بحث هذه المدونة الإلكترونية

2010/04/07

الناشر التونسي ومعرض الكتاب



أيام قليلة تفصلنا عن الدورة الجديدة للمعرض السنوي للكتاب التي ستتواصل من يوم 23 أفريل الجاري إلى موفي 3 ماي القادم بقصر المعارض بالكرم. وهو حدث يوفّر مساحة محترمة من الديناميكية والحركيّة الثقافية مدّة أيامه العشرة. فبقدوم المعرض الدولي للكتاب يتذكّر التونسي أنه طلّق الكتاب والقراءة وتدحرج إلى أسفل السافلين في أقانيم البيولوجيا الزائلة، وحاصرته "كتب" السحر والشعوذة والطبخ والتجميل والتطبيب البدائي... ويسارع عدد غير قليل من الطلبة والمثقفين والكُتّاب لفكّ أسلاك الحصار المعرفي ورأْب صدْع الهجران الفكري فيلوذون بأروقة قصر المعارض بالكرم وأجنحته المحلقة بالكتب، ليُنقذوا أدمغتهم من مستنقع الجهل ويُفطرون عن إمساكهم المعرفي...

معرض الكتاب، ومثلما يشير موقعه الالكتروني الذي لم يُحين بعدُ للدورة الحالية، يهدف إلى الإسهام في النّهوض بقطاع الكتاب بوصفه أداة رئيسية لنشر المعرفة وتداولها، وإتاحة الفرصة للجمهور الواسع للتعرّف على مستجدّات الإنتاج الفكريّ والأدبيّ والعلميّ والفنّي تونسيّا وعالميّا، والعمل على إشاعة الرغبة في القراءة وممارسة المطالعة، وتنشيط الحوار حول قضايا الفكر والأدب والثقافة انطلاقا من الكتاب، كما يهدف إلى توفير الظّروف الملائمة لتنشيط الشراكة بين المهنيين في قطاع الكتاب بتونس والخارج.

هذا الهدف الأخير، أي توفير الظّروف الملائمة... هو الذي يعنيني ضمن هذه البطاقة، خاصة من ناحية الظروف المادية التي توفرها إدارة المعرض للناشرين والعارضين والمكتبيين المشاركين، وتحديدا التونسيين، وتخصيصا للناشرين التونسيين الجدد، أو الشبان إن شئتم.

فهؤلاء تعاملهم إدارة المعرض، من الناحية المادية، مثلهم مثل أي ناشر يأتي من خارج الحدود أولا، وتُعامل ـ ماديا ـ مثلا ناشر تونسي عمر دار نشره لا يتجاوز الخمس سنوات (دار المعرفة الجذلى، منشورات وليدوف، دار ورقة للنشر، دار انانا للنشر والتوزيع، دار مسكلياني، منشورات كارم الشريف...) مثله مثل دار الآداب أو دار رياض الريس أو دار الجمل أو دار المدى أو الدور الأوروبية...

فالنظام الداخلي للمعرض ينص فصله السادس على وجوبية دفع 80 بالمائة من الرسوم التقديرية المستوجبة على كل من تحصل على الموافقة المبدئية في المعرض، كما أن استمارة المشاركة في المعرض المفصلة للرسومات لا تستثني الناشر أو العارض التونسي ولا تمنحه خصما أو تخفيضا، ولا تقدم له حتى إمكانية السداد بسعر تفاضلي، بل هو مثله مثل غيره من الناشرين عليه أن يدفع 67 دولارا لاكتراء 12 متر مربع، وكرسي بـ7 دولارات ومكتب بـ 14 دولار وغيرهما من التجهيزات التي يحتاجها العارض، وهو مجبر على دفع معلوم ثلاثة دولارات عن كل متر مربع بعنوان التأمين على الحرائق والإضرار.

لن أتحدث عن ضرورة التشجيع والمساندة والدعم، ولكن أعتقد، وهذا رأي يلزمني، أن من حق الناشر التونسي (بمن فيهم من أصابتهم لوثة التجارة بالمعرفة وهم كُثرٌ) أعتقد أن من حقه أن يُعفى تماما من أية رسوم.

نعم يُعفى تماما من أي فلس قد يُثقل عليه خاصة وأننا نعلم جيد الظروف التي يعمل فيها الناشرون التونسيون، وتحديدا الجدد منهم. وأيضا لئلا ننعت النظام الداخلي لمعرض الكتاب بالتناقض عندما نطالع الهدف الأول لتنظيمه الذي يحرص على "الإسهام في النّهوض بقطاع الكتاب بوصفه أداة رئيسية لنشر المعرفة وتداولها"...

2010/03/29

الأرض الأرض...

لن تدور الأرض أبدا دورتها الطبيعية إن لم يدر العدل فوق أديمها دورته العادلة...
ستبقى على خرابها ودمارها إن بقى ماردها الأعظم يُكبر من يشاء ويصغر من يشاء...
ستظل الأرض هي الأرض غير أنها ستظل واقفة في زمنها الحربي ومعطلة في أفقها العدائي، جامدة غير متحركة إلا بكذبتها الميتافزيقية التي تنأى بأنفاس البشر بعيدا عن الطين المبلل بالعرق والمغمّس اليوم بالدم العراقي والفلسطيني واللبناني...
يوم الأرض الذي يوافق 30 من كل مارس منذ 1976، يوم مات ستة شهداء دفاعا عن الارض ويوم قرر إسحاق رابين مصادرة قرابة 20 ألف دونم من أراضي دير حنا وسخنين وعُرابة في الجليل... لم يكن يعرف أن الفلسطيني يأكل التراب ويتوسد الحجر ليعلق بأسنانه رائحة الرحم الذي أنجب جده ووالده والذي سينجب ابنه وابن ابنه ليتسامق كزهر اللوز وأبعد ويتطاول كعريش الكرمل وأجمل ويتحلى كعرجون الزيتون وأنضج فوق الأرض المخصبة بالحرية...
منذ 1948 والأرض الفلسطينية تدهسها الآلة الحربية الصهيونية وتدعكُ ترابها بلحم أبنائها من اجل إنشاء دولة مفتعلة ركيزتها المستوطنات اليهودية وترحيل الفلسطينيين وتهجيرهم إلى أصقاع الدنيا وأطراف الأرض...
الأرض الفلسطينية التي صار مركزها الصهيوني وهامشها الفلسطيني توقفت منذ زمان عن الدوران الطبيعي لأن قانون دورانها إلى اليوم مازال يتجاذبه قانون العودة لأي يهودي في العالم وقانون الغائب لكل فلسطيني مشرّد وتغذيه منذ سنوات قليلة فكرة المنظّر اليهودي «جابوتنسكي» حول الجدار الحديدي الذي عنّه ارتفع جدار الفصل العنصري منذ عام 2003 بطول 622 كلم أي ما يقابل نصف مساحة الضفة الفلسطينية وهو إلى اليوم سائر في تقدمه حيث بلغت أشغاله 300 كلم متوغلا في أراضي الضفة الغربية...
حرية حركة الأرض ودورانها إذن انتهكت بهذا الجدار الفاصل لوأد الأرض الفلسطينية وردم العدل الإنساني تحت الاسمنت العنصري المسلح الذي ترجفه الذهنية الصهيونية معززة بالآلة الإمبريالية الأمريكية العمياء... ومع ذلك مازالت الطفلة الفلسطينية والطفل الفلسطيني يغنّيان بأعلى صوتهما أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة... وان أرضهم ستكون فلسطينية قبل ان تكون عربية لأن دوران الأرض العادل لا يعني بالضرورة أن تكون الأرض «بتتكلم عربي» بقدر ما يعني أن تكون الأرض إنسانية متوجهة بخطوات الإنسان الذي يبني لا بخطوات الإنسان الذي يدمّر ويٌُنهك التراب بالرصاص كالصهيوني والأمريكي ولا بخطوات الإنسان الذي يفقد الأرض توازنها بجوره وظلمه ولا عدله ككل حاكم طاغ ظالم متجبّر...

2010/03/23

هوية "زرزيس" في فيلم محمد الزرن:شعرية الأمكنة بعدسة النوستالجيا


السينما عند محمد الزرن هي سينما معاشرة قبل ان تكون سينما صورة



بلادي البعيدة عني... كقلبي

بلادي القريبة مني... كسجني

لماذا أغني

مكانا، ووجهي مكان؟

(م.درويش)

جذاذة فنية/شعرية:

* جرجيس/زرزيس: مدينة تخلت عن خصائصها الجغرافية والتاريخية لتتحول إلى قصيدة شعر بها فائض من الإغواء والغواية الآسرة...

* محمد الزرن: من طين القصيدة تشكل وأوهمنا بأنه يتخفى خلف عدسة السينما لئلا نكتشف فيه مجاز العين...غبطة شاعر مسكون بلذة الأمكنة...

* الممثلون/الشخوص: أيقونات من الكلام والصمت والحركات تتعانق لتزداد تألقا واخضرارا فوق معابر الذاكرة وهي ترسم إيقاعها اليومي لتعلن ميلادها الأبدي...

* الموسيقى/أمين بوحافة: بيدر فرح في ليلة صيفية يتهادي بآلاته صعودا ونزولا ليُحرر جماد المكان من عقاله ويُشرع للحلم أجنحة لا تخفق إلا سفرا متوهجا...

* الزمان/المدى: قريب وبعيد، أفقي وعمودي، ليلي ونهاري... ماض وحاضر ومستقبل... كأنه بساط أبيض تُطرزه ذوات الاختلاف والانسجام لتُفرده على مساحة أرض لا تبدأ من السيرورة ولا تنتهي عند الصيرورة...

* المعلقة الاشهارية/Affiche : كتاب مفتوح على المطلق، معبر أزرق لأرض برتقالية الشكل لا اللون...

بعد مشاهدة الفيلم الجديد الذي أخرجه السينمائي محمد الزرن والموسوم ب"زرزيس" نسبة لمدينة جرجيس، موطن ولادته، تتأكد لنا مقولة انتقال المدينة، أي مدينة، من مدينة يسكنها الناس إلى مدينة يسكنها المعنى واللغة، ذلك أن محمد الزرن ضمن هذا العمل السينمائي الذي يبدو في ظاهره توثيقيا، يمنح المكان نفوذه وسلطته الرمزية المتعددة.

ويبدو أن هذا الفيلم مثل بالنسبة لمحمد الزرن نوعا من التحدي défit لاختبار مدى قدرته وقوة متخيله في التعامل مع السطوة الرمزية لمدينته الأم، ومع غواية المكان في سياقاته الرمزية والنفسية والحضارية والثقافية... ذلك أن كل مشهد من الفيلم الذي يدوم قرابة الساعتين من الزمن، يُقدمه لنا الزرن/المخرج على أنه "شهادة" على مدى صداقة الزرن/الشخص وعشقه للمكان...

أمكنة تنسج تاريخها من المنسي والهامشي لتعلن عن أَنسَنَتهَا وألفتها وهي تنتقل، بعدسة المخرج، من ضفة "الأكثر مصداقية" إلى ضفة "الأكثر شاعرية"... حيث صير محمد الزرن المكان أهم شخصية في فيلمه، وعبر به من وظيفته التأثيثية إلى الوظيفة المنتجة والفاعلة، بل المحركة لكل ما/من حولها، ولم يدر، ربما، كيف تورط في قطع ذاك الخيط الشفيف بين التوثيقي التسجيلي والخيالي الروائي لأنه لم يضع شخصياته في موضع الملاحظة والمراقبة ومن ثمة النقد، بقدر ما اشتغل على خلق الحي من الحي وعلى تنامي الشعور من دون مؤثرات تعسفية لا تتحملها الطبيعة التلقائية لشخوصه (الإضاءة والديكورات المفتعلة، والتصوير في الاستوديو...)...

إنه لم يُعقد الأشياء، ولم يجملها أو يشوهها، بل قدمها كما هي تلقائية ومباشرة على سجيتها، وإذا كانت الكاميرا لدى مخرج السينما، كما أشار أورسن ويلز، هي العين التي يرى من خلالها، والتي يجبرنا أن نرى نحن أيضا من خلالها، فان محمد الزرن وهو يمسك كاميراته ويتجول بها في الأماكن التي اختارها هو أو اختارته هو أيضا، يفسح لنا نحن المشاهدون أن نفضح أبعاد المكان، ونفتض حرماتها بما استطعنا إلى ذلك من حلم وخيال وتوقع... لكأن الفيلم كان بارقة حلم وبطاقة زيارة إلى داخلنا لنكتشف إمكانات المكان لا المرئية فقط وإنما الشعورية أيضا... وهي الأهم في تقديري لأنني أؤمن بأننا نحن من يحمل الأمكنة بدواخلنا لا هي التي تحملنا...

إننا نتنقل بالأمكنة التي نحبها ونشتهيها ونحلم بها ولا نتنقل فوقها فقط... لأن الحدود تزول والأسيجة لا ترتفع بداخلنا كلما كنا أحرارا... (مثلا دكان شمعون في الفيلم لم تكن له حدود رغم انتصاب جدرانه وانهمار ظلمته، وحوش الطاهر وزوجته أمريكا كان مفتوحا على مداه رغم أبوابه وسوره العالي، ومنزل الهادي الرسام كان أوسع من تأويل ألوان وخطوط لوحة واحدة...) ولذلك ربما يتميز فيلم "زرزيس" بتدفق لا محدود، لأنه يقدم مكانا يتسع للجميع ولا يقصي أحدا أو يستثنيه... انه يمنح المكان بعده الوجودي... (شخصيا لم أفكر أبدا في أن شمعون مثلا هو يهودي بقدر ما شدني التصاقه الحميم بالمكان وبناسه).

فيلم "زرزيس" اثبت أن السينما عند محمد الزرن هي سينما "معاشرة" قبل أن تكون سينما "صورة"... فكل "التقنيات" التي يمكن أن نلاحظها في الفيلم تفضح تورط محمد الزرن في عشق "زرزيس" من العشوائية المتعمّدة في الانتقال من مشهد إلى آخر، ومن كسر الحكايات قبل أن تنتهي والانتقال إلى مشهد مفاجئ أو غير منتظر، والتحول من زاوية نظر إلى زاوية أخرى... وغيرها تُعري لهفة الزرن، وتجعله ككل عاشق فاقد لأية عقلانية مقيتة، ومتخلي عن أي أسلوب أو منهج للبوح واستنطاق قلبه...

لقد ألغى كل مسافة ممكنة بينه وبين "زرزيس"... وتقاطعت عدسته مع تفاصيل الناس الذين كبر معهم وأثثوا حياته... ألغى المسافة بين التصوير والموضوع... وهو يعتمد على الذاكرة الاسترجاعية لكل صوت ينطق في فيلمه، حتى الموسيقى التصويرية لأمين بوحافة، وصوت البحر والحصان... كلها تتذكر حرارة اللقاء مع المكان وترى تحققها خارج تخومه استحالة (الهادي الرسام العائد من باريس الأنوار، السائحة المتشبثة بالرقص، أمريكا المتهكمة على الشباب المهاجر سرا...)...

هوية جرجيس أيضا مثلما رسمها محمد الزرن فلتت من عقالها البسيط، باعتبارها مدينة جنوبية، تعيش على اليومي المستهلك ولا أفق لها ولسكانها إلا ما تمنحه خيوط الشمس، ذلك أن "الرسائل" المُلقاة على قارعة الصورة استعاضت عن شيفراتها "السياسية" المباشرة ببداهة سكان زرزيس وروح طرافتهم وفائض الفطنة لديهم: العولمة، علاقة الجنوب بالشمال، الرأسمالية، الاستغلال، الإرهاب... التعددية السياسية، مفهوم المثقف والثوري/المتمرد/ الرافض، التطرف الديني، جميعها وغيرها تناثرت شُهبا على ألسنة الشخصيات (خاصة الطاهر والهادي) وتقافزت منمنماتها من عمق المشاهد المقدمة في الفيلم...

زرزيس لم تكن "لقطة فنية" في فيلم "زرزيس" رغم أن المُشاهد سيحاول تأويل هذا العمل السينمائي كذلك، مستندا (مثلا) إلى مشهدي البداية والنهاية. فالبداية كانت بالظلمة المنبثقة من فضاء داخلي (دكان شمعون) والمشهد النهائي كان أيضا بالظلمة وفي نفس الفضاء الداخلي (دكان شمعون) رغم أنها تنفتح على فضاء خارجي من خلال صورة الطفل الصغير والضوء المتكسر على طول الزقاق، وكأن المخرج يوهمنا بأنه قدم لنا دائرة مغلقة ورؤية مكتملة لعالم جرجيس مثلما أرادها هو أو مثلما يريدها أن تكون... وهو ما لن يصدقه أحدا بعد مشاهدة زرزيس، لأن الفيلم يكسر كل طوق مشهدي ويُسقط كل الحواجز التي قد ترتفع مع جنيريك النهاية... ليتركك في مهب التأويلات والأحلام في مدينتك أنت أو قريتك... التي لا يعرفها محمد الزرن ومع ذلك نفض الغبار والأتربة عنها في قلبك... ودلك عليها في ذاكرتك...

هكذا أتى محمد الزرن في هذا العمل السينمائي مخرجا متأنيا ليرفع "أهل زرزيس" من الدرك الأسفل للحياة إلى الدرك الأعلى للكلام بحساسية مفرطة، وهو يُقدم لنا المكان المألوف من زوايا غير مألوفة.

2010/03/20

مهرجان أولاد أحمد



لا موعد لفعالياته يُعلن عنه مسبقا في ندوة صحفية...

لا نزلا فخما بغرف شاسعة وأسرة زائدة عن الأحلام لاستقبال المشاركين والمدعوين والضيوف...ومن بهم فائضُ نكد...

لا ملفا صحفيا ولا شارة دخول ولا بطاقات دعوة أو برنامج مضبوط الفقرات والمواقيت...

معه تدخلُ في الحكاية ولا تخرج من أتونها...

يُقيدك بلين الأفكار وبما شف من الاستعارات والمجازات وهو ينثر الشعر والحركات مثلما تنثر فراشة قزحية لونها على أعتاب الربيع...

لا يترك لك فسحة للكلام، ومع ذلك تستنفر حاسة السمع لديك لتجمع نثار المعاني والأفكار... ولا تضطر لاستيراد حكمة الإنصات البشري...

رجل يتربع على عرش الكلمات مثل أمان ترفعك لسماء اللامتوقع لتتركك على أرض زرقاوية الشكل تنوس برائحة الليل...

انه لا يكتب الشعر فقط، بل هو يحياه في أدق التفاصيل الحياتية... هو الذي وُصف بأنه صاحب الاسم الطويل والجسم النحيل، ذاك المتدثر بسلاطة قلمه دائما ولسانه دوما...

مفرط في بهجته...في سخريته وهو يُغازل الحواشي ويُراود كل إمكانات الدخول إلى المتن...يدخل من الباب... ينط من النافذة... يتسلل من الكوة... ليرسم وقع صوته دون سواه...

لامتناه في حكمته... وهو المُدجج دائما بالفطنة والبداهة، وبإخراج الحي من الحي، غير عابئ بالتأريخ وبمشتقات كنا وفعلنا وقلنا وذهبنا... ولم نعد...

رجل يمشي على لسانه وبلسانه بفائض من الجرأة والتحدي...

انه يمشي في الكلام العالي... لا تجرحه الفواصل ولا تخدشه النقاط... كأنه الأفكار...

انه مهرجان لوحده...

هكذا يبدو لي الصغير أولاد أحمد كلما قابلته أو جالسته...

................


"لكلّ طرقته في افتتاح الكلام

وطريقتي المشي

داخل نفس الحذاء أسير

فأين الأين؟"

2010/03/16

حَيَاتَان وحيتَانٌ

عندما ألمحُ واحدة منهن أو واحد منهم تتسلق جمجمتي فكرة واحدة وتتلبس بها. فكرة أن أصف الحياة برمتها، فلا أرى سوى غرفة ضيقة حُشرت بين جدرانها ملايين الأجساد البشرية.

للغرفة باب واحدٌ ومئات النوافذ. أحصي على عدد أصابعي أولئك الذين يخرجون من الباب باتجاه الحياة الأخرى، وأرى الجموع المتدافعة باتجاه النوافذ أكثر من شعر رأسي، وهي تُفلت من وضع الحشر إلى حياة أخرى أيضا...

ولكل حياة مقومات خاصة وشروط مخصوصة...

حياة الأنفار الأخرى لها مقومات وشروط، وحياة الملايين كذلك لها مقومات وشروط مخصوصة هي الأخرى، وبين الحياة الأولى والحياة الثانية يعبر خيط العمر شفيفا بين السعادة والتعاسة...

تتكاثر الحيتان بين الحياتين وتتفاوت قدرة كل حوت في التهام الحياة.

تتسع الحدائق وتضيق القبور. حدائق تبتلع كل أشعة الشمس وتتهادى أشجارها الوارفة تحت ضوء القمر فلا تترك إلا الرطوبة اللزجة تمتزج بالظلال والعتمة المبهرة فوق القبور، القبور المتكومة فوق ظهر الأرض لا في جوفها.

يتقلص عدد "الفائزين" بالحياة السعيدة، وتتناسل أعداد البشر المنذورين لشقاء الأيام المتتالية في الحياة التي حُشروا فيها وما اختاروها.

بعينين زائغتين، مُغرورقتين في "الواقعية"، يمكننا اليوم أن نرى بكل وضوح الخط الفاصل بين حياة مُترفة، بل جد مُترفة، لمجموعة صغيرة من الناس، ونرى بالمقابل الحياة الكئيبة لملايين البشر الهائمين فوق الأرض، ولا حاجة لنا للرجوع إلى المفاهيم الكبرى والمصطلحات الفلسفية التي تحدد الطبقات الاجتماعية والفروق بينها وظروف نشأتها واضمحلالها، إذ يكفي أن نلاحظ شساعة الاختلاف بين الحياتين، في الموقع الذي تشغله في النسق الاقتصادي والاختلاف في الدخل والمنزلة الاجتماعية وأسلوب الحياة وكذلك الاختلاف من حيث النصيب في ملكية وسائل الإنتاج، إضافة طبعا إلى عنصري القوة والضعف.

وحتى ما كان يسمى "طبقة وسطى" أي الحياة بين بين، فإنها اليوم تُسحق بلين لتتحلل رويدا رويدا وتذوب في الحياة السفلى، حياة ملايين البشر... لأن الحيتان الشرهة لم تشبع بعد ويبدو أنها لن تشبع أبدا من السباحة في بحيرات العرق والدموع... العرق والدموع التي لم تعد اليوم حكرا على العاملة والعامل ولا على الفلاحة والفلاح بل صارت تتصبب من جبين وعيون الموظفين وحتى الإطارات المختنقين بالقروض والديون حد الموت الذي ما بعده موت...

2010/03/09

حَيَاتَان وحيتَانٌ

عندما ألمحُ واحدة منهن أو واحد منهم تتسلق جمجمتي فكرة واحدة وتتلبس بها. فكرة أن أصف الحياة برمتها، فلا أرى سوى غرفة ضيقة حُشرت بين جدرانها ملايين الأجساد البشرية.
للغرفة باب واحدٌ ومئات النوافذ. أحصي على عدد أصابعي أولئك الذين يخرجون من الباب باتجاه الحياة الأخرى، وأرى الجموع المتدافعة باتجاه النوافذ أكثر من شعر رأسي، وهي تُفلت من وضع الحشر إلى حياة أخرى أيضا...
ولكل حياة مقومات خاصة وشروط مخصوصة...
حياة الأنفار الأخرى لها مقومات وشروط، وحياة الملايين كذلك لها مقومات وشروط مخصوصة هي الأخرى، وبين الحياة الأولى والحياة الثانية يعبر خيط العمر شفيفا بين السعادة والتعاسة...
تتكاثر الحيتان بين الحياتين وتتفاوت قدرة كل حوت في التهام الحياة.
تتسع الحدائق وتضيق القبور. حدائق تبتلع كل أشعة الشمس وتتهادى أشجارها الوارفة تحت ضوء القمر فلا تترك إلا الرطوبة اللزجة تمتزج بالظلال والعتمة المبهرة فوق القبور، القبور المتكومة فوق ظهر الأرض لا في جوفها.
يتقلص عدد "الفائزين" بالحياة السعيدة، وتتناسل أعداد البشر المنذورين لشقاء الأيام المتتالية في الحياة التي حُشروا فيها وما اختاروها.
بعينين زائغتين، مُغرورقتين في "الواقعية"، يمكننا اليوم أن نرى بكل وضوح الخط الفاصل بين حياة مُترفة، بل جد مُترفة، لمجموعة صغيرة من الناس، ونرى بالمقابل الحياة الكئيبة لملايين البشر الهائمين فوق الأرض، ولا حاجة لنا للرجوع إلى المفاهيم الكبرى والمصطلحات الفلسفية التي تحدد الطبقات الاجتماعية والفروق بينها وظروف نشأتها واضمحلالها، إذ يكفي أن نلاحظ شساعة الاختلاف بين الحياتين، في الموقع الذي تشغله في النسق الاقتصادي والاختلاف في الدخل والمنزلة الاجتماعية وأسلوب الحياة وكذلك الاختلاف من حيث النصيب في ملكية وسائل الإنتاج، إضافة طبعا إلى عنصري القوة والضعف.
وحتى ما كان يسمى "طبقة وسطى" أي الحياة بين بين، فإنها اليوم تُسحق بلين لتتحلل رويدا رويدا وتذوب في الحياة السفلى، حياة ملايين البشر... لأن الحيتان الشرهة لم تشبع بعد ويبدو أنها لن تشبع أبدا من السباحة في بحيرات العرق والدموع... العرق والدموع التي لم تعد اليوم حكرا على العاملة والعامل ولا على الفلاحة والفلاح بل صارت تتصبب من جبين وعيون الموظفين وحتى الإطارات المختنقين بالقروض والديون حد الموت الذي ما بعده موت...

2010/02/19

آلهة لم نختلف حولها



يأخذ الإله أشكالا مختلفة حسب المعتقد الديني، ففي الكثير من المعتقدات البدائية والأديان الوثنية يأخذ الإله شكل إنسان أو حيوان، لكن الكثير من الأديان المتأخرة، خاصة الأديان التوحيدية تعتبر هذا التجسيد شكلا من أشكال التجديف. وغالبا ما يكون الإله خالدا لا يموت، في الغالب تمتلك الآلهة شخصية ووعيا وإدراكا فهي التي تسير شؤون الكون والعباد، وهي من يتوجه لها الناس بطلب المعونة والمساعدة .
‬وفي الميثولوجيا الإغريقية تصبح الآلهة أشبه بالبشر حيث يمتلكون عواطف ومشاعر بشرية وخطايا وآثام، يحبون ويعشقون ويتزوجون ويولدون ويموتون ويأثمون، ويغضبون من بعضهم كما من البشر، وغالبا ما يكون الغضب مترافقا مع عقاب يكون بشكل كارثة طبيعية كالعواصف والرعد والمطر والخسوف.
قريبا من مدارات فيلسوف المطرقة المعرفية، فريديريك نيتشة، عندما تساءل "هل الإله مجرّد خطيئة إنسان، أم الإنسان مجرّد خطيئة إله؟" وبعيدا عن الاكراهات الايديولوجية والميثولوجية، يمكننا أن نصف كرة القدم اليوم بأنها آلهة البشرية التي تخترق كل التمايزات والاختلافات والحدود فلم تختلف في عبادتها شعوب العالم منذ ما يناهز الألفي عام قبل الميلاد، تاريخ بداية تشكل " آلهة الجلد المكور " مع سلاسة سو آو الصينية.
واتفقت مختلف الديانات على التشبث بعبودية آلهتها الجديدة من دون اختلاف في شعائرها وتعاليمها وطقوسها ومن دون سفك دماء، أليست هي "أشرف الحروب" مثلما نعتها الشاعر محمود درويش، وما يعزز ألوهية كرة القدم هو توفرها على مقومات الحشد، التطرف والتعصب.
كرة القدم، خلقت كتابها المقدس ورسمت تعاليمها الكونية، بعد أن "أقنعت" شعوب الأرض باعتناق مبادئها والتي يمكن إجمالها في مبدأ "الكل من أجل الفرد والفرد من أجل الكل" ومبدأ "أنا وليغرق غيري" ومبدأ "الواجب والإكراه" ومبدأ "السعادة والحزن..." حتى أصبحت كرة القدم "مملكة الوفاء البشري التي تمارس في الهواء الطلق" مثلما وصفها المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي وتحولت إلى مجازا للحياة مثلما يقرر ذلك، جان بول سارتر عندما قال إن "كرة القدم هي مجاز الحياة" لتصير بالنهاية على رأي الشاعر ت. إس. إليوت "العنصر الأساسي في الثقافة المعاصرة" ، وهي ربما لكل هذا، تفلت كرة القدم، من فكرة " قتل الإله ..."
غير أن "الأنصار" (Fans) والمفردة اختصار لكلمة (Fanatic) أي المتعصب، لا يشيدون حضارتهم الكروية، أو ثقافتهم المعاصرة، كفئات مضطهدة أو جماعات مهمشة، ولا يبدون كــ:"محرضين ثوريين" يتحركون بشكل ملحمي نشدانا لتغيير جذري لحل مشكلات الفقر والبطالة وتعاطي المخدرات والجريمة و"إجبار" السلطة على الالتزام برهاناتها السوسيو ـ سياسية، لا يتحركون بهذا الشكل، وإنما ينحشرون، بالملايين، في مجاري الصرف بعيدا عن الشأن العام، وهم خاشعين في إقامة قداسهم الكروي على المدرجات وأمام الشاشات، ومنهمكين بتسبيحهم الإيماني.
لقد اعتبر السوسيولوجي الفرنسي بيار بورديو كرة القدم، وهو يفكك بنياتها الأشد خفاء، مذهباً جديداً له دعاته وتعاليمه الجديدة؟ وشبه "الحروب الكروية"، في درجة العنف والتعصب الذي تنتجه، مثل الحروب العقائدية والدينية التي يطلب فيها المرء الشهادة في سبيل فكرة التفوق على الأعداء والخصوم ( الكفار ).
ومع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات تعاظمت سلطة كرة القدم، وهي الفترة التي شهدت تراجعا واهتزازا على المستوى الديني، وقد أشار عالم الاجتماع "ستارك جلوك" إلى انه في الوقت الذي احتلت فيه الرياضة مكانة مرموقة شبه مقدسة، تراجع الاهتمام بالكنيسة ورعايتها، واعتبرها تعبيرا طقوسيا مسيطرا على المجتمعات .
وإذا كان لكل دين قديسين وكهنة وسدنة يتبرك بهم المتدينون، فإن لكرة القدم أيضا "كهنة وقديسين وسدنة" يتبرك بهم الأنصار ويرددون "حكمهم" مثل الأمريكي لومباردي الذي صاغ "الوصايا الرئيسية" في أمريكا :"الفوز ولا شيء سواه" كما أن لا أحد يمكنه أن ينسى تبرير اللاعب الأرجنتيني "مارادونا" عندما قال بأن " يد الله " هي التي سجلت هدفا بيده في مرمى الفريق الانقليزي في كاس العالم لسنة 1986 .
وقد ذكر الدكتور أمين أنور خولي في كتابه "الرياضة والمجتمع" الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة أن دراسة أجراها "بافو سابين" عن النجاح في الأولمبياد من المنظور الديني المقارن من عام 1869 إلى عام 1986 خلُصت نتائجها إلى أن "الأمم البروتستانتية قد فاقت نحو 3 إلى 4 مرات عن الأمم الكاثوليكية، كما أن الأمم الكاثوليكية قد فاقت في انجازاتها الأمم الأرثودوكسية والأمم الإسلامية، ولكن الأمم الإسلامية تفوقت على الأمم الكونفوشيوسية واليهودية."
ويمكن اعتبار كرة القدم "دين جديد وعظيم" تتأتى عظمتها من كونها جمعت حولها أكثر من ثلاث مليارات نسمة في ذات الوقت، عندما "حجوا" إلى ألمانيا وعبر الشاشات في مونديال 2006، وهذا الرقم، حسب إحصائيات "الفيفا" (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، هو أكبر رقم يُسجله تاريخ البشرية والأرض في اجتماع الناس حول حدث ما. كما أن عدة أرقام أخرى تدلل على عظمة هذه "آلهة الهواء" ذلك أن 250 مليون لاعب كرة القدم يمارسون كرة القدم في 204 دولة ويوجد ما يقرب 305 ألاف ناد وما يقرب من مليون وخمسة وخمسين ألف فريق لكرة القدم في العالم، ويصل حجم الإنفاق على كرة القدم ما يناهز 250 مليار دولار كل عام وهناك ما يقارب ملياران مشجع لكرة القدم .
وتشكل كرة القدم فعلاً اجتماعياً شمولياً، لأنها تجمع كل شتات المجتمع لتوفرها على ثنائية الممارسة والفرجة، ولذلك يخترقها الأفق السياسي بمكر ودهاء فائقين وتشتغل آلته بمكر على تغذية الذاكرة الكروية باعتبارها جزءا مهما وأساسيا من الذاكرة الوطنية، ولئن ذكر هوميروس في "الإلياذة والأوديسة" أن ممارسة الرياضة كانت حقل للملوك والأمراء والأشراف من الشعب فقط وهي مقصورة عليهم، فإن الأمر اليوم لم يخرج بعد عن سلطتهم وعن سلطانهم، فشعبوية الرياضة هي نتاج طبيعي لمخططات "الملوك والأمراء والأشراف"، حيث اتفقت جميع السياسات خاصة بعد انهيار المعسكر الشرقي (الاشتراكي) وصعود النظام الرأسمالي على التعويل على كرة القدم كمخرج لها من" ورطة تأمين المواطنة "وهي لذلك تفرح بانتصارات فرقها وترتبك في بعض الأحيان في تطويق هزائمها، بل إننا اليوم بتنا نشاهد العديد من الأنظمة والدول التي باتت تساوي بين روح الوطنية لدى مواطنيها ومدى تعلقهم فرقهم الوطنية. فباتت كرة القدم تضاهي الوطن... وارتهنت السلطة إلى كرة القدم، ويكفي أن نتذكر مشهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك وهو يرتدي زي منتخب فرنسا في نهائي مونديال 1998 كمثال صارخ على طبيعة العلاقة بين الاثنين. كما كان كل من تلتقط بينيتو موسوليني يلتقطان العديد من الصور مع المنتخب القومي الإيطالي لكرة القدم، أبطال العالم في عامي 1934 و1938 كما أن برلسكوني أطلق على حزبه السياسي اسم "فورزا روما" وهو شعار كروي يعني "إلى الأمام ايطاليا" كانت تطلقه جماهير فريق "ميلان" الذي اشتراه برلسكوني ...
لقد نجحت الأنظمة والحكومات والمنتظمات السياسية في تحويل وجهة أعناق الشعب إلى المربع الأخضر... إلى المدارج الإسمنتية والخشبية... إلى الجلد المدوّر... وهذا النجاح ندين به أساسا إلى الآلة الإعلامية بكل تمظهراتها، قنوات تلفزية، إذاعات، صحف، مجلات، مواقع إلكترونيّة ... كلها تظافرت من أجل إبدال عمرنا الإنساني بعمر رياضيّ بحت...
صرنا ننام على الكرة وعليها نفتتح صباحاتنا ... في البيت، في المدارس، في المعهد، في الجامعة، في مكاتب الشغل، في المقاهي، في الحافلات، في الميترو ...
نلوك أحذية اللاعبين وجواربهم ليلا نهارا ... ونُغرق أيامنا في عرقهم وندجّج ألسنتنا بألفاظهم... حتى صرنا نعيش داخل ملعب كرة قدم...
" انها عبادة يا صديقي " هكذا ردد اللاعب البرازيلي بيلي ذات حوار تلفزي ...

2010/02/16

بُحَيْرَةُ الغَلاَبَة


يُطلّونَ على مياههَا الآسنَة كل يَوم ليَتعَطّروا برَوائحهَا النَّتنَة ثم تختلف خطاهم الى كل الجهات...
يُصَادقُون ركود مياههَا المتعفًّنَة الراكدة في جَوفهَا ويلاعبٌون خَفَقَان النَّوَارس فوق سطحها وهي مُتَبَرًّجَة أمامهم كَأنهَا تُغَازل حَركتَهم الدَّؤُوبَة...
من سُطُوح «السَّيْدة» و «حَي هَلال» و «سيدي حسين» و «الحرايريَّة» و»القٌرجَاني» و»الملاَّسين» يُلَوًّحُونَ لها كل صَبَاح بأمَانيهم وأحلاَمهم فَتَلُوحُ لهم زوارق التعب راسية في مكانها لا تتحرك...
يَصنَعون زوارقا اخرى تلوح أشرعتها من بعيد لألاءة بأضْواء المَلاهي وأنوَار المقَاهي الفَخْمَة والمطعام الرَّاقية وبوَاجهَات الفيلات الفَخمَة والطرُقَات النظيفَة...
يَخَالُون زَوارقهم المٌشْتَهات قَادمة اليهم على أمواج بُحَيرتهم الرَّاسيَة أمَامهم، غَير أن الأمْوَاج تُخَالف قَانون المدّ والجَزْر وتَدفَع زَوارقَهم دَفْعا الى ضفة أخرى، الى جهَة أخرى لتَضَع أَوْزَارَها وتَفتح حَقائبها في شمال البلاد...
بين الجرْذَان والفئْرَان وجَحَافل النَّامُوس يَقْضي سُكَّان تونس الغَربية أيامَهم وليَاليهم، ومع كل صَبَاح يَثْقبُون بطَاقَات هوياتهم بأعْينهم بَحثًا عن كلمة «مُوَاطن»...
مَا الفَرق بين سبخة السَّيجُومي وسبخة «السَّانوبَا»؟ ولماذا تَتَنافَس شَركات الاستثمَار على «السانوبا» دون السيجومي؟ ومَا الذي يُغْمضٌ أعين الدولة والمستثمرين عن السبخة الغربية والتفكير الجدي والعملي في تحويلها الى منطقة صناعية ستساهم حتما في امتصاص بطالة شبان تلك المناطق ذات الكثافة الخيالية، وتسارع بادماجهم في المجتمع بدلا من تركهم عرضة للانحراف واحتراف الأذى؟
أسئلة عديدة لا أخَالها تغيب عن ذهن اي تونسي، مَسؤولا كَان أم مواطنًا، يمر بالحزام الغربي لتونس العاصمة؟
أسئلة ندفعها دفعا علَّهَا تنفض نقاط استفهامها في إحدى مجالس البرلمان أو بين أصحاب رؤوس الاموال والمستثمرين.
حتى لا يَبقَى الشمَال مستأثرًا بالحقَائب دائمًا... ويظل الجَنوب صَديقًِا وفيًا للخَرابٍ واليٌتْمِ.

2010/01/21

أحتاج مكنسة


تروي الذاكرة الشعبية أنه إذا أصيب عزيز على شخص ما بمرض خطير يُطلب منه أن يأتي له بأنفس شيء يمكن أن يُشفيه من مرضه، وكان حليب الغولة أنفس شيء. ويُحيل تركيب حليب الغولة في المخيال الجمعي أيضا على توفر كل ما تشتهييه العين وما لا يطاله الخيال في مكان ما، فنقول مثلا في هذه الأرض يتوفر كل شيء حتى حليب الغولة، وربما هذه الإحالة الثانية تنطبق على الشارع التونسي. هذا الشارع الذي ينزع إلى بلوغ الكمال في توفير كل ما تشتهيه العين وما لا يطاله الخيال، فقد أصبح يشبه منمنمة متناهية الرسم والتلوين.
سيول صباحية ومسائية من البصاق والمخاط تتناثر من الأفواه يمنة ويسرة... أكوام من أعقاب السجائر وعلبها تتطاير أمام المقاهي والمحال العمومية... أكداس من تذاكر الحافلات والميترو تتلقفها الأرجل في المحطات... نتوءات وحفر في قلب الطريق تكاد لفرط تناسلها أن تبحث عن الإسفلت المخصص للعجلات... حاويات تفيض بالأوراق والعلب وبقايا الأكل، وما تخطئه حركة الأيادي المدربة على الوسخ... أكداس من التذاكر الالكترونية أمام المركبات التجارية والموزعات الالكترونية المثبتة بالبنوك... بركٌ راكدة من المياه الوسخة في كل ركن ومنعرج فرعي... جُمل اعتراضية مرسومة بأياد مرتعشة على الجدران تحذر من مغبة إلقاء الفواضل والتبول... وأخرى تعلن بيع الخمر خلسة... بقايا ملصقات اشهارية اهترأت وتآكلت لفرط نسيانها... علامات مرورية محجوبة وأخرى مفقودة من على أعمدتها...أكياس القمامة تنتصب أمام العمارات كأنها الجبال الشاهقات...
وأنا أحصي بعضا مما تلتقطه عيناي كل يوم أتذكر اليابان واليابانيين، ذاك الشعب المعروف باستهلاكه العالي للمنتجات المغلفة والمعلبة وقصيرة العمر، مما يجعل النظافة العامة والمحافظة على البيئة أمرا عسيرا وربما مستحيلا، غير أن المستحيل ليس يابانيا، فقد أوجدوا قانونا صارما للمحافظة على نظافة شوارعهم، فأبسط حركة وسخ تعرض المواطن لغرامات مالية باهضة وعقوبات جزائية قد تحرمه الإقامة في مسكنه، والحكم عليه بالسجن، وقد أحدث اليابانيون هيكلا نشطا يُسمى "الرقابة البلدية" وفي كل حي يوجد مركز صغير للشرطة يسمى ''كيساتسو'' يعمل على ضبط السلوكيات العامة.
تعبرني كذلك ذكريات تسكعي ذات يوم في شوارع واشنطن عندما راقبت مواطنا أمام إحدى المغازات يتحرك بثبات نحو عقب سجارة ألقاه أحد العابرين يوجه إليه مكنسته الصغيرة ويرفعه من الرصيف، سألت أحدهم إن كان ذلك الرجل عون بلدية فأجابني بكل بساطة أنه يتفق كل خمس أو ست أصحاب متاجر على انتداب شخص ويوكلون إليه أمر جمع أي مهملات قد تلقى أمام محلاتهم ثم يدفعون أجرته الشهرية سويا.
أتذكر تلك الشعوب هناك، وأرى شعبي هنا بين أروقة باب الخضراء أو في ساحة برشلونة أو مرورا بالمدينة العربي وصولا إلى الشارع الرئيسي اليتيم. أفكر في الارتماء على احد المقاعد المنثورة هنا وهناك لكتابة صفحة ضد السواد المعمم.
أجلس إلى طاولتي. أجدني أتنفس سحابات ثاني أوكسيد الكربون. ألاعب تحت قدمي مناديل ورقية أزوجها لأعقاب السجائر. تهوي عليّ النادلة بكل ثقة تسألني عمّا أشرب. أفكّر قليلا وأجيبها: مكنسة.
لا أحتاج أكثر من مكنسة.

2010/01/14

كرة الثلج الحمراء



ليس للمغتال من شهادة على أحقيته بالحياة سوى موته...

يقول أرسطو طاليس في كتابة الأشهر "السياسة": "إن الطاغية يُقصي كل من يحمل نفسا عزيزة وحرة، لأنه يظن أنه الوحيد الجدير بأن تكون له هذه الخلالُ السامية..." بهذا التعريف المكثف يمكننا الاقتراب من مفهوم "الاغتيال" باعتباره مصطلحا يُستعمل لوصف عملية قتل منظمة ومتعمدة تستهدف شخصية مهمة ذات تأثير فكري أو سياسي أو عسكري أو قيادي وعادة ما تكون دوافع عملية الاغتيال عقائدية أو سياسية أو اقتصادية أو انتقامية تستهدف شخصا معينا يعتبره منظمو عملية الاغتيال عائقا في طريق انتشار أوسع لأفكارهم أو أهدافهم، غير أنه لا يوجد إجماع تام على استعمال مصطلح الاغتيال فالذي يعتبره المتعاطفون مع الضحية عملية اغتيال قد تعتبره الجهة المنظمة لها عملا بطوليا، إلا أن فعل الاغتيال، سواء كان ماديا أو رمزيا، يظل "فعلا" مؤسسا في سياق ثقافة الموت وصيغ العنف المنظم.
ومن اشتقاقات مصطلح الاغتيال الذي يقابله مصطلحAssassination بالإنقليزية أنه مشتق من جماعة "الدعوة الجديدة"، الذين يُعرفون بالحشاشينHashshashin ، وهم طائفة إسماعيلية نزارية نشيطة من القرن الثامن إلى القرن الرابع عشر وهناك الكثير من الجدل حول هذه الجماعة، ذلك أن الرحالة الإيطالي ماركو بولو1254 / 1324 هو أول من أطلق تسمية "الحشاشين" على هذه المجموعة عند زيارته لمعقلهم المشهور بقلعة الموت، حيث ذكر أن هذه الطائفة كانت تقوم بعمليات انتحارية واغتيالات تحت تأثير تعاطيهم الحشيش، بينما يرى البعض أن في هذا التأويل تلفيقاً وسوء ترجمة لاسم زعيم القلعة حسن بن صباح الملقب بشيخ الجبل، وبغض النظر عن هذه التناقضات التاريخية فإن هذه المجموعة قامت بعمليات اغتيال في غاية التنظيم والدقة ضد الصليبيين والعباسيين والسلاجقة.
وعبر التاريخ السياسي والمدون للإنسان لم يسجل السلوك العدواني وكذلك العنف أيُ تقدم على صعيد البناء والنمو سواء للفرد أو للمجتمع بصورة عامة، وخلال تطور المجتمعات البشرية ثبت أن لغة الحوار والتفاهم بين الأطراف المتنازعة والتي تدخل في إشكالات شتى هي أجدى وانفع من أية لغة أخرى مهما كانت الخلافات والتوجهات المتعددة ما بين تلك الأطراف. فما نراه الآن من أساليب مأساوية تعبر عن ذاتها من خلال لغة العنف والإبادة وإلغاء الآخر وهي لغة الاغتيالات في السياقات السياسية... أو ما يُعرف بصناعة الموت... ففعل القتل العمدي، أي الاغتيال، يقوم على فلسفة التمركز الخالص حول الذات ونفي الآخر، وهو يمثل شكلا من أشكال تهميش الأخر المختلف، سواء كان هذا الآخر كتابة دريدا أو رغبة دولوز أو جنونا فوكو ... وأينما وُجدت السلطة وجد الصراع عليها، وأينما وجد الصراع على السلطة وجدت الاغتيالات، ولذلك فإن القانون الأساسي والأزلي في لعبة الاغتيالات يتكون من مادة واحدة تُختصر في جملة واحدة تقول (اقتل عدوك قبل أن يقتلك) وهو قانون لا يستثني أحدا في أي زمان وأي مكان، ويتغذي بشكل كبير في الأنظمة الشمولية والتوتاليتارية القائمة على نظرية الإقصاء والإلغاء للآخر في اختلافه وغيريته، حيث يجد الثالوث غير المقدس "المؤامرة، التخوين، التكفير" مكانا له ليكون الاغتيال "نظيفا"...
وتحيل عدة معطيات اثنوغرافيّة وبعض النظريات الأنثروبولوجية إلى أنّ نسبة العنف تتوقف على نموذج القيم الثقافيّة الخاصة بمجتمع ما. فعندما ترفع هذه القيم من قيمة الفرديّة والتنافس والعدوانيّة، فإنّ العنف ما بين الأفراد يغدو مهماّ، ومن ناحيّة أخرى، إذا كان العنف ما بين الأفراد مرتفعا فإنّ ما يوجد داخل العلاقات بين المجموعات الفرعيّة هو أيضا عنف مرتفع، وربما لذلك يمكننا تفسير تفاوت نسب الاغتيالات في منطقة مخصوصة دون غيرها، أو ارتفاع عمليات الاغتيال في فترة زمنية دون أخرى... ويمكن أن نمثل لهذه القاعدة بالتاريخ الأمريكي خاصة في فترة الستينيات، إذ حفل تاريخ الأميركي باغتيال شخصيات حملت لواء المساواة والحقوق المدنية،، ونشطت الحركات المدنية من أجل المطالبة بإعطاء حقوق المواطنة للسود والمرأة. كان أولها، اغتيال الرئيس جون كينيدي سنة 1963 بسبب دوره في ترسيخ الحقوق المدنية للسود، فقد حاول إنهاء إدارة الفصل العنصري، وأصدرت المحكمة الدستورية خلال حكمه أحكاماً عديدة تقرّ بأن قوانين الفصل العنصري التي تطبقها بعض الولايات داخل الحافلات العمومية والمقاهي والمدارس والأماكن العامة غير دستورية، واقترح ما أصبح يعرف بقانون الحقوق المدنية 1964.
كما هز اغتيال القس مارتن لوثر كينغ التاريخ الأميركي، والذي أُغتيل سنة 1968 بعد أن رفع شعار "لديّ حلم" عبر فيه عن أمله بأن يصبح كل الأميركيين السود والبيض متساوين.
أما في المنطقة العربية فان بدايات القرن العشرين أرخت لواحدة من أهم عمليات الاغتيال السياسي، عندما لاحق الاستبداد العثماني المفكر التنويري عبد الرحمن الكواكبي إلى منفاه في القاهرة، واغتاله سنة 1904، وتكررت الاغتيالات في البلدان العربية، ومن بين ابرز الذين اغتيلوا في النصف الأول من القرن العشرين، انطون سعادة الذي أغتيل سنة 1949 والملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن سنة 1951 وملك العراق فيصل الثاني سنة 1958، واغتيال رئيس جمهورية العراق عام 1966 عبد السلام عارف وأنور السادات سنة 1981 والرئيس الجزائري محمد بوضياف...

2010/01/04

القفز بالزانة



تمكنت العديد من الشعوب، التي ركبت قطار المدنية والحضارة والحداثة، من صنع تاريخها من خلال الاعتناء بالأمور البسيطة أو التي نراها نحن بسيطة وعابرة، وأولت التفاصيل اليومية الأهمية الكبرى في برامجها ومخططاتها بعيدا عن الشعارات الرنانة التي تنأى عن الواقع.
وتفطنت تلك الشعوب إلى أن الطريق إلى الديمقراطية وضمان الحريات الفردية والعامة وتأمين العدالة الاجتماعية هي السقف العالي الذي لا يمكن أن يرتفع في غياب تلك التفاصيل البسيطة والعابرة، تلك الممارسات الحضارية... في حين صرنا نحن محترفين في القفز بالزانة لنسوق الوهم بأننا على طريق الحداثة سائرون وفي قاطرة المدنية والحضارة راكبون...
تماما مثله، نقفز نحن بسرعة المتسابق في مضمار ألعاب الجمباز وهو يطوح بساقيه ليتجاوز الحاجز متكأ على تلك الزانة المصنوعة من الألياف الزجاجية، مثله تماما، بل أفضل منه نقفز نحن على تلك التفاصيل البسيطة ونلهث بخطبنا الرنانة وبياناتنا الفضفاضة في كل منبر يعترضنا أو نصطنعه أو حتى نسطو عليه... لتظل تلك القيم الكونية تهويمات سياسية بعيدة كل البعد عن أرض الواقع وتتسع الهوة بين ما نحياه في الشارع وما "نحياه" في الشاشة... ونمعن في التصديق بأننا نعيش فوق أرض خصبة مكنتنا من "تبيئة" الديمقراطية والحرية... وجعلها تمشي معنا فوق الأرصفة وتصعد معنا الحافلات وتدخل الإدارات والأسواق... ونجحنا في "ترويض" الحريات الفردية والعامة وجعلها أليفة بالشكل الذي باتت معه تتفسح معنا في الساحات العامة وتذهب معنا إلى البحر وتمتثل، مع البعض منا، لإشارات المرور... وحققنا اكتفائنا الذاتي من تلك القيم الكونية التي "يتشدق بها الغرب علينا" بل صار لدينا فائضا في تصريفها بيننا... وأعتقد أننا في قادم الأيام سننشئ لها صندوقا مخصوصا بها...
أعود إلى القفز بالزانة، إلى تلك الشطحات البهلوانية التي لا أعرف متى سننتهي منها، وأخشى أن نصل في يوم ما إلى الإتيان بم أتاه وصيف بطل العالم في رياضة القفز بالزانة الفرنسي رومان مينيل الذي قام بالجري عاريا في شوارع باريس منذ سنتين تقريبا للحصول على الرعاية المادية...
ربما أكون قد تورطت كثيرا في تلافيف اللغة ولم اقل شيئا ذا بال، وظللتُ أداعب الحروف والمفردات مثلما يداعب اللاعب طرف الزانة استعدادا للقفز، غير أن تورطي هذا يدخل في باب ما ننعم به من ذاك الفائض القيمي الذي بلغناه وتلك التخمة التي نحن فيها والتي تفسح لك المجال لتقول كل شيء وفي الآن نفسه لا نقول أي شيء...

2009/12/22

نواقيس قديمة لسنة جديدة



عمتم مساء أيها المدعوون إلى حفلات رأس السنة الميلادية الجديدة...

عمتم صباحا، أنتم أيها السكارى المنثورين فوق إسفلت المدن/الملاهي وأرصفتها...

مرحى لكم جميعا وأنتم تصلون ليلكم بنهاركم وسنتكم بلاحقتها... بالشمع المعطر والخمر المعتق... بنكات السنة الماضية وقبل السنة القادمة...

مرحى لكم وأنتم تخيطون النصف بالنصف بحكايات حذاء سندريلا ونواقيس الملاعق الفضية...

مرحي لكم أيها السكارى الساهرون داخل مخيمات الورد... أيها الآمنون بحسن الأمن...

مرحى لأصدقائي القدامى وهم يلفون قطع المرطبات بين أوراق صحيفة وشحت صفحتها الأخيرة بمقاطع من قصيد "ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة" لمظفر النواب...

مرحى لأصدقائي القدامى أيضا وهم يتدافعون أمام بائع البطاقات البريدية يرسلونها مضمونة الوصول إلى نيويورك... أو إلى نيو أصدقائهم...

مرحى لهم وهم يفعلون كل هذا ويتذكرون _ فقط يتذكرون _ مقطعا شريدا من أغنية «بنت الباي» للأزهر الضاوي : «... لا وسكي في الري فيون ...»

مرحى لكم بالوسكي الأمريكي...

عمتم صباحا مساء وكل رأس سنة جديدة أيها العروبيون، الوطنيون، التقدميون، الأبيقوريون حد الموت...

الموت...

صباح الموتى... مساء الموتى... كل عام وأنتم موتى...

عمتم مساء أيها الساقطون في اللهب... عمتم صباحا أيها الصاعدون من اللهب...

كل سنة وأنتم ناهضون من اللهب... قادمون من اللهب...

سائرون باللهب إلى الأمام... أعلى من اللهب...

عمتم مساء أيها الفلسطينيون المشردون في مخيمات الريح...

عمتم صباحا أيها العراقيون المذبوحون بين المشانق والزنابق...

كل عام وأنتم مقاومون... صامدون... عائدون... محتفلون بالقوارير والشمع شظايا في وجه الأمريكيين... الإسرائيليين... العروبيين... الوطنيين... التقدميين... الأبيقوريين حد الموت...

صباح المجازر... مساء الجَنَائز... كل عام وأنتم ناهضون من المَجَازر... كل عام وأنتم عائدون من الجنائز...

كل عام وأنتم مُقاومون أيها الفلسطينيون...

كل عام وأنتم مقَاومُون أيها العراقيون...

كل عام وأنتم صَامتُون أيها العروبيون...

مَرحَى لكم أيها الفلسطينيون بالقذائف، بالمدافع، بالحرائق، بالمعتقلات، بالمذابح والمجازر...

مَرحَى لكم بالسنابل والكرمل والبرتقال...

مَرحَى لكم بهويتكم توقعونها كل رأس سنة بالحجر...

مَرحَى لكم أيها العراقيون بحزن النخيل، بسجن أبو غريب، بقبضة الطوائف، بالعرق العراقي، بالحفل الأممي الذي دُعي له النفط ولم يدعَ له العراق...

مَرحَى لكم بهويتكم توقعونها كل رأس سنة جديدة بالمتفجرات...

كل عام وأنت وطن أيا عراق...

كل عام وأنت وطن أيا فلسطين...

كل عام وأنت مستعمرة أيا جغرافيا المنافي...

كل عام والفلسطيني لا يخطئ عد السنوات :1948... 1948... 1948... 1948... 1948..

كل عام والعراقي لا ينسى عد السنوات :9 أفريل 2003... 9 أفريل 2003... 9 أفريل 2003... 9 أفريل 2003...

كل عام والعروبي يتقن عد السنوات:...2003...2004...2005...2006...2459...

كل عام وأنا أكتب بالحبر الأسود...

كل عام وأنت تقرأ بالنظارة السوداء...

2009/12/14

هنا تطير الفئران



يبدو أن ذاك المثل الشعبي المغرق في السخرية من بساطة الأشياء وتفاهة الأمور الذي يقول: "حل الصرة تلقى الخيط..." بات أكبر من الفعاليات الثقافية التي تقدم هنا وهناك، ذلك أن الدوائر المشرفة على المهرجانات والمعارض والأيام والأسابيع والندوات والأمسيات والملتقيات والمنتديات والموائد... وكل الأنشطة التي تُلصق بها كلمة الثقافة باتت تتفنن في إضفاء معالم البهرج والزينة والإمعان في الاحتفالية الخارجية، لتضعنا بعد تلك الهالة الزجاجية وجها لوجه أمام الخراب المقدم باسم الإبداع الثقافي... وأمام اليباب المتسربل في جبة الفنون... حتى تماهى الفعل الثقافي المؤسس مع التنشيط الثقافي الموسمي... وصارت ثقافتنا أشبه بتلك الشجرة المهملة التي نطل عليها من شرفات النسيان والتجاهل لنرقب موتها البطيء وسط الأحراش والطفيليات...
بساط احمر أمام المسرح البلدي... أضواء ساطعة أمام ما بقي من دور للسينما... معلقات اشهارية تنافس اليافطات في الأخطاء اللغوية... نشريات ومطويات متناثرة على الأرصفة وفي محطات الحافلات... ندوات صحفية لأسئلة بلا أجوبة... طوفان من الكلام الإذاعي والصور التلفزية... فائض من الهرج والمرج في الطرقات العامة... دعوات خاصة ومراسم مغرقة في البرود... جميعها اتفقت على دق المسامير الصدئة في نعش الثقافة الحقيقة التي تؤسس لأفق أوسع ولمدى أبعد... لترفع لنا تلك "الصرة" التي لم تعد تقوى على حمل "الخيط"...
يبدو أننا لم نستوعب بعدُ أن قلب الأرض أوسع من خريطتها، وأن الشجرة التي نُهملها ستهجرها العصافير واحدا اثر واحد... ولن يتسلق أغصانها اليابسة إلا الفئران المسعورة...لتعود إلى جحورها بعد قضم اقرب ثمرة شاحبة... ومنها من يتطاول ويتجاسر على معاودة التسلق و"التشعبط الثقافي" مادامت تنط وتقفز في أروقة شركات الإشهار والتسويق التي لا تفرق بين مسرحية وشفرة حلاقة... بين رواية وعلبة سردين... بين فيلم وقارورة زيت؟؟؟
ننسحب من ظلمة قاعات السينما ونتدحرج فوق درجات المسرح البلدي أو نتدافع في رواق معرض الكرم مثقلين بطعم دانون ومايسترو ورائحة الفنواز ومتسربلين بأحمر تونزيانا وازرق تيلكوم... متخففين من الدهشة، من ارتباك الحواس، من توالد الأفكار... شاحبين من دون أحلام...غير ممسكين بطرف خيط يجعلنا نردد مع ناظم حكمت:"إذا لم احترق أنا ولم تحترق أنت ولم نحترق نحن فمن سيضيء السبيل؟"
هذا ما يحدث الآن في أروقتنا الثقافية، في المسارح وقاعات السينما و"المراكز الثقافية" ودور الثقافة والمعارض... حتى ألفنا الطريق وصادقنا شحوب الشجرة وصدقنا أن للفئران أجنحة وجموح للطيران... ويبدو أن الأمر لم يعد مجرد فعل طارئ أو محنة عابرة بقدر ما أصبح قاعدة لا استثناء بعدها...
قد نسأل ما الضرر في تقديم مسرحية أو فيلم أو افتتاح مهرجان أو معرض للكتاب بفائض جمالي ورونق احتفالي مادامت كل الشعوب الأخرى تفعل ذلك؟ فنجيب بكل بساطة بأن المشكلة لا تكمن في الاحتفالات بقدر ما تكمن في المحتوى الثقافي؟ وباتت تنخر المتن في عمقه لا حواشيه... والجواب لا نتوهمه أو نصطنعه لأننا نلمحه في انكسار الانتظارات، في انكماش الحواس، في اختناق الأفاق وخيبات الأمل المتكررة وهي تصيب المتابعين والمواكبين وجمهور "العمل الثقافي"...وهم يتنقلون من فضاء لفضاء بعضهم يتفادى الانزلاق على "قشور" المشهد المتناسلة، والبعض الأخر مثقل بالأوجاع في رحلة بحث عن أمل عساه يثقب النعش الثقافي بسهم من النور.

2009/12/11

في الاعلان العالمي لحقوق الانسان


يظل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يوافق تاريخه يوم 10 ديسمبر، رغم نواياه الحسنة، واقعا ضمن رؤية إيديولوجية أفرزتها طبيعة المرحلة التاريخية التي صدر فيها، إذ ليس لحقوق الإنسان من معنى سوى حق رجل الأعمال الغربي في التسرب إلى كل ركن من أركان العالم للسيطرة على الأسواق والاستحواذ على الثروات واستثمار مواده الأولية وتحقيق الأرباح، وهذا هو جوهر كونية حقوق الإنسان بالمفهوم البرجوازي الإمبريالي، ظاهره إنساني أممي، وباطنه طبقي استعماري.
أما إعلان حقوق المواطن في الدول العربية والذي أُقرّْ بقرار مجلس الجامعة عدد 668 بتاريخ 15 ديسمبر 1970 فقد ظل هو الآخر تنظيرا متعاليا ـ ولا يزال ـ عن الممارسة الواقعية، والعوائق تتعدد وتختلف، ويمكن حصرها في أربعة نقاط رئيسية، أولها الحلقات الاستعمارية الضاغطة، بمعنى التبعية العمياء للقوى الاستعمارية الأجنبية، ولا أقصد بهذا ضرورة الاستقواء بالأجنبي، لأن التبعية دائما ما تكون للدوائر الرأسمالية وللكمبرادورات الاقتصادية واللوبيات الاستعمارية في حين أن الاستقواء بالأجنبي هو الالتقاء الحر والواعي بالقوى الديمقراطية والتحررية في العالم من أجل ضمانة أكثر لإنسانية الإنسان.
ثاني العوائق، فقدان التجارب الميدانية، بمعنى فقدان الصيغ التي تُطرح كبدائل أو أصول للنظم الديمقراطية، وسببه أن الشرائح التي تصل إلى سدة السلطة في أي قطر من البلاد العربية ، عبر كفاحها التحريري، هي الشرائح الوسطى أو الشرائح البرجوازية الصغيرة وهي بطبيعتها متذبذبة وغير مستقرة إيديولوجيا وسياسيا، ولهذا أسقطت ـ بمجرد نيلها استقلالا صوريا ـ برامجها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية «الإصلاحية» لحساب مصالحها الطبقية وزجت بشعوبها نحو مطبات الفقر والجهل والقمع.
ثالث العوائق هو ما يمكن أن نصطلح عليه بضياع العقل العربي بين جاذبية الأصالة/التراث من ناحية وجاذبية الحداثة/العولمة من ناحية ثانية، خاصة على مستوى التأويل الديني وتحليل العلاقات الاجتماعية وإنتاج الرؤى الاستشرافية.
وآخر العوائق، وهو أهمها وأخطرها يتمثّل في الكيان الصهيوني وما استنزفه ويستنزفه من طاقات حيوية في مجالي التخطيط والعلاقات الدولية المُحتمل إقامتها بندية مع الطرف الآخر غير العربي.
هذا على مستوى ما هو نظري، أما على المستوي التطبيقي الواقعي، فان الأسباب تختلف أيضا وتتعدد، فالبنية الانثروبولوجية للدولة تتسم عموما بطابعها الحصري القائم على الإقصاء، إذ السلطة تحتكرها جماعة محددة بشكل ضيق وهي أسرية، وفي الأعم اقتصادية ( نفطية، تجارية، صناعية، خدماتية...) وهي عموما تُغَيِّبُ دور المؤسسات وتوجه برامجها إن أوجدتها لالتزامات خارجية بطبيعة الحال مثل المنظمات الحقوقية غير الحكومية بصورة خاصة. وهذا الطابع الحصري يمنع أية عملية «ارتقاء» يطرحها من هو خارج إطارها ومنظومتها ولا تقبل به إلا إذا دخل منظومتها ( مثلها مثل نظام الموالي) مما يفضي عمليا إلى دفع هذا الآخر إلى المعارضة القصــوى ( التيارات المتطرفة).
أما الحقوق والحريات الغائبة بشكل مفزع، فأهمها حرية الرأي والتعبير عنه شفاهة أو كتابة أو طباعة، وما حرية الرأي المزعومة إلا حرية الموافقة والإجماع المطلقين، وما تطور أجهزة الرقابة لدى مؤسسات الدول العربية أو تحديدا لدى الأحزاب الحاكمة إلا دليل قاطع على الانتهاك الصارخ لهذا الحق الرئيسي.
أيضا الحق في التجمع السلمي سواء أكان ذلك في أماكن مغلقة أو في فضاءات مفتوحة، إلا إذا أوحت به أو نظمته السلطات الرسمية، كذلك حق تشكيل النقابات أو الأحزاب السياسية أو الجمعيات غير الحكومية، ولا يخفى على عربي واحد التباين الفاضح بين مقرات الأحزاب المعارضة التي تشبه المحلات التجارية أو المساكن الشعبية وبين مقرات الأحزاب الحاكمة والتي تشبه النزل الفاخرة وهي المشيدة بأموال الشعب المنهوبة عنوة .
ومن أهم الحقوق الغائبة أو المغيبة كليا في المجتمعات العربية هو حق المشاركة في إدارة الحياة العامة، إما مباشرة أو عن طريق ممثلين يختارهم بحرية الرفض والقبول فقط. أما أخطر الحقوق المغيبة فعلا خاصة منذ استفحال النظام الرأسمالي وتنامي آفة الخوصصة فهو حق الشغل ــ حق الحياة، ولا داعي للتذكير بجحافل المعطلين عن الشغل وآلاف المتعاقدين مع الموت والذل في كل المؤسسات والشركات.
أعتقد أنّ هناك نقطتان مهمّتان يجب أن نضعهما في الاعتبار دائما وأبدا، الأولى تتمثّل في أنّ الدّفاع عن الحريات يعني القيام بهذا الدفاع في وجه المعتدي الحقيقي وهو لن يكون في معظم الأحيان سوى سلطة الحكم المنصبة من طرف القوى الإمبريالية، والراعية لمصالحها الاقتصادية والحضارية داخل أوطانها، والثانية هي أن نؤمن بأن كفالة الحريات وضمانتها مهمة نضالية مستمرة سواء أكان الحكم ديمقراطيا أو غير ديمقراطي، فمادامت الديمقراطية ليبرالية في عمقها فإننا لن نضمن حقوقا متساوية لكل البشر.

2009/12/09

لوحة ثقافية



عادة ما تجمعهم طاولات المقاهي والمطاعم والحانات، يؤمونها من سياقات متنوعة، الشعر الرواية، القصة، الرسم، السينما، المسرح، الموسيقى... وغالبا ما تكون موائدهم باذخة بالثرثرة واللغو، فاقدة للأفكار والمشاريع...
ينتقدون هذا ويسخرون من تلك، ويتندرون على ثالث لينتهوا بالشتم والقدح في أعراض من لم يقاسمهم خشب الطاولة وكراسيها...
لوحة سريالية لا تُرسم بالخطوط والألوان بقدر ما تُرسم بالأسى على من يؤثثون مشهدنا الثقافي، والاستثناءات قليلة جدا مثل تلك "التعديلات" التي يستحضرها الرسام بعد أن ينهي لوحة ما.
يقلبون الصحف صباحا، وفي الظهيرة يُلقون الأسماك في بطونهم، لمن استطاع إليها سبيلا، ليفضوا في الليل أختام سيد الطاولات "الماغون"... وغدا صباح جديد وصحف أخرى...
جيل يتطاوس على جيل... جيل يُقزم وينفي ويدمر ويُقصي بشراهة لا متناهية، وجيل يكابد ويتجاسر والجسر بينهما مهزوز أبدا، ولا تواصل بين الجيلين إلا بما توفر من فتات الطاولات... وما بينهما جيل يرمي خطاه هنا وهناك...
جيل يلهف الدعم حتى وان لم ينتج، يسافر إلى أصقاع الدنيا تملقا، يحوز على الجوائز قبل انطلاق المسابقات... وجيل يتسول ليصدر نصه البكر أو فيلمه الأول أو يقيم معرضا للوحاته... جيل لا يسمع بالملتقيات والندوات والمهرجانات إلا بعد انقضائها... وما بينهما جيل يغمس حبره تارة بالأسود وطورا بالأبيض...
جيل صرنا نخشى أن نفتح يوما ما حنفية الحمام فتندفع من حلقها، قبل الماء، ذات الأسماء ونفس الوجوه... وجيل يولد ويموت وكأنه لم يكن أبدا... وما بينهما جيل ينوس ذات اليمين وذات اليسار...
جيل تقاعد "إبداعيا" فبات يستثمر اسمه ليستأثر بكل شيء... وجيل سيخفت بريقه لشده ما ضاق به السياق... وما بينهما جيل يتهافت هنا وهناك...
جيل يعتبر نفسه المتن وما سواه هامش... وجيل ينخره السوس لشدة ما هُمش... وما بينهما جيل يتأرجح على الحبلين...
لئن تُعرف الشجرة من ثمارها فإن ثمار شجرتنا تبزغ من بين الأوراق في عتمة شديدة التعفن، ولا تُنبئ بسلة "طازجة" في ظل تناسل أكوام الثمار الفاسدة، وتأبيد استمرارها لكأنها باتت القاعدة التي لا شذوذ عنها...
هكذا سنظل نردد أغنية تبتعد كلماتها عنا... ولا نعرف حدود الصوت من الصدى...مادامت أجيالنا الثقافية تُباعد المسافة فيما بينها... وترفع الحواجز...

2009/11/30

أرضُ الخرفَان



انقضت صباحات عيد الأضحى ومساءاته أيضا، وانتهت لحوم الخرفان المذبوحة في بطون الكبار والصغار بمذاقاتها المختلفة، مشوية ومقلية ومطهية... ونامت بطاقات المعايدة الورقية، إن مازالت، في ظلمة أدراج مكاتبنا في حين انتهت المعايدات الإلكترونية إلى سلة المهملات الافتراضية، كما هدأ ضجيج الهواتف الجوالة، ومحركات السيارت خمدت وتقلصت قبلات التهاني... وكل السلوكيات الاجتماعية التي لا نأتيها إلا في مناسبة عيد الأضحى انتهت... أو تبدو انتهت...
تبدو أنها انتهت بعد أن عادت الحركة الطبيعية إلى وتيرتها اليومية، بين الإدارات والمدارس والكليات والطرقات والمتاجر وغيرها من فضاءات دواليب الدولة، غير أن رائحة عيد الأضحى ما تزال عالقة بأرضنا، منتشرة هنا وهناك، نلمحها في الدماء المتخثرة فوق التراب وأمام العمارات، وفي أكداس التبن المتكومة في قلب العاصمة، وفي الروائح العطنة المتطاولة على ما ألفته أنوفنا من دبق المدينة...
في المدن الغربية، المتحضرة طبعا، توفر أجهزة الدولة للمسلمين المتواجدين بأرضها مذابح خاصة يقوم فيها الجزارون المختصون بذبح الأضاحي وسلخها وتقطيعها وفقا للطريقة "الإسلامية" في الذبح بأسعار رمزية، ويتم التصرف في فضلات الأضاحي وأوساخها بطريقة صحية وفي أماكن مخصوصة ومعدة سلفا للغرض، فلا تبقى لا أثار الدماء ولا التبن ولا الروائح العفنة، وكأن شيء لم يكن، وتظل المدن مزهوة في أناقتها المعمارية ومتبرجة في روائح حدائقها الجميلة وتسير الحياة بنسقها الحر...
قد يكون هذا مطلبا مبالغا فيه أن نقتفي أثرهم في الاحتفال بعيد الأضحى، ولكنه ليس بالمستحيل، والأهم، طبعا للمسلمين، أنه لا يتعارض مع الشرائع السماوية والتعاليم الدينية، فما الذي ينقصنا نحن لنؤثث لمواسمنا الدينية بشكل حضاري يواكب عصرنا؟ ومتى ننسى أننا بدو وأننا لا نستطيب العيش إلا في المغاور والجبال رغم أننا نوزع خطواتنا أمام المباني الشاهقة ونقضي أيامنا داخل المكاتب الوثيرة ونستعمل الأنترنات والهواتف الجوالة؟
أكتشف، ككل عيد أضحى، أن الكل يتساوى في "الانحطاط الحضاري"، المتعلم والأمي، الغني والفقير، فكلاهما يُصاب بأزمة ضمير إن لم يسمع الخروف "يبعبع" في بيته، وكلاهما يُصاب بالخجل إن لم "يسيح" الدم أمام عتبة بيته، وأيضا أمام العمارة التي يسكن بأحد شققها ولا يهمه في باقي المتساكنين، وكلاهما يُصاب بإحباط إن لم يحمل رأس خروفه وسيقانه لأحد الأطفال المنتصبين على الطرقات العامة، لتنظيفها وترك بقايا الصوف على قارعة الطريق العام؟؟؟؟
أتأكد، كل عيد أضحى، أننا شعوب تفكر ببطنها دائما، وتسترسل في تهجين نفسها بما ملكت من قدرة على ذلك ممعنة في سقوطها الصاروخي وهبوطها المخجل إلى أرض الخرفان أو ما شابهها من الدواب المنهمكة في حياتها القطيعية.

2009/11/23

شعوب الأقدام

نجحت الكرة في أن تكون المشروع الوطني العربي الأول، كما نجحت في تحويل وجهة الأزمات العربية من أزمات بين الحكومات إلى أزمات بين الشعوب، بعد الأزمة المستمرة إلى ألان بين الجزائر والقاهرة بسبب تصفيات كأس العالم لكرة القدم التي فاز ببطاقتها المنتخب الجزائري في مباراة فاصلة في السودان.
واخذ المنحى العدائي البغيض من كل طرف ضد الآخر وبوجه عنصري قبيح يتصاعد، وسط اتهامات متبادلة باستهداف جاليتي البلدين في كل من الجزائر ومصر بسبب التعبئة الإعلامية المنظمة المنتهجة من قبل "منابر الفتنة" المرئية والمسموعة والمكتوبة والالكترونية من الجهتين، وذكر كل طرف الآخر بشكل هجين أن إسرائيل هزمت مصر في حرب الأيام الستة وأن فرنسا حولت الجزائريين إلى عبيد...
وبسبب مبارة قدم هاجم مصريون سفارة الجزائر في القاهرة، واستمرار تبادل الاتهامات على مستويات عالية بين مسؤولي البلدين، وأعلن نقيب الموسيقيين المصريين أنه قرر منع المطربين المصريين من الغناء في الجزائر ووقف إصدار تصاريح للمطربين الجزائريين للغناء فى مصر وقطع العلاقات الموسيقية المصرية ـ الجزائرية، كما قرر رفع دعوى قضائية ضد رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم ورفع دعوى قضائية أيضا ضد السفير الجزائري في القاهرة للسبب ذاته.
كما دعا رئيس اتحاد النقابات الفنية المصرية، الممثلين والسينمائيين والموسيقيين، إلى عدم إشراك الفنانين الجزائريين في الأعمال الفنية داخل مصر، مثلما هدد الاتحاد المصري لكرة القدم بوقف النشاط الرياضي لمدة عامين، كما تبادل وزراء البلدين الاتهامات وبلغ الأمر حد سحب السفراء وتدخلت الجامعة العربية لتهدئة الأمور غير أنها فشلت، كعادتها، في شؤون العرب...
وعلى الضفة المقابلة ذهب بعض الإعلاميين "الإسرائيليين" إلى التعبير عن سعادتهم في خلاف البلدين العربيين، متمنين "مباراة" من هذا النوع بين حركتي "فتح" و"حماس"، كما وصفت إحدى القنوات "الإسرائيلية"، مباراة إيران والأردن وهي مباراة جرت في نفس يوم مباراة الجزائر ومصر وانتهت بفوز الإيرانيين بهدف يتيم. ووصفتها بأنها "مباراة بين السنة والشيعة". وتساءل أحد "الإسرائيليين" بشكل ساخر قائلا:"أي عقلية حمقاء هذه؟ بدل أن تطعموا شعوبكم تقومون بإرسالهم إلى الملاعب؟."
من هذا التعليق الساخر نقف على حجم المهانة التي تُلحقُ بأمة كاملة بسبب مبارة كرة قدم، ونقف فعلا على سبب تخلفنا الذي لم يمكنا حتى من إدارة أزمة عابرة اندلعت فوق ملعب لتدك أركان دولتين وتهتك هيبتهما المفترضة، وهذا في تقديري أمر طبيعي، ولم استغربه مطلقا لأن أنظمتنا بحجم الأحذية، لا تعلي من شأن العقل المفكر والمبدع لتثبت ذاتها بقدر ما تعول على الأقدام القذرة لتأبيد التخلف والتردي الاقتصادي والأمني والإنساني... مستمرة في استغباء شعوبها بشكل بات مفضوحا...
إني لن اخجل من أن ضم صوتي واصرخ عاليا إلى متى سنظل كالخنازير نلهج في الملاعب ونحن جوعى، جوعى للحرية والديمقراطية والثقافة وجوعى للأكل؟؟؟
هل ستتحصل الجزائر على كاس العالم؟ وهل ستحصل عليه مصر لو فازت في مباراة الجهل الأخيرة؟ لا أظن ذلك مطلقا، ولكن أظن أن ما أججته التسعون دقيقة بين البلدين سيكون فرصة مهمة لإلهاء الشعبين، وكل الشعوب العربية، عن البؤس المعمم والخراب الدائم الذي يسبح فيه مئات الملايين العرب.

2009/11/06

صاحب السلوان، قاذف المنجنيقات



جاء من "مدينة التدقيق والتحقيق" أو "مدينة المطلقين"، قفصة، ذات مارس من سنة 1953 ليدق عنق الفلسفة في كلية 9 أفريل ويطلق منها، وهو طالب بعدُ، كتابه الأكثر مبيعا "ما الفلسفة" سنة 1987 ثم يجترح بعده "ما الثقافة" و"الثقافة والجنسوية الثقافية" و"الجراحات والمدارات" حتى لقبته جريدة "لوموند" الدولية بفيلسوف الصحراء...
كانت كتبه تلك، وهي تدور في فلك الفلسفات مغربا ومشرقا، تتوهج مصطلحاتها وحكمها بصور الكلام العالي ومفردات المجاز المفرط في شعريته لتقوده نحو "كتاب السلوان والمنجنيقات" و"ديلانو شقيق الورد" ليثبت أن فيلسوف الصحراء هو أيضا شاعر الوجع الأممي... بعد أن "كسرته الدنيا"... مثلما يتكسر الطيران في بعض الأجنحة...
مثل العطر، سال حبره من الفلسفة، من "زهرة العصور ووردة المدن" إلى الشعر "زهرة الصحاري ووردة الرمل"... متأبطا بصيرة أبو العلاء المعري وطه حسين في دربه الحبري...
فيلسوف الصحراء، شاعر الوجع الأممي هو الكاتب الحر سليم دولة الذي أعاد منذ أسابيع قليلة نشر "كتاب السلوان والمنجنيقات" إمعانا منه في "تكسير أجمل ما في الدنيا وفتح أختامها وتقبيل أصابعها عضا..."، وهو "مكتوب" مُرسل رأسا إلى سامي الأزهر دولة في ضريحه الوطني، والى "صدام حسين المجيد" في شرفة شهداء الحرية وهما يطلان على "المتوغلين في الاحتفال بسفك الدماء"...
مكتوب السلوان "المصمق بالحبر والدماء والدموع والعرق وأشياء أخرى" مرفوع أيضا في بعض من أوجاعه إلى كل من "الفنان الفرنسي الفوضوي الرائع ليو فيري" والى "الشاعر كليم نفسه" و"إلى الذين أشاعوا" موت الدولة في سليم و"نعوه" وأيضا إلى "قدامة ابن جعفر الكاتب البغدادي" أنيس عزلة سليم وحصنه وصخرته في محنه المتناسلة، وكذلك إلى "صاحب كتاب المتاهات والتلاشي محمد لطفي اليوسفي"، و إلى "درة سليلة الروح" والى "الحكيم القفصي عبد الحميد الزاهي" والى "صاحب مملكة السنبلة عبد الوهاب البياتي الشاعر العراقي" والى "صاحب كتاب الجراحات والمدارات، إلى سليم دائما ودولة أحيانا" والى الشاعر عبد الوهاب الملوح وعبد القادر خليفة وطارق الصغيري...
لم أجد ابلغ من وصف سليم دولة ذاته لكتاب "السلوان والمنجنيقات" في الصفحة 90 منه عندما كتب ما يلي:
"هذا المكتوب المصمقُ في
حب الفقراء...
وكراهية الملوك والسلاطين والأمراء
ومن في هذا السياق من أعداء الأمة..."
أكتفي بهذا المقطع الشعري لأن الكتب الجيدة لا تترك لنا مجالا للكتابة عنها مثلما نشتهي، ولا تمنحنا القدرة على التماسك في تحبير جمل فضفاضة بتقنيات باهتة في محاولة للإيهام بفتح مستغلاقاتها أو الاقتراب من الأرض التي يقف عليها كاتبها... والمهمة تزداد عسرا عندما يكون النص شعرا، وتتضاعف أكثر عندما يكون كاتب الشعر سليم دولة...

2009/10/26

برج الرومي



كثيرة جدا هي الحكايات التي سمعتها من مساجين الرأي بسجن الناظور ببنزرت المعروف ببرج الرومي، وكثيرة جدا هي الكتابات التي قرأتها عن هذا السجن، وعن مغامرات وعذابات المساجين الذين مروا بزنازينه و"بلواراته" وساحاته، وآخر ما قرأته في هذا السياق كتاب فتحي بالحاج يحي وكتاب جلبار النقاش.
ولئن سبق لي أن جالست العديد من مساجين الرأي الذين مروا ببرج الرومي، فان فرصة الذهاب إلى تلك القلعة المنتصبة على أطراف مدينة بنزرت لم تتوفر لي إلا منذ أسبوعين تقريبا.
أوصلت صديقا، بالسيارة، لزيارة أحد منوبيه، وبقيت خارج أسوار السجن انتظره زهاء الساعة والنصف ساعة، كانت كافية بالنسبة لي لأكتب هذه البطاقة الأسبوعية وأرصد ضمنها بعض الملاحظات "العابرة" و"الخارجية" عن هذا المبنى المغلق على المساجين.
الطريق الجبلية الموصلة إلى السجن، أقل ما يقال عنها أنها سيئة ورديئة. تعرجاتها كثيرة وحفرها أكثر، وهي ضيقة جدا، رغم أن الحافلات الجهوية تعبرها، وحركة السيارات لا تهدأ فوق اسفلتها المهترئ، كما أن الإشارات الدالة على برج الرومي غير متوفرة بالشكل الذي يساعد الزوار على معرفة الطريق بيسر، خاصة وأن أغلب الزوار، على ما أظن، يتوافدون من مختلف الجهات.
أمام مدخلي السجن، أين يقبع الزوار، وأغلبهم من النساء، وتحديدا الزوجات والأمهات، حيث يقبعن إلى جانب قفافهن، فوق الحجر المتناثر تحت الأشجار المنتصبة أمام السجن.
المساحة الممتدة أمام السجن، تتناثر أمامها أكداس الرمل والأتربة والأسلاك الشائكة، فضلا عن الفضلات المتناثرة هنا وهناك ينبشها الدجاج يمنة ويسرة وتحوم فوقها جحافل الذباب، فلا يجد بها الزائر مكانا محترما يقضي فيه مدة انتظار دوره للزيارة التي قد تطول لأكثر من ساعة، ولكم أن تتصوروا وضعيه النساء المنتظرات تحت المطر في الشتاء أو تحت لهيب أشعة الشمس في أيام الصيف... كما أن السيارات الرابضة أمام برج الرومي تعطل حركة الطريق باعتبار أنها تقف عشوائيا على جانبي الطريق.
اعتقد أن بناء موقف للسيارات أمام السجن أمر ضروري وعاجل، وكذلك تخصيص مكان لائق بالزوار وزائرات المساجين أمر ضروري وعاجل أيضا، وأظن انه لن يكلف بلدية بنزرت، أو إدارة السجن عناء كبيرا، خاصة إذا ما تم تكليف المساجين بتنظيف المساحة الممتدة أمام السجن وبناء مأوى للسيارات وثان للزوار ومدرج موصل لباب السجن، ولمَ لا بناء مقهى أو مشربة مثلا، ينتظر فيها المرافقون للزائرين، مثلي، وتكون عائداتها لحساب إدارة السجن...
ملاحظات قد تكون عابرة وشكلية، ولكن اعتقد أنها ضرورية ولا تكلف الكثير، بل إنها ستعطي صورة جيدة لإدارة السجن، سجن برج الرومي... ولكي لا تكون حالة الانتظار سجنا ثان ترتفع أسواره النفسية والجسدية أعلى من جدران الاسمنت المسلح...