح ذاكرتنا الفردية في استحضار حرارة حليب أمهاتنا في الوقت الذي تجعلنا ذاكرة الجماعة/السلطة لا نختلف حول ماركة علبة الحليب التي نشاهدها يوميا في الإشهار...
كذلك ذاكرتنا الفردية قد تكابد لتسترجع بعضا من تفاصيل أول قصة حب مراهقة، في حين تمنحنا ذاكرة الجماعة/السلطة أدق جزئيات علاقتنا الزوجية باعتبارها علاقة رسمية تخضع لنواميس المؤسسة المجتمعية... مثلما لا تتأخر ذاكرة الجماعة/السلطة في تفعيل ذاكرتنا من خلال موعد أخبار الساعة الثامنة وتحرمنا من استعادة أول الأفلام الكرتونية التي شاهدناها في طفولتنا...
ذاكرتنا الفردية غالبا ما تخذلنا عندما نرغب في استحضار فكرة ما من كتاب تعلقنا بتفاصيله، ولكن ذاكرة الجماعة/السلطة لا تبخل علينا بتذكر عناوين الكتب التي "أمرت" بنشرها في واجهات المكتبات وأدرجتها في برامج الدراسة الرسمية... وتفشل ذاكرتنا اليوم في تذكر رسوم "الغرافيتي" الثورية على جدران القصبة وفي شارع الحبيب بورقيبة وعلى جدران الإدارات والمؤسسات، تفشل ذاكرتنا لأن ذاكرة الجماعة/السلطة تدججنا بصور سيدي بوسعيد والملابس التقليدية....
ذاكرتهُ تخشى أن تتذكر أول مرة داعبت فيها شفرة الحلاقة ذقنه تاركة خدوش الارتباك والخوف من افتضاح أمره أمام والده، وذاكرتها تخشى أن تتذكر أول مرة لاعبت أصابعها ضفيرة شعرها المجدولة... ذاكرته تخشى أن تتذكر ذلك لأن ذاكرة الجماعة أطالت لحيتها، وذاكرتها تأبى أن تتذكر ضفيرتها لأن ذاكرة الجماعة ألقت حجابا أسودا بين شعرها والريح...
ذاكرة الجماعة/السلطة، تقدم لنا طقوسا "مقدسة" لموتنا الفردي، وتمنحنا "خيالا" جماعيا مُعدّا سلفا لطريقة دفن جثثنا الهامدة. إنها "تُبدع" في تذكير ذاكرتنا بعذاب القبر وأهواله وتؤلف في ذلك الكتب وتوزعها في الأسواق، وتسجل الأقراص الليزرية وتبيعها للناس، وتنتج برامج تلفزية يقدمها الأوصياء الدائمون على الذاكرة الفردية، الناطقون باسم ذاكرة الجماعة... إنها تفعل كل شيء وكأنها ستموت عوضا عنا وتُقبر مكاننا... أو كأنها تُبدي "تعاطفها" مع مواطنيها الأموات (وهل كانوا أحياء حتى يموتوا!!!)... إنها تستولي على أرضنا باسم سمائها... وتجعل كل فرد منا يردد مع تلميذ نيتشة، جول دي غولتييه، ما قله في كتابه (البوفارية) " الأنا، الأنا الذي ما هو إلا محض عنوان عام، محض تمثل مجرد، كالحاضرة أو الدولة، مأخوذ هنا على انه كائن محبو بوحدة فعلية".
إن ذاكرة الجماعة، أي ذاكرة السلطة، تلوي عنق الذاكرة الفردية وتطويها بإتقان متناه ثم تضعها تحت إبطها لتصنع منها ذاكرة "مُنضبطة"، "مُطيعة"، "وَديعة"، "مُسالمة" و"خَاضعة" بشكل "وَاع"... ذاكرة لا تُدون يومياتها إلا تحت رقابة السلطة، ولا تستحضر تفاصيلها إلا بأمر الجماعة... ذاكرة "Jetable" قابلة للإتلاف والتلف و"التتليف" متى أرادت ذلك ذاكرة الجماعة/السلطة... وهي دائما ما ترغب في ممارسة سلطتها "الناعمة" باسم "الجماعة" أكانت سياسية/اقتصادية أو دينية/أخلاقية.

2011/11/28

مليون خضراء اليوم تعيش



لا أحد‮ ‬ينكر أن سمات الخوف والخضوع والاستكانة كانت من بين ألصق الصفات بالشارع التونسي‮ ‬خاصة طيلة العقدين الأخيرين،‮ ‬بعد أن أحكم النظام النوفمبري‮ ‬قبضته الأمنيّة،‮ ‬وصنع‮ ‬في‮ ‬خيال كلّ‮ ‬مواطنة وكل مواطن شرطيّا‮ ‬يلازم كلّ‮ ‬الحركات والأنفاس ويحصي‮ ‬حتى أحلام النائمين‮...‬
كما لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬ينكر أحدٌ‮ ‬أنّ‮ ‬هذا النظام الصارم خلق مناضلين ومناضلات أشاوس،‮ ‬تمرّسوا على اعلان مواقفهم الرافضة لسياسة صانع التغيير في‮ ‬الساحات الجامعيّة وفي‮ ‬بطحاء محمد علي‮ ‬وفي‮ ‬مقرّات الأحزاب والمنظمات والجمعيات المدنيّة والحقوقية وكان المواطن البسيط عندما‮ ‬يشاهد أحد المناضلين أو احدى المناضلات تنقد النظام على شاشات التلفزات الأجنبية وفي‮ ‬بعض الصحف الحزبيّة،‮ ‬كان ذاك المواطن البسيط في‮ ‬بيته وأمام تلفازه‮ ‬يخاف على مصير المتكلّم أو المتكلّمة،‮ ‬وهو ما عزّز منسوب الخوف لدى أغلب المواطنين،‮ ‬حتّى أنّ‮ ‬الأولياء لا‮ ‬يتورّعون في‮ ‬مفتتح السنة الجامعيّة عن تنبيه بناتهم وأبنائهم من مغبّة الانتماء إلى اتحاد الطلبة مثلا أو الحديث في‮ ‬السياسة‮!‬
اليوم وبعد ثورة‮ ‬17‮ ‬ديسمبر‮ ‬2010‮ ‬أو‮ ‬14‮ ‬جانفي‮ ‬2011،‮ ‬أطلقت كلّ‮ ‬الحناجر،‮ ‬بما فيها حناجر الأمن،‮ ‬كلمة السّر‮ ‬‭(‬Dégage‭)‬‮ ‬تلك التي‮ ‬أربكت النظام المنهار وصارت مفتاحًا سحريّا لعدّة شعوب أخرى،‮ ‬كنّا نخالها عربيّة فقط ولكنّها تجاوزت المحيطات وبلغت أرض العم سام‮...‬
اليوم صارت كلمة السّر بحوزة مئات الآلاف،‮ ‬بل لنقل دون مبالغة بحوزة ملايين من الشعب التونسي،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يعني‮ ‬أنّ‮ ‬عدد المعارضة سيتضاعف عدّة مرّات ولن تظلّ‮ ‬المعارضة مقصورة على بعض الأسماء أو بعض الأحزاب أو بعض المنظمات الحقوقية والنقابيّة‮. ‬انّها تتوزّع اليوم بين الطرقات والأزقة،‮ ‬في‮ ‬كلّ‮ ‬المدن والقرى،‮ ‬في‮ ‬بيوت الفقراء والأغنياء على حدّ‮ ‬السواء‮...‬
واليوم المعارضة صار لها فضاء اعلامي‮ ‬وطني‮ ‬مفتوح بشكل نسبيّ‮ ‬على كلّ‮ ‬الأصوات وكلّ‮ ‬الآراء،‮ ‬اليوم،‮ ‬وبكلّ‮ ‬تفاؤل‮ ‬يمكنني‮ ‬أن أقول إنّ‮ ‬أغنية البحث الموسيقي‮ »‬لو النّدى‮« ‬تلك التي‮ ‬تقول فيها آمال الحمروني‮ »‬مليون خضراء اليوم تعيش‮ ‬‭/‬‮ ‬تحت السياط ما تنحنيش‮« ‬يمكنني‮ ‬أن أقول بأنّها صارت حقيقة تمشي‮ ‬معنا فوق الأرصفة وتركب معنا الحافلة الصفراء‮ ‬والمترو الأخضر وتنهض مع العمّال والعاملات‮.. ‬وتدخل فصول المدارس ومدارج الجامعات والكليات‮...‬
بل انّها وجدت لها مكانًا في‮ ‬وزارة الداخليّة‮... ‬اليوم،‮ ‬وقد فازت حركة النهضة بنسبة عالية في‮ ‬انتخابات المجلس التأسيسي،‮ ‬ولو فاز مثلا حزب آخر،‮ ‬من اليسار أو القوميين أو الديمقراطيين أو الحداثيين،‮ ‬ولو فاز مثلا المستقلون فإنّ‮ ‬هذا الفوز لا‮ ‬يعني‮ ‬عودة الاستبداد مجدّدًا ولا‮ ‬يعني‮ ‬أيضا أنّ‮ ‬الفائز سيصير هو الحاكم بأمره كما فعل النظام السابق،‮ ‬اليوم كلّ‮ ‬العيون متوثبة وكلّ‮ ‬الأقلام والأصوات مستعدّة لكلمة Dégage‮.‬
ف‮ ‬مليون خضرا اليوم تعيش‮ ‬‭/‬‮ ‬تحت السياط ماتنحنيش‮.. ‬‭/‬‮ ‬واحنا سندها‮‬
‮ ‬لان اليوم،‮ ‬ليس كيوم‮ ‬7‮ ‬نوفمبر عندما وضع بن علي‮ ‬الجميع تحت معطفه باسم الميثاق الوطني‮.. ‬وبقية الحكاية‮ ‬يذكرها التاريخ‮... ‬اليوم هناك شعب كسر حاجز الخوف وطلَّق الصمت‮...‬

2011/11/13

أعلن دينك وسندافع عنك


يستخدم المجتمع المدني عادة كمفهوم وصفي لتقييم التوازن بين سلطة الدولة من جهة، والهيئات والتجمعات الخاصة من جهة أخرى، وهو يتميز عن الدولة بوصفه مجالاً لعمل الجمعيات التطوعية والاتحادات مثل النوادي الرياضية وجمعيات رجال الأعمال جمعيات حقوق الانسان، واتحادات العمال وغيرها...

انه يتكون مما أطلق عليه إدموند بيرك "الأسرة الكبيرة".

ففي المدرسة اليونانية استخدم مفهوم المجتمع المدني كمرادف للمجتمع الجيد أو الرشيد، اذ رأى سقراط أن الحوار الاجتماعي عن طريق الجدل هو حاسم من أجل تأكيد التمدن في المجتمع. في حين ركز كارل ماركس على أن المجتمع المدني يشكل القاعدة التحتية لقوى الإنتاج والعلاقات الاجتماعية، وهي التي تهيمن عليها الطبقة السائدة اقتصاديا وإيديولوجيا أي الطبقة الرأسمالية. ثم نجد توماس هوبز وجون لوك مثلا، يطرحان نظريات للحكم وإدارة المجتمع انطلاقا من المنطلق الإنساني المجرد من أية تقييدات فكرية أو دينية.

وقد أدخل انطونيو غرامشي قطيعة في المضمون الدلالي لمفهوم المجتمع المدني، باعتباره فضاء للتنافس الإيديولوجي. فإذا كان المجتمع السياسي حيزا للسيطرة بواسطة سلطة الدولة، فإن المجتمع المدني فضاء للهيمنة الثقافية والإيديولوجية، ووظيفة الهيمنة هي وظيفة توجيهية للسلطة الرمزية التي تمارس بواسطة التنظيمات التي تدّعي أنها خاصة.

وبالرغم من الاختلافات، فإن نظرية العقد الاجتماعي بالنسبة لمفكري العصر التنويري ترى أن الدولة والحكم هما نتاج اختيار منطقي من قبل المجتمع لطريقة الحكم، ولا تستمد حكمها أو صلاحياتها من الآلهة أو الأديان أو شيء آخر فوق الإرادة الحرة للبشر.

غير ان هناك فرق شاسع بين النية في بناء مجتمع مدني متماسك، وبين استعمال الجمعيات والمنظمات وسيلة لبناء مجتمع نمطي، وهناك فرق بين أن نطرح شعار المجتمع المدني، تكتيكيّاً، بغية حجز مساحة سياسيّة تؤمّن لنا إمكانية ممارسة طموح معين، وبين أن يكون هذا الشعار غاية وهدفاً وتصوّراً لمرحلة تاريخية مُنتظرة...

إن السرد السابق لتطور مفهوم المجتمع المدني ليس الا مدخلا للوقوف اليوم على ما قد "يتهدد" مجتمعنا المدني التونسي من مد مدروس لعدد غير قليل من بعض الجمعيات والمنظمات التي تقدم نفسها في جبة "المدنية" و"الحقوق الكونية" والدفاع عن "المواطن" مهما كان جنسه أو دينه أو لونه، غير ان نظرة بسيطة لعناوين بعض هذه الجمعيات والمنظمات سنكتشف بكل يسر انها تدور في فلك ضيق وافقها واضح المعالم لا يقبل الاخر المختلف، ذلك اننا نطالع اليوم مثلا لجنة للدفاع عن حجاب المرأة في تونس (لا المرأة التونسية)، وهيئة عالمية لنصرة الإسلام في تونس (كأنه كان مهزوما في السابق)، وجمعية للشباب المسلم (لا الشباب التونسي) وجمعية تونسية لأئمة المساجد ، وجمعية تونسية للعلوم الشرعية، وجمعية للمنبر الإسلامي، وجمعية للخطابة والعلوم الشرعية......

إن هذه المنظمات والجمعيات الدينية، المتسترة بغطاء المدنية تهدد وحدة وتنوع المجتمع التونسي باعتبارها تشتغل بمنطق تمييزي على أساس الدين، إذ يبدو أنها لا تدافع إلا عن من أعلن إسلامه!!! كما أننا لم نسمع بها تحركت ضد غلاء المعيشة مثلا أو الترفيع في الأجور أو أمضت على عرائض تدين انتهاك الحريات العامة...

قد نجد تفسيرا ما أو تبريرا لهذا البزوغ المدني/ الديني، ولكن الأكيد أن السهام المصبوبة اليوم على الأحزاب السياسية الدينية والخوف المتزايد من انقضاضها على الديمقراطية المفترضة قد تصيبها في "مقتل"، ولكن الثابت ان انتشار مثل هذه المنظمات والجمعيات وتغلغلها في المجتمع التونسي ستنسف كل بارقة امل في تفادي الدخول في استبداد جديد... خاصة أنها تشتغل على المدى البعيد...

2011/10/21

يفرقنا الصندوق وتجمعنا تونس


لم ينته الزمن الافتراضي الفايسبوكي، ولكن الزمن الواقعي يبدأ اليوم، 23 أكتوبر 2011.

يتوقف الآن زمن مداعبة الأزرار الباردة لحواسيبنا المحمولة والثابتة ولهواتفنا المتطورة. يتوقف زمن الأزرار لينطلق زمن تحريك الأصابع الحية التي سيرسم بها كل واحدة وكل واحدة علامة القاطع والمقطوع أمام من سيختار أو تختار من الأحزاب أو القوائم المستقلة المترشحة للمجلس التأسيسي الوطني الثاني في تاريخ تونس الحديث.

لا يهم لمن سنمنح صوتنا، ولكن الأهم في هذا اليوم، 23 أكتوبر2011 هو أن لا نفوت على أنفسنا فرصة ممارسة فعل الانتخاب باعتباره عنوانا دالا على مواطنة كل واحد منا...

لا يهم مَن منَ الأحزاب أو المستقلين سيستأثر بالنسبة الأكبر في تمثيلية المجلس التأسيسي، لأن الأهم في تقديري اليوم، 23 أكتوبر 2011، هو أن تكون نسبة التصويت هي الأعلى والأكبر من كل النسب الحزبية أو السياسية، لان نسبة التصويت هي نسبة تونس، وتونس أكبر من كل الأحزاب مجتمعة...

مهما اختلفت الأفكار تونس ارض الأحرار.

في مثل هذا اليوم، ستفرقنا الأحزاب داخل الخلوة، ولكن الأكيد أن تونس ستجمعنا، فمن منا سيتخلف عن تونس؟

قد تبدو حركة التصويت حركة عابرة وبسيطة، ولكن الأكيد أنها ممارسة تُنحتُ في تاريخ كل فرد منا الذي هو بالأخير تاريخنا الجماعي، تاريخنا الوطني الذي سيأتي يوم ما ونروي بعضا من تفاصيله لأبنائنا وبناتنا وأحفادنا وحفيداتنا... سنقول إننا ساهمنا في كتابة تاريخ تونس سنة 2011...

مهما اختلفت الأفكار تونس ارض الأحرار.

الذهاب إلى مكتب الاقتراع، والدخول إلى الخلوة واختيار من سيمثلنا يوم 23 أكتوبر 2011 هو الجواب المثالي والحقيقي الذي سيصيّر دم شهدائنا يسري في عروق ارض تونس لتزهر الحدائق فوق جباه أمهاتهم، وهو الجواب الحقيقي والمثالي للدكتاتور، الذي حرمنا من هذا الحق طيلة 23 سنة، وهو أيضا الجواب المثالي والحقيقي للدكتاتوريات العربية الصامدة في بطشها إلى اليوم ضد شعوبها لتدلل على فشل الثورة التونسية وتأبد بذلك استبدادها، وهو كذلك الجواب المثالي والحقيقي لكل الأنظمة الغربية التي مازالت تعتبر العرب شعوبا متخلفة... فهل سنتخلف يوم الاقتراع عن كتابة هذه الأجوبة؟

مهما اختلفت الأفكار تونس ارض الأحرار.

إن ما حدث طيلة الأسابيع الفارط من إفراط في العنف وفي المصادمات سواء منها الشعبوية أو السياسوية، وما اقترفته بعض الأيادي العابثة لإرباك النسق الحياتي للشعب التونسي من ترفيع في الأسعار واحتكار لبعض المواد الاستهلاكية، كما أن ما يحدث من عمليات تشويه مُمنهجة لبعض الأحزاب أو المناضلين والمناضلات لا يمكنها إلا أن تكون حافزا ودافعا ايجابيا لكل فرد ليترجم ترفّعهُ عن مثل تلك الممارسات، التي هي بالأخير ظواهر صحية، والأكيد أنها كانت ضرورية.

والثابت أيضا انه بعد إتمام العملية الانتخابية وتشكيل المجلس التأسيسي الثاني في تاريخ تونس الحديث، سيمنح كل منتخب من موقعه البسيط وبصوته، شرعية البناء ورفع سقف بيتنا الوطني بعد أن نكنس منه بقايا الدكتاتورية وذهنية الاستبداد السلطوي...

مهما اختلفت الأفكار تونس ارض الأحرار.

2011/10/15

دَولَتَان بعَلَم واحد


كانوا يُعدون على الأصابع وصاروا اليوم أكثر من شعر الرأس...

كانوا أيضا بعدد رأس الشعر وصاروا اليوم يُعدون كذلك بأصابع اليد الواحدة...

فئتان من الشعب لا يلتقيان إلا في الكلام المنثور هذرا على قارعة الأيام...

فئتان من الشعب جمعتهما دولتان اتفقتا في ألوان العلم ولحن النشيد الرسمي وأخبار الساعة الثامنة وخطب الجمعة والعيدين واختلفتا في الانتماء لأفق مشترك...

بالأمس كان أغلب الشعب "متخلقا" رغم قلة شهائده الأكاديمية، واليوم صار أغلب الشعب مثقلا بالشهائد الجامعية، متخففا من القيم والأخلاق...

مفارقة عجائبية تلك التي رجحت كفة الميزان لصالح دولة المتعلم وألقت بدولة المثقف إلى الدرك الأسفل...

عندما كانت نتائج "السيزيام" تُعلن عبر موجات الإذاعة وتكتب أسماء الفائزين بتلك الشهادة على صفحات الجرائد كان المعلم رسولا... وكان التلميذ مريدا له...

وعندما كان الفائزون بشهادة الباكالوريا يعدون بالعشرات كانت الجامعات والكليات صرحا منيعا لا تينع داخل أسوارها إلا العقول المفكرة والمبدعة...

بالأمس كان الكتاب مقدسا ومهابا... وكانت الأفكار مرجعا ونبراسا لتأثيث الحياة في أدق تفاصيلها...

كان الدخول إلى قاعة السينما موعدا مقدسا... واقتناء ملحق فكري للجريدة متعة لا متناهية... وكذا الجلوس إلى الأصدقاء والرفاق والتسارر معهم... دون أقنعة أو قفازات...

واليوم تصلنا نتائج الاختبارات، التي لم تعد امتحانات، تصلنا عبر الإرساليات الهاتفية القصيرة مختلطة بإرساليات المواعيد السيارة، أو عبر مواقع الانترنت أين يلقي الممتحن نظرة عابرة على نتيجة اختباره ثم يعود ملهوفا إلى حديث افتراضي عابر على احد المواقع الاجتماعية مع شخص أثيري لا رائحة له ولا طعم...

اليوم نجلس إلى معلمنا في المقهى على طاولة "الشكبة" أو "البيلوت"، ونتقاطع مع أساتذتنا في الحانات... نلهث في كل الاتجاهات، لا بحثا عن صديق أو كرسي مريح، بل طمعا في دينار إضافي... نفشل في مصادقة آبائنا، وفي كتابة قصص حب طافحة بالشغف...

نشتري كريم الشعر وبطاقات شحن الهواتف ونلتقط الصور الرقمية مع السيارات الفارهة وننام فوق الأزرار الباردة لحواسيبنا المحمولة... نلبس اخر صيحات الدجينز ونأكل من مختلف المطابخ العالمية... ونتحدث بإطناب عن مفهوم "النسبية"... ومع ذلك... مازلنا نفكر بأن العالم إما غرب أو شرق... وأن البشر إما كفار أو مؤمنون... وان اللغة العربية "ارقى" اللغات... وأننا "خير أمة"... فلا غرابة اليوم اذا ان تصير تونس دولة بصاريتين يابستين لعلمين مختلفين، علم "للكفار" وعلم "للمؤمنين"... وهو التقسيم الجديد/القديم الذي يختلقه اصحاب المعسكرات العقائدية أولائك الذين "بفضل" تفانيهم الايماني صُلب الحلاّج وشُرّد التوحيدي ونُفي ابن رشد وقُتل السهروردي وابن باجة واغتيل مهدي عامل وحسين مروّة وناجي العليّ وغسّان كنفاني وخُصي مظفّر النواب وقتل منور صمادح...

دولتان بعلم واحد متباعدتان، متجافيتان...لا يلتقيان إلا تقاطعا على أرصفة الاختلاف والتنافر...

هكذا تبدو لي تونس اليوم، بعد أن "وَثَبَ" عليها نظامان من الحكم، أول اقترب من الجمهورية وثان نسف كل مقوماتها... ليتركنا اليوم نسأل هل نحن مواطنون في دولة ام رعايا في ولاية من ولايات الخلافة الدينية.

2011/10/03

عروب الفالت ضد الحكومة



* بقلم: نـاجـي الخشنـاوي

يبقى السجن سجنا مثلما يبقى المجرم مجرما مهما كانت صفته، ومهما علا مركزه الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو الفكري، ولا فرق بين اسكافي فقير ووزير ارستقراطي في العقاب، مادامت أركان الجريمة متوفرة، ومادام كل الناس متساوين في الحقوق كما في الواجبات، غير أن هذه المسلمة يبدو أنها لا تنطبق إلا في السينما أو في الروايات، أما في الواقع فالأمثلة تعد على أصابع اليد الواحدة...

ولعل الذاكرة تسعفنا بفيلم "ضد الحكومة" الذي تنبأ فيه مخرجه عاطف الطيب منذ سنة 1992 بما يدور اليوم في أروقة المحاكم المصرية والتونسية، فهذا الفيلم الذي جسد فيه أحمد زكي شخصية مصطفى خلف المحامي الذي اعتاد التحايل على القانون باستغلال ضحايا حوادث الطرقات، ليحصل من أسرهم على توكيلات تطلب تعويضات يحصل عليها لنفسه محققا بذلك أرباحا طائلة. ومن تشابك تفاصيل الفيلم نصل مع البطل إلى درجة رفع دعاوى ضد وزير التعليم ووزير النقل ورئيس هيئة السكك الحديدية يتهمهم فيها بالإهمال، فيساومه لسان دفاع السلطة للعدول عن القضايا التي رفعها ضد الحكومة ثم يزج به في قضية تنظيم إرهابي ليلقى جميع أنواع التعذيب دون أن يتخلى عن موقفه، فأصبحت القضية قضية رأى عام وفي الأخير وافق القاضي على استجواب كبار المسؤولين.

كما يمكن للذاكرة أن تحيلنا على رواية عبد الجبار العش "محاكمة كلب" تلك التي تضعنا "منذ البداية في قاعة المحكمة، وإزاء شخصية ملتبسة وقضية لا تقل عنها التباسا، فالمتهم له مواصفات إنسان ولكنه يحمل في ظاهره ملامح من الكلب وفي باطنه شعورا عميقا بالتكلب" والكلب المتحدث عنه في الرواية "ليس قناعا للشخصية وإنما هو جزء من حقيقتها الاجتماعية والأنطولوجية وحتى الجسدية." وربما لذلك استعصت محاكمة عروب الفالت، بطل الرواية، رغم ترافع عميد المحامين العرب في قضيته والذي قال في ختام الرواية "نحن هنا نظرا لكون المواطن عروب الفالت ليس متهما عاديا في قضية عادية، بل انه في تقديرنا، يمثل بل يختزل نسغ روح هذه الأمة. انه التكثيف المأساوي للمواطن العربي في هذه اللحظة الجليلة من الألفية الثالثة... إن محاكمته هي محاكمة تاريخنا، فمن في مقدوره محاكمة التاريخ؟."

ولا يفوت من شاهد الفيلم أو اطلع على الرواية أن يمسك بذاك الخيط الشفيف الرابط بينهما والمتمثل في انزياح الأزمة الوجودية لشخصية "مصطفي خلف" في الفيلم وشخصية "عروب الفالت" في الرواية، وتحولها إلى أزمة اجتماعية بالأساس وسياسية بشكل معلن في الفيلم ومتستر في الرواية...

إن هذين المثالين يرفعان جسرا متينا ينقلنا من المتخيل إلى الواقع، أو من خطاب النص إلى خطاب السلطة على الطريقة الفوكاوية، فها نحن اليوم نبلغ آخر سيناريو فيلم عاطف الطيب وخاتمة رواية عبد الجبار العش، ونكاد نصدق نبوءتهما، وان تباينت، ونحن نتابع تتالي أسماء كبار المسؤولين سابقا يقفون أمام القضاء من أجل تهم الفساد بالخصوص وتورطهم في منظومة مافيوزية نخرت كل إمكانات النهوض بهذا البلد... من رئيس هارب بما ملك جبن مع أفراد من عائلته إلى وزراء ومديرين عامين ورجال أعمال وإداريين... يتم استنطاقهم بشكل يومي... منهم من تحصن بالفرار ومنهم من يقف خلف قضبان "ناعمة" بشكل تحفظي ومنهم من حجر عنه السفر... ملفات مفتوحة وأبحاث جارية أما الأحكام النهائية فمازالت قيد الغيب... الغيب!!! هل يوجد هذا المصطلح في نظام السلطة؟؟؟

يعلمنا ميشال فوكو أن السلطة تتفاني في ترويض أجسادنا دون أن تستعمل وسائل الإكراه والقمع بل "بالنظرة واللغة"، وها نحن نقف اليوم على انصع مثال في الترويض السلطوي من خلال إقامة ندوة دولية حول الفساد والرشوة والدعوة لإقامة هيكل مؤسساتي لمقاومة الفساد والرشوة واستغلال النفوذ!!! فمتى ينتهي موسم فتح الأبواب المفتوحة؟؟؟

هنا تتراص الأجساد المتعبة في زنزانات السجون التونسية (العمومية) ... يتقاسم المسجونون "القميلة"... أم ملتاعة تأتي من أقصى الجنوب لتعود ابنها المسجون في أقصى الشمال وفي يدها قفة بسيطة... كلمات محمومة تدور بينهما داخل "البارلوار" (غرفة الزيارة) تحت أعين الحارس... تقول له كل شيء إلا عن بيعها قطعة الأرض الوحيدة لديهم لتدفع أجرة المحامي...

وهناك يطلع علينا المتهمون في بهو المحاكم بربطات عنق قزحية وبدلات أنيقة وشعر مصفف بعناية... ابتسامات في وجوه القضاة وطوابير لا نهاية لها من المحامين... قنوات تلفزية ترصد المحاكمات وصحف تتابع الأخبار... سيارات فاخرة تزورهم أمام "سجنهم الخاص"...

الأكيد أن للقضاء مبرراته حول التأخير في التصريح بالأحكام حول من ثبتت التهم الموجهة إليهم، والأكيد أيضا أن تأسيس منظومة قضائية مستقلة وعادلة تستوجب وقتا طويلا وإرادة حقيقية... ولكن بالنسبة لي يبدو أن السجن لا يليق بغير الفقراء مادام حكرا عليهم كالأسواق الشعبية والمستشفيات العمومية وحانات الشوارع الخلفية...

سأستعير من الصديق فتحي بالحاج يحي فكرة ساقها في كتابه "الحبس كذاب والحي يروح" تلك التي تحدث فيها عن أغنية المطرب الفكاهي صالح الخميسي "يا بودفة شبحتنا" "تلك الأغنية الشهيرة التي تفاعل معها كل التونسيين وحفظوها عن ظهر قلب، وكأن فيهم توجسا بأنهم زائروه يوما لا محالة."