2012/02/18
المغرب الكبير:وحدة الشعوب ابقى من وحدة الحكومات
حجاب الورع يخنق تونس الجديدة
2012/02/17
الداعية المتشدد وجدي غنيم: غير مرغوب فيك بيننا
2012/02/16
رائد حركة آفاق اليسارية محمد بن جنات يوارى التراب
وزير الثقافة وشرطة الأخلاق
2012/02/09
اللقاء السنوي للمسرحيين الشبان بالتياترو: ايه في أمل
2012/02/06
حوار مع الأستاذ خالد الكريشي الناطق الرسمي لحركة الشعب الوحدوية التقدمية بتونس
2012/02/01
من السجن الصغير إلى السجن الكبير
بين الغنوشي وصحفي إسرائيلي: من صدق من؟!
وقبل التصريح المنسوب لزعيم النهضة أثارت مشاركة راشد الغنوشي في هذا المنتدى (رفقة ابنه معاذ) جدلا واسعا في تونس حول الصفة التي يشارك بها، باعتباره لا يشغل أي منصب حكومي، في حين أن وزير المالية التونسي السيد حسين الديماسي لم يكن ضمن الوفد المشارك في المنتدى.
التصريح الأخير لراشد الغنوشي الذي قال فيه "أن مستقبل العلاقات بين تونس وإسرائيل مرتهن بحل القضية الفلسطينية" مازال يتراوح بين التأكيد والنفي، ففي الوقت الذي نفى فيه السيد نجيب الغربي المسؤول عن قسم الإعلام بحركة النهضة وعضو هيئتها التأسيسية، أن يكون الغنوشي قد خص إذاعة "صوت إسرائيل" بأي تصريح، وأن ما قام به هو تنظيم ندوة صحفية حضرها عدد كبير من الإعلاميين للتعريف بالثورة التونسية وبالتحديات الاقتصادية التي تواجهها تونس والفرص التي يمكن أن تدفع عجلة الاستثمار خاصة من طرف الاتحاد الأوروبي، وفي نفس الوقت اتصلت إحدى الإذاعات الخاصة في تونس (موازييك أف أم) يوم الثلاثاء 31 كانون الثاني بالصحفي الإسرائيلي "غيديون كيتس" للتأكد من صحة الخبر فأفاد لصحفي الإذاعة التونسية شاكر بسباس بأنه بالفعل قد أخذ تصريحا وبث مباشرة من طرف السيد راشد الغنوشي بعد أن عرفه بنفسه وبالمؤسسة الإعلامية التي يعمل لصالحها والمرسوم شعارها على شارة الدخول (إذاعة صوت إسرائيل).
وقد تتالت ردود الفعل الشاجبة لهذا التصريح، خاصة بعد الاتصال بالصحفي الإسرائيلي، حيث استنكر قياديون في الحزب الديمقراطي التقدمي هذا التصريح معتبرين أنه مدخل للتطبيع مع الكيان الصهيوني خاصة وأن راشد الغنوشي علم بجنسية الصحفي وبالإذاعة التي يعمل لصالحها.
راشد الغنوشي سبق له أن صرح لمجلة "ويكيلي ستاندار" الأمريكية أن الدستور التونسي الجديد لن يتضمن "أية مواد تدين الكيان الصهيوني" وأن الوثيقة التي أمضتها عدة أحزاب وجمعيات وشخصيات سياسية ومدنية وحقوقية في مجلس حماية الثورة، قبل انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، والتي تجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني، هي وثيقة لا معنى لها؟ وهذا التصريح السابق يستند إليه اليوم العديد من المحللين السياسيين والأحزاب في إدانة التصريح الأخير للغنوشي في دافوس بسويسرا.
يُذكر أن راشد الغنوشي لم يدل لأول مرة بمثل هذه التصريحات المثيرة للجدل، لعل أبرزها تلك التي وجهها قبل ظهور نتائج انتخابات المجلس التأسيسي والتي "هدد" فيها بإنزال مناصريه إلى الشارع إذا ما تم تزييف الانتخابات، أو تلك التي دعا فيها إلى غلق السفارة السورية بتونس وطرد سفيرها، أو تلك التي صرح بها في واشنطن عندما قال أن المملكة العربية السعودية "مهددة" بثورات الربيع العربي، هذا فضلا عن تصريحاته التي أدانتها فرنسا بسبب عدائه للغة فولتير.
2012/01/31
حزب التكتل يتفكك

مثلت الأحداث الأخيرة في تونس من انتهاك واضح للحريات العامة والفردية ومن تخطيط ممنهج لضرب حرية الإعلام واستقلاليته والانزياح بالمطالب الجوهرية التي قامت من أجلها الثورة التونسية إلى متاهات ثانوية، فضلا عن ارتباك العمل الحكومي، مثلت فرصة لتقارب العديد من الأحزاب الوسطية الإصلاحية والحداثية، وقد دخلت العديد من الأحزاب والشخصيات السياسية في الخطوات العملية لإعداد أرضية فكرية وسياسية تكون بمثابة بديل سياسي وشعبي قوي ومتماسك خاصة بعد البيان الذي أصدره الباجي قائد السبسي رئيس الحكومة السابق منذ أيام قليلة، وكذلك توقيع وثيقة تحالف بين 13 حزبا تحت تسمية الحزب الوطني، ولعل المسيرة الحاشدة (أكثر من 10 آلاف مشارك) التي انتظمت يوم السبت 28 كانون الثاني بتونس العاصمة خير دليل على مدى جدية التقارب السياسي بين هذه الأحزاب، وبالمقابل تشهد بعض الأحزاب في تونس حالة من التفكك التي تنذر باندثارها ولعل حزب التكتل من اجل العمل والحريات أفضل مثال على ذلك.
حزب التكتل من اجل العمل والحريات، الطرف الثالث، إلى جانب حركة النهضة والمؤتمر من اجل الجمهورية، فيما يعرف بالترويكا في تونس، أي التحالف الثلاثي الأغلبي في المجلس التأسيسي، هو حزب تأسس سنة 1994 وعُرف برؤيته التقدمية وبدفاع مناضليه عن قيم الجمهورية الثانية وبناء مجتمع المواطنة، غير أن دخوله في التحالف الثلاثي ورئاسة مؤسسه، السيد مصطفى بن جعفر، للمجلس التأسيسي الوطني ومشاركة بعض كوادره في الحكومة الائتلافية، مهدت لبروز هوة عميقة داخل الحزب بدأت تتعمق في الأيام القليلة الماضية من خلال تتالي قوائم المستقيلين من هياكل الحزب، حتى أن البعض من المتابعين للشأن السياسي يرون في إمكانية اندثار الحزب من الخارطة السياسية إمكانية واردة جدا.
ولئن ظلت وسائل الإعلام التونسية تُرجع أسباب هذه الانسحابات إلى الضغط الذي يمارسه احد ابرز قيادات الحزب، السيد خميس قسيلة، على المناضلين والمنخرطين في الحزب، مستندين في ذلك إلى تصريحات الناطق الرسمي باسم الحزب السيد أحمد بنور، فان التصدعات التي ضربت بقوة هذا الحزب تعود إلى أسباب أكثر عمق من حرب إعلامية ثنائية بين رجلين، وهي أسباب أجملها المستقيلون في بيان لهم والمتمثلة أساسا في فشل قيادة الحزب في إدارة المرحلة وانعدام الديمقراطية داخل الحزب واستعمال القيادة لأسلوب فوقي في التعامل مع المناضلين، وإقصاء كوادر الحزب من الإدلاء بآرائهم في المسائل الجوهرية التي تهم الحزب والوضع العام للبلاد.
المستقيلون من الحزب، وخاصة في الدوائر المركزية مثل تونس وأريانة وبنعروس والذين يعدون بالمئات، وجهوا أصابع الاتهام مباشرة إلى قيادة الحزب باعتبارها تسببت في "انحراف الخط الرسمي للتكتل عن المبادئ والقيم الأصلية التي دفعت بفئات واسعة للانخراط صلب هذا الحزب."
وقد اعتبر المستقيلون أن "الصمت الغريب" لزعيم الحزب السيد مصطفي بن جعفر، رئيس المجلس التأسيسي الوطني، بعد تصريح نائب حركة النهضة وابرز قيادييها الصادق شورو بالمجلس ودعوته الصريحة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية لإنهاء الاعتصامات والاحتجاجات، هي القطرة التي أفاضت الكأس، فرغم الانتقادات الواسعة من قبل الحقوقيين والسياسيين والمثقفين والإعلاميين والمواطنين العاديين لهذا التصريح، ورغم أن حركة النهضة ذاتها نأت بنفسها عن هذا التصريح نافية أن تكون الشريعة الإسلامية على أجندة الحركة، فان السيد مصطفى بن جعفر لزم الصمت ولم يبدي ساكنا أمام هذا التصريح، مما دفع ببعض مناضلي حزب التكتل إلى رفع شعار "شورو يدعو إلى القتل وبن جعفر يقول شكرا" في المسيرة التي انتظمت نهاية الأسبوع المنقضي، والتي لم يشارك فيها حزب التكتل بصفة رسمية.
ولعل تصريح كاتب عام إحدى فروع التكتل، السيد الطيب العقيلي، بعد استقالته منذ يومين فقط، بقوله حرفيا "الاستقالات ستتوالى وستطوى صفحة التكتل نهائيا كحزب وطني كبير" فيه الكثير من النظر للمستقبل القريب لهذا الحزب، خاصة أن تصريحات الناطق الرسمي للتكتل، السيد احمد بالنور، تتسم بالهشاشة وبالدوران في نفس الحلقة، إذ انه يرى أن غياب التواصل بين القيادة والقواعد تعود حسب رأيه إلى أن "الحزب دون إمكانيات مادية تذكر واغلب قياداته غير متفرغين للعمل الحزبي بل لهم التزامات مهنية وعائلية"!!!
التصدعات التي يواجهها حزب التكتل من اجل الجمهورية اليوم، لا تقتصر عليه فقط بل هي طالت حزب المؤتمر من اجل الجمهورية، الطرف الثاني في التحالف الثلاثي والذي أسسه رئيس الجمهورية المؤقت السيد المنصف المرزوقي، فهذا الحزب أيضا تشقه صراعات بين شق أمينه العام المؤقت حاليا السيد عبد الرؤوف العيادي والشق المحسوب على السيد الطاهر هميلة احد ابرز قياديي الحزب، ويرى العديد من الملاحظين في تونس أن حزبي التكتل والمؤتمر أصبحا جزءا من حركة النهضة تتحكم فيهما وفق توجهاتها ورؤيتها لطبيعة الحكم في تونس، غير أن هناك الكثير من المؤشرات أيضا على بوادر تصدع داخل الحركة ذاتها بين الشق المتشدد والشق المعتدل وهو ما ستكشفه الأشهر القادمة في مؤتمر الحركة.
2012/01/30
فيلم "ينو بابا" لجيلاني السعدي: عندما تفقد الكاميرا حركتها والسيناريو شاعريته
هذه المسلمة أو البديهية يمكن أن نسحبها على "السينمائي" التونسي الجيلاني السعدي بعد مشاهدة آخر انتاجاته السينمائية ونعني به الفيلم الروائي الطويل "وينو بابا" (أين أبي؟) الذي عرض لأول مرة مساء الاثنين 16 جانفي 2012 بقاعة المونديال .
الفيلم الذي سبقته حملة إعلامية كبيرة لترويجه لم يكن في مستوى انتظارات الإعلاميين الذين خصهم المخرج الجيلاني السعدي بأول عرض إلى جانب حضور عدد مهم من أبطال عمله، فهذا المنجز السينمائي الذي يُعرض سنة 2012، أي سنة بعد الثورة التونسية، لم يرق إلى الحد الادني لا في مستوى معالجة الفكرة المُراد إيصاله ولا في مستوى شكل تقديمها سينمائيا (التصوير والإضاءة والموسيقى...).
"وينو بابا" الذي يأتي بعد فيلمين للمخرج الجيلاني السعدي هما "خرمة" و"عرس الذيب" يواصل من خلاله المخرج معالجة نفس الواقع الاجتماعي للمهمشين والملفوظين على قارعة الحياة، محاولا كتابة تفاصيلهم اليومية بعدسته وبلغته السينمائية التي تجتهد في أن تكون شبيهة بموضوعها من حيث حركتها وزاوية التقاطها الصورة وتوزيع الضوء على المساحات المقتنصة.
فهذا الشريط الذي كتبه الجيلاني السعدي على غرار الأعمال السابقة، هو من صنف الكوميديا السوداء، والذي يجمع بين جمال المداني في دور "حليم" وبوراوية مرزوق في دور "خيرة" وميلة بن يوسف في دور "أنس" وكل من محرز قلوز ومهى بوعفيف وحاشد ازموري وخالد قسمي وهادي هذيلي وحبيب أفلي، في حين أن الشخصية التي يحيل عليها عنوان الفيلم، أي الأب، جسدها صوتا الممثل محمد قريع، باعتبارها شخصية حاضرة بالغياب، هذا الشريط يصوّر حياة أرملة اسمها "خيرة" ابنها الذي تجاوز الأربعين دون زواج اسمه "حليم" تعيش من أجل تحقيق حلم تزويج ابنها من "أنس"، غير أن طبيعة الشخصية المحورية، باعتبارها متمردة ورافضة لرتابة الواقع، تأبى أن تنصاع إلى مؤسسة الزواج ظاهريا وتستمر في تأثيث أيامها بالتفاصيل التي اختارتها وهي أساسا الاستماع إلى أغاني عبد الحليم حافظ وزيارة والده في المقبرة والالتقاء بأصدقاء الشارع من المهمشين مثلها، وتمعن شخصية حليم في الانغماس عميقا في عالم اللانظام بعد أن ترفض زوجته المحتملة حضور حفلة زواجها مما يدفع "حليم" إلى أن يعتكف في منزله لبضعة أيام ثمّ يقرّر اعتزال الحياة الاجتماعية والانضمام لجماعة من المُـهـمّـشين، ثم تتطور أحداث السيناريو بعد أن تتم معاقبة "انس" من قبل أهلها لكنها تنجح في الفرار لكي تتسكع في المدينة على غير هدًى حتى تلتقي مع حليم فيواصلا سوية حياة الـتّـيـه.
نلاحظ من خلال سيناريو الفيلم أن هذا المنجز السينمائي يُبشر المتقبل بالتحول من السؤال السوسيولوجي للآخر المختلف، إلى السؤال السيميولوجي الذي تتحرك ضمنه مدلولات الصورة بالدرجة الأولى عبر خصوصية التعبير السينمائي، غير أن مخرج الفيلم الجيلاني السعدي يبدو أنه فَقَدَ القدرة على التحكم في حركة الكاميرا بعد أن فقد نسق السيناريو توهجه الأول وسقط في الرتابة المشهدية من ناحية وفي بساطة النص الملفوظ من ناحية أخرى، مما أربك باقي العناصر السينمائية، خاصة منها لعبة الضوء وتوزيع المشاهد وترتيبها، بل ان الديكور لم يسلم من الأخطاء الفادحة في اختياره وترتيبه.
كما أن إطالة العديد من المشاهد أثرت سلبا على وتيرة الفيلم، مما يجعل المتقبل يغرق في دقائق طويلة من الزمن الميت الذي لا يخدم نسق الأحداث بقدر ما يجعلها متقطعة ومتباعدة، هذا فضلا على الإقحام المجاني "لترسانة" من المفردات الجنسية التي لم ترفد شعرية النص المفترض أن تكون متوفرة، بل إن هذه المفردات التي يتوفر عليها معجم الهامشيين، جاءت مُسقطة بشكل عشوائي ومُبالغ فيها إلى جانب المشاهد المحيلة على عالم الجنس، فرغم أن حياة المهمشين تقوم في جانب كبير على الفعل الجنسي باعتبار فائض الكبت الذي يسور حياتهم، فان مخرج الفيلم لم يحسن توظيف تلك المشاهد فقدمها على عواهنها دون إدماجها بشكل فني تمحي فيه حدود الأخلاقي والفني، وهو ما قد يفتح مجالا واسعا لبعض الأطراف السياسية (خاصة منها اليمينة ذات المرجعيات الدينية) لشن "حرب" على هذا الفيلم وعلى السينما التونسية عموما باعتبار أن منظورهم لا يخرج عن السياق الأخلاقي والتأويل القيمي لأي عمل فني.
من خلال المشاهدة الأولى لهذا الفيلم، ومقارنة بالفيلمين السابقين لجيلاني السعدي، "خرمة" و"عرس الذيب"، يمكننا القول بأن هذا المخرج قد تراجع بشكل كبير في مستوى كتابة السيناريو وفي مستوى حركة الكاميرا، رغم أنه لم يخرج من السياق العام الذي اختاره، أي عالم الهامشي والمهمشين، وهذا الرأي اجتمع عليه عدد كبير من الإعلاميين الذين شاهدوا العرض الأول واعتبروا أن الفيلم لا يدخل إلا ضمن التراكم الكمي لا أكثر ولا أقل، وهو ما لم يعد يرضي انتظارات المشاهد التونسي خاصة بعد الثورة التي صنعها والتي ينتظر أن تلحقها ثورة حقيقة في عالم الثقافة والإبداع.
2012/01/26
من الضحية الى الجلاد
ثم تواصلت نفس الطريقة مع النظام النوفمبري، بعد الانقلاب الذي حصل على بورقيبة ليلة السابع من نوفمبر 1987، فبعد أن ثبت بن علي نفسه في سدة الحكم، وبعد عامين فقط، أبان عن وجهه القمعي والسلطوي، فشرع في تقسيم الشعب التونسي إلى صنفين، صنف وطني وثان عميل يتآمر على امن الدولة واستقرارها ويستقوي عليها بالأجنبي، فتكررت نفس الأساليب لقمع أي رأي مخالف وتتالت المحاكمات الجائرة والسجن والملاحقات والمداهمات خاصة للنقابيين ولليساريين والإسلاميين والطلبة، وتجندت الآلة الإعلامية لتأبيد سياسة التفريق بين الشعب الواحد، بعد أن أحكم البوليس قبضته الأمنية وحاصر سدنة النظام السابق من رأسماليين الشعب التونسي بالقروض...
اليوم، وبعد أن أطاح نفس الشعب برأس الدكتاتورية، وخال نفسه أنه على درب استكمال الإطاحة ببقاياها على أمل تأسيس جمهورية مدنية تمنحه شروط مواطنته وتوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ها هو يلفي نفسه وجها لوجه مع تقسيم جديد هو الأكثر خطورة والأشد بؤسا مقارنة بما سبق، فإلى جانب تقسيم الشعب التونسي بعد 14 جانفي إلى شق وطني وثان خائن، ظهر التقسيم الجديد القديم، ذاك الذي يصنف الشعب الواحد إلى جزء مؤمن وجزء كافر، فأما المؤمن فهو ذاك الذي وافق ويوافق ويدافع بشراسة واستماتة لا متناهية عن مسار الحكومة المؤقتة، التي رغم نواياها الحسنة فان المؤشرات الأولية لبرنامجها تدعو إلى الحيرة والاستغراب (ارتباك في القرارات، اتهامات مجانية، استضافات لا مبرر لها، قروض عشوائية، وعيد وتهديد، تراجع في الخطاب...).
وأما الكفار من هذا الشعب، فهم العمال الذين نفذ صبرهم من وعود طال أجلها، وهم الإعلاميون الذين يريدون أن يفتكوا ما أمكنهم من هامش الحرية والاستقلالية، وهم الطلبة والأساتذة الذين يدافعون عن حصون كلياتهم وجامعاتهم، وهم النقابيون المستميتون في دفاعهم عن حقوق العمال، وهم القضاة والمحامين المطالبين بتطهير إدارتهم من الفاسدين، وهم المواطنين والمواطنات المدافعين والمدافعات عن حرية معتقداتهم...
ولئن كان الطرف الذي يسعى لتقسيم البلاد في الآونة الأخير غير معلوم بدرجة كافية لعموم الناس، فان الأحداث الأخيرة التي جدت بالبلاد كشفت "النقاب" عن ملامح هذا الطرف، وصار معلوما لنا وللحكومة، ولئن تواصل كل الأطراف "المتضررة" نضالها ورفضها لهذا التقسيم القروسطي، فان الحكومة مازالت تتلكأ في موقفها وفي وضع حد لهذه الأفعال التي لا يمكن تصنيفها إلا ضمن مسار إعادة إنتاج الدكتاتورية، وهنا لا يمكننا إلا أن نسأل الحكومة المؤقتة عن نواياها الحقيقية بين القطع مع منظومة الاستبداد أو التمهيد لتأبيدها وتكريرها؟.
ولو فرضنا أن هناك من يستبطن القمع فهل يعني هذا أن من كان ضحية بالأمس سيصير اليوم جلادا؟؟
2012/01/24
التحالفات السياسية في تونس قبل الانتخابات وبعدها: من الميكيافلية الانتخابية إلى فوبيا حركة النهضة
القطب الديمقراطي الحداثي الذي جمع كل من حركة التجديد والحزب الاشتراكي اليساري والحزب الجمهوري وصوت الوسط وشخصيات مستقلة سياسية وحقوقية وفنية خاصة منهم السينمائيين مثل النوري بوزيد ومنى نور الدين وإبراهيم لطيف وسلمى بكار والمنصف ذويب.
الائتلاف الديمقراطي المستقل الذي جمع بين عبد الفتاح مورو احد مؤسسي الاتجاه الإسلامي بتونس ثم حركة النهضة وثلة من الشخصيات المعروفة مثل مصطفى الفيلالي وحمودة بن سلامة وصلاح الدين الجورشي وعدد من الأحزاب ذات التوجه الإسلامي على غرار حزب التحالف الوطني للسلم والنماء لصاحبه رجل الأعمال اسكندر الرقيق وحركة اللقاء الديمقراطي لصاحبها خالد الطراولي وحركة العدالة و التنمية لصاحبها مراد الرويسي.
ائتلاف 23 أكتوبر الذي تشكل على أرضية الجدل الذي دار في تونس حول مسالة الهوية وكيفية التعبير عنها في الدستور وضم هذا التحالف في البداية حزب حركة النهضة والمؤتمر من اجل الجمهورية والإصلاح والتنمية وحركة الوحدة الشعبية وحركة البعث وحركة الشعب الوحدوية التقدمية قبيل عقد مؤتمرها، ولما خفت وهج الصراع من اجل الهوية، انسحب البعض من التحالف وأعاد البعض الآخر تشكيل التحالف في أفق الاستحقاقات السياسية ما بعد الانتخابات، وأصبح يضم أربعة أطراف هي: النهضة والمؤتمر والإصلاح والتنمية وحركة الوحدة الشعبية.
تحالف الأربعة الذي يضم كل من حزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب العمال الشيوعي التونسي وحركة الوطنيين الديمقراطيين وحزب الطليعة العربي الديمقراطي.
هذه تقريبا أهم التحالفات والجبهات السياسية التي تشكلت في الفترة التي سبقت انتخابات المجلس التأسيسي، التي أسقطت نتائجها عديد الحسابات والانتظارات من هذه التحالفات، إذ كانت على النحو التالي: حركة النهضة (90 مقعد) يليها حزب المؤتمر من اجل الجمهورية (30 مقعد) فالتكتل الديمقراطي (21 مقعد) فقائمة العريضة الشعبية (19 مقعد) ثم الحزب الديمقراطي التقدمي (17 مقعد) فحزب المبادرة والقطب الديمقراطي الحداثي وحزب آفاق تونس (5 مقاعد لكل واحد منهم) أما حزب العمال الشيوعي التونسي فحصل على (3 مقاعد) وتوزعت 12 مقعدا على المستقلين وبعض الأحزاب الصغيرة.
الآن وبعد أن أخذت حركة النهضة بزمام الأمور في تسيير الحكومة والتأثير على نقاشات المجلس الوطني التأسيسي باعتبار أغلبية المقاعد التي بحوزتها، رغم دخولها في تحالف ثلاثي يجمعها بحزبي المؤتمر والتكتل، وبعد أن بدأت بوادر المشروع اليميني تظهر في تونس من خلال تداخل الديني بالمؤسسات المدنية (الجامعات والكليات والوزارات وبعض الهيئات)، بدأت تتشكل في تونس عدة تحالفات سياسية جديدة على أرضية باتت اليوم واضحة وهو الوقوف أمام المد الديني لحركة النهضة والدفاع عن مدنية الدولة التونسية،فبعد أن أعلنت الأمينة العامة للحزب الديمقراطي التقدمي في تونس مية الجريبي عن دمج حزبها مع حزب آفاق تونس والحزب الجمهوري في إطار حزب موحد بمناسبة انعقاد المؤتمر المقبل للحزب الديمقراطي التقدمي أيام 17 و18 و19 مارس القادم والذي من المنتظر أن يكون هذا المؤتمر توحيديا بين هذه الأحزاب وباقي القوى الديمقراطية الوسطية الراغبة في الالتحاق بهذه المبادرة، وفي انتظار أن يتم الإعلان عن تكوين جبهة وطنية تقدمية تجمع كل القوى القومية الناصرية منها والبعثية المتمثلة في حركة الشعب وحركة الشعب الوحدوية التقدمية وحركة الوطنيين الديمقراطيين وحزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب الطليعة العربي الديمقراطي وحركة البعث، وفي إطار السعي المشترك للتقدّم في اتجاه تأسيس الحزب الديمقراطي الموحد الذي يجمع بين القوى والأحزاب الديمقراطية الوسطية من أجل خلق توازن جديد يعكس حقيقة موازين القوى السياسية والاجتماعية في البلاد، التقى وفدان من حركة التجديد ومن حزب العمل التونسي تركّبا من السادة عبد الجليل البدوي وماهر المظفّر ومحمد الأمين الزقلّي ومحمد بوحديدة عن حزب العمل التونسي ومن السادة محمود بن رمضان وحاتم الشعبوني وجنيدي عبد الجواد عن حركة التجديد وأمضى كل من عبد الجليل البدوي، المنسق العام لحزب العمل التونسي وجنيدي عبد الجواد، عضو أمانة حركة التجديد بيانا مشتركا بين الحركة والحزب يوم 16 جانفي 2012 أكدا فيه على الضرورة الملحّة لتجميع القوى الديمقراطية في إطار سياسي موحّد يتجاوز الأطر الحزبية الحالية ويكون قادرا على التأثير في مجرى الأمور وعلى تقديم البديل السياسي والاجتماعي المقنع الذي يستجيب فعلا لطموحات الفئات الواسعة من الشعب ولتطلعات الشباب ولمطالب الثورة في الحرية والعدالة الاجتماعية، ويفسح المجال للتداول السلمي والديمقراطي على السلطة.
مؤكدين في نفس البيان على أهمية عامل الوقت وعلى ضرورة الإسراع في عملية البناء المشترك، دون تسرّع أو ارتجال، حتى تتوفّر أسباب النجاح لهذا المسار التوحيدي على أساس مشاركة كل الأطراف المعنية بصفة فعلية وجديّة.
كما دعا الحزبان إلى بعث لجنة مشتركة ومفتوحة لكل الأطراف الوسطية المنخرطة في هذا المشروع الوطني التأسيسي، تكون مهمتها متابعة الأحداث والتطورات والاتصال بكل القوى الديمقراطية الموافقة على نفس التمشي والعمل على تركيز لجان عمل من الآن لتحضير المؤتمر التوحيدي في كنف التآلف والانسجام بين المسارات المختلفة.
وتوجهوا بنداء إلى كافة الإطارات والهياكل الجهوية لحركة التجديد ولحزب العمل التونسي للانخراط الجماعي في هذا التمشي البنّاء واتخاذ المبادرات اللاّزمة من أجل إنجاح هذا المسار التوحيدي، جهويا ووطنيا.
هذه تقريبا أهم التعبيرات الجبهوية التي تشكلت في تونس ما بعد انتخابات المجلس التأسيسي وهي تعبيرات قد تأتي ثمارها على عكس التحالفات الظرفية التي تشكلت قبل الانتخابات واتسمت في مجملها بنزعتها البراغماتية المتمثلة في الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد، في حين أن التحالفات الجديدة هي تحالفات إستراتيجية ذات عمق سياسي ورؤية بعيدة المدى تبرز جليا من خلال مبادرات الانصهار والاندماج بين أكثر من حزبين، رغم أنها تنطلق من اشتراكها في هاجس "الاسلاموفوبيا".
2012/01/02
صندوق الزكاة والتفقير المنظم
أذكر أني كتبت أكثر من مرة، تصريحا وتلميحا، في السنوات الماضية حول طبيعة صندوق التضامن (26 ــ 26) الذي خلقه النظام السابق، وأشرت أن هذا الصندوق لا يمثل إلا شكلا من أشكال تعميق التفاوت الطبقي بين أفراد الشعب التونسي باعتبار أن القاعدة التي اعتمدها هي بالأساس قاعدة اخلاقوية (رغم إن التضامن يبقى قيمة إنسانية كونية) غلفها سدنة النظام السابق بغلاف متين من الشعبوية الساذجة، التي صدقها، للأسف، أغلبية الشعب.
ولان غايته الأساسية هي تأبيد الفقر من خلال خلق وهم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، كان النظام السابق يمارس كل أشكال التعسف والابتزاز على العمال والموظفين من خلال اقتطاع مبالغ متفاوتة من الأجراء وصغار التجار والحرفيين بعنوان التضامن مع العائلات المعوزة وذوي الاحتياجات الخصوصية وتقليص التفاوت الجهوي، وبالمقابل كان النظام السابق يغدق على رؤوس الأموال كل الامتيازات بدءا من الإعفاءات الجبائية وصولا إلى التسهيلات الأمنية، حيث كان الجهاز الأمني في خدمة مصالح أصحاب المال بحمايتهم من جهة وحرمان أبسط بائع متجول من لقمة عيشه من جهة ثانية.
لقد كان النظام السابق يأخذ بكل بساطة من جيب المفقرين ليضع في جيب الأكثر فقرا بعض الملاليم وعلب الزيت والعجين والأغطية البالية لينتزع من الفئتين مزيدا من الخوف هنا والولاء الأعمى هناك، وها نحن اليوم، ورغم سقوط النظام السابق، ها أننا نجد أنفسنا مرة ثانية وجها لوجه أمام نظرية تأبيد الفقر ولكن بشكل أكثر سذاجة وبطريقة مفرطة في الشعبوية والاخلاقوية المقيتة، فها هو رئيس الحكومة المعينة، السيد حمادي جبالي، يستبدل اسم صندوق التضامن (26 ــ 26) بصندوق الزكاة؟؟؟ فليتهيأ كل موظف مشنوق بالقروض البنكية وليتهيأ كل أجير متعاقد بعقد عمل هش وكل حرفي أو تاجر صغير ليأتيه رئيس الشعبة، الذي صار رئيس مكتب محلي، ويطلب منه "ألف درهم لبيت مال المتضامنين ".
هل هي استمرارية الدولة والمؤسسات بمفهومها المدني أم هو استمرار لنهج النهب المنظم؟
إن الزكاة فريضة دينية يؤديها الإنسان المسلم لأخيه المسلم في إطار تعاليم الإسلام السمحة تحت رقابة الخالق وحده، غير أن المتكلمين باسم الإسلام اليوم، وهم يستوون على كراسي السلطة، يأخذون مكان خالقهم ويجعلون من هذه القيمة حلا سهلا لرتق عيوب النظام الاقتصادي القائم الذي جعل أفراد هذا الشعب متسولين بامتياز، وربما الخطورة الأشد على تخريب المنظومة المدنية أن مثل هذا الصندوق، صندوق الزكاة، ليس إلا مدخلا منظما لا للاستيلاء على ملاليم الفقراء فقط بل للاستيلاء على حريتهم الفردية ومصادرة اختيار علاقتهم بخالقهم، تلك التي جعلها هو اختيارا لا إكراه فيه، ومن تجرأ اليوم على مثل هذه الخطوة لن يتوانى عن مواصلة السير في هذا السبيل، ولن نستغرب أن تحول الدولة مؤسساتها المدنية الواحدة تلو الأخرى إلى مؤسسات للنهي عن المنكر والأمر بالمعروف ومؤسسات للأوقاف وأخرى للمظالم ومحاكم تفتيش.
هذه أولى الثمار المؤساساتية لثورة تونس، تلك التي سالت لأجلها جداول الدماء وامتلأت لأجلها غرف المستشفيات وتناسلت فوق أرضها الثكالى واليتامى.
2011/12/22
هدنة الرئيس المؤقت والشعبوية المفرطة
وبغض النظر عن التفسير اللغوي لمصطلح "الهدنة" (الذي يُناقض تماما التفسير الشائع، ذلك أن من بين تفاسير ابن منظور في لسان العرب لهذا المصطلح ما يفيد عدم إيفاء شخص ما بوعد قطعه على نفسه) بغض النظر عن هذا التفسير، وفي سياق الفهم الشائع والمتداول لمفردة "هدنة" في علاقتها بحالتي الحرب والسلم، فإن السؤال البديهي الذي يمكن طرحه على السيد الرئيس المؤقت هو لمن تتوجهون بطلبكم هذا تحديدا؟ هل تطلبون هدنة ممن يُعلن الحرب منذ عقود ويواصل بطولاته إلى اليوم؟ أم تطلبونها ممن اكتوى بنار الحرب منذ عقود ولا يزال إلى اليوم يتلظى بلهيبها؟.
اعلم أيها الرئيس المؤقت والمثقف والحقوقي أن هذا الشعب الذي بت تُطل عليه من ربوة قرطاج منقسم إلى طبقتين لا يلتقيان أبدا إلا لماما فوق الأوراق بين بعض السطور المرتبكة والمترددة أمام مصطلح "الطبقة" وفي تسمية الأسماء بمسمياتها...
اعلم أيها الرئيس أن هناك طبقة أولى ضئيلة العدد استأثرت بثروة البلد وكسرت عنق قانون البلد وصيرت كل ما فوق أرضه وتحتها قابلا للبيع والشراء، بما في ذلك "المواطن" الذي حولوه إلى سلعة في علب بعقود فاقدة للصلوحية. وهناك طبقة ثانية وفيرة العدد فاقدة لكل سند مشنوقة إلى الأبد بقروض قوانين هذا البلد، فممن تطلب الهدنة يا ابن البلد؟
عمال مسحوقون بهمومهم وموظفون مكبلون بقروضهم ولا شيء موزع بالعدل بينهم سوى وهم السعادة... تراهم بالملايين يتراصون في الحافلات الصفراء ويتدافعون في المستشفيات والمدارس ويتقاسمون غرف النوم الضيقة ورغيف الخبز اليابس، ويتناوبون على مغازلة أحلامهم البسيطة...
وهناك على الضفة المقابلة حيث تنتصب الواجهات البلورية يجلس بضع مئات من هذا الشعب مصابون بتخمة تكديس المليارات يوزعون وقتهم في التنقل بين غرف قصورهم وفي الجلوس على مقاعد الدرجة الأولى من الطائرات المتجهة إلى عواصم العالم هم وأبنائهم متسربلين بأفخم أنواع العطور... ماداموا معفون من دفع كل الأداءات الضريبية للدولة، التي استفردت بالمواطن المستضعف وأشبعته نهبا مقننا لملاليمه المعدودة، وها هي لا تتورع بكل صفاقة في مواصلة إيلامه اليوم بما تطلبه من جيبه المثقوب باسم الوطن والوطنية؟؟؟ فعلى من يجوز طلبك أيها الرئيس المؤقت؟ هل تطلب هدنتك من الموظف والعامل البسيط الذي تقتطعون كل أشكال الضرائب من أجرته الهزيلة غصبا عنه دون أن يتمتع بأدنى شروط المواطنة فوق هذه الأرض؟ أم تطلبون هدنة ممن منحتهم الدولة مفاتيح خزائنها وكدست فوق مكاتب شركاتهم ومصانعهم كل أنواع القوانين الضاربة لأبسط الحقوق وهاهي تواصل غيها مع ملح هذه الأرض ورائحتها وتعلن ولائها التام لرؤوس الأموال؟
أيها الرئيس، كف عن الإفراط في الخطابات والقرارات الشعبوية، وتذكر أن لك رصيدا من الفكر والثقافة والنضال لا يترك لك مجالا إلا لتحترم نفسك وموقعك وبالتالي مواقفك، وفي الآن نفسه أن تحترم ذكاء هذا الشعب...
2011/12/15
الاعتصامات ونصف الكأس الفارغة
ومعلوم أن كل التحركات الاجتماعية التي كانت تُخاض في السابق يقع ضربها من لَدٌنِ السلطة الحاكمة بإعانة الإدارة وطبعا الأعراف من خلال منظمتهم، إلى جانب التعتيم الإعلامي عن كل الاحتجاجات والصرخات المكتومة من الطبقة الشغيلة، إذ لا يسمع المواطن في وسائل الإعلام إلا عن المؤشرات الايجابية للاقتصاد التونسي بفضل حنكة " السياسة الرشيدة لصانع التغيير" وظل المجتمع التونسي لا يرى من وضعه الاقتصادي والاجتماعي إلا النصف المملوءة من الكأس، حتى عصفت الثورة التونسية بالمكتسبات الوهمية والانجازات الخيالية التي وُصفت فيما مضى بالمعجزة الاقتصادية، لنجد أنفسنا وجها لوجه مع الحقيقة المرة والصورة البشعة لدولة بلغت أسوأ الأنظمة الاقتصادية إرضاء لنزعات الأسواق العالمية وصندوق النقد الدولي على حساب الحد الأدنى لمواطنيها.
إذِ اندلق اليوم النصف المملوء بالماء من الكأس ولم يبق منه غير النصف الفارغة، النصف الذي أظهر البؤس الحقيقي لهذا الشعب المسكين الغارق نصفه في سداد القروض الإجبارية والمستميت نصفه الثاني في الفقر المدقع، ومع ذلك وأمام هذه الحقيقة ظلت الحكومة السابقة تتحدث عن الدور التاريخي للإدارة في منح الأجور وفي صمود الاقتصاد التونسي إبان الثورة وبعدها ولم يتجرأ سياسي واحد على الإصداع بهذه الحقيقة رغم أن كل البرامج التلفزية التي اكتشفت مغاور المواطنين ووديان شربهم والمزابل التي كانوا يأكلون منها كانت أبلغ الرسائل للوقوف على بشاعة الحياة فوق أرض من سراب ووهم...
اليوم، تتواصل الحملات المسعورة من قبل السياسيين بإيعاز طبعا من الرأسماليين وشق واسع من وسائل الإعلام لإدانة الاعتصامات العمالية واتهام الطبقة الشغيلة بتعطيل حركة الاقتصاد والتشويش على المسار الديمقراطي والزج بالبلاد في الهاوية (وكأنها كانت في القمة!).
تتواصل إدانة الجوعى والمعطلين عن العمل وكأنهم المسؤولون عن اختلال الخارطة الاجتماعية والاقتصادية، ويُتهمون بإسقاط المؤسسات الاقتصادية وكأنهم هم الذين يكدسون المليارات ويبنون القصور ويركبون أفضل السيارات ويسافرون إلى أصقاع الدنيا للاستجمام؟
هناك صورة بسيطة دائما ما تقفز إلى مخيلتي، تلك التي نرى فيها أكداس الأكل والغلال واللحوم والأسماك يلقيها عمال النزل السياحية كل مساء للكلاب السائبة أمام النزل، وبالمقابل نجد في ذات النزل المراقبين المكلفين بتتبع ورصد أي محاولة لذاك العامل أو تلك المنظفة وهي تقضم تفاحة أو برتقالة من مطعم النزل... فهذه الصورة لم يتغير من تفاصيلها الكثير بعد الثورة...
هذا فيما يخص الاعتصامات الاجتماعية، أما فيما يتعلق بالاعتصامات السياسية فيبدو أن بن علي لم يغادر البلاد يوم 14 جانفي، ذلك أن اليوم طلع علينا من يشبه اعتصام باردو مثلا بريح السموم بل إن نائبا بالمجلس التأسيسي عن "كتلة الأغلبية!" وصف المعتصمين بالحثالة! (لا أجد أي كلمة لتفسير أو قراءة مثل هذه المواقف خاصة إذا علمنا أن من يطلقها هو من كان يرفع شعارات الديمقراطية وحرية التعبير؟) وكعادة النظام القديم تجندت كل وسائل الإعلام لتشويه صورة اعتصام باردو وإخراج المعتصمين في لَبٌوس المارقين أو الشرذمة الضالة التي لا تعمل إلا على تنغيص حياة التونسيين (وأي حياة هي!؟) وهذا طبعا يدخل في باب الشعار الذي التصق بالتونسي أكثر من التصاق جلدته بعظمه ونعني به شعار "يٌنصر من صبح" حتى ولو كان هذا الذي أصبح سيكون أبشع من سابقيه...
لا أظن أني أحرض من خلال هذه الكلمات على الاعتصامات والاضرابات ولكن أريد فقط أن ألفت النظر إلى ضرورة قراءة الأحداث بقليل من الموضوعية وبكثير من الإنسانية على الأقل في جانبها الاجتماعي وبكثير من الديمقراطية في جانبها السياسي.
2011/12/13
النهضة و"الهندي المقشر"

هناك مثل شعبي سيار تتناقله الألسن التونسية يقول نصه "يحب ياكل الهندي المقشر بيد غيرو" وأعتقد أن هذا المثل المثقل بالدلالات ينسحب تماما على حزب/حركة النهضة (الاتجاه الإسلامي سابقا) في علاقته (ها) بطرفي الائتلاف الثلاثي الأغلبي في المجلس التأسيسي واعني بهما حزب التكتل من أجل العمل والحريات وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية.
ويكمن وجه الشبه بين حركة النهضة والمثل الشعبي في أن النهم اللامشروط لأكل "الهندي المقشر" هو تلك التخمة التي أصيبت بها الحركة بعد أن استأثرت بالعدد الأكبر من مقاعد المجلس التأسيسي الوطني، ذلك أن ما قُدم لها من حظوظ وافرة لهذا الفوز الساحق، وان كان يعود فيما يعود اليه من دعم أمريكي وخليجي واضح، هو أيضا يعود بالأساس إلى تاريخ غير بعيد من تاريخ النضال السياسي في تونس الحديثة واعني به تحالف 18 أكتوبر من أجل الدفاع عن الحريات العامة (حريّة التعبير والصحافة، حريّة التنظم الحزبيّ والجمعويّ، وتحرير المساجين السياسيين وسنّ قانون العفو العامّ) وقد تزامن تشكل التحالف مع القمة العالمية لمجتمع المعلومات سنة 2005 بين أحزاب وشخصيات يسارية ويمينية، حتى لا نقول علمانية وإسلامية، وهذه المحطة النضالية منحت شقا واسعا من الاتجاه الإسلامي فرصة هامة للتشكل من جديد ة والظهور على الساحة السياسية كطرف فاعل.
طبق الثمار (الهندي المقشر) الذي "غطست" فيه حركة النهضة بدأ يفيض أيضا أثناء الحملة الانتخابية للمجلس التأسيسي من خلال استثمار كل النقاط السلبية للحركة التقدمية في تونس ودحرجة كرة الثلج حتى تكبر بين الناخبات والناخبين من خلال العودة إلى لعبة الكفر والإيمان، حيث علق كل الشوك بالمناضلين والأحزاب التقدمية ولهفت حركة النهضة الثمرة مستعينة في ذلك "بقوتها التعبوية" وتجييش المشاعر لا أكثر ولا أقل من خلال التصريحات الإعلامية وتوظيف الفضاءات الدينية وممارسة الترهيب من قِبَلِ أنصارها المنتمين إلى حزب آخر تتبرأ منه في العلن وتخطط معه في السر...
وليمة "الهندي المقشر" المنصوبة أمام حركة النهضة تتواصل اليوم في إطار التحالف الثلاثي بينها وبين التكتل والمؤتمر، فالمنطق يفترض أن الإرث الديمقراطي والتقدمي من خلال الايدولوجيا والبرامج والممارسة لكل من حزب بن جعفر وحزب المرزوقي والتكتيك السياسي (على الأقل) يقول بأن النهضة هي في حاجة أكيدة إلى الحزبين الآخرين غير أن العكس هو الظاهر للعيان، ولعل في تصريح المرزوقي إبان الحملة الانتخابية عندما طالب الناخبين بالتصويت إما للنهضة أو له أو لحزب العمال الشيوعي خير دليل على هذا التناقض الصارخ، أو هذا الوضع الذي يحلو لي أن أشبهه بطبق "عجة بالشكلاطة"... وهو نفس التناقض الذي يتواصل اليوم، إذ لا نعثر على موقف سياسي واضح من التكتل أو المؤتمر إزاء "الهيجان" السياسي الذي دخلت فيه حركة النهضة بمساندة جميع حلفائها، وهذا يبدو أمرا مبررا خاصة عندما نلاحظ بشكل جلي تحالف اليمين الصاعد مع رأس المال الجشع لضرب كل نفس حقوقي أو نقابي أو تقدمي سيتحرك ضد منظومة الفساد السابقة (القضاء، الأمن، الإعلام...) وضد منظومة الاستبداد الجديدة (مشروع قانون توزيع السلطات العمومية مثلا).
قد يكون هذا الكلام العابر مغرقا في السطحية والبساطة، أو هو شبيه بلوحة كاريكاتورية، ولكن اعتقد أنه الأقرب إلى ذهن المواطن البسيط الذي منح صوته وهو يحلم بشربة من ماء "زمزم" غير أنه ما زال يكرع من ماء البركة و"القلتة" والوادي...
فهل سنواصل تقشير الهندي لصالح من سيؤبد جلباب الشوك والحسك؟
وهل سيأتي اليوم الذي سنخرج فيه من "الطابية" لندخل إلى المدنية؟
2011/12/07
ذاكرة الجماعة/السلطة
وإن كنا نمتلك القدرة على الاحتفاظ بصُوَر ولغة الذاكرة الشخصية، فإنَّ ذاكرة الجَمَاعَة تفلتُ من عُقَالنَا وتنسحب بلطف وبلين من كل قيد نحاول أن "نعتقل" به الأفكار والصور والأحداث واللغة في داخلنا، فهناك جهاز متماسك يقف بالمرصاد لمخزون ذاكرتنا ويتحكم في رصيدها إن ترسيخا أو إتلافا، هذا الجهاز هو ما قيل أننا اصطلحنا عليه "جميعا" بالدولة أو السلطة وخضعنا أو أُرغمنَا على الخُضوع لآلياته طواعية.
هذا الجهاز المُنتشر كالإله في كل مكان وفي كل زمان، يُتلف مسودَّاتنا القديمة ويمنحنا أوراقا بيضاء جديدة لنعيد الكرّة في كل مرّة، ومع كل مرة نتهم ذاكرتنا الفردية بالخَرَف والتَّرَهُّل ونجدد "ثقتنا" في ذاكرة الجماعة... ذاكرة السلطة.
نرمي في سلة الأيام ما نشاهده بأعيننا وما نلمسه بأيدينا مثلما نلقي الصحون والأكواب البلاستيكية في سلة المهملات... نُتلفُ تفاصيلنا ونجري كالأطفال فرحين بما تزفُّه لنا ذاكرة الجماعة/السلطة من أحداث وأخبار وصور ولغة فنصدقها تماما، ونتبناها دون تردد لأن "الجماعة" شاهدتها في تلفزة السلطة، أو قرأتها في صحف السلطة، أو سمعتها في إذاعة السلطة...
فمن منا يمتلك الجرأة على تكذيب ما يجمع عليه الجماعة؟ ومن منا قادر على تصديق ذاكرته وتكذيب ذاكرة السلطة؟
يَذكُر جاك داريدا في كتابه "حمّى الأرشيف الفرويدي" أن كلمة أرشيف "Arkhe" هي اسم يُفيد معنى البَدء "Commencement" ومعنى الأمر "Commandement" في آن، ومن هذه الإحالة يمكننا التأكد أن "الذات" كلما تَجَاسرت وحاولت "البدء" في تنظيم وترتيب أدراج ذاكرتها الفردية يأتيها "الأمر" من السلطة أن كُفي عن ذلك وامتثلي لذاكرة الجماعة، للذاكرة التي ارسم أنا حدودها واضبط سياستها.
إن السلطة لا تملك المؤسسات والإدارات والمصانع والدبابات والأدوية والطرقات والجسور... مثلما نتوهم ذلك، إنها تملك ذاكرة كل فرد منا، تلك التي تمر بها مختلف سلوكاتنا وقراراتنا المعرفية، النفسية، الاجتماعية أو الحركية... الذاكرة التي تمر بها عملية الإدراك، والتعلم والتفكير والحب وحل المشكلات والتكلم... "مخزننا" الحميمي لأحاسيسنا وانطباعاتنا وتجاربنا الحياتية التي نكتسبها من تفاعلنا مع العالم الخارجي ومع الآخر المختلف.
فمثلا لو حاول أحدنا أن يسترجع بداية تدرُّبَه على المشي لفشلَ في ذلك وستخذله ذاكرته الفردية في استحضار أهم لحظة في حياته، وفي المقابل فان ذاكرة الجماعة/السلطة تمنحنا مباشرة ذكرى أول اصطفاف في المدرسة... مثلما لن تفلح ذاكرتنا الفردية في استحضار حرارة حليب أمهاتنا في الوقت الذي تجعلنا ذاكرة الجماعة/السلطة لا نختلف حول ماركة علبة الحليب التي نشاهدها يوميا في الإشهار...
كذلك ذاكرتنا الفردية قد تكابد لتسترجع بعضا من تفاصيل أول قصة حب مراهقة، في حين تمنحنا ذاكرة الجماعة/السلطة أدق جزئيات علاقتنا الزوجية باعتبارها علاقة رسمية تخضع لنواميس المؤسسة المجتمعية... مثلما لا تتأخر ذاكرة الجماعة/السلطة في تفعيل ذاكرتنا من خلال موعد أخبار الساعة الثامنة وتحرمنا من استعادة أول الأفلام الكرتونية التي شاهدناها في طفولتنا...
ذاكرتنا الفردية غالبا ما تخذلنا عندما نرغب في استحضار فكرة ما من كتاب تعلقنا بتفاصيله، ولكن ذاكرة الجماعة/السلطة لا تبخل علينا بتذكر عناوين الكتب التي "أمرت" بنشرها في واجهات المكتبات وأدرجتها في برامج الدراسة الرسمية... وتفشل ذاكرتنا اليوم في تذكر رسوم "الغرافيتي" الثورية على جدران القصبة وفي شارع الحبيب بورقيبة وعلى جدران الإدارات والمؤسسات، تفشل ذاكرتنا لأن ذاكرة الجماعة/السلطة تدججنا بصور سيدي بوسعيد والملابس التقليدية....
ذاكرتهُ تخشى أن تتذكر أول مرة داعبت فيها شفرة الحلاقة ذقنه تاركة خدوش الارتباك والخوف من افتضاح أمره أمام والده، وذاكرتها تخشى أن تتذكر أول مرة لاعبت أصابعها ضفيرة شعرها المجدولة... ذاكرته تخشى أن تتذكر ذلك لأن ذاكرة الجماعة أطالت لحيتها، وذاكرتها تأبى أن تتذكر ضفيرتها لأن ذاكرة الجماعة ألقت حجابا أسودا بين شعرها والريح...
ذاكرة الجماعة/السلطة، تقدم لنا طقوسا "مقدسة" لموتنا الفردي، وتمنحنا "خيالا" جماعيا مُعدّا سلفا لطريقة دفن جثثنا الهامدة. إنها "تُبدع" في تذكير ذاكرتنا بعذاب القبر وأهواله وتؤلف في ذلك الكتب وتوزعها في الأسواق، وتسجل الأقراص الليزرية وتبيعها للناس، وتنتج برامج تلفزية يقدمها الأوصياء الدائمون على الذاكرة الفردية، الناطقون باسم ذاكرة الجماعة... إنها تفعل كل شيء وكأنها ستموت عوضا عنا وتُقبر مكاننا... أو كأنها تُبدي "تعاطفها" مع مواطنيها الأموات (وهل كانوا أحياء حتى يموتوا!!!)... إنها تستولي على أرضنا باسم سمائها... وتجعل كل فرد منا يردد مع تلميذ نيتشة، جول دي غولتييه، ما قله في كتابه (البوفارية) " الأنا، الأنا الذي ما هو إلا محض عنوان عام، محض تمثل مجرد، كالحاضرة أو الدولة، مأخوذ هنا على انه كائن محبو بوحدة فعلية".
إن ذاكرة الجماعة، أي ذاكرة السلطة، تلوي عنق الذاكرة الفردية وتطويها بإتقان متناه ثم تضعها تحت إبطها لتصنع منها ذاكرة "مُنضبطة"، "مُطيعة"، "وَديعة"، "مُسالمة" و"خَاضعة" بشكل "وَاع"... ذاكرة لا تُدون يومياتها إلا تحت رقابة السلطة، ولا تستحضر تفاصيلها إلا بأمر الجماعة... ذاكرة "Jetable" قابلة للإتلاف والتلف و"التتليف" متى أرادت ذلك ذاكرة الجماعة/السلطة... وهي دائما ما ترغب في ممارسة سلطتها "الناعمة" باسم "الجماعة" أكانت سياسية/اقتصادية أو دينية/أخلاقية.
2011/11/28
مليون خضراء اليوم تعيش

كما لا يمكن أن ينكر أحدٌ أنّ هذا النظام الصارم خلق مناضلين ومناضلات أشاوس، تمرّسوا على اعلان مواقفهم الرافضة لسياسة صانع التغيير في الساحات الجامعيّة وفي بطحاء محمد علي وفي مقرّات الأحزاب والمنظمات والجمعيات المدنيّة والحقوقية وكان المواطن البسيط عندما يشاهد أحد المناضلين أو احدى المناضلات تنقد النظام على شاشات التلفزات الأجنبية وفي بعض الصحف الحزبيّة، كان ذاك المواطن البسيط في بيته وأمام تلفازه يخاف على مصير المتكلّم أو المتكلّمة، وهو ما عزّز منسوب الخوف لدى أغلب المواطنين، حتّى أنّ الأولياء لا يتورّعون في مفتتح السنة الجامعيّة عن تنبيه بناتهم وأبنائهم من مغبّة الانتماء إلى اتحاد الطلبة مثلا أو الحديث في السياسة!
اليوم وبعد ثورة 17 ديسمبر 2010 أو 14 جانفي 2011، أطلقت كلّ الحناجر، بما فيها حناجر الأمن، كلمة السّر (Dégage) تلك التي أربكت النظام المنهار وصارت مفتاحًا سحريّا لعدّة شعوب أخرى، كنّا نخالها عربيّة فقط ولكنّها تجاوزت المحيطات وبلغت أرض العم سام...
اليوم صارت كلمة السّر بحوزة مئات الآلاف، بل لنقل دون مبالغة بحوزة ملايين من الشعب التونسي، وهذا ما يعني أنّ عدد المعارضة سيتضاعف عدّة مرّات ولن تظلّ المعارضة مقصورة على بعض الأسماء أو بعض الأحزاب أو بعض المنظمات الحقوقية والنقابيّة. انّها تتوزّع اليوم بين الطرقات والأزقة، في كلّ المدن والقرى، في بيوت الفقراء والأغنياء على حدّ السواء...
واليوم المعارضة صار لها فضاء اعلامي وطني مفتوح بشكل نسبيّ على كلّ الأصوات وكلّ الآراء، اليوم، وبكلّ تفاؤل يمكنني أن أقول إنّ أغنية البحث الموسيقي »لو النّدى« تلك التي تقول فيها آمال الحمروني »مليون خضراء اليوم تعيش / تحت السياط ما تنحنيش« يمكنني أن أقول بأنّها صارت حقيقة تمشي معنا فوق الأرصفة وتركب معنا الحافلة الصفراء والمترو الأخضر وتنهض مع العمّال والعاملات.. وتدخل فصول المدارس ومدارج الجامعات والكليات...
بل انّها وجدت لها مكانًا في وزارة الداخليّة... اليوم، وقد فازت حركة النهضة بنسبة عالية في انتخابات المجلس التأسيسي، ولو فاز مثلا حزب آخر، من اليسار أو القوميين أو الديمقراطيين أو الحداثيين، ولو فاز مثلا المستقلون فإنّ هذا الفوز لا يعني عودة الاستبداد مجدّدًا ولا يعني أيضا أنّ الفائز سيصير هو الحاكم بأمره كما فعل النظام السابق، اليوم كلّ العيون متوثبة وكلّ الأقلام والأصوات مستعدّة لكلمة Dégage.
ف مليون خضرا اليوم تعيش / تحت السياط ماتنحنيش.. / واحنا سندها
لان اليوم، ليس كيوم 7 نوفمبر عندما وضع بن علي الجميع تحت معطفه باسم الميثاق الوطني.. وبقية الحكاية يذكرها التاريخ... اليوم هناك شعب كسر حاجز الخوف وطلَّق الصمت...
2011/11/13
أعلن دينك وسندافع عنك

يستخدم المجتمع المدني عادة كمفهوم وصفي لتقييم التوازن بين سلطة الدولة من جهة، والهيئات والتجمعات الخاصة من جهة أخرى، وهو يتميز عن الدولة بوصفه مجالاً لعمل الجمعيات التطوعية والاتحادات مثل النوادي الرياضية وجمعيات رجال الأعمال جمعيات حقوق الانسان، واتحادات العمال وغيرها...
انه يتكون مما أطلق عليه إدموند بيرك "الأسرة الكبيرة".
ففي المدرسة اليونانية استخدم مفهوم المجتمع المدني كمرادف للمجتمع الجيد أو الرشيد، اذ رأى سقراط أن الحوار الاجتماعي عن طريق الجدل هو حاسم من أجل تأكيد التمدن في المجتمع. في حين ركز كارل ماركس على أن المجتمع المدني يشكل القاعدة التحتية لقوى الإنتاج والعلاقات الاجتماعية، وهي التي تهيمن عليها الطبقة السائدة اقتصاديا وإيديولوجيا أي الطبقة الرأسمالية. ثم نجد توماس هوبز وجون لوك مثلا، يطرحان نظريات للحكم وإدارة المجتمع انطلاقا من المنطلق الإنساني المجرد من أية تقييدات فكرية أو دينية.
وقد أدخل انطونيو غرامشي قطيعة في المضمون الدلالي لمفهوم المجتمع المدني، باعتباره فضاء للتنافس الإيديولوجي. فإذا كان المجتمع السياسي حيزا للسيطرة بواسطة سلطة الدولة، فإن المجتمع المدني فضاء للهيمنة الثقافية والإيديولوجية، ووظيفة الهيمنة هي وظيفة توجيهية للسلطة الرمزية التي تمارس بواسطة التنظيمات التي تدّعي أنها خاصة.
وبالرغم من الاختلافات، فإن نظرية العقد الاجتماعي بالنسبة لمفكري العصر التنويري ترى أن الدولة والحكم هما نتاج اختيار منطقي من قبل المجتمع لطريقة الحكم، ولا تستمد حكمها أو صلاحياتها من الآلهة أو الأديان أو شيء آخر فوق الإرادة الحرة للبشر.
غير ان هناك فرق شاسع بين النية في بناء مجتمع مدني متماسك، وبين استعمال الجمعيات والمنظمات وسيلة لبناء مجتمع نمطي، وهناك فرق بين أن نطرح شعار المجتمع المدني، تكتيكيّاً، بغية حجز مساحة سياسيّة تؤمّن لنا إمكانية ممارسة طموح معين، وبين أن يكون هذا الشعار غاية وهدفاً وتصوّراً لمرحلة تاريخية مُنتظرة...
إن السرد السابق لتطور مفهوم المجتمع المدني ليس الا مدخلا للوقوف اليوم على ما قد "يتهدد" مجتمعنا المدني التونسي من مد مدروس لعدد غير قليل من بعض الجمعيات والمنظمات التي تقدم نفسها في جبة "المدنية" و"الحقوق الكونية" والدفاع عن "المواطن" مهما كان جنسه أو دينه أو لونه، غير ان نظرة بسيطة لعناوين بعض هذه الجمعيات والمنظمات سنكتشف بكل يسر انها تدور في فلك ضيق وافقها واضح المعالم لا يقبل الاخر المختلف، ذلك اننا نطالع اليوم مثلا لجنة للدفاع عن حجاب المرأة في تونس (لا المرأة التونسية)، وهيئة عالمية لنصرة الإسلام في تونس (كأنه كان مهزوما في السابق)، وجمعية للشباب المسلم (لا الشباب التونسي) وجمعية تونسية لأئمة المساجد ، وجمعية تونسية للعلوم الشرعية، وجمعية للمنبر الإسلامي، وجمعية للخطابة والعلوم الشرعية......
إن هذه المنظمات والجمعيات الدينية، المتسترة بغطاء المدنية تهدد وحدة وتنوع المجتمع التونسي باعتبارها تشتغل بمنطق تمييزي على أساس الدين، إذ يبدو أنها لا تدافع إلا عن من أعلن إسلامه!!! كما أننا لم نسمع بها تحركت ضد غلاء المعيشة مثلا أو الترفيع في الأجور أو أمضت على عرائض تدين انتهاك الحريات العامة...
قد نجد تفسيرا ما أو تبريرا لهذا البزوغ المدني/ الديني، ولكن الأكيد أن السهام المصبوبة اليوم على الأحزاب السياسية الدينية والخوف المتزايد من انقضاضها على الديمقراطية المفترضة قد تصيبها في "مقتل"، ولكن الثابت ان انتشار مثل هذه المنظمات والجمعيات وتغلغلها في المجتمع التونسي ستنسف كل بارقة امل في تفادي الدخول في استبداد جديد... خاصة أنها تشتغل على المدى البعيد...







